الأحد 28 جماد ثاني 1433
((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الصادق (عليه السلام) مَن ماتَ وليسَ عليهِ إمامٌ حيٌ ظاهرٌ ماتَ مِيتَةً جاهلّيةً  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الصادق (عليه السلام ) نحنُ أصلُ كلِّ خيرٍ ، ومِن فروعِنا كُلُ بِرًّ  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الصادق (عليه السلام ) نحنُ أصلُ كلِّ خيرٍ ، ومِن فروعِنا كُلُ بِرًّ  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الصادق (عليه السلام) مَن ماتَ وليسَ عليهِ إمامٌ حيٌ ظاهرٌ ماتَ مِيتَةً جاهلّيةً  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الرضا (عليه السلام) إن الإمامةَ أسُّ الإسلامِ النامي وفرعُهُ السامي  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الباقر (عليه السلام ) حُبُّنا أهل البيتِ نظامُ الدِّين   ((رسالة النجف الاشرف))قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الإمامة نِظامُ الأمة   ((رسالة النجف الاشرف))قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الإمامة نِظامُ الأمة   ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الباقر (عليه السلام ) حُبُّنا أهل البيتِ نظامُ الدِّين   ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الرضا (عليه السلام) إن الإمامةَ أسُّ الإسلامِ النامي وفرعُهُ السامي  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الصادق (عليه السلام) مَن ماتَ وليسَ عليهِ إمامٌ حيٌ ظاهرٌ ماتَ مِيتَةً جاهلّيةً  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الصادق (عليه السلام ) نحنُ أصلُ كلِّ خيرٍ ، ومِن فروعِنا كُلُ بِرًّ  ((رسالة النجف الاشرف))قال الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم): أفضل الاعمال العلم بالله . إن العلم ينفعك معه قليل العمل وكثيره، وإن الجهل لا ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي(عليه السلام): ما يسرني لومت طفلا وأدخلت الجنة ولم أكبر فأعرف ربي عزّ وجل.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي (عليه السلام): أعلم النّاس بالله أكثرهم له مسألة.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي (عليه السلام): ينبغي لمن عرف الله سبحانه أن لا يخلو قلبُهُ من رجاءه وخوفه.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم): إن الله خلق يوم خلق السموات والارض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والارض. فجعل منها في الارض رحمة. فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض وأخر تسعا وتسعين فإذا كان يوم القيامة أكملها به  ((رسالة النجف الاشرف))قال الرسول الاكرم(صلى الله عليه واله وسلم): من اطاع الله عزّ وجلّ فقد ذكر الله وإن قلت صلاتُهُ وصيامُهُ وتلاوتُهُ للقرآن  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي (عليه السلام): الذكر يؤنس اللب ويستزِلُ الرحمة  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي (عليه السلام): أُذكروا الله ذكرا خالصا تحيوا به أفضل الحياة، وتسلكوا به طُرُق النّجاة  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام السجاد (عليه السلام): إن قسوة البطنة وفترة الميلة وسُكر الشبع وعزّة المُلك مما يثبّط ويُبطيءُ عن العمل وينسي الذّكر  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام الصادق (عليه السلام): أوحى الله عزّ وجل الى موسى (عليه السلام)، لا تنسني على كل حال،ولا تفرح بكثرة المال، فإن نسياني يُقسي القلوب، ومع كثرة المال كثرةُ الذنوب  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي (عليه السلام) طوبى لمن أخلص لله عملهُ وحبهُ وبغضهُ، وأخذهُ وتركهُ، وكلامه وصمتهُ، وفعلهُ وقوله.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي (عليه السلام) من أصلح فيما بينهُ وبين الله أصلح اللهُ فيما بينهُ وبين الناس.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي(عليه السلام) إن العبد إذا اراد أن يقرأ، أو يعمل عملاً فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم فإنه يباركُ له فيه.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم) من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم) ليس من عبد يظنُ بالله خيراً إلا كان عند ظنه به.  ((رسالة النجف الاشرف))عن موسى بن جعفر عليه السلام قال: من صام يوماً من رجب تباعدت عنه النار مسير سنة ومن صام ثلاثة أيام وجبت له الجنة  ((رسالة النجف الاشرف))قال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) من أُذِلَ عنده مؤمِن وهو يقدرُ على أن ينصرهُ أذلهُ الله يوم القيامةِ على رؤوسِ الأشهاد   ((رسالة النجف الاشرف))وقال الصادق (عليه السلام) الغيبةُ حرام على كل مُسلِم ، وإنها لتأكل الحسناتَ كما تأكُل النارُ الحطب  ((رسالة النجف الاشرف))قال أبو عبد الله (عليه السلام) من روى على مؤمِن روايةً يريدُ بها شينه وهدِم مروّته ليسقُطَ في أعينِ الناس أخرجهُ الله من ولايتهِ إلى ولاية الشيطان فلا يقبلهُ الشيطان   ((رسالة النجف الاشرف))قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) إياكُم والغيبةَ فإن الغيبةَ اشدُ من الزِنا ، فإن الرجلَ قد يزني فيتوبُ فيتوبَ اللهُ عليهِ ، وإن صاحِبَ الغيبةَ لا يُغفر لهُ حتى يغفرَ لهُ صاحِبهُ   ((رسالة النجف الاشرف))قال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تحاسدّوا ، ولا تباغضوا ، ولا يغتب بعضُكّم بَعضا ، وكونوا عبادَ اللهِ إخوانا  ((رسالة النجف الاشرف))قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه والغيبة تناول العرض  ((رسالة النجف الاشرف))قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه  ((رسالة النجف الاشرف))سؤل الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن أفضل الأعمال يوم الجمعة فقال : لا اعلم عملا أفضل من الصلاة على محمد وال محمد ز  ((رسالة النجف الاشرف))روي عن النبي (صلى الله عليه واله ) انه قال : من قال اللهم صل على محمد وال محمد أعطاه الله اجر اثنين وسبعين شهيدا وخرج من ذنوبه كيوم ولدته امه .  ((رسالة النجف الاشرف))قال رسول الله (صلى الله عليه واله ) رأيت رجلا في المنام من أمتي على الصراط يرجف أحيانا ويحبوا أحيانا فجاءته صلاته علي وأقامته على قدميه حتى مضى على الصراط .  ((رسالة النجف الاشرف))روي عن الإمام الصادق (عليه السلام ) عن آبائه عن النبي ( صلى الله عليه واله ) قال : ارفعوا أصواتكم بالصلاة علي فإنها تذهب بالنفاق .  ((رسالة النجف الاشرف))عن كتاب جامع الأخبار عن رسول الله (صلى الله عليه واله ) انه قال : من صلى علي مرة فتح الله عليه بابا من العافية . 
الزيارة بالانابة

لتسجيل اسمك بالزيارة نيابة

ادخل هنا

حالة الطقس في
النجف
29  32°
المتواجدون الان

عدد الزوار الحالى 8
عدد الزوار اليوم 2722
عدد الزوار الكلى 1484695
عدد الزوار الشهر الماضى 101753
عدد الزوار العام الماضى 720354

الموسوعة المهدوية ( اليوم الموعود )
الخميس 18 ربيع أول 1431
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
-1-
كانت الكتب الثلاثة السابقة من موسوعة الامام المهدي ع، متكفلة لتاريخ الامام المهدي من وجهة النظر الامامية، مع محاولة إعطائها صيغة متكاملة وخالصة من الشوائب. إبتداءا بميلاده ومرورا بغيبته، وإنتهاءا بظهوره ودولته، مع إعطاء السمات العامة للبشرية اللاحقة للظهور إلى قيام الساعة. وقد إنتهت هذه الجنبة من التاريخ من خلال هذه الكتب الثلاثة.
وسيكون من المنطقي، طبقا لمنهجية البحث عن الفكرة المهدوية... الشروع بالاستدلال على صحة هذه الفكرة، ومحاولة دفع ما يحتمل ان يكون مانعا عن الالتزام بوجوده ووجود دولته.
ومن المنطقي ان يبدأ الاستدلال من أعم المنطلقات، لنصل إلى أخصها بالتدريج، من خلال كتب هذه الموسوعة. ان أعم المنطلقات بالنسبة إلى هذه الفكرة هو محاولة اثبات صحة الفكرة القائلة بوجود المستقبل السعيد للبشرية من زاوية مادية صرفة، بغض النظر عن أي دين... ليكون للحديث الديني مجال آخر جديد.
- 2-
هل يوجد للبشرية مستقبل عادل، يسود فيه الرفاه وتخيم فيه السعادة على ربوع البشرية، وترتفع فيه المظالم والأنانيات عن الناس، وتترك العداوات والاعتداءات ويعم السلام الحقيقي الكامل كل الأرض المعمورة. أو ان هذا اليوم لن يوجد، بل من المحتوم على البشرية ان تبقى في خبط وشماس وتلون وإعتراض وقلاقل ومظالم، ما دام لها وجود على البسيطة. لان هذه الحركة الظالمة الدائبة، من خصائص النقص البشري لا يمكن فكاكها عن البشر.
هذا سؤال مهم وأساسي، قد يلقيه الفرد على نفسه, أو يسمعه من غيره فيهز رأسه يائسا من الجواب، لان المستقبل مما لا يمكن الاطلاع عليه بحال من الاحوال، والمستقبل وحده هو الكفيل بإعطاء الجواب. ولا نستطيع ونحن في الماضي - بالنسبة إلى تلك الحقبة من الدهر - ان نعطي الجواب الحاسم بحال.
وقد يهز فرد آخر رأسه من هذا السؤال مستغربا من مجرد إثارته، لانه يرى من اليقين الذي لا شك فيه ان البشرية، سوف تبقى على هذا الحال تجر مشاكلها ومظالمها ما دام لها وجود. فان الأوضاع الحاضرة كلها تدل على ذلك المستقبل، بأي حال.
بل ان الطبيعة البشرية ذات الأنانية أو العامل الجنسي أو الاقتصادي أو غيرها هو السبب في هذه الحركات الظالمة، وهو مواكب للبشرية إلى نهايتها، إذن، فلا بد ان يبقى الظلم مواكبا مع البشرية إلى نهايتها، ولا يمكن ان يوجد لها أي مستقبل سعيد.
وكلتا هاتين الفكرتين لها درجة من الأهمية والوجاهة. إلا انه مما يؤسف له!!... ان عددا من المفكرين في العالم على مختلف المبادئ والمشارب استطاعوا إستشفاف المستقبل، والتنبؤ بوجود المستقبل السعيد، وأوضحوا القرائن والدلائل على ذلك.
انك لو سألت الماركسية عن ذلك لأجابت بكل ثقة وإطمئنان: بنعم.
ولو سألت الأديان عامة والأديان الثلاثة الكبرى منها وخاصة الاسلام، لأجابوا بصوت واحد: نعم، بكل تأكيد.
من هذه الزاوية المشتركة سيكون منطلق البحث.
-3-
تنبأت الماركسية بالمستقبل السعيد، من زاوية النظرية العامة التي وضعتها لتفسير التاريخ، المسماة بالمادية التاريخية، التي جعلت خاتمة مطافها ذلك المستقبل.
وتنبأت الأديان، بهذا المستقبل من زاوية البرهنة على وجود قائد معين منقذ للبشرية من المظالم ومخلص لها من المشاكل... وقد سماه الاسلام بالمهدي.
والنتيجة بينهما واحدة، وهو الجزم بوجود المستقبل السعيد. وهذه هي نقطة القوة الرئيسية.
ومن هنا عرضنا للاراء الماركسية عرضا مفصلا، لنرى انها بعد ان كانت مصيبة بنبوئتها هذه، فهل هي قد توصلت اليها بمقدمات برهانية صحيحة أو غير صحيحة.
وهنا لا بد من الالماع، إلى ان الحديث ليس عن نقد الماركسية ككل... ليستلزم ذلك عرض كل شاردة وواردة في الفكر الماركسي. فان موضوع الكتاب ليس هو ذلك. وإنما المهم النظر إلى الماركسية من زاوية هذه النبوءة ليس إلا... مع التأكد من سلامة أو عدم سلامة المقدمات التفصيلية التي أنتجتها.
فكان هذا هو القسم الثاني من الكتاب.
وأما القسم الأول، فهو قسم مختصر، يراد به التأكيد على ان الاتجاه المادي عموما بصفته ماديا، لا يمكنه استنتاج وجود المستقبل السعيد بأي حال... سواء من زاوية [علمية] أو من زاوية [قانونية]. وإنما انفردت الماركسية من بين المذاهب المادية الحديثة بهذه النبوءة باعتبار فهمها الخاص للمجتمع والتاريخ.
-4-
وبعد ان يتم نقد الماركسية، ويثبت عدم صمود ماديتها التاريخية تجاه النقد. ينقدح السؤال من جديد: هل فشلت النبوءة إذن؟!...
كلا... فان هناك أدلة من نوع آخر يمكن إقامتها عليه. تلك هي أدلة الدين... الذي يثبت وجوده بنفس الطريق الذي تثبت به الماركسية فشلها. ان الدين يمكن ان يعطي البديل الصالح للمادية التاريخية الماركسية، ويملأ كل الفجوات التاريخية والاجتماعية التي حاولت الماركسية ملئها، والتي لم تحاول.
بل انه يزيد عليها بكثير... انه يرى انه وجود المستقبل السعيد نتيجة لتاريخ البشرية ككل، ووجود البشرية ككل نتيجة لظواهر وأهداف كونية عامة. إذن، فالمستقبل السعيد يمت بصلة إلى الأهداف الكونية نفسها... وسينتج هذا المستقبل البشرى نتائج كونية حاسمة. ولن ينتهي الحديث عند مجرد النبوءة بوجوده، كـما إنتهى حديث الماركسية.
ان البشرية ليست إلا رحلة طويلة من رحلات الكون الكبرى، وظاهرة من ظواهره، وليس مستقبلها السعيد بكل تفاصيله سوى محاولة لتركيز الاغراض الكونية.
أما انه كيف يكون ذلك، وما هي مقدماته، وما هي صفاته, وما هي نتائجه، فهذا ما يشرحه لك [التخطيط الالهي العام لتكامل البشرية] في القسم الثالث من هذا الكتاب، بكل تفصيل.
ونحن بعد ان أعطينا في الكتابين السابقين من هذه الموسوعة، زاوية من الاستدلال على الفهم الامامي لنظرية المهدي، أمكننا ان نستعين بهذا الفهم أحيانا لملء بعض فقرات هذا التخطيط العام.
وأعطينا من خلال هذا التخطيط تفسيرا كاملا للبشرية بماضيها وحاضرها ومستقبلها إلى حين فنائها. وحاولنا من خلال الحديث المقارنة مع النتائج الماركسية التي عرفناها في القسم الثاني. وهنا أمكننا ان نتوصل إلى مناقشات أعمق وأوضح مما سبق. انها مناقشات جديدة تماما، لانها منطلقة من نظرية متكاملة وجديدة تماما... هي نظرية التخطيط الالهي.
ان هذه النظرية، معروضة أيضا في الكتابين السابقين. إلا انها عرضت في هذا الكتاب بشكل يختلف في المقدمات والتفاصيل والنتائج... كما هو مشار اليه في داخل هذا الكتاب، ولا يخفى - أيضا - على قارىء هذه الموسوعة، ومن هنا حلّ لنا هذا المقدار من التكرار.
فهذا هو العطاء الذي يمكن ان يحصل عليه من خلال هذا الكتاب.
- 5-
ان طريق التوصل إلى النتائج الكاملة، دائما، هو تلاقح الأفكار والسعي في سبيل النقد البناء. والحقيقة بنت البحث.
ومن هنا يود المؤلف، بكل انفتاح، تلقّي النقد البناء المخلص من كل ناقد من ماديين ومتدينين، عسى ان يتمكن من ملء الفراغات التي تركتها جوانب النقص البشري في بحثه... لو كان. لعلنا نتوصل من ذلك إلى القناعة بالنتائج الرئيسية الكاملة.



القسم الأول
المستقبل السعيد للبشرية
فى الفكر المادي بمعناه العام

يحتوي هذا القسم على ثلاث إطروحات:
الاطروحة الأولى: تصور المستقبل السعيد للبشرية من زاوية العلم التكنيكي الحديث.
الاطروحة الثانية: تصور المستقبل السعيد للبشرية من زاوية القانون الوضعي.
الاطروحة الثالثة: تصور المستقبل السعيد من زاوية [المادية التاريخية] التي تنبأت بذلك بصراحة.
أما الاطروحة الثالثة فسوف نكرس لها القسم الثاني من الكتاب. ونقتصر في هذا القسم على الاطروحتين الأوليتين، بصفتهما تمثلان الاتجاه المادي العام الحديث.

الاطروحة الأولى
المستقبل السعيد
بالتطور العلمي نحو الأفضل

تكون الفكرة الأساسية في هذه الاطروحة: ان العلم التكنيكي الصناعي الحديث هو الكفيل بإيصال المجتمع البشري إلى السعادة والرفاه... وبخاصة في المستقبل حين يتطور العلم أكثر مما هو عليه الآن، فيصل بمزيد من التجارب إلى مراقٍ عليا يستطيع ان يكفل بها إيجاد المستقبل السعيد للبشرية كلها.
كيف لا؟!... ونحن نعاصر النتائج الكبرى التي تمخض عنها العلم في هذا العصر، فلا نجد إلا ما يدعو إلى الاكبار والاحترام... فاننا لو تجاوزنا قمم العلم العليا التي تتمثل في عدة أمور، كتفجير الذرة والصعود إلى الكواكب وتأسيس العقل الالكتروني... إذا تجاوزناها، وحاولنا النزول إلى الفوائد الاجتماعية التي يمكن للعلم ان يحققها، فيضمن للبشرية مستوى عالٍ من السعادة والرفاه.
... إذن، لرأينا الشيء الكثير... فهناك الاجهزة التي اخترعت، ولا زالت تخترع لتذليل مصاعب الحياة المنزلية، ولعل أهمها إلى الآن ذلك الانسان الآلي الذي يقوم بالخدمات بكل رحابة صدر وبدون تعب!، ويوفر للعائلة أكبر الجهود. وهو أيضا يرد على التلفون ويخبر صاحبه عن المكالمات التلفونية الحاصلة حال غيابه.
وهناك الآلات الزاخرة العظيمة المستعملة كوسائل للاعلام... من السينما, إلى الراديو، إلى التلفزيون، إلى التلستار الذي يوزع البث التلفزيوني على رقعة كبيرة من العالم.
أما التلفون الصوتي والتلفزيوني، فحدث عنه ولا حرج... في تقصير المسافات والتقريب بين المتباعدين والغائبين، وإختصار الجهد إلى حد بعيد.
وهناك الآلات الزراعية، التي تقلل الجهد وتزيد في الانتاج وتوسع رقعة الأرض المزروعة إلى أكبر مدى. مضافا إلى الأساليب العلمية لتحسين الانتاج إلى درجة كبيرة, بل إنتاج أنواع من الأطعمة والفواكه ليست معهودة ولا معروفة!.
وقل نفس الشيء في تحسين الانتاج الحيواني، وتطويره وتوسيعه... ولا يخفى ما للعلم من جهود مشكورة في دفع الآفات والأمراض الزراعية والحيوانية وإعطاء أعمق الأساليب وأنجحها لإتخاذ أحسن شكل للانتاج.
وأما الطب فحدث عن إنتصاراته على المرض ولا حرج... وقد تكللت الجهود الطبية بزرع الاعضاء الجديدة في جسم الانسان بدل الاعضاء التالفة فيه. ولعل عملية زرع القلب، هي أهم ما أنجز، في هذا المجال... بل قد تودع في الجسم الانساني آلة صماء تقوم مقام العضو التالف لتؤدي نفس وظيفته.
وتربية الجيل الناشىء قد إستندت إلى العلم أيضا... والعلم وحده!!. فهناك النظريات التربوية التي تطبقها أحدث المعاهد في العالم، بمختلف مستوياتها... ولا زال العلم يتقدم بهذه النظريات نحو الأفضل.
وتعال بنا إلى الهندسة العمرانية، لنرى انها إلى أي إرتفاع ودقة وصلت في ميادين هندسة البيوت والمدارس والمستشفيات والأسواق والسجون والمنتزهات وغيرها... مما يوفر أحسن الرفاه وأكبر الجهود للناس.
وإذا تجاوزنا الجانب الاجتماعي للعلم، إلى الجانب الفكري أو الثقافي ككل، وجدنا بحرا لا ينزف وتفوقا لا يوصف في علوم الذرة والفلك والفيزياء والكيمياء... وتدقيقا في حوادث التاريخ وقوانينه، وعمقا في المنطق والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع. لم تكن البشرية قد بلغته في أي وقت مضى من حياتها الطويلة... كل ذلك يؤذن بالخـير، وبالمستقبل الزاهر السعيد الذي يقوم على أكتاف العلم والعلماء.
وإذا كان العلم قد وصل إلى مثل هذه المراقي العظيمة إلى العصر الحاضر... فأحر به ان يصل إلى درجات أهم وأوسع في المستقبل، تكون كافية... وبكل جدارة لضمان الرفاه وسيادة السعادة والعدل في ربوع البشرية.
ولعل بين أيدينا من المستقبل العلمي أفكارا مهمة وواضحة... وان لم تكن منجزة فعلا... إلا ان العلم كفيل بإنجازها في أقرب وقت ممكن.
فمن ذلك سرعة وسائط النقل للركاب أكثر مما هو عليه الآن، وأكثر سلامة... سواء في ذلك ما بين المدن أو في داخل المدينة... ومن ذلك تحويل الطعام والشراب إلى أقراص أو سوائل قليلة، يوفر بها الفرد عدة ساعات يقضيها عادة في إنجاز الطعام وتناوله.
ومن ذلك تطوير الانسان الآلي، بحيث يمكنه ان يقوم بالخدمات المنزلية والخارجية بشكل أوسع مما عليه الآن، وتوفيره سوقيا على نطاقٍ واسع.
ومن ذلك توسيع السكنى للبشرية إلى الكواكب والنجوم المجاورة!!!، عن طريق تكثير رحلات الفضاء وتسهيلها وتخفيض نفقاتها وجعلها متوفرة للركاب. ومن ذلك التسبيب إلى طول عمر الانسان بالمستوى الصحي الذي يكفله العلم... حتى يصبح الستون والسبعون عاما، من أعوام الشباب!!... وأما الشيخوخة، فلا تبدأ أول مراحلها إلا بعد المائة.
الى غير ذلك من النتائج الكبرى المتوقعة للعلم... ولعمري ان المجتمع الذي يعيش تحت ظل مثل هذا التقدم العلمي الهائل، لهو مجتمع سعيد ومرفه.
إذن، فمن المستطاع القول: بان العلم يكفل للبشرية المستقبل السعيد... وإذ يكون العلم دائما في تطور مستمر، إذن فالبشرية صائرة - لا محالة - إلى ذلك المستقبل المجيد.

المناقشة:
إلا أنه من المؤسف!!!، ان هذا الكلام بالرغم من أهميته وجمال شكله!!!، لا يمكن ان يكون صحيحا في نتيجته، بأي حال من الاحوال.
فكل هذه التطورات العلمية صادقة... ولعل فيما أهملناه أهمية مماثلة أو أكبر مما ذكرناه... فاننا أعطينا نماذج من ذلك فقط... ولعمري ان للعلم مساعدة فعالة في جلب الراحة إلى الانسان والمجتمع.
لكن ذلك لا يعني بحال، ان العلم وحده من دون ملاحظة شيء آخر، يمكنه ان يضمن السعادة والعدل بين الناس. ولا ينبغي لنا ان نبالغ في أهمية العلم، مهما كان له في العالم من هيبة وهيمنة وأهمية.
فان العلم إنما يضمن الجانب المدني والتكنيكي من حياة الانسان، ولا يتضمن العلم - بمجرده - أي جانب قانوني أو نظامي أو أخلاقي، كما هو واضح... فان لهذه الأمورحقولا أخرى في المعرفة الانسانية لا تمت إلى العلم بصلة، على الاطلاق.
فإذا إستطعنا ان نضم النتائج الرائعة للعلم إلى نظام عادل وقانون سليم... إستطعنا ان نكفل الرفاه الحقيقي والسعادة الكبرى، إذ تكون النتائج العلمية موزعة يومئذ بين البشر بشكل متساوٍ ومتكافىء بدون إجحاف أو ظلم.
وأما إذا نظرنا إلى العلم وحده، وتوقعنا منه ان يكون صانعا لسعادة المستقبل مع إسقاط النظام عن نظر الاعتبار... فهذا يعني الوصول إلى نتائج وخيمة مروعة في غاية السوء والاجحاف.
منها: انه يمكن للعلم ان يكرس طاقاته الهائلة في فناء البشرية وإضرارها إلى حد كبير... في وضع الأسلحة الفتاكة والسموم القاتلة، ووسائل التعذيب اللا انساني للآخرين. وهذا ما هو حاصل في العصر الحاضر، وهو يتقدم ويتزايد بتقدم العلم وتزايده... وتبذل الدول في سبيله الملايين.
ومنها: ان هذا الرفاه يكون خاصا بالمتمولين، الذين يستطيعون استغلال النتائج العلمية في مصلحتهم... أما الأعم الأغلب من الناس في العالم، وهم متوسطوا الحال وذوو الدخل المحدود والفقراء، فلن يستطيعوا الحصول على شيء مهم من نتائج العلم.
فان قال قائل: انه يمكن توفير الرفاه العلمي لأكبر كمية من الناس وبأرخص ثمن ممكن... وبذلك تتسع رقعة المستفيدين من نتائج العلم الكبرى.
قلنا: ان هذا لا يكون إلا تحت نظام خاص وفي ظل نظام معين يكفل ذلك... ولا يمكن للعلم وحده ان يكفل هذه الجهة.
ومنها: ان العلم إذا لم ينضم إلى القانون الصالح، لا يمكن ان يضمن زوال الاعتداء بين البشر بأي شكل من الأشكال. ومن الواضح ان التطور العلمي لا يعني تطور الجانب الانساني من الانسان، بل يمكن ان ينسجم أعلى أشكال الانتاج العلمي مع أقسى أشكال الأنانية والعدوان.
ومع كل ذلك... ومع غير ذلك... كيف يمكن للفرد ان يتفوه بهذا الكلام على انه حقيقة نهائية، وهو انه يمكن للعلم وحده ان يضمن المستقبل السعيد للعالم.
ومعه،... تكون هذه الاطروحة المادية الأولى، قد فشلت في قيادة البشرية نحو المستقبل السعيد... فهل يمكن للاطروحة الثانية ان تضمن ذلك؟!.



الاطروحة الثانية
المستقبل السعيد
بتطور الفكر القانوني

بعد ان ثبت بوضوح فشل الاطروحة العلمية لقيادة العالم، وان المهم في الأمر هو وجود النظام الصالح والقانون العادل الذي ينسق شؤون المجتمع والبشرية ويسهل حصولها على آمالها وإزالة آلامها. إذن فالقائد الرئيسي للبشرية نحو الأفضل هو القانون نفسه... وهو الذي سيكفل للبشر مستقبلهم السعيد.
فان البشرية كانت ولا زالت، تمر في تاريخها الطويل بتجارب ومشاكل، تكون هي الكفيل الأساسي لرقي الفكر القانوني. وذلك بعد مرور الفكر القانوني بمرحلتين:
المرحلة الأولى: التعرف بوضوح على المشاكل العامة والخاصة السائدة في المجتمع، ومحاولة فهمها فهما عميقا كاملا والاطلاع بها على أسبابها ونتائجها بكل دقة.
... وكلما اتسع الوعي الفكري للانسان على واقعه بما فيه من مشاكل وآلام، كلما ساعد ذلك على تربية الجانب القانوني فيه.
المرحلة الثانية: محاولة التعمق، في معرفة الحلول الممكنة لهذه المشاكل المعروضة، والاطلاع على أساليب عامة وفعالة في إزالة المصاعب وتذليل العقبات، ومن ثم إلى إيجاد الرفاه والعدالة في المجتمع.
فإذا استطاع المفكر القانوني، ان يمر بكلا المرحلتين، بشكل دقيق وشامل، استطاع - لا محالة - ان يصل إلى وضع القانون العادل الذي يكفل السعادة والرفاه الدائم.
وقد كان ولا زال الفكر القانوني البشري، في طريق التربية والتكامل باستمرار، من كلتا الجهتين، نتيجة لما تعطيه التجارب الاجتماعية من دقة وثراء.
وبذلك يثرى الفهم الفقهي القانوني... فتعطى التعاريف والتفاسير بشكل أدق وأشمل شيئا فشيئا، سواء في ذلك من ناحية القانون المدني أو العسكري أو الدولي أو قوانين العقوبات أو الاحوال الشخصية... أو غيرها.
وقد وصل القانون في العصر الحاضر إلى مراقٍ عليا... حتى أصبح من أدق العلوم الانسانية. وإذا كنا قد نجد فيه بعض النواقص والاختلافات بين المفكرين في جملة من حقوله... فان التكامل التدريجي للقانون، من خلال التجارب الطويلة، كفيل بان يزيل هذه النواقص ويزيد في إدراك الفكر القانوني لذينك المرحلتين الأساسيتين، مما يفتح أمام القانون فرصة الوصول التدريجي إلى إدراك العدل الحقيقي، والتذليل الكامل للمشاكل البشرية.
وحيث لا يكون المقصود، تعيين فترة معينة لهذا التكامل... فان من الممكن ان يصل القانون إلى تلك النتيجة الكبرى، في فترة مقبلة من الدهر، مهما طالت.
وإذا وصل القانون إلى درجة الفهم الكامل للعدل... وأمكن تطبيقه في المجتمع البشري، كان هذا هو المستقبل السعيد [الموعود] الذي يعم فيه الرفاه والسعادة ربوع المجتمع البشري كله.
وبهذا يتم البرهان على صحة الاطروحة الثانية...

المناقشة:

غير انه يمكن المناقشة في هذه النتيجة بالرغم من أهميتها، بعدة مناقشات أساسية:
فاننا إذا تجاوزنا المناقشة الرئيسية التي تمّ البرهان عليها في بحوث العقائد الاسلامية، وهي عجز الفكر البشري القانوني عن إدراك مصالحه الحقيقية وإدراك العدل... وبالتالي انه يتعذر عليه تغطية المرحلتين المشار اليهما بالدقة المطلوبة والمتوقعة لاحراز العدل الكامل.
بل ينحصر تغطية ذلك عن طريق الحكمة الالهية والوحي من وراء الطبيعة. وأما الفهم البشري المنفصل عن الوحي - كـما هو مفروض هذه الاطروحة -، فيتعذر عليه ذلك بأي حال. وسيأتي في القسم الثالث من هذا الكتاب ما يلقي ضوءا كبيرا على ذلك.
فإذا تجاوزنا ذلك، بقيت عدة مناقشات نذكر منها مايلي:
المناقشة الأولى: انه من الصعب ان نتصور ان في مستطاع الفكر القانوني البشري ان يثرى ويتكامل باستمرار، حتى يصل إلى إدراك العدل المطلق.
وذلك لان المفكر القانوني، فردا كان أو جماعة، فانه يحيا في المجتمع كأي إنسان آخر، له مصالحه وإرتباطاته وعلاقاته وموارده الاقتصادية، وغير ذلك. وهو يود في كل ذلك - طبقا لحب الخير لنفسه - ان ينجح في كل الحقول وان يتوفق فيها أحسن توفيق، ويتقدم على غيره من الناس، مهما أمكن.
وإذا كان المفكر القانوني، ذو اتجاه عقائدي أو سياسي معين، كان - لا محالة - متحمسا لذلك الاتجاه، يود فوزه وسيطرته على الآخرين... ويرى إندحاره وخيبته كابوسا مزعجا.
وعلى كل حال، يكون الفرد القانوني، التكوين النفسي والاتجاه الاجتماعي المعين الذي يستحيل عليه ان يعزله عن فكره القانوني... وعن إدراكه للمصالح والمفاسد العامة. ومهما حاول الفرد إتخاذ المسلك الموضوعي والتجرد عن الأنانية والتعصب... وتصور مصالح الآخرين بمعزل عن مصالح نفسه... فانه فاشل وخاطىء... فان اللا شعور والضغوط والملابسات العامة والخاصة والتاريخ الذي عاشه، يفرض نفسه عليه من حيث يدري ولا يدري.
ومن المتعذر، بل المستحيل ان نجد فردا أو جماعة، في الفكر القانوني البشري، ذا تجرد كامل وحقيقي... ولن يوجد مثل هذا الفرد على مرّ التاريخ. فان لكل زمن ملابساته ولكل تاريخ تأثيره على الفرد والجماعة.
... على حين لا يمكن للعدل الحقيقي إلا ان يوجد من زاوية الادراك الكامل المجرد لمصالح البشر ومفاسدهم وآلامهم وآمالهم... وهذا ما لا يحصل لأي فرد على مرّ التاريخ.
ومعه فكيف نتوقع للقانون ان يثرى ويتكامل تدريجا، على مرّ التاريخ حتى يصل إلى إدراك العدل المطلق... ان ذلك لا يحصل إلا إذا حصل الفرد المتجرد المطلق... وهو مستحيل الحصول من الناحية المادية.
المناقشة الثانية: ان النظرية القانونية، مهما تصاعدت وتكاملت، ليست وحدها الكفيلة بسيادة السعادة والعدل ما بين الناس... وإنما، لا بد ان تأخذ طريقها إلى التطبيق في عالم الحياة، لتستطيع ان تؤتي ثمارها ناضجة شهية.
وبالطبع... فان القانون العادل الشامل، يحتاج إلى ان يشعر كل الأفراد بالمسؤولية تجاه تطبيقه، ولا يكفي ان يأخذ الجهاز الحاكم بزمام المبادرة إلى ذلك، مع كون الأفراد نافرين عنه منكمشين منه... فانه في مثل ذلك لن يكتب له النجاح، مهما كانت النظرية صائبة وصحيحة.
ولعمري... انه من المتعذر جدا، ان يجد القانون البشري تجاوبا عاما من الشعب على هذا المستوى الواسع... فلئن تنزلنا - جدلا - عن المناقشة الأولى، وفرضنا واضع القانون البشري مجردا عن الهوى بدرجة كاملة، فاننا لا يمكن ان نفرض الأفراد كلهم مجردين وموضوعيين أيضا!!، وإنما لا بد ان ننظرهم من زاوية الواقع، وهو وجود الأنانية وحب المصلحة الشخصية في كل فرد منهم. فلا يطيعون القانون إلا من هذه الزاوية وبالمقدار الذي تقتضيه. وأما حين لا توجد المراقبة القانونية، كان الفرد مخلى بينه وبين مصالحه، لا يعترف بقانون ولا نظام.
ولا يستطيع أي قانون بشري ان يتابع الفرد في خلواته وزواياه، ليضمن التطبيق الكامل لفقراته وبنوده في كل وقت. ويستحيل على الدولة بكل هيمنتها وهيبتها ومؤسساتها، ان تضمن ذلك.
ولئن ضمنته حينا، فلن تستطيع ذلك دائما... ولئن استطاعته دائما، في فرد أو جماعة معينة، فلن تستطيعه في كل الشعب. كما لن تستطيع تطبيق القانون من قناعة عامة به وعن تجاوب قلبي معه. وإنما سوف يطبق القانون بمقدار ما تقتضيه القوة من ناحية، والمصالح الشخصية للأفراد من ناحية أخرى... يدفعون به عن أنفسهم العقاب، أو ينالون به شيئا من الفوائد.
وإذا كان الناس هكذا... وهم دوما لهم نفس الموقف تجاه القانون البشري... إذن فلا يمكن ان نتوقع لهذا القانون في يوم من الايام، ان يضمن لنفسه التطبيق الكامل المطلوب.
المناقشة الثالثة: ان التكامل في الفكر القانوني، كما شهدناه في عالم الامس واليوم أصبح ذا شُعَب وإنشقاقات، فما هو عدل عند هؤلاء هو ظلم عند آخرين... وما هو مصلحة عند قوم هو مفسدة لدى آخرين... وما هو تجرد وموضوعية عند بعضهم، هو عين الأنانية والتعصب عند البعض الآخرين... وهكذا.
يكفينا إنشقاق القانون المدني، إلى روماني وجرماني، وهما يختلفان في المفاهيم الأولية لتفسيرها وتعريفها، فضلا عن التفاصيل. وكذلك انشقاق الاتجاه الاقتصادي إلى رأسمالية وإشتراكية، وهما يختلفان في وجهة نظرهما إلى الانتاج والتوزيع اختلافا جوهريا. وكذلك اختلاف الدول - وان إتفقت في المبادىء - في قوانين الاحوال الشخصية وقوانين العقوبات وغيرها.
فأي هذه الانشقاقات يرجى له الكمال؟!. ان النظر العقلي المجرد لا يرى أحد الشقين أو أحد الخصمين أو التفسيرين أولى من الآخر. وأما الفرد المؤمن بأحدهما فيرى قانونه هو الكامل ويتعصب له. ويبقى التكتل والانشقاق بين البشر موجودا... ومع تفشيه يستحيل الوصول إلى العدل العالمي المطلوب.
ومن المتعذر حقا، ان نزعم ان الفكر القانوني بتكامله ومروره بالتجارب المتكثرة، سوف يتوحد في العالم، ويرتفع الخلاف بين القانونيين... ان هذا الافتراض مخالف لطبيعة الأشياء وطبيعة الانسان. ولئن وجد ذلك في جيل معين - جدلا - بقيت الآراء الأخرى السابقة لها إحترامها، بطبيعة الحال، فلا يكون الفكر القانوني موحدا حقيقة... كما ان وحدة الفكر لن تدوم طويلا، ويوجد حتما، الكثير من المناقشين والطاعنين في صلاحية هذا القانون الواحد، لتكفل العدل ورفع الظلم.
وإذا لم توجد الوحدة في الفكر القانوني، وإذا كان من المتعذر وجودها، كان من المتعذر وجود المجتمع العالمي العادل تحت ظل القانون البشري، بأي حال من الاحوال.
إذن، فالاطروحة الثانية، القائمة على الأساس المادي المنفصل عن عطاء السماء، لا يمكنها القيام بالمسؤولية الكبرى المطلوبة.

القسم الثاني
المستقبل السعيد للبشرية
في الفكر الماركسي

أسس منهجة البحث

تتزعم الاتجاهات المادية عموما، الفكرة المسماة بالماركسية، وان لم تكن منتسبة بكل تفاصيلها لماركس. وهي الاتجاه الوحيد من الفكر الحديث - حسب معرفتنا - الذي بشر بالمستقبل البشري السعيد.
وهي، بنظرة عامة، تتكفل ميادين ثلاثة بالبحث والتمحيص، وتحاول الربط بينها ربطا عضويا، وسوقها مساق نظرية موحدة شاملة.
الميدان الأول: إعطاء نظرية شاملة للكون المادي كله، وتفسير تسلسل الحوادث فيه، بشكل تحاول الماركسية عدم إبقاء ثغرة فيه.
... يتمثل ذلك بنظرية [الديالكتيك] القائلة بان كل شيء يحتوي في داخله ومضمونه على صراع دائم بينه وبين نقيضه... حتى يزول المتصارعان ويتولد من الصراع شيء جديد، يكون بدوره محتويا على الصراع ذاته. وهكذا تتعدد الأشياء، وهكذا تتطور... ولا ينجو من هذا الصراع حتى القضايا الرياضية البحتة، كـما أكد عليه انجلز، على ما سنسمع.
الميدان الثاني: إعطاء نظرية شاملة للتاريخ البشري ومفسرة له، وهي المسماة بـ[المادية التاريخية] المبتنية بدورها على الديالكتيك العام. حيث نجدها تقول - طبقا لذلك المفهوم -: بانقسام المجتمع إلى طبقتين متصارعتين يتمخضان عن وضع اجتماعي جديد... ويتبدل بتبدل الوضع الاجتماعي كل أحواله الفكرية والاقتصادية والأخلاقية وغيرها.
وتحتوي هذه النظرية على إيجاد تسلسل تقليدي لعصور التاريخ معروف لكل مثقف... يبدأ بعصر الاشتراكية الأولى البدائية، وينتهي بعصر الاشتراكية العلمية أو الطور الشيوعي الأعلى، الذي تنتفي فيه الدولة ويحكم المجتمع نفسه على أساس وضع اقتصادي معين.
الميدان الثالث: إعطاء فهم شامل للاقتصاد قائم على أساس تقييم معين للنظريات الاقتصادية المعروفة، وخاصة الاقتصاد الرأسمالي العدو التقليدي العنيد للماركسية، مع بناء نظرية جديدة في الاقتصاد تكون هي البديل- في نظرها - عن جميع النظريات الأخرى.
وأهم نقطة ركزت عليها الماركسية في هذا الصدد، هي نظرية [فائض القيمة] التي تنتج النظام الرأسمالي على أساس لا إنساني ظالم، قائم على أساس سرقة مالك رأس المال نسبة معينة من أرباح عماله... تلك السرقة التي تركز الصراع بين هاتين الطبقتين، وتتمخض في نهاية المطاف - بقانون الديالكتيك - عن المجتمع الاشتراكي.
ونحن إذ نكون بصدد دراسة الماركسية من زاوية تبشيرها بالمستقبل السعيد للبشرية، نكون مواجهين للميدان الثاني بشكل أساسي... لان هذا المستقبل هو جزء عضوي رئيسي من المادية التاريخية نفسها.
وبهذا يكون التعرض إلى الميدانين الآخرين، ثانويا إلى حد ما. ولكنه لا بد منه على كل حال. أما الميدان الأول فاللازم التعرض له من أجل تفهم الأسس الفكرية الكونية التى تقوم عليها المادية التاريخية... وأما الميدان الثالث فنتعرض له ضمنا حين ندرس تقييمات الماركسية للمذاهب الاقتصادية الأخرى.
ومن هنا سيكون تسلسل المنهج في هذا القسم من الكتاب كما يلي:
نبدأ بتمهيدات معينة تتكون من:
أولا: المضمون المشترك بين المادية التاريخية والتخطيط الالهي العام، حيث تمس الحاجة اليه حين يراد إعطاء البديل الأصلح للمادية التاريخية.
ثانيا: مناشىء الفكر الماركسي... وهو دراسة الأسباب الموضوعية التي أوجدت الفكر الماركسي بين البشر.
ثالثا: مصاعب النقاش مع الماركسيين... بصفتهم المبشرين بالمستقبل السعيد، والحاملين للنظرية التي نتصدى لمناقشتها.
وحين تنتهي هذه التمهيدات، ونريد الحديث عن المادية التاريخية، لا بد لنا - كما أشرنا - ان نقدم لها قسمين من المقدمات:
القسم الأول: الأسس العامة الفلسفية للمادية التاريخية... من حيث كونها قائمة على أساس الديالكتيك.
القسم الثاني: الأسس الاقتصادية والاجتماعية للمادية التاريخية، ونعني بها ربط الحوادث التاريخية بقوى الانتاج وعلاقاته.
وحين يتم هذان القسمان ندخل في: الهيكل الأساسي للمادية التاريخية, وهو الفهم الخاص للمجتمع والتاريخ المتكون من فقراته وعهوده المعينة.
وسنلتزم - هناك - بإلتزامين معينين، لأجل زيادة الاطمئنان والايضاح:
الالتزام الأول: نقل أي نظرية أو فكرة من مصدر ماركسي بالفاظ ذلك الكتاب... ولا نحاول النقل بالمعنى مهما أمكن... لنكون مع القاريء على بينة من الأمر تجاه الفكرة الماركسية.
الالتزام الثاني: اننا سنعطي - هناك - لكل فقرة ماركسية، رقما معينا... لكي نستفيد من ذلك في ضبط التسلسل الفكري أولا، وسهولة الاستنتاج ثانيا... ويفيدنا أيضا عند النقاش، حيث سنناقش الفقرات في نهاية كل فصل من دون ان نضطر إلى نقل مضمونها من جديد... بشكل مستلزم للتكرار.
وهكذا سيبدأ الحديث عن المادية التاريخية، وينتهي...


التمهيد الأول
المضمون المشترك بين المادية التاريخية والتخطيط الالهي العام

من الملاحظ بجلاء، ان إتجاه المادية التاريخية، واتجاه التخطيط العام الالهي لتكامل البشرية، وهما معا يبشران بالمستقبل السعيد... من الملاحظ انهما بالرغم من كونهما قطبين متعارضين... إلا انهما بنظرهما الشامل إلى البشريـة، استطاعا ان يبينا نقاطا معينة إشتركا فيها وتصادقا عليها.
وهذه النقاط بالرغم من كونها عناوين عامة، فارغة من التفاصيل، إلا انها ليست بالقليلة إلى الحد المتصور، وإنما هي ذات طابع مهم إلى حدّ كبير. وإنما يبدأ الخلاف بين الاتجاهين - بعد تجاوز أسسها العامة -، عند الدخول في التفاصيل، ومحاولة ملء هذه العناوين الفارغة بما ينبغي ان تملأ به.
وسنحاول الآن ان نلخص المضمون المشترك بين الاتجاهين... بشكل يكون مرضيا - في الأغلب - لهما معا:
ان البشرية، بصفتها جزءا من الكون، تكون محكومة بطبيعة الحال، للقوانين الكونية، التي تقوم بتطويرها بشكل موضوعي مستقل عن إرادة البشر. وإنما يملك الأفراد حرية التصرف من خلال ما تعطيه تلك القوانين من فرص.
والتاريخ البشري، صاعد باستمرار نحو التكامل والتطوير نحو الأفضل، حتى يصل في يوم من الايام إلى مستقبل سعيد يسود فيه الرفاه ربوع البشرية كلها.
فقد وجدت البشرية في أول أمرها ساذجة وبسيطة... وبقيت كذلك، ردحا من الزمن، حتى استطاعت بالتدريج البطيء ان تسـير نحو الأفضل... وقد لاقت خلال سيرها هذا كثيرا من المشاكل والويلات.
وقد مرت البشرية خلال ذلك بعدة مراحل، كانت كل مرحلة منها أفضل من سابقتها، تدفع بعض ما فيها من نواقص، وتضفي عليها ما تستطيعه من تطورات.
وهي مراحل عديدة، سارت فيها طبقا للقوانين الكونية من ناحية، ولقوانين خاصة بها، من ناحية أخرى... ويمكن القول - إلى حد ما - ان البشرية تعيش خلال الزمن المعاصر، المرحلة ما قبل الأخيرة من تاريخها الطويل... ولم يبق أمامها إلا تلك المرحلة التي يتحقق فيها الامل الوردي الذي يتساوى فيه الناس ويعيشون في رفاه وسعادة... وستبدأ البشرية يومئذ تاريخا طويلا ومجيدا.
وهذا اليوم هو اليوم النهائي من تطور البشرية... الذي لا يخلفه يوم آخر سيء. بعد ان يتطور فيه الانسان تطورا ضخما، ويكتسب وعيا جديدا، يستطيع به ان يخط تاريخه الطويل الجديد بحروف رشيدة وخطوات رصينة وان التاريخ الأساسي للبشرية هو الذي يبدأ منذ ذلك الحين... وإنما نعيش الآن عصور ما قبل التاريخ!!!... تماما كـما يعيش أجدادنا عصور ما قبل التاريخ بالنسبة الينا!...
ونحن الآن إذ نعيش في العصر السابق على المستقبل الموعود... وان كنا نستطيع ان نعطي اللمحات المهمة عن صفات ذلك العهد الأغر... إلا ان عدم معاصرتنا له، وعدم مشاهدتنا لمقدار عمقه وحقيقة وعيه... إلى جانب إرتباط أفكارنا بواقعنا ووعينا المعاصر... كل ذلك يوجب عجزنا عن ان نصف العمق الحقيقي الكامل لذلك المستقبل الموعود، والنظام التفصيلي الذي يسوده. وإنما المهم الآن ان نعرف باليقين انه يوم آت لا محالة، وبه تتحقق الراحة الكاملة للبشر أجمعين. ولعلنا نستطيع - إلى جانب ذلك - ان نلم بقليل من صفات ذلك المجتمع الموعود.
هذا هو المنطق المشترك الذي يتفق فيه هذان الاتجاهان المستقطبان. ولكننا إذا تقدمنا نحو التفاصيل خطوة أو خطوات، نجد الاختلافات الأساسية بوضوح في عدة جهات:
أولا: في تشخيص ماهية القوانين الكونية الشاملة للبشرية.
ثانيا: في تشخيص القوانين التي تختص بالتاريخ البشري وتطويره.
ثالثا: في تشخيص السبب الأساسي لنقص البشرية والباعث على ما يسودها من مصاعب وويلات.
رابعا: في تشخيص المراحل التي مرت بها البشرية خلال تاريخها الطويل. فان للمادية التاريخية إتجاها معروفا في تفصيل هذه المراحل لا يوافقها عليه الاتجاه الآخر، الذي يقوّم بدوره شكلا آخر من المراحل.
خامسا: في تشخيص ما يستطيع فهمه من تفاصيل وانظمة للمستقبل الموعود، وما هو سبب السعادة والرفاه فيه.
سادسا: في انه هل هناك بعد تحقق ذلك المستقبل، ووجوده في عالم الحياة... هل هناك تسلسل تطويري آخر يصل بالبشرية إلى مستقبل جديد... أو لا؟. وهذا ما لم تستطع الماركسية ان تفصح عنه. على ما سنرى... وقد أفصح عنه التخطيط الالهي العام الذي استطاع ان يواكب البشرية إلى يوم فنائها... على ما سنسمع.
وبهذه النقاط، ونقاط أخرى، إتسعت الهوة بين هذين الاتجاهين، وإكتسبا الاستقطاب والتنافي بينهما... إلى حد لا يكاد يشعر الفرد الباحث بما بينهما من نقاط الاتفاق، بعد ان يستحوذ على شعوره وجود الخلاف في التفاصيل.
ونقاط الالتقاء هذه هي التي حدتنا إلى ان نتحدث عن المادية التاريخية بصفتها إحدى الاتجاهات التي أصابت النظر في التبشير باليوم الموعود السعيد... وان أخطأت في التمهيدات والتفاصيل كما سنرى.

التمهيد الثاني
مناشيء الفكر الماركسي

يمكن للباحث ان يقدم عدة إطروحات في الجواب على السؤال الآتي: كيف ولماذا وجد الفكر الماركسي في تاريخ الفكر البشري العام. ولماذا مال بعض المفكرين إلى إتخاذ هذه النظرية كتفسير لمختلف ميادين الحياة.
يمكن ان نقدم بهذا الصدد، ثلاث إطروحات مفهومة تقوم أولاها على قواعد الفكر الماركسي نفسه، وتقوم الأخيرة على أساس التخطيط الالهي لليوم الموعود، وتحاول الوسطى بيان الخاصة المتعددة التي أنتجت هذه النتائج.
الاطروحة الأولى: القائمة على الفكر الماركسي نفسه:
ان تصريحات الماركسيين أنفسهم تقتضي ان كل شكل من أشكال الفكر، ناتج - بالضرورة - من الطبقة التي ينتمي اليها المفكر. ويستحيل على أي إنسان ان يفكر تفكيرا مطلقا حرا عن حدود طبقته التي ينتمي اليها.
وقـد رتبوا على ذلك عدة نتائج: من أهمها: ضرورة اختلاف الفكر باختلاف الطبقة التي ينتمي اليها المفكر. وضرورة وجود الصراع بين أفكار الطبقات... وان أفكار أفراده إن هي إلا إنعكاس لواقع الصراع المحتدم بينهم.
وبهذا استطاعوا ان ينفوا صدق أو صحة أي تفكير آخر غير تفكيرهم، بصفته فكرا طبقيا، بما فيه الفكر الديني على ما سنرى ونسمع.
بل حتى الحقائق الرياضية الواضحة... بعد ان صرحوا انها تنطبق على قانون الديالكتيك، تكون فكرا طبقيا أيضا، وقابلا للتغيير بتغير الوجود الطبقي أيضا.
وطبقا لذلك... لا يكون الفكر الماركسي نفسه، بدعا من الأفكار، بل يكون فكرا طبقيا أيضا، وإدراكا محدودا للكون، قابلا للتغير تبعا لتغير الطبقة، كأي فكر آخر. إذ لا يمكن القول باستثناء الفكر الماركسي من قواعد المادية التاريخية الضرورية الانتاج ماركسيا... بان نزعم - مثلا -: ان مفكري الماركسية كماركس وانجلز ولينين... ذوو أفكار مطلقة، لا طبقية ولا حزبية. فاننا بذلك نكون قد نفينا الضرورة عن المادية التاريخية. فانه إذا أمكن استثناء هؤلاء المفكرين منها أمكن استثناء آخرين أيضا. بل يعني ذلك نفي هذه الضرورة بالمرة، لا كما تريد الماركسية...
ومن ثم يتضح من هذه الاطروحة الأولى التي نعرضها... ان وجود الفكر الماركسي مستند إلى الضرورة التاريخية الطبقية التي تؤمن بها الماركسية نفسها. وإذا كان كذلك، لم يمكن صدقها صدقا تاما وإنما تكون قابلة للتغيير والتبديل، طبقا للضرورة التاريخية نفسها.
وقد التفت الكتاب المتأخرون من الماركسيين إلى ذلك... ومن الطريف انهم اعترفوا بهذه النتيجة، طبقا لقواعدهم الماركسية، فقد جردوا من الفكر الماركسي قواعد مطلقة جعلوا الفكر الماركسي نفسه تطبيقا من تطبيقاته، وسواء صحّ منهم ذلك أم لا. فانهم اعتبروا الفكر الماركسي فكرا طبقيا حزبيا... إقتضت الضرورة التاريخية وجوده من أجل الانتقال من المرحلة الرأسمالية إلى ما بعدها، حتى الوصول إلى المجتمع الاشتراكي العلمي الأخير.
وقد واجهوا في هذا الصدد بعض المصاعب من أهمها: ان ماركس وانجلز نفسيهما من أبناء الطبقات المتقدمة تاريخيا كالاقطاع أو الرأسمالية... فكيف أنتج ذهنهما فكرا إشتراكيا يتقدم بالبشرية إلى نهاية الشوط.
وقد أجابوا على ذلك: انه يمكن للفرد ان يخرج من طبقته ويندرج في طبقة أخرى، يختارها لنفسه، لانهم أكدوا إلى جنب الضرورة التاريخية وجود عنصر الاختيار الفردي وحرية التصرف، كما سنسمع. ومن هنا يمكن القول: بان هذين المفكرين خرجا من طبقتهما الاقطاعية أو الرأسمالية، وانتميا إلى الطبقة الجديدة التي تمثل الفكر الاشتراكي... وبذلك فسروا انقداح الفكر الاشتراكي في ذهن هذين المفكرين الماركسيين الرئيسيين.
الا ان هذا الجواب ليس صحيحا، لوضوح ان ماركس وانجلز إنما أصبحا من قادة العمال وموجهيهم بعد وضع نظرياتهم العامة في التاريخ، لا انهم أنتجوا هذه النظريات بعد إنتمائهم إلى العمال.
ومن هنا سوف نضطر إلى القول: بان الفكر الاشتراكي الماركسي نتج لأول وهلة من الطبقات السابقة على الاشتراكية، التي كان ينتمي اليها ماركس وانجلز. وبذلك يصبح الفكر الماركسي نفسه تطبيقا مخالفا للقواعد التاريخية الماركسية.
ولو تنزلنا عن هذا الجواب، وفرضنا الفكر الماركسي ناتجا عن الطبقة الاشتراكية، فهو - على أي حال - لا يخرح عن كونه فكرا طبقيا حزبيا. ومعنى ذلك عدم إمكان كونه فكرا مطلقا، بل يكون فكرا محدودا، وقابلا للتغيير، بل ضروري التغيير بتغير الطبقة وعلاقات الانتاج.
ولا يعني خروح المفكرين الماركسيين عن طبقتهم، ان أفكارهم أصبحت مطلقة... وإنما يعني انها أصبحت نتيجة لطبقة أخرى غير الطبقة التي كان ينبغي ان تنتج عنها. فانها سواء نتجت عن هذه الطبقة أو تلك، فانها على أي حال، فكر طبقي محدود.
ومن الطريف ان الكتّاب الماركسيين، جعلوا الفكر الماركسي مواكبا لعدة عصور من المادية التاريخية. فانه بدأ بوجود العصر الرأسمالي الأول [التراكم الأولي لرأس المال] وسيبقى إلى الطور الشيوعي الأعلى... فإذا علمنا ان مجموع هذا الزمن ينقسم إلى ستة عصور تاريخية، على ما سوف نسمع... إذن فقد كان للماركسية توفيق إستثنائي بالبقاء خلال كل هذه العصور... فانه بالرغم من ان تطور وسائل الانتاج وتبدل علاقاته، قد أوجبت تطور البشرية وتبدل النظام الحاكم وكل الايديولوجيات الاجتماعية عدة مرات... لم تستطع التأثير بتطور الفكر الماركسي، بل بقيت حقائقه هي الحقائق المطلقة القائدة للبشرية والرائدة للمستقبل الأفضل.
وبهذا يصبح الفكر الماركسي - بدوره - خارجا عن قواعده وضروراته التاريخية، مرة أخرى.
وقد يخطر في الذهن: ان التطويرات المتأخرة للمفكرين الماركسيين المتأخرين، تمثل هذا التطوير الذي تقتضيه الضرورة التاريخية.
إلا أن هذا السؤال منطلق من زاوية فكرية ضيقة ماركسيا:
أولا: باعتبار ما عرفناه من ان العهود التي مرت بها الماركسية وتمر بها، تصل إلى ستة عهود... وليست التطويرات تصل بالضبط إلى هذا العدد، ولا هي مواكبة من إنتقال العهود، عهدا عهدا.
ثانيا: ان أفكار المحدثين... هل هي أفكار ماركسية أم لا... فان لم تكن ماركسية لم يكن لنا معها الآن حديث. وان كانت ماركسية، فمعنى ذلك وجود الفكر الماركسي باستمرار من عصر ماركس إلى الآن، مع ان مقتضى قانون النفي والاثبات وقانون التغير النوعي الماركسيين اللذين سوف نسمعهما... هو أن يتبدل في كل عهد، الفكر إلى نقيضه، فيصبح الفكر الماركسي غير ماركسي... مع انه لم يصبح كذلك في أي عهد من العهود.
إذن صح كون الفكر الماركسي خارجا عن ضروراته التاريخية التي أسسها بنفسه... أي انه متغير وزائل عن المجتمع طبقا لضروراته نفسها.
***
الاطروحة الثانية: ان نحسب حساب الوضع العام الذي ولدت فيه الماركسية، بغض النظر عن إتجاه فكري معين.
وبهذا الصدد يمكن ان نضع أيدينا على عدة نقاط رئيسية، تكوّن بمجموعها البيئة الرئيسية التي ولدت فيها الماركسية، وساعدت على نموها...
النقطة الأولى: ان أوروبا كانت منذ أول عهد نهضتها، في حالة صراع دائم ودائب بين مختلف عناصرها واتجاهاتها من النواحي الفكرية والاقتصادية والاجتماعية، لا يقر لها قرار ولا يهدأ لها بال. فالصراع بين القديم والحديث قائم على قدم وساق... ذلك القديم الذي يمثله الإقطاع والكنيسة ومجموعة التقاليد والعادات الأولى، والحديث الذي يمثله قادة النهضة الفكرية عموما. والصراع بين الاتجاهات الحديثة أيضا قائم. فقد عاشت أوروبا إنشقاقات وتباينات عميقة وجذرية بين الفئات من الناحية السياسية إلى جنب النواحي العقائدية والعلمية والفلسفية وغيرها.
ولسنا الآن بصدد إعطاء أرقام محددة عن هذه الصراعات المتمادية... إذ يكفينا هذا الوجدان البسيط الذي يحمله المثقف الاعتيادي عن حالة أوروبا خلال الثلاثة أو الأربعة قرون المتأخرة من تاريخها... وقد تكون الدقة في العرض عن الغريب العجيب، بهذا الصدد.
ولم يكن حال أوروبا في عصرها القديم بأحسن حالا من عصرها الحديث... إبتداءا من عصر الاغريق إلى عصر الرومان إلى عصر ما قبل النهضة... الذي كانت الأسر المالكة قد تقاسمت أوروبا في فرنسا وألمانيا وإنكلترا وإيطاليا وغيرها. وليست الحروب الواقعة بين هذه الدول كحرب السبع سنوات وحرب المائة عام... أو الحروب الواقعة بينها وبين الدول الأخرى كروسيا القيصرية وتركيا العثمانية... ليست ببعيدة عن الذاكرة. كـما لا يمكن ان تكون الخلافات والحروب الداخلية بين الأحزاب أو الفئات الدينية أو غيرها... بعيدة عن الذاكرة أيضا.
كما ان عصر الأطماع الاستعمارية، وانفتاح أوروبا على العالم الخارجي، وتفكيرها في استغلال موارده وثرواته... إبتداءا بالحروب الصليبية السابقة على النهضة وإنتهاءا بالاستعمار الصريح اللاحق لها... غير بعيد عن الذاكرة أيضا.
كان هذا العصر في أوجه وإبّان إندفاعه... حين وجد ماركس وانجلز.
وقد تكللت كل هذه القلاقل الأوروبية، بأشدها رسوخا وأوضحها تأثيرا، أعني الثورة الفرنسية بما إستتبعته من إنشقاقات وخلافات ومجازر أتت على الآف الفرنسيين.
وبإختصار... اننا إذا نظرنا إلى الألف سنة الأخيرة، بل الالفين الأخيرة، وجدنا أوروبا مليئة بالقلاقل والدماء والخلافات... وليست العهود السابقة عليها بأحسن حالا من هذه الفترة، ان لم تكن أشد وأنكى، باعتبار ضعف المستوى الثقافي والعقلي للبشرية في تلك العصور... كل ما في الأمر، اننا نستطيع ان نباشر النظر اليها باعتبار بعدها التاريخي نسبيا.
وهذا يعطي الانطباع الواضح لدى الذهن البشري الذي يعيش في خضم هذه القلاقل ويكتوي بلهيبها... ان التاريخ البشري كله قائم على الخلاف والصراع، وتنازع الطبقات والتحاقد بين الفئات.
فهذا الانطباع هو الذي حدا بالماركسية ان تقول في التاريخ نفس هذا المضمون، وتضيف: ان التحاقد والصراع لا يمكن ان يزول ما دامت الطبقات ذات وجود في المجتمع.
كـما إنعكس هذا الانطباع في ذهن داروين وآخرين، على شكل تعميم آخر، وان عالم الحيوان كله قائم على الصراع، وان البقاء يكون للأقوى أو الأصلح...
بل زاد الانطباع على ذلك في ذهن الماركسيين... فاعتبروا الكون كله قائما على الصراع أيضا، ليس بين الأشياء المتعددة فحسب، بل حتى بين الشيء وذاته أيضا. فكل شيء يحتوي على عناصر هدمه وفنائه، وهو في صراع دائم معها. حتى يكون لتلك العناصر النجاح في إفناء الشيء... لكي يوجد في نهاية المطاف شيء جديد... ليبدأ الصراع الجوهري في ذاته من جديد.
واعتبرت الصراع بين النقائض قانونا كونيا عاما، لا يمكن ان يتخلف... وانه هو السبب الرئيسي لوجود أي ظاهرة أو حركة في الكون أو على صعيد المجتمع الانساني.
فهذا التعميم الذي قالته الماركسية... إن هو إلا إنطباع نفسي يمثل ما كان يعيشه المفكرون الماركسيون من صراع وخلافات اجتماعية، وما كانت تحدثه هذه الصراعات من ردود فعل اقتصادية وسياسية ونفسية مؤثرة في وضعهم الشخصي ومصالحهم الخاصة. فحين اكتووا بنار الخلافات العامة وتضرروا من نتائجها... لم يستطيعوا ان يتحرروا من ضغط مفعولها الذهني... لكي يتصوروا الكون والمجتمع منسجما خاليا من الصراع والنزاع.
النقطة الثانية: ان أوروبا عاشت في عصر النهضة وما قبلها: عصري الاقطاع والرأسمالية، بشكل مركز وواضح... كـما هو الحال في إنكلترا وفرنسا على الخصوص، وألمانيا وإيطاليا وبعض أوروبا الوسطى على العموم.
وحيث كانت أوروبا دون كل مناطق العالم الأخرى، تستقطب إهتمام الفرد الأوروبي عادة - بما فيهم ماركس وانجلز نفسيهما -، من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والنفسية... فقد أصبح هذا الوضع الأوروبي هو المثال الأفضل لأهم مراحل نظرية المادية التاريخية التي وضعها ماركس وانجلز... والميدان الرئيسي للتركيز عليه كوضع ظالم ومجحف، والتبشير بإمكان - بل بضرورة - تحوله إلى وضع مريح وسعيد... والعمل الجاد في سبيل ذلك بتنظيم الأمميات والأحزاب الاشتراكية، من أجل نقل المجتمع الأوروبي من وضعه المجحف إلى الوضع الأفضل الذي بشرت به المادية التاريخية.
... بل أصبح التعميم من الوضع الأوروبي، وصفات المجتمع الأوروبي إلى كل البشرية والتاريخ البشري، ممكنا في نظر الماركسيين... لان أوروبا هي المثال الأفضل الذي يتركز به الوجود البشري والتاريخ البشري كله!!!.
ومن هنا أيضا لا نرى أي إهتمام حقيقي في كلام الماركسيين بسائر مناطق العالم، حتى روسيا القيصرية، قبل أن ينبثق فيها الأمل بتحولها إلى الاشتراكية. فضلا عن بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا بوضعها الموجود خلال القرن التاسع عشر الميلادي.
ولو وزعت الماركسية نظراتها بانتظام، على مناطق العالم، في توزيع مراحل المادية التاريخية... لوجدت في ذلك صعوبات جمة، لمدى الاختلاف التاريخي الكبير الذي عاشته أوروبا عن سائر مناطق العالم... بما فيه روسيا القيصرية نفسها، كما اتضح بعد ذلك العصر بقليل.
فانه بالرغم من ان أمل ماركس وانجلز، كان منعقدا على تحول فرنسا وإنكلترا إلى الاشتراكية بعد ان مرت بالفترة الرأسمالية... وعدم تحول الاقطاع الروسي القيصري إلى الاشتراكية، لضرورة مروره بالفترة الرأسمالية طبقا لمفاهيم المادية التاريخية. بالرغم من ذلك وجدنا روسيا تنقلب إلى الاشتراكية بعد الاقطاع مباشرة، وان الرأسمالية تبقى إلى أمد غير محدود في فرنسا وإنكلترا واضرابهما... على خلاف نبوءة الماركسيين وقواعد المادية التاريخية!!!.
ومن الطريف ان الجيش البلشفي [الماركسي] نفسه بقيادة [لينين] هو الذي استطاع خرق هذه الضرورة التاريخية، والاستغناء عن الوضع الرأسمالي في روسيا والطفرة بها من الاقطاع إلى الاشتراكية... ولعل قيامه بهذه المعجزة مستند إلى إيمانه العميق بهذه النظرية المقدسة!!!...
وسيأتي في داخل الكتاب بحث كل هذه الأمور مفصلا...
النقطة الثالثة: ان ماركس استطاع ان يشخص في نفسه وغيره، حقيقتين مقترنتين:
الحقيقة الأولى: إتصافه بالذكاء الكافي والعبقرية التي تؤهله لوضع النظريات الدقيقة، وقيادة الناس على أساسها.
وهذه العبقرية واضحة الثبوت له، بعد ان استطاع ان يستعملها أوسع استعمال. فوضع من الناحية النظرية إطروحة فكرية متناسقة تفسر الكون والحياة على حد سواء. واستطاع ان يشارك من الناحية العملية في تطبيق هذه النظرية وقيادة الناس على أساسها، بمقدار إمكانياته وظروفه.
الحقيقة الثانية: فهم ماركس بعبقريته ان قيادة الناس وإستقطاب عواطفهم واستغلالها، يكون يسيرا للغاية لو أوجدت لهم نظرية مشتملة على عنصرين أساسيين:
العنصر الأول: كونها مستوعبة إستيعابا كافيا للكون والحياة، وتعطي فهما متكاملا عن ذلك. فان هذا العنصر مما يجلب الاهتمام والاحترام لأي نظرية تحتوي عليه.
العنصر الثاني: كونها مبشرة بمستقبل سعيد تزول فيه الآلام وتتحقق فيه الآمال... يكون هو نتيجة الأعمال والجهود البشرية... وخاصة الواعية والهادفة منها.
فإذا استطاعت النظرية ان تقول: ان هذا المستقبل ضروري الوجود وليس محتملا فقط. واستطاعت ان تبرهن على ذلك من نفس تسلسلها الفكري المتناسق... استطاعت استقطاب أكبر قدر ممكن من العواطف والمؤيدين.
وقد استطاع ماركس ان يجمع بين هاتين الحقيقتين حين رأى من نفسه قابلية القيادة ولذتها، فوضع نظريته المنسجمة عن الكون والحياة، واستطاع ان يمزجها بالتنبؤ بالمستقبل السعيد، لكي يستقطب أكبر مقدار من العواطف ويجعل لأتباعه ومؤيديه هدفا يسعون اليه ويعملون من أجله.
ولا زال العنصران الأساسيان في الحقيقة الثانية هما مثار الاحترام للنظرية الماركسية عند كثير من الناس، بل القناعة والاندفاع عند عدد لا يستهان به منهم. ولا شك انهما يدلان - على أي حال - على عبقرية واسعة، لولا الفجوات التي يمكن ان نجدها في النظرية وفي التطبيق معا، كما سوف نسمع مفصلا.
وهذا هو الفرق بين قيادة ماركس وأتباعه للناس، وبين قيادة غيرهم كنابليون - مثلا - حيث احتوى الآخرون على الذكاء القيادي دون الذكاء النظري، فأصبحوا قادة فكريين، لا يملكون أي فهم محدد للحياة فضلا عن الكون. وأما قيادة ماركس وأتباعه، فقد أصبحت قيادة عملية ونظرية معا... مما يسّر له قيادة الناس إلى حد كبير.
النقطة الرابعة: ان ماركس شعر ان الخط المادي الالحادي خط مشروع في الرأي الأوروبي العام غير مستغرب... إذ لو لم يكن كذلك، لما استطاع ماركس ان يمارس القيادة على أساسه.
بل هو الاتجاه المفضل، لكل من يرى نفسه أفضل من الآخرين، ويرى لنفسه حرية العمل والرأي، وأفضلية التمسك بكل جديد نتيجة الأجيال، وان منعت عنه الأديان. هكذا كان اتجاه الفكر الأوروبي العام، يؤيده الاتجاه العلمي الذي يعتقد منافاته مع الاتجاهات الدينية المتمثلة بالكنيسة هناك.
إذن، فلم يذهب عن ماركس، نتيجة لذلك، ان القيادة الناجحة والمرغوبة اجتماعيا في أوروبا هي القيادة التي تنطلق من الالحاد وتقوم على نقد الواقع الديني نقدا مرا... ومن ثم إتخذ هذا المسلك ومشى على هذا الطريق، كما سنسمع مفصلا.
النقطة الخامسة: التمهيد للنظرية الماركسية بنظريات فلسفية سابقة عليها تتبنى المادية الديالكتيكية... وقد تتوجت قبل ماركس بقليل بفلسفة هيجل، الذي اعترف المفكرون الماركسيون: انه الرائد الأول لوضع الديالكتيك والممهد للنظرية الماركسية[[1]].
النقطة السادسة: يتصف المجتمع الأوروبي الذي وجد فيه ماركس، بنقص أساسي، انطبع على ماركس وغيره... وكان له الأثر البليغ في تهيئة الأرضية العامة لنمو النظرية الماركسية.
فان المجتمع الأوروبي ككل، بجانبيه المتدين والملحد معا، كان يرى الدين منحصرا بتعاليم الكنيسة بما فيها من تعصب وظلم ومشاكل عقائدية واجتماعية. فالمتدين كان يضطر إلى الرضوخ للكنيسة والرضاء بواقعها مهما كان. والمتمرد كان يرى ببطلان الكنيسة بطلان الدين كله، وبظلمها ومشاكلها ابتناء الدين كله على المظالم والمشاكل... باعتبار كون الكنيسة هي الفرد الأمثل للدين، في نظره...
مع انه لو كان للشعب الأوروبي درجة كافية من الموضوعية والتجرد في النظر والفكر، وكان في البلاد الاسلامية الامكانية الكافية على إبلاغ أفكار الاسلام ومفاهيمه إلى أوروبا, كاملة غير منقوصة وصحيحة غير مشوبة... لاستطاعت أوروبا منذ أول عهد نهضتها ان تقرن تمددها على الكنيسة بالرجوع إلى حقائق الاسلام، وان تعرف: ان الكنيسة لا تمثل كل الدين، بل ولا شيئا من الدين بالمرة... وإنما تمثل الجبروت والظلم والاثراء غير المشروع باسم الدين وباسم الدعوة الالهية المقدسة. وليس شيء من ذلك في الاسلام موجودا، مما ييسر لأوروبا الحصول على البديل الصالح عن الكنيسة في الاسلام، لا ان ترتمي في أحضان الالحاد دون وعي.
إذن، فالنقص الأساسي الموجود في المجتمع الأوروبي، هو عدم محاولة إستيعاب النظريات المعروفة في العالم بالبحث والتحليل، لعلها تجد في إحداها الحق المفقود والعدل الضائع... بل وعدم النظرة الموضوعية تجاه أي فكر سوى ما خلقته أوروبا لنفسها من نظريات في تفسير الكون والحياة.
وحين انعدمت محاولة الاستيعاب، كان من الواضح والطبيعي، ان لا تصل أوروبا إلى الاسلام، وان لا تتعرف على مفاهيمه، وان لا تطلع على مصادره ومنابعه... فتضطر إلى ان تتمسك بأي بديل آخر للكنيسة لمجرد انه يحتوي على درجة من السعة والأهمية.
ومن ثم لم يكن لماركس ولا لغير ماركس، في ذلك المجتمع ان يحاول إستيعاب المصادر البشرية بالبحث والنظر... وليس له إلا ان يعيش جو الأنانية الفكرية في تقديس المعطى الأوروبي ورفض غيره من ناحية عاطفية... من دون ان يكون مستعدا لسماع الدليل والبرهان.
إذن، فمن المحتمل - على أقل تقدير - لو كانت النظرة الموضوعية المستوعبة موجودة في المجتمع الأوروبي... ان لا توجد النظريات الماركسية، ولا غيرها، بعد ان يطلع ماركس على البديل الصالح. أو - لا أقل - من ان ماركس حين يضع نظريته، سوف لن يجد التجاوب الكافي في المجتمع، بعد ان كان الفرد الأوروبي الاعتيادي قد اطمأنّ إلى البديل الصالح الذي يستغني به عن الماركسية وعن نظرتها العامة للكون والحياة.
ومن هنا نعرف، مقدار التأثير العميق لهذا النقص لدى ماركس خاصة، والمجتمع الأوروبي عامة، من تأثير في وجود النظرية الماركسية وتهيئة البيئة الذهنية العامة لتلقيها وإستقبالها إستقبالا حسنا. بالرغم من ان هذا النقص قد يغفل عنه الكثيرون، وخاصة الفرد الأوروبي باعتبار إعتزازه بنفسه ومجتمعه، ونظره المتطرف إلى الاسلام وبلاد الاسلام.
بل ان أوروبا لم تستطع نشر نظرياتها في الشرق الاسلامي، ماركسية وغيرها، إلا بعد ان استطاعت تزريق نقصها بنفسه هناك ففصلت بين الشعب ودينه، وأفرغت ذهنه منه، وملات الفراغ باعتراضات على التكوين الديني وبالنظريات المبتدعة في المجتمع الأوروبي نفسه... وتقبل الناس في الشرق الاسلامي، هذا التخطيط الهدام، بكل صفاقة وإهمال.
***
الاطروحة الثالثة: لتفسير ولادة الفكر الماركسي:
وهي الاطروحة المبتنية على أساس التخطيط العام لليوم الموعود، الذي سبق ان عرضناه في الكتابين السابقين من هذه الموسوعة، وسيأتي في القسم الثالث من هذا الكتاب عرضه من زاوية أعمق وأوضح.
ومن مهم تطبيقاته هو التعرض إلى تفسير وجود المادية عموما والماركسية خصوصا في المجتمع البشري. وستأتي تفاصيل ذلك... وإنما ينبغى في المقام ان نعطي صورة موجزة عنه، بالمقدار الذي ينسجم مع الترتيب المنهجي لهذا الفصل.
وذلك: انه ثبت بالدليل الدال على التخطيط الالهي العام، ان الهدف الذي استهدفه الله تعالى من إيجاد البشرية، وهو تطبيق العدل الكامل في ربوعها... يتوقف على مرور البشرية بظروف الاختبار والتمحيص، وهي الظروف التي يكون فيها الايمان صعبا ومحتاجا إلى تضحية وقوة إرادة، وهي ظروف الظلم والانحراف، حيث يكون الاتجاه العام للعالم هو ذلك، ويكون الايمان استثناءا وشذوذا، فيحتاج الالتزام به والسير على طبقه في الحياة إلى المرور بمصاعب وتضحيات، قد تكبر وقد تصغر تبعا لظروف الفرد المؤمن وحاجاته العامة والخاصة. بينما لا يحتاج الظلم والانحراف، إلى أية كلفة، لانه موافق للاتجاه العام والمصلحة الخاصة، في كثير من الأحيان.
وإذ يكون الأفراد العاديون من البشر، وهم كثرتهم الكاثرة، لا يملكون قوة في الارادة وإستعدادا للتضحية في سبيل الايمان والعدل، فسوف يكون سلوكهم مطابقا للاتجاه الأسهل لهم، وهو اتجاه الظلم والانحراف. ويوجد إلى جنب هذه الكثرة خلاصة بشرية قليلة في العدد كبيرة في الارادة والاخلاص والاستعداد للتضحية، تجاه الحق والعدل... فهؤلاء هم الذين يكون التمحيص سبباً في زيادة تمسكهم بالايمان واندفاعهم في طريقه.
... وهؤلاء هم النخبة الصالحة التي يكون على عاتقها شرف القيادة لايجاد اليوم الموعود السعيد للبشرية. ذلك اليوم الذي وجدت البشرية وضحت الأجيال وكرست الجهود من اجله على طول الخط التاريخي الطويل.
وقد برهنا ان البشرية ما لم تمر بظروف من الظلم والتمحيص هذه، وما لم تحصل نخبة ممحصة الايمان قوية الارادة من البشر، لم يكن بالامكان ان يحصل لها اليوم الموعود مهما طال الزمن. وحيث ان هذا اليوم الموعود السعيد قطعي الحدوث، لكونه الهدف الأعلى من وجود البشرية، إذن تكون أسبابه ومقدماته قطعية الحدوث أيضا. وحيث أحرزنا بالبرهان أيضا ان ظروف الظلم والتمحيص من مقدماته أيضا، كانت هذه الظروف قطعية الحدوث أيضا.
حتى ما إذا تمخض التمحيص عن درجة عليا معينة من الايمان والاخلاص وقوة الارادة في نفوس عدد كاف من المؤمنين لفتح العالم بالعدل... إستحقت البشرية يومئذ ان تحظى بشرف تطبيق العدل المطلق على وجه الأرض.
فهذا ملخص مما ينبغي ان نعرفه الآن... وسيأتي تفصيل ذلك في القسم الثالث من هذا الكتاب.
فإذا تمّ لدينا كل ذلك، أمكننا ان نضع أيدينا على رؤوس الخيوط الرئيسية لموقف الماركسية من التخطيط الالهي... وبتعبير أحسن: موقف التخطيط الالهي من الماركسية خاصة والمادية كلها عامة... من النقاط التالية:
النقطة الأولى: ان ظروف الظلم والتمحيص السابقة على وجود الماركسية.
... بما تضمنته من أكثرية بشرية جاهلة... وانحسار الحقائق العادلة عن الأذهان، وعدم وصولها إلى الكثير من المفكرين في العالم، كما سمعنا في الاطروحة الثانية.
... وبما تضمنته هذه الظروف من انسياق البشر عادة وراء شهواتهم ومصالحهم، بغض النظر عن الأخلاق والعدالة... وبما في ذلك حبّ القيادة والزعامة التي حدت بكثير من ذوي القابليات، إلى استغلال هذه الظروف والاستعلاء على الناس وإيجاد المظالم والمشاكل فيهم.
... وبما تضمنته هذه الظروف أيضا، من خواء عقائدي لدى الكثرة الكاثرة من البشر، والشعور بالحاجة إلى تكوين نظري كامل يلم شعثهم ويحل مشاكلهم... مما يَسّر لنظرية عامة كالماركسية ان تحظى بالاعجاب والاحترام وأصبحت محط الآمال لفترة من الزمن.
... في هذه الظروف، ولدت الماركسية. لتقوم بالزعامة النظرية الاجتماعية للبشر الخاوين المتلهفين للمستقبل الأفضل.
النقطة الثانية: ان الماركسية، بصفتها تتضمن مادية مفلسفة ومعمقة، تندرج في الفكرة التي قلناها من تصاعد التمحيص وتعمقه باستمرار... فتكون مشاركة في مستوى عال جدا من التمحيص الالهي... من دون ان تعلم.
وذلك: اننا إذا سبرنا تاريخ البشرية خلال الألف سنة الأخيرة، نجد إنطباق هذه الفكرة بكل وضوح... فانه منذ ان وجدت الاطروحة العادلة الكاملة، بحسب التخطيط العام، وجدت إلى جنبها المادية متدرجة في التعقيد، وموازية - إلى حد كبير - مع الزيادة التدريجية في الدقة والعمق لفهم الاطروحة العادلة الكاملة.
فان هذه الاطروحة، المتمثلة بالاسلام، كما سبق ان برهنا في تاريخ الغيبة الكبرى[[2]], لاقت منذ أول عهدها المادية متمثلة بعبادة الاصنام... تلك المادية الضحلة التي لم تكن تستند إلى دليل إلا مجرد التقاليد والعادات.
ثم ابتليت إبان العهدين الأموي والعباسي بالزنادقة والشكاكين واتجاهات متطرفة من الفلسفة اليونانية والوسيطة. وهي اتجاهات مادية كانت تحاول ان تلبس لبوس الدليل والعاطفة. ولكنها على أي حال، كانت استثناءات من القاعدة الرئيسية التي كانت للمجتمع المسلم وهو التدين بالاسلام، وكانت مغطاة بالوضع العام، لا تبدو على السطح الواضح بصراحة.
ولم تكد تنتهي هذه العهود، إلا وكانت أوروبا قد بدأت نهضتها الفكرية، وهي مادية الاتجاه عموما تدعو إلى تجاهل وجود الله - على أقل تقدير - وفصل الدين عن الدولة والقانون.
وبالتدريج حاول الأوروبيون ان يدققوا ماديتهم هذه ويتعمقوا فيها، واستطاعوا بذلك ان يجعلوا الاتجاه العام نحو المادية بشكل يكون معه الالتزام بالعقيدة الالهية هي الاستثناء... بخلاف ما كان عليه العصر السابق، حتى في أوروبا نفسها.
كما استطاعت أوروبا ان تضفي على ماديتها نوعا من الادلة العقلية والعاطفية لم يكن يستطيعها ماديو العصر السابق بحال... وبذلك تعمق التمحيص الالهي.
ولئن كانت المادية الأولى لعصر النهضة، تقتصر على التشكيك بوجود كل ما هو غير محسوس، وبالتالي غض النظر عن العقيدة الالهية والعدل الالهي، ان تلك هي مادية الرأسمالية عموما... فان المادية المتأخرة المتمثلة بالماركسية أصبحت أوسع من ذلك وأعمق، لانها مادية مقترنة بفهم عام ومفلسف للكون والحياة.
... وبذلك تعمق التمحيص الالهي، وأصبح الحصول على الايمان بالرغم من هذه المصاعب العقائدية، غاية في الصعوبة، بالنسبة إلى الفرد الاعتيادي. ولم يبق بإزاء ذلك، إلا ما سنذكره في النقطة التالية.
النقطة الثالثة: ان الماركسية أوجبت وتوجب تعميق الفكر الاسلامي بالتدريج، من حيث لا تعلم، وذلك بعد الالتفات إلى أمرين:
الأمر الأول: ان النقاش الفكري والجدل العقائدي، موجب بطبيعة الحال، لعمق الفكرة وتدقيق المستوى الثقافي، باعتباره موجبا لإعادة النظر فيما كان يملكه الانسان من فكر ورأي ومحاولة صياغته من جديد بشكل يتلائم وحياته المتطورة، من ناحية، ويدفع عنه إيرادات الآخرين، من ناحية أخرى.
وهذا النقاش النظري، بطبعه، ممحص للأفكار والعقائد، فكثير ما يوجب موت الفكرة وفشلها بالمرة. فيما إذا كانت ضحلة وبسيطة وغير قابلة للصمود الفكري والاجتماعي. ولا تبقى بعد المرحلة المعمقة من هذا التمحيص، إلا الأفكار الكبرى، التي تملك القوة الكافية للصمود الفكري والاجتماعي، تجاه ايرادات الآخرين والتكيف لمتطلبات الحياة.
وإذا بلغ النقاش أقصاه، وهذا التمحيص غايته، لم يكن في إمكان أي عقيدة أو فكرة للبقاء والاستمرار، ما لم تكن مطابقة للواقع، ومقدمة للتفسير الحقيقي للكون والحياة.
الأمر الثاني: ان الاطروحة العادلة الكاملة السائرة نحو التطبيق الكامل على وجه الأرض، بحسب التخطيط الالهي، محتاجة إلى التعميق الكبير في أذهان البشرية، لكي تكون البشرية على مستوى فكري وعاطفي، تكون معه قابلة لفهم وتطبيق القوانين والمفاهيم العميقة التفصيلية التي تعلن في الدولة العالمية يومئذ، كـما سمعنا في [تاريخ ما بعد الظهور] ونسمع نموذجا آخر منه في القسم الثالث من هذا الكتاب.
فبضم هذين الأمرين، نستطيع ان نفهم مدى الأثر الضخم الذي تخلفه المادية عامة والماركسية خاصة في تدقيق الفكر الاسلامي، وتعميق مستواه في أذهان المسلمين. وذلك على عدة مستويات:
المستوى الأول: محاولة الجواب على الايرادات التي توردها المادية على الدين عموما والاسلام خصوصا... وبذل جهد فكري في ذلك... قد يستبطن الالتفات إلى أفكار ونظريات لم تكن موجودة في أذهان المسلمين. سواء في ذلك الصعيد العقائدي أو الفقهي أو التاريخي أو الاجتماعي أو غير ذلك.
المستوى الثاني: محاولة نقد النظريات المادية وكشف ما فيها من نقاط ضعف.
المستوى الثالث: محاولة إيجاد البديل الأصلح عن التفسيرات المادية للكون والحياة، ومحاولة فهم ذلك من المصادر الأساسية في الاسلام. وهو مستوى عالٍ يتضمن بطبيعته الالتفات إلى أفكار أساسية وجديدة.
المستوى الرابع: محاولة اتخاذ أساليب جديدة مناسبة للعصر، لنشر الفكر الاسلامي على الصعيد العالمي، بإزاء ما تقوم به المبادئ الأخرى مادية وغيرها من أساليب للنشر والاعلان وكسب الأفكار والانصار.
النقطة الرابعة: ان من أهم فقرات التخطيط العام، ان النظم البشرية، والنظريات التي تدعي حلّ مشاكل البشرية، سوف تواجه التمحيص، كما يواجهه الأفراد، وذلك من خلال تطبيقها في عالم الحياة. وسوف يبدو بالتدريج البطيء زيفها واحدة واحدة. حتى تيأس البشرية من كل هذه النظم السائدة وتشعر بعمق بالضرورة إلى وجود نظام منقذ يخرجها من وهدتها وينتشلها من ورطتها. وهذا هو الشعور الذي سيساعد على تقبل البشرية للفكرة الاسلامية بمجرد عرضها كبديل عالمي صالح، عن جميع التجارب السابقة عليه، لكي يقوم بالاصلاح الكامل في اليوم الموعود.
ومن هنا نستطيع ان نلاحظ مقدار مشاركة الماركسية في هذا المضمار فكرة ونظاما، فانها لا زالت تعيش تجربتها التطبيقية في العالم، وتواجه التجربة والتمحيص باستمرار... ولا زال ينكشف للرأي العام العالمي بالتدريج نقاط ضعفها، سواء من الناحية النظرية أو التطبيقية... حتى ان الماركسيين أنفسهم أصبحوا اليوم يناقشون نظريات ماركس نفسه ويطعنون بواضحات أفكاره، على ما سنسمع... فضلا عن غير الماركسيين. ووضوح فشل النظام الماركسي في حلّ مشكلات الانسان، يعني أمرين رئيسيين في التخطيط الالهي:
الأمر الأول: ان فشلها يعني فشل إحدى الأنظمة الرئيسية التي تدعي حلّ مشكلات العالم. وبذلك تسير البشرية خطوة مهمة نحو اليأس من الأنظمة المعلنة، والاتجاه في الامل نحو نظام عالمي عادل جديد.
الأمر الثاني: ان الماركسية بصفتها إحدى النظريات المادية الدقيقة التي وضعت فهما كاملا للكون والحياة، يكون فشلها معبرا بطريق أولى عن فشل أي تجربة أخرى تكون دونها أو مثلها في المستوى الفكري والتطبيقي.
... فهذه هي النقاط الأربعة التي تمثل الجوانب المهمة من موقف التخطيط الالهي من المادية عموما والماركسية خصوصا. وسيأتي من خلال القسم الثالث ما يسند ويوضح هذه الجوانب أيضا.

التمهيد الثالث
مصاعب النقاش مع الماركسيين

لا بد لنا ونحن بصدد عرض الآراء الماركسية ومناقشتها، ان نعرض السؤال التالي ونحاول الجواب عليه. وهو انه هل يكون النقاش مع الماركسيين ممكنا ومجديا أم لا؟.
وفي جواب هذا السؤال، لا بد لنا من ان نمر بعدة نقاط:
النقطة الأولى: ان النقاش ليس عارا على أية نظرية أو فكرة، بل ان الحقيقة دائما بنت البحث، وأحر بالفكرة الصائبة ان تثبت جدارتها وعمقها عن طريق النقاش.
الا ان النظريات إنما تكون ممكنة المناقشة مع حصولها على عدة خصائص معينة، وبدونها تكون المناقشة معها على درجة من التعقيد.
الخصيصة الأولى: ان تكون الفكرة أو مجموعة الأفكار محددة مفهومة، بحيث يمكن ان تبين وتتعقل بأسبابها وصيغتها ونتائجها، لكي يمكن ان تسدد اليها سهام النقد والمناقشة.
أما إذا كانت الفكرة، أو التكوين الفكري، مشوشا غير محدد ولا مفهوم، بحيث يحار المفكر في بيان حدوده وترتيبه... فبالطبع يكون هذا التكوين غير قابل للمناقشة. ويسري الاختلاط الموجود في أصل الفكرة إلى الاختلاط في النقاش أيضا.
الخصيصة الثانية: ان تكون هناك نقاط مشتركة بين المتناقشين، يمكن ان يبدأ منها النقاش أو ان ترسو عندها النتائج، وهي الأصول المسلمة في الجدل عادة.
وأما إذا لم تكن هناك أسس مشتركة بالمرة، إما باعتبار بعد الشقة النظرية بينهما، بحيث لا توجد أية حقيقة مشتركة يؤمنان بها معا... أو باعتبار ان الطرف الآخر يسهل عليه إنكار الحقائق التي تكون ضد مصلحة تكوينه الفكري... ففي مثل ذلك يكاد يكون النقاش غير ممكن أو غير مجد.
الخصيصة الثالثة: ان تكون لدى أصحاب التكوين الفكري والمدافعين عنه، الروح الموضوعية العلمية الكافية، وان يكون رائدهم النهائي هو الحقيقة، بحيث يكونون على إستعداد بالتسليم بكل مناقشة يثبت صدقها، وإعادة النظر بكل فكرة يثبت زيفها، من دون لفّ ودوران. وبدون ذلك يكون النقاش أيضا، غير ذي جدوى.
وسنرى في النقاط التالية, ان كل هذه الخصائص الثلاث غير واضحة التوفر في الفكر الماركسي... بل بعضها واضح الزيف في نظرهم، على ما سنرى.
النقطة الثانية: ما هو الفكر الماركسي، وكيف يصح نسبة الفكرة المعينة إلى الماركسية، وهل للماركسية كيان محدد يمكن ان يعرض ويشار اليه أم لا.
... اننا ان أجبنا بنعم، فمعناه توفر الخصيصة الأولى فيه، والا فانها غير متوفرة بطبيعة الحال.
ان أفكار كارل ماركس نفسه... هي أفكار ماركسية بطبيعة الحال، بمقتضى الاضافة اللفظية، كما هو واضح... إلا ان تاريخ الفكر الماركسي، سار في طريق أوسع من هذا بكثير.
فان التكوين النظري الذي اعترف به ماركس واستند اليه نظريا، لم يكن له وحده، بل كان - في الواقع - نتيجة لمساندة انجلز له ومعاونته إياه في الفكر والعمل. ولكن اعترف انجلز ان التكوين الرئيسي للفكرة هو من صنع ماركس نفسه، وبذلك يستحق نسبتها اليه، وان كان انجلز قد شارك في صنع العديد من جوانبها[[3]]، ولكن يبدو انها بمجموعها مرضية تماما لكلا الشخصين. وقد غلب على ماركس الجانب الاقتصادي في كتابه [رأس المال] وغلب على انجلز التركيز على المادية الديالكتيكية في كتابه [ديالكتيك الطبيعة] والمادية التاريخية في كتابه [أصل العائلة] وغيره.
إذن، فالتكوين النظري الأصلي للماركسية هو ما استند إلى هذين الشخصين بالذات، خلال وجودهما في العصر التاسع عشر.
ثم توالت التجارب... تترى... وكان بعضها خلال حياة هذين المفكرين، ولعل أهمها ثورة باريس المسماة بكومونة باريس، التي أظهرت نقاط الضعف لهذين الشخصين في نظريتهما حتى صرحا في البيان الشيوعي: ان بعض نقاط هذا البرنامج قد شاخت[[4]], وانه لا بد من إجراء التعديل على بعض الفقرات[[5]].
وأباح ماركس وانجلز لأنفسهما ان يغيرا من النظرية بمقدار ما ظهر لهما زيفه... وكيف لا، وان الأفكار أفكارهما فلهما ان يتصرفا فيها كيف شاءا... وان كان هذا التغيير لو قام به غيرهما لاعتبراه خارجا على تعاليمهما.
وفارق هذان المفكران الحياة، والتجارب لا زالت تترى، ولا يمكن ان تتوقف. والتجارب لا تحترم أحدا ولا ترحم رأيا ولا تغتر بالظواهر.
... واستطاعت الماركسية، ردحا من الزمن، ان تكسب احترام عدد من الناس نتيجة للظلم المعاش في روسيا وأوروبا عموما، إلى جانب الدعاية الشيوعية الواسعة النطاق في تلك البلدان، والتركيز على انه لا يمكن الهرب من الاقطاع أو الرأسمالية إلا إلى الماركسية، لانها هي الحل الوحيد للمشاكل الانسانية.
واصطدمت التعاليم والمفاهيم الماركسية بالواقع، وتحير الناس في التوفيق بينها وبين الواقع، وحدثت مئات الأسئلة في الأذهان... فكان من الطبيعي ان يستعمل العديدون من مفكري هذه العقيدة، قابلياتهم الذهنية للتصدي لتذليل هذه العقبات سواء من الناحية الفلسفية أو الاجتماعية... فوجدت، نتيجة لذلك، عدة أطروحات لفهم الماركسية في روسيا وأوروبا مثل آراء بليخانوف ولينين وكاوتسكي وتروتسكي وهيلغر دينغ، وغيرهم.
ولم يكن الفكر الماركسي الأصلي - في الواقع - أقرب إلى أحدهم، من الآخر، لان كل واحد منهم يقول: بان ماركس أراد ان يقول هكذا، لا غيره. ومن الصعب جدا من الناحية الموضوعية، ان نتصور ان أشخاصا بأعيانهم أقرب إلى مجموع النظرية من الآخرين. بل لربما ان هذا فهم هذه الجهة من كلام ماركس بشكل أصوب، وذاك فهم تلك الجهة بشكل أصوب، وهكذا، تبعا لاختلاف إختصاصات الأفراد وتجاربهم الحياتية والعلمية وغيرها، وبالتالي لا يتعين للأجيال المتأخرة، من هو الأقرب ومن هو الأبعد بشكل مطلق.
الا ان ظروف ثورة أكتوبر من ناحية، وظروف الحرب العالمية الثانية من ناحية أخرى... جعلت من بعض هؤلاء المفكرين حكاما وقادة ومسيطرين. فأصبحت القوة إلى جانب تفسير معين للماركسية، هو التفسير الذي يتبناه هؤلاء القادة، وأصبح هو التفسير الرسمي الصحيح، وغيره هو الباطل الذي يمثل الانحراف و[المثالية] وقصر النظر. وأصبح ذووه مستحقين للقتل والتشريد.
وأصبحت السيطرة الحقيقية فكريا واجتماعيا للقائد الأعظم [لينين] وأصبح تفسيره للماركسية هو الصائب. وكان من وافقه كبليخانوف على صواب وكان من خالفه كتروتسكي وغيره على خطأ.
وبقي الحال على ذلك، وبقي الحق إلى جانب القوة، متمثلا في ستالين، ثم خروشوف ثم الحكام السوفياتيين المعاصرين. وبقيت الدراسة الرسمية في جامعات البلدان الاشتراكية منطلقة من ذلك على الدوام. وكانت هذه البلدان هي الطليعة الأولى في القرن العشرين لسحق المعارضة وكم الافواه.
وكان لذلك استثناءان:
الاستثناء الأول: الآيديولوجية الصينية [الماوية] لفهم الماركسية... حيث استطاع ماوتسي تونغ ان يستقل عن الفهم السوفييتي الرسمي للماركسية، ويتخذ لنفسه فهما جديدا بقوة كاملة، تجعله بدوره رسميا وصحيحا!!!...
الاستثناء الثاني: ان ظروفا معينة أوجبت إيجاد أفكار ماركسية جديدة خلال الاعوام القليلة المتأخرة [العقد الثامن من القرن العشرين]. وكان أهم هذه الظروف عاملان:
العامل الأول: ظروف الحرية النسبية التي تبنتها الحكومة السوفييتية كرد فعل للتقييد الذي عاشوه خلال عصر [ستالين]، تلك الحركة التي فسحت فرصة جديدة للماركسيين في ان يوضحوا ويفسروا الماركسية من جديد.
العامل الثاني: ظروف النقد اللاذع والايرادات الفلسفية والتاريخية والاجتماعية التي أوردت على الفكر الرسمي، الماركسي - اللينيني، من قبل المفكرين الاسلاميين والأوروبين الرأسماليين... بحيث اتضح للرأي العام بكل جلاء زيف هذا التكوين النظري، وثبت للشيوعيين استحالة بقاء هذا التكوين على أهميته وهيبته في الأذهان من دون إصلاح ورتوش.
ومن هنا تحركت عدد من الأقلام لعرض الماركسية من جديد، بشكل يدعم ورود تلك الانتقادات عليه.
وسمح هؤلاء المفكرون لأنفسهم الطعن بماركس وانجلز بصفتهما برجوازيين!!!... وبصفتهما ذوي تجارب قديمة!!. وبصفتهما ذوي تنبآت فاشلة [بحدوث الثورة الاشتراكية في فرنسا وإنكلترا]!... وبصفتهما قابلين للخطأ والنقاش على أي حال.
كما سمح هؤلاء المفكرون ان يناقشوا الأفكار الأساسية للماركسية، فضلا عن التفاصيل... ففي الديالكتيك: لا يتضمن الشيء لنقيضه، وإنما توجد له ذاتيا عوامل الفناء. وفي المادية التاريخية: أكدوا على انقسام المجتمع إلى أكثر من طبقتين... وانه لا ضرورة على مرور البلد بجميع مراحل هذه النظرية... وفي جانب الضرورة التاريخية: أكدوا على وجود حرية التصرف للفرد إلى حد كبير، وان الحرية لا تنافي الضرورة.
وفي جانب الاقتصاد، قالوا: ان الرأسمالية التي عرفها ماركس، هي الرأسمالية البدائية... وهناك رأسماليات لم يلتفت لها ماركس!!، يكون أخرها مرحلة [الامبريالية]... إلى غير ذلك مما قالوه... وسنسمع الكثير من ذلك خلال مناقشاتنا الآتية.
بعد هذه الجولة التاريخية السريعة في الفكر الماركسي، يتضح ما نريد ان نقوله في هذه النقطة الثانية... فان هذه الخلافات بين المفكرين الماركسيين تعطي نتيجة واضحة، وهي وجود درجة من الغموض والتشويش في تحديد [الفكر الماركسي]... بحيث لو عرضت الماركسية على شكل كهذا لصح، ولو عرضتها على شكل آخر لصح أيضا، ولو عرضتها على شكل ثالث لصح أيضا... فأي الأفكار هي [الماركسية] هل هي ماركسية ماركس أم ماركسية تروتسكي أم ماركسية ماوتسي تونغ أم ماركسية لينين أم ماركسية المحدثين كبوليتزر وكوفالسون وغيرهما.
فأي هذه الأشكال هو الماركسية؟!... ليس هو مجموعها بالطبع... لوجود التنافي بينها... وليس واحد بعينه أولى بماركس من الآخر... ومن هنا تحار الاشارة في التوجه، وتزول الحدية في التحديد.
فإذا وصل النقاش بين الماركسيين إلى الأفكار الأساسية، أصبح من الممكن الاشارة إلى فهمين متناقضين... كلاهما نسميه بالماركسية. فمثلا بينما آمنت الماركسية الأولى بضرورة تغير كل أوضاع المجتمع نتيجة لتطور وسائل الانتاج، قال الماركسيون المتأخرون: انه إنما يؤثر في تغيير بعض الأوضاع، وفي حدود الحرية النسبية دون الضرورة المطلقة.
وهذا المقدار من التناقض مع الفكر الماركسي هو الذي سار عليه الماركسيون المحدثون، بعد مواجهة العاملين السابقين... وهو اتجاه منفتح في داخل الماركسية يتضمن نقطة قوة من هذه الناحية.
الا ان هذا الاتجاه يمنى بإيرادين رئيسيين ما دام يعترف كونه ماركسيا:
الايراد الأول: ان الفكر الماركسي الموروث... ينبغي ان يكون خاطئا جملة وتفصيلا، ويجب إعادة النظر فيه عموما. فإذا علمنا ان هذا الفكر هو الذي قامت على أكتافه ثورة أكتوبر السوفييتية، حتى ان لينين نفسه سجل أهم تطويراته الفكرية بعد الثورة، فضلا عن ستالين... عرفنا ان الفكر الذي قامت عليه ثورة أكتوبر فكر خاطىء... وهذه نتيجة مؤسفة بالنسبة إلى كل الماركسيين!...
الايراد الثاني: الخصيصة الرئيسية للماركسية الموروثة عن ماركس وانجلز... إنما هي استيعاب الكون والمجتمع بفهم شامل ومتجانس، كما سمعنا.
ومعه... فايرادات الماركسيين المتأخرين وآراؤهم، ان أوجبت الطعن بالماركسية الأولى دون ان تأتي بالبديل... إذن، فقد خسروا الفهم المستوعب للكون والحياة. وان جاءوا بالبديل، لم يكن هو ماركسية، بل هو منسوب إلى صاحبه كنسبة آراء ماركس اليه... فهي - مثلا - خروشوفية أو كوفالسونية!!!... ومعه ينبغي الابتعاد عن ماركس كمفكر فعلي وإعطاء الأهمية له من زاوية متحفية فقط. وهذا أيضا مما يعز على الماركسيين الاعتراف به.
النقطة الثالثة: سوف نسير في مستقبل البحث على تذليل هذه الصعوبة التي عرضناها في النقطة السابقة، على الشكل التالي:
أولا: الاعتماد في فهم الفكر الماركسي على ماركس وانجلز بصفتهما الواضعين الرئيسيين للنظرية... واعتبار ما ناقض آراءهما من وجهات النظر خارجا عن الماركسية، وان كان صادرا عن مفكرين ماركسيين.
ثانيا: الاعتماد في فهم هذه النظرية وتفسيرها على المسلك الرسمي السوفييتي الأول المتمثل بلينين وستالين وبليخانوف... بصفته الحامل الأول لهذه الفكرة إلى العالم.
وهو إذا قورن من ناحية موضوعية إلى مسالك الآخرين الذين قضت عليهم الثورة، لم يكن أولى منها، كما قلنا... لكن الآراء الأخرى مجهولة التفاصيل وقليلة المصادر... مضافا إلى ان المسلك الرسمي هو المسلك المعترف به من قبل الشيوعيين في عالم اليوم.
ثالثا: الاعتماد على المفكرين الماركسيين المحدثين الذين لم يسمحوا لأنفسهم المناقشة في الأفكار الماركسية الرئيسية... وإنما قبلوها وحاولوا ايضاحها من جديد. وإذا سنحت لهم المناقشة، فإنما يكون من زوايا جزئية.
... فهؤلاء يعتبرون، على المستوى الرسمي السوفييتي، نقلة أمناء للماركسية أمثال كيللي وكوفالسون وأفاناسييف وبوليتزر وغيرهم... دون الآخرين الذين طعنوا في الأفكار الماركسية الأساسية.
وهنا ينبغي الالماع إلى ان التفسير السوفييتي للماركسية، هو الأقرب إلى الاعتماد من التفسير الصيني الماوي. لان التفسير السوفييتي بخطه الطويل هو الوريث المباشر للماركسية - اللينينية بطبيعة الحال، مهما أراد ماوتسي تونغ - وهو في أقصى الدنيا - ان يقول!!...
النقطة الرابعة: الخصيصة الثانية التي ذكرناها في النقطة الأولى لإمكان النقاش، غير متوفرة أيضا في الفكر الماركسي... وهي وجود مسلمات مشتركة يمكن ان ينطلق منها الجدال أو ان يقف عندها النزاع. وكيف يمكن ان تكون هذه الحقائق موجودة، بين الماركسية والاسلام، في حين انهما يبدوان أمام الرأي العام على طرفي نقيض وبشكلين مستقطبين لا يمكن ان يلتقيا أبدا...
وأي شيء تكون هذه الحقائق؟... بعد ان اعتبرت الماركسية الدين نتاجا بدائيا جدا لوسائل الانتاج، ونصيراً للاقطاع، وأفيونا للشعوب، وصورة مكثفة للمثالية المقيتة!!!... كما اعتبر الدين الماركسية الحادا وزندقة وضيقا في النظر إلى الكون والمجتمع، وسيرا بالبشرية إلى مهاوي الفساد.
ومع وجود هذا التنافي الشاسع بينهما، لا يمكن ان توجد أي حقيقة مشتركة بينهما، يمكن ان ينطلق منها الجدال أو ان يقف عندها النزاع.
وقد ينتج من ذلك: ان الفكر الديني لا يستطيع ان يجيب على آراء الماركسيين أو ان يناقشهم... أو على الأقل، لا يستطيع إقناع الماركسيين بآرائه، فكيف يصح لنا الكلام، ونحن ننطلق في النقاش من زاوية دينية؟!.
إلا ان هذه الصعوبة، يمكن تذليلها بكل سهولة... كـما يلي:
أولا: ان هذه النتيجة الموما اليها، تأتي بالنسبة إلى الماركسية أيضا... إذ مع إنعدام المسلمات المشتركة، ينتج أيضا عدم إمكان إقناع المتدينين ضد فكرتهم أيضا، تماما كما هو شأن الماركسيين.
ولكن هل هذه النتيجة صحيحة، بالنسبة إلى المتدينين... هذا ما سنعرفه فيما يلي.
ثانيا: ان الماركسية إنطلقت في فهمها لنظريتها وفي الاستدلال عليها، من أمثلة مقتبسة من واقع الطبيعة والمجتمع. فإذا استطعنا ان نعرف ان الواقع الموضوعي للوقائع، كالكأسة الفارغة، يمكن ان تملاه بأكثر من رأي وفلسفة وتفسير، ولا يتعين في فهمه الاتجاه الماركسي.
... وإذا استطعنا ان نفهم ان ما استشهدت به الماركسية من الوقائع إنما هو غيض من فيض لا يمكن الانطلاق منه إلى استنتاج النظرية العامة. إذا استطعنا هذا وذاك وغيرهما، استطعنا ان نمشي في النقاش خطوات كبيرة.
ثالثا: اننا سنسمع وجوها للمناقشة مستنتجة من القواعد الماركسية نفسها. وهي تكون ملزمة بالنسبة إلى من يؤمن بهذه القواعد مع التأكد من صحة الاستنتاج.
رابعا: اننا قد ننطلق إلى المناقشة من أسس عقلية قد لا يؤمن بها الماديون... وغايتنا من ذلك بيان: اننا لا يمكننا الايمان بنتائج أفكارهم وان آمنوا بها والتزموا بصدقها، لانها منافية لمبادئنا العقلية.
خامسا: اننا سوف ننطلق إلى مناقشة الماركسية من مستويين:
المستوى الأول: النظر في تفصيل النظرية وإعطاء المناقشة لكل فقرة منها على حدة. وهذا ما سنسير فيه على هدى الفقرات السابقة.
المستوى الثاني: النظر إلى مجموع النظرية الماركسية ككل وإعطاء البديل الأصلح عنها. فاننا سنعوض عن المادية التاريخية بنظرية التخطيط العام الالهي وسننطلق عن طريق المقارنة إلى مناقشات أساسية وجديدة. وستكون هذه المناقشات أكثر عمقا وضبطا وترابطا من المستوى الأول، بالرغم من صحة كلا المستويين. وهذا ما سنذكره خلال عرض نظرية التخطيط العام في القسم الثالث من الكتاب، وسنقتصر في هذا القسم على المستوى الأول من المناقشات.
النقطة الخامسة: ان الخصيصة الثالثة لإمكان النقاش، مما عرفناه في النقطة الأولى، وهي تجرد الباحث وموضوعيته... الذي هو الشرط الأساسي للدخول في أي نقاش ولاحتمال قبول أي نتيجة... إذ بدونه يمكن رفض أي نتيجة، مهما كانت صادقة ومبرهنة.
هذه الخصيصة... استطاع الماركسيون في وضعهم الفكري والاجتماعي، ان يقيموا القرائن على رفضها والابتعاد عنها كانها من الخصائص القاتلة للنظرية والتطبيق!!...
ويتلخص بيان موقف الماركسيين من هذه الموضوعية، في مرحلتين:
المرحلة الأولى: إنكارهم وجود الموضوعية والتجرد الذهني لأي فكر أصلا. وإنما يعتبر الفكر عموما نتاجا طبقيا وحزبيا معينا.
قال كوفالسون:
"ينبغي التمييز بين الموضوعية والموضوعانية...التعبير الأول يستخدم لوصف المعرفة العلمية، والثاني لوصف الموقف النظري [!] أي على وجه الضبط موقف [اللا تحيز] في معرفة الحياة الاجتماعية، موقف المراقب غير المتحيز الموضوعي المزعوم للعمليات الاجتماعية. وقد انتقد لينين الموضوعانية إنتقادا حادا، واعتبرها شكلا مستورا ومقنعا للتعبير عن الحزبية"[[6]].
وأضاف:
"فليس موقف المراقب الحيادي موقف اللا مبالاة وعدم الاكتراث، بل الاشتراك الفعال في الحياة الاجتماعية"[[7]].
فكأن الموضوعية عنده، تعني عدم الاهتمام بالحياة الاجتماعية والانصراف عنها... في حين ان الاهتمام بها يعني شيئا آخر غير الموضوعية أو الموضوعانية - كما سماها -. وهذا الاهتمام ضروري بطبيعة الحال، إلا ان وجود الموضوعية أيضا ضروري، لانها تعني - بكل بساطة - استعداد الذهن لقبول الحقيقة، وعدمها يعني الجمود على الفكرة لمجرد الموافقة مع الهوى والمصلحة الخاصة ليس الا. والدعوة الى "النضال من أجل وحدة الموضوعية العلمية والحزبية"[[8]]، يحتوي على تهافت في التفكير، لوجود التنافي الواضح بين الاتجاه الموضوعي والاتجاه الحزبي.
المرحلة الثانية: اننا حين نستقرىء كلمات الماركسيين ومؤلفاتهم وطرق تفكيرهم، نجدهم قد طبقوا نظريتهم في إنتفاء الموضوعية والتجرد بشكل واضح.
وذلك في عدة حقول:
الحقل الأول: انهم يستعملون الشتم عند الحاجة لكل معارض، مهما كانت الفكرة نظرية، أو كان المتناقشون مفكرين على مستوى عال.
إسمع معي لينين ينتقد إشتراكية ما قبل ماركس: "وقد جاءت ثورة [1848] تسدد ضربة قاتلة لجميع الأشكال الصاخبة المبرقشة اللاغطة لإشتراكية ما قبل ماركس... وتكشف جميع المذاهب التي تقول باشتراكية لا طبقية وبسياسة لا طبقية عن ثرثرة باطلة"[[9]].
واسمعه يتحدث عن تقدم الفيزياء الحديثة وكيف يرى انه:
"قد أثبت بشكل رائع صحة مادية كارل ماركس الديالكتيكية رغم أنف مذاهب الفلاسفة البرجوازيين ورغم إرادتهم [الجديدة] نحو المثالية القديمة المتهرئة"[[10]].
وعلى هذا الغرار...
حتى رفيقاه في النضال: بليخانوف وستالين... لم ينجوا من لسانه... بليخانوف الذي قال عنه لينين:
"لا يمكن للانسان ان يصبح شيوعيا حقيقيا واعيا ما لم يدرس كل ما كتبه بليخانوف في الفلسفة. لانه خير ما يوجد في مجمل نتاج الفكر الماركسي في جميع البلدان"[[11]].
قال عنه أيضا:
"لم يتمسك ماركس بشجب دعيّ لحركة جاءت في غير أوانها على غرار الماركسي الروسي المرتد بليخانوف الذي اشتهر شهرة لا يغبط عليها... أخذ يصرخ على نمط الليبراليين: ما كان ينبغي حمل السلاح"[[12]].
وأما ستالين فحذر منه قائلا:
"ان الرفيق ستالين الذي أصبح أمينا عاما، قد حصر في يديه سلطة لا حد لها. وأنا لست على ثقة في انه سيعرف على الدوام كيف يستعمل هذه السلطة بما يكفي من الاحتراس"[[13]].
وقال عنه أيضا:
"ان ستالين مفرط في الفظاظة... ولهذا اقترح على الرفاق ان يفكروا في إسلوب لنقل ستالين من هذا المنصب وتعيين شخص آخر لهذا المنصب، يمتاز من جميع النواحي الأخرى عن الرفيق ستالين بميزة واحدة فقط هي ان يكون أكثر تسامحا وأكثر ولاءا وأوفر لطفا وأشد إنتباها للرفاق، وأقل تقلبا في الأهواء"[[14]].
أما أعداؤه الكلاسيكيون، فهم الوحوش الضواري تماما. اسمعه يقول - فيما يقول -:
"ان ضواري الامبريالية الانجلوفرنسية والأمريكية، يتهموننا بالاتفاق مع الامبريالية الألمانية، فيا للمنافقين ويا للاوباش الذين يفترون على حكومة العمال وترتعد فرائصهم في الوقت نفسه أمام العطف الذي يبديه عمال بلدانهم بالذات علينا"[[15]].
فكيف تقوم الآيديولوجية الكبرى على مثل هذه الشتائم؟!...
الحقل الثاني: إضفاء أكبر الصفات وأهم آيات المدح العاطفي والفكري لأي شخص ينسجم معهم في الفكر والعمل.
وبالرغم من ان الجهة العقلية التامة تقتضي التنزه في عرض النظريات عن المدح، كالتنزه عن الذم تماما. لكن قد يشفع لهم انسياقهم العاطفي زيادة عن العطاء العقلي... غير ان المدح ينبغي ان يقتصر على المقدار الممكن نظريا إضفاؤه على الآخرين... ولكن نجد ما هو أكثر من ذلك...
فاننا بالرغم من اننا نسمع من الماركسية ان الآراء والأفكار كلها طبقية وحزبية، وان الحقائق كلها نسبية...
قال انجلز:
"كذلك تحطم هذه الفلسفة الديالكتيكية جميع التصورات عن الحقيقة المطلقة النهائية وعن أوضاع الانسانية المطلقة المناسبة لها. فليس هناك بالنسبة للفلسفة الديالكتيكية شيء نهائي، مطلق، مقدس، انها ترى الانهيار في كل شيء... وهي نفسها ليست سوى انعكاس بسيط لهذا المجرى في الدماغ المفكر"[[16]].
وبالرغم من ان الماركسية نفسها فلسفة حزبية، تمثل فلسفة حزب أو طبقة البروليتاريا، كما أكد عليه الشيوعيون تأكيدا شديدا:
"ان العلم الاجتماعي الماركسي يربط نفسه على المكشوف بمصالح الطبقة العاملة بالنضال من أجل تحرير الكادحين من الاستثمار... وفي هذا تقوم حزبيته"[[17]].
... بالرغم من هذا الأفق الضيق الذي يستحيل معه الانطلاق. فان الشيوعيين يؤكدون ان الماركسية تتحدث عن الواقع بكامله، سواء على المستوى الطبيعي أو الاجتماعي.
اسمع لينين يقول:
"ان مذهب ماركس لكليّ الجبروت، لانه صحيح، وهو متناسق وكامل، ويعطي مفهوما منسجما عن العالم، لا يتفق مع أي ضرب من الأوهام، ومع أية رجعية... وهو الوريث الشرعي لخير ما أبدعته الانسانية في القرن التاسع عشر"[[18]].
ويقول:
"وأهم هذه المكتسبات - الماركسية - الديالكتيك، أي نظرية التطور بأجمل مظاهرها وأشدها عمقا وأكثرها بعدا عن ضيق الافق. نظرية نسبية المعارف الانسانية التي تعكس المادة في تطورها الدائم"[[19]].
ويقول:
"ان مادية ماركس التاريخية كانت أكبر إنتصار أحرزه الفكر العملي"[[20]].
ويقول غيره:
"ان الفلسفة الماركسية - اللينينية، إذ تدرس قضية العلاقة بين الموضوع والذات وأعم قوانين تطور العالم المادي والتفكير نفسه، تعطي العلوم الأخرى المفهوم الصحيح للعالم ونظرية وطريقة المعرفة العلمية"[[21]].
ويقول:
"انها تدرس القوانين العامة لتطور المجتمع"[[22]].
الى غير ذلك!...
ولا تعلم كيف يكون الفكر صحيحا ومطابقا للواقع الموضوعي، طبيعيا واجتماعيا، مع كونه حصيلة فكر طبقي وحزبي معين؟!...
الحقل الثالث: اعطاء فهم خاص لبعض الآراء المضادة للماركسية، بحيث يسهل مناقشتها بسهولة أو لا، وحمل فكرة سيئة عنها سلفا، ثانيا.
ولعل أوضح مثال على ذلك: تلك الأوصاف والخصائص التي افترضها الماركسيون للميتافيزيقيين.
فان الميتافيزيق لفظ يوناني، يؤدي معنى: ما وراء الطبيعة أو ما فوق الطبيعة. ومحصله: ان هناك شيئا آخر خارح عالم الطبيعة الفيزياوي غير محكوم لقوانين الفيزياء الاعتيادية... موجود، في عالم الواقع ومؤثر في عالم الطبيعة. ولا يمكن ان نفهم من هذا اللفظ الموجز أكثر من ذلك، كما هو واضح. والميتافيزيقي هو الذي يؤمن بمضمون هذا اللفظ. ليس إلا...
أما الماركسيون، فقد أضفوا على الميتافيزيقي صفات عديدة وغريبة، تكاد تجعله في عداد المجانين!!...
قال خالد بكداش:
"ان الميتافيزيقية: تعني طريقة في التفكير الفلسفي تنكر الروابط بين الأشياء والحوادث، وتنظر اليها منفصلا بعضها عن بعض، وتعتبر الطبيعة في حالة جمود وإستقرار..."[[23]].
وقال ستالين:
"تتميز الطريقة الديالكتيكية الماركسية بالخطوط الأساسية التالية:
أ- ان الديالكتيك - خلافا للميتافيزيقية - لا يعتبر الطبيعة تراكـما عرضيا للأشياء، وحوادث بعضها منفصل عن بعض... بل يعتبر الطبيعة كلا واحدا متماسكا ترتبط فيه الأشياء والحوادث بينها ارتباطا عضويا...
ب- ان الديالكتيك - خلافا للميتافيزيقية - لا يـعتبر الطبيعة في حالة سكون وجمود وحالة ركود واستقرار, بل يعتبرها حالة حركة وتغير دائمين...
جـ- ان الديالكتيك - خلافا للميتافيزيقية - لا يعتبر حركة التطور حركة نمو بسيطة، لا تؤدي التغيرات الكمية فيها إلى تغيرات كيفية، بل يعتبرها تطورا ينتقل من تغيرات كمية ضئيلة وخفية إلى تغيرات ظاهرة وأساسية، أي إلى تغيرات كيفية..."[[24]].
وقال بوليتزر:
"وتفصل الميتافيزيقا المادة الخام عن المادة الحية وعن الفكر. لان الميتافيزيقا تعتبر ان هذه مبادىء ثلاثة منعزلة كل منها عن الآخر"[[25]].
وقال أيضا:
"وتقوم الميتافيزيقا بعزل الظواهر الاجتماعية كلا منها عن الأخرى، فتعزل الواقع الاقتصادي عن الحياة الاجتماعية، وتعزل الحياة السياسية عنهما، كـما انها تدخل الحواجز في كل هذه الميادين"[[26]].
وقال أيضا:
"ولا يفهم الميتافيزيقي تاريخ المجتمعات، بل هو خليط من العوارض [أي الظواهر التي لا سبب لها] ومن الصدف العابثة"[[27]].
الى آخر ما ذكروه من خصائص وصفات...
وبغض النظر عن ان هذا النقل عن آراء الميتافيزيقيين، لم يسند إلى أي مصدر من مصادرهم، ولم يدل عليه أي كلام من كلماتهم. وإنما كل ما في الأمر ان الماركسيين رغبوا بنسبة هذه الآراء اليهم بدون دليل. وإذا أمكنت مثل هذه النسبة العشوائية لشخص ما، أمكنت لأي شخص آخر... وهذا يعني - بكل بساطة - سقوط الاعتبار لنقل الماركسيين لآراء خصومهم!...
وبغض النظر - أيضا - عن ان هذا النقل عن الميتافيزيقيين، صحيح أو خاطىء... فان مستقبل هذا البحث كفيل بهذه الجهة.
المهم في المقام: ان أياً من هذه الآراء، غير متضمن في معنى الميتافيزيقية بأي حال. وإنما هو مفهوم بسيط لا يعني سوى وجود شيء ما وراء العالم الطبيعي المنظور... فمن أين جاءت هذه الاضافات؟!...
الحقل الرابع: ان كل فكرة معارضة للماركسيين... لا بد ان توسم بصفة غير محببة!!... حتى وان كانت فكرة مادية وإشتراكية.
وان أعظم صفة رديئة توسم بها الفكرة عندهم هي كونها [مثالية]!!... إلى جانب كونها روحية وميتافيزيقية...
فبعد ان نتجاوز مادية ما قبل ماركس والاشتراكيات الأخرى غير الماركسية، وما وسمت به من هذه الأوصاف... ينبغي لنا ان نمثل بأهم وأقرب الفلاسفة، في المستوى الذهني والفلسفي إلى الماركسية... وهما هيجل ولودفيج فورباخ...
فهيجل... بالرغم من انه الفيلسوف المادي الذي وصل بالفكر الديالكتيكي إلى أوج ارتفاعه، فيما قبل الماركسية. وهو أمر في غاية الأهمية بالنسبة إلى الماركسية. وقد مدحه انجلز قائلا:
"ولما لم يكن - هيجل - عبقرية خلاقة وحسب، بل إنسانا ذا تبحر موسوعي، فان مؤلفاته في جمع الميادين ذات قيمة مرموقة"[[28]].
بالرغم من ذلك لم ينج من تهمة المثالية. حيث نسمع لينين، حين يتحدث عن التحريفيين، يقول:
"انهم كرزوا بالمثالية، بمثالية أحقر وأسخف ألف مرة من مثالية هيجل"[[29]].
وقال عنه جان كاتابا:
"بيد ان ديالكتيك هيجل تأثر تأثرا ثقيلا بعبء مثاليته"[[30]].
وفورباخ... وهو الفيلسوف المادي المهم الذي ألف فيه انجلز كتابه المسمى باسمه... وسمَه انجلز نفسه بسمة المثالية مكررا.
منها قوله:
"ان مثالية فورباخ الحقيقية تنكشف حالما تنتقل إلى فلسفته في الأخلاق والدين..."[[31]].
ليس هذا فقط، بل هو ميتافيزيقي!!، أيضا. قال انجلز ضمن كلامه:
"نجد عرضا عن سير تطور الميتافيزياء الفورباخية نفسها"[[32]].
ولا نعلم ماذا يعني مفهوم المثالية ومفهوم الميتافيزيقية أو الميتافيزياء - حسب إصطلاحه -... حين ينطبق على أمثال هؤلاء الفلاسفة الماديين؟!...
نعرف من كل ذلك: ان الماركسيين مزجوا في كلماتهم بين الفكر والعاطفة... وقد يكون لهم بعض العذر حين تبنوا الحزبية، ورفضوا الموضوعية في التفكير. وأما من يرفض هذا الاتجاه، ويقيّم المفكر بمقدار ما يبذل من موضوعية وتجرد... كيف يمكن ان يركن إلى ما قالوه من كلام؟!...
ومن هنا نفهم ما أردنا إيضاحه في هذه النقطة الخامسة، وهو انه مع وجود هذا المنحى العاطفي الخالي من الموضوعية عند الماركسيين، كيف يمكن النقاش معهم وأخذ النتائج منهم؟!... فانه يكفيهم ان يصفوه بالمثالية والميتافيزيقية، ليعتبروا كلامه ساقطا من الاعتبار وغير قابل للاصغاء.
النقطة السادسة: حقا ان من يكون على هذا المستوى الذهني الذي عرفناه قبل لحظة يتعذر عليه الاصغاء لأي كلام والالتفات لأي نقاش. وحقا ان الماركسية تجعل للمعتقدين بها [مناعة] عميقة عن التأثر بأي كلام آخر غير كلامها، أو إنتهاج أي منهج سواها.
غير ان لنا في تذليل هذه الصعوبة المنهجية الثالثة فكرة معينة، هي ان هذه الصعوبة لا ينبغي ان تعيقنا عن التفكير أو ان تكف أيدينا عن طلب الحقيقة.
فان أمامنا النظرية الماركسية بمصادرها وتفاصيلها، بنقاط قوتها وضعفها. فحسبنا ان نعرضها كـما هي معروضة بنطق أصحابها - كما وعدنا في منهجنا - فنقبل ما هو حق ونرفض ما هو باطل، ونناقش كـما يوصلنا اليه البرهان الصحيح... مخاطبين في ذلك الرأي العام المفكر الذي يتصف بدرجة مقبولة من التجرد والعمق.
ولا يهمنا بعد ذلك ان يكون كلامنا مقبولا لدى من ينكر التجرد والموضوعية، ويعتبرهما حزبية مبطنة ومساوقة مع الاهمال وعدم الاهتمام.

الأسس العامة الفلسفية
للمادية التاريخية

-1-
تبدأ الكتب الماركسية - عادة - بنقطة انطلاق معينة، وهي ان أهم مسألة في الفلسفة على الاطلاق، هي ان الفكر متقدم على المادة أو ان المادة متقدمة على الفكر... وان اختلفت كلمات الماركسيين في طرح هذه المسألة.
قال انجلز:
"المسألة الأساسية الكبرى في كل فلسفة، وبخاصة الفلسفة الحديثة، هي مسألة العلاقة بين الفكر والوجود... مسألة معرفة أي عنصر هو الأسبق: الروح أم الطبيعة. ان هذه المسألة قد اتخذت حيال الكنيسة شكلا حادا، هل العالم من صنع الله أم هو موجود منذ الأزل.
وقد كان الفلاسفة ينقسمون حسب جوابهم على هذا السؤال، بهذا الشكل أو ذاك، إلى معسكرين كبيرين. فالذين كانوا يؤكدون صفة الأسبقية للروح على الطبيعة، والذين كانوا بالتالي يسلمون، في نهاية المطاف، بخلق العالم من أي نوع كان... كان هؤلاء يؤلفون معسكر المثالية. أما الآخرون، الذين يعتبرون الطبيعة هو العنصر الأسبق، فكانوا ينتمون إلى مختلف المدارس المادية"[[33]].
-2-
وقد أجابت الماركسية على هذا السؤال باختيار الجانب المادي للفكر، وقالت في نفس الوقت بأزلية العالم، تجنبا للفكرة القائلة بإمكان ان يطفر الكون من العدم إلى عالم الوجود، دفعة واحدة بمحض الصدفة المطلقة، لوضوح سخافتها إلى درجة لا يمكن حتى مجرد التفكير بها.
يقول انجلز:
"ان الفهم المادي للعالم يعني - بكل بساطة - فهم الطبيعة كما هي، دون أية إضافة غريبة".
ولقد كتب لينين بصدد المفهوم المادي عند فيلسوف العهد القديم هيراكليت الذي جاء فيه ان "العالم هو واحد، وقد كان ولا يزال وسيكون شعلة حية إلى الأبد، تشتعل وتنطفىء تبعا لقوانين معينة..." فقال: "يا له من شرح رائع لمبادىء المادية الديالكتيكية"[[34]].
-3-
أضاف انجلز قائلا:
"ولكن مسألة علاقة الفكر بالكائن ترتدي أيضا مظهرا آخر: ما هي العلاقة بين أفكارنا عن العالم المحيط بنا، والعالم نفسه، وهل يستطيع فكرنا ان يعرف العالم الواقعي... هذه المسألة تسمى في اللغة الفلسفية مسألة مطابقة الفكر والكائن. ان أكثرية الفلاسفة الكبرى قد أجابوا عنها بالايجاب"[[35]].
وفي جواب هذا السؤال إختارت الماركسية - مصادرة - جانب الواقعية خلافا لهيوم وباركلي وأضرابهما.
"ممن يشكون في إمكانية معرفة العالم أو على الأقل معرفته الكاملة"[[36]].

-4-
واعتقدت الماركسية بإمكان اجتماع النفي والاثبات في هذا الواقع الذي اعترفت به، حتى في الشيء الواحد ذاته. واعتبرت الايمان بهوية واحدة ثابتة للأشياء ضربا ميتافيزيقيا من التفكير.
قال انجلز:
"تبدو وجهة النظر العتيقة الشكلية تجريديا عن الهوية، التي تريد تناول كائن عضوي كشيء مماثل لذاته ببساطة وكثابت، باطلة... بيد ان الهوية بوضعها هذا لا وجود لها في الواقع حتى في الطبيعة غير العضوية. فكل جسم يتعرض باستمرار لأفعال ميكانيكية وفيزيائية وكيميائية تحدث فيه على الدوام تغيرات تبدل هويته"[[37]].
..."ان التغير المستمر أي إبطال الهوية المجردة مع الذات، يوجد أيضا في الطبيعة المسماة بغير العضوية. والجيولوجيا هي تاريخ هذا التغير المستمر. على السطح تبدلات ميكانيكية [تآكل,تجمد] كيماوية [تفتت]. في الداخل تبدلات ميكانيكية [ضغط] حرارة [بركانية] تغيرات كيماوية [ماء، حوامض، مثبتات] على نطاق واسع. ارتفاع التربة، هوات أرضية...الخ".
"ان [مبدأ الهوية] بمعنى الميتافيزياء هو المبدأ الأساسي للمفهوم القديم عن العالم: آ= آ. كل شيء متماثل مع نفسه... وهذا المبدأ قد دحضه علم الطبيعة نقطة فنقطة، وفي حال إثر أخرى"[[38]].
وقال انجلز أيضا:
"أكيد اننا لا نصطدم بأي تناقض في الأشياء ما دمنا نعتبرها ساكنة وبدون حياة. كل لذاته. الواحد إلى جانب الآخر، والواحد بعد الآخر... وفي حدود ميدان الملاحظة هذا، نخرج من الأمر بنسق التفكير الدارج: النسق الميتافيزيائي.
ولكن الأمر يختلف عن ذلك تماما منذ ان ننظر إلى الأشياء في حركتها، في تغيرها، في حياتها، في فعلها المتبادل بعضها على بعض. هنا نقع فورا في تناقضات، فالحركة نفسها هي تناقض.
بل ان تغير المكان الميكانيكي نفسه لا يمكن ان يتم إلا لأن جسما ما في لحظة واحدة بذاتها يكون في مكان وفي مكان آخر معا، يكون موجودا في مكان واحد بذاته ولا يكون موجودا فيه.
والحركة إنما هي بالضبط، في الصورة التي ينطرح بها هذا التناقض باستمرار وينحل في الوقت نفسه"[[39]].
"وإذا كان التغير الميكانيكي البسيط للمكان يتضمن في ذاته تناقضا، فمن باب أولى ان تكون كذلك الأشكال العليا لحركة المادة، وعلى الأخص الحياة العضوية وتطورها.
وقد رأينا فيما سبق ان الحياة تقوم بالدرجة الأولى وعلى وجه التحديد في ان كائنا ما هو في كل لحظة ذاته وآخر مع ذلك. فالحياة بالتالي هي أيضا تناقض... ومذ يتوقف التناقض تتوقف الحياة أيضا ويحل الموت"[[40]].
-5-
حتى الرياضيات مشمولة لهذا التناقض.
قال انجلز:
"ان من الأسس الرئيسية للرياضيات العليا واقع ان المستقيم والمنحني يجب ان يكونا - في بعض الظروف - الشيء ذاته. والرياضيات العليا تحقق أيضا هذا التناقض الآخر، وهو ان خطوطا تتقاطع أمام أنظارنا، ينبغي - مع ذلك - على بعد خمسة أو ستة سنتيمترات فقط من نقطة تقاطعها ان تعتبر متوازية، أي انها خطوط لا يمكن ان تتقاطع حتى وان امتدت إلى اللانهاية.
ان جذراً لـ[آ] ينبغي ان يكون قوة لـ[آ] ومع ذلك فان [آ 15]= . انه لتناقض. ان كمية سلبية يجب ان تكون مربعا لشيء ما، ذلك لان كل كمية سلبية مضروبة بنفسها تعطي مربعا إيجابيا. ان الجذر المربع لـ[- 1] ليس فقط تناقضا، بل هو تناقض لا معقول، هو لا معنى فعلي. ومع ذلك ففي كثير من الحالات يكون هو النتيجة الحتمية لعمليات رياضية صحيحة. وفوق ذلك أين ترى تكون الرياضيات، سواء الدنيا أم العليا، إذا كان محظورا عليها ان تتعامل مع ؟"[[41]].

- 6 -
واعتقدت الماركسية ان هذا التناقض الداخلي هو السبب الكبير والوحيد للتطور.
قال لينين:
"التطور هو نضال المضادات".
وقال ستالين:
"تعتبر الطريقة الديالكتيكية ان حركة التطور من الادنى إلى الأعلى، لا تجري بتطور الحوادث تطورا تدريجيا متناسقا، بل بظهور التناقضات الملازمة للأشياء والحوادث بـ[نضال] الاتجاهات المتضادة التي تعمل على أساس هذه التناقضات"[[42]].
- 7 -
وهنا نصل إلى قانون: نفي النفي، أو التركيب بين النفي والاثبات, الذي هو روح التطور عند الماركسية.
قال انجلز:
"فما هو إذن نفي النفي، انه قانون لتطور الطبيعة والتاريخ والفكر، عام للغاية.ولذا له أهمية ومدلول بالغان. انه - كما رأينا - قانون على مملكة الحيوان والنبات وعلى الجيولوجيا والرياضيات والتاريخ والفلسفة"[[43]].
"فإذا كنت أقول عن جميع هذه العمليات انها نفي النفي، فاني أفهمها في ضوء هذا القانون الوحيد للحركة، وبالتالي لا آخذ بالحسبان على وجه التحديد خصائص كل عملية خاصة على حدة. ولكن هذا إنما يعني بالضبط: ان الديالكتيك ليس سوى علم القوانين العامة للحركة ولتطور الطبيعة والمجتمع البشري والفكر"[[44]].
دعنا نسمع انجلز يمثل لهذا القانون الماركسي:
"لنأخذ حبة شعير، مليارات من حبّ الشعير المتماثلة تطحن وتطبخ وتخفق، ثم تستهلك. ولكن إذا وجدت حبة شعير من هذا النوع الظروف العادية لها، إذا وقعت على أرض مؤاتية. فان تحولا معينا يجري فيها تحت تأثير الحرارة والرطوبة: انها تنبت، تزول الحبة بوصفها هذا، يقع عليها النفي. تحل محلها النبتة التي تولدت فيها، نفي الحبة. ولكن ما هو الدور الطبيعي لهذه النبتة؟، انها تنمو، تزدهر، تتلقح، وتنتج في نهاية الأمر حبات شعير جديدة. وما ان تنضج هذه حتى يتلف الساق ويقع عليه النفي بدوره. وكنتيجة لنفي النفي هذا، تكون لدينا من جديد حبة الشعير التي كانت في البداية، لا مجرد حبة، بل أكثر منها بعشر أو عشرين أو ثلاثين مرة"[[45]].
"ان عملية التطور هذه تتم لدى معظم الحشرات مثلما تتم مع حبوب الشعير، كالفراشات مثلا. فهي تلد من البيضة بنفي البيضة، فتنجز التغيرات في هيئتها النضج الجنسي، فتتزاوج، فتنتفي بدورها أي تموت، منذ ان ينتهي التزاوج وتبيض الانثى بيوضها العديدة"[[46]].
-8-
وبهذا يتضح مفهوم [الثلاثية] الماركسية: الاطروحة والطباق والتركيب... أو القضية وضدها والمركب.
والمقصود - عادة - بالاطروحة أو القضية وجود الشيء ذاته، سواء في عالم المادة أو عالم الفكر. والمراد بالطباق أو ضد القضية: تحقق نقيض ذلك الوجود، أما في داخله - بحسب مفهوم التناقض الماركسي الذي عرفناه -، أو في خارجه، يعني ما يسبب إلى زوال ذلك الوجود. والمراد بالتركيب: نفي النفي الذي عرفناه، وهو ان الصراع بين وجود الشيء وعدمه، بين الاطروحة والطباق، يصل بالوجود إلى وجود أفضل جديد... ثالث، هو غير الاطروحة والطباق السابقين. ويكون هذا الوجود الجديد بدوره إطروحة لينتفي بالطباق مرة أخرى... وهكذا تستمر الحركة.
وهذه الفكرة التي عرضناها واضحة في المصادر الماركسية بصيغة: النفي ونفي النفي، وفيما نقلناه سابقا كفاية للدلالة عليه. إلا ان التعبير بالثلاثية باحدى صيغتيها، نادر الوجود فيما إطلعنا عليه من المصادر، بالرغم من أنه مشهـور عنهم جدا.
فماركس نفسه حين أراد تطبيق القانون لم يعبر بذلك. حيث نسمعه في كتابه [رأس المال] يقول:
"ان الاستملاك الرأسمالي، المطابق لنمط الانتاج الرأسمالي، يشكل النفي الأول لهذه الملكية الخاصة التي ليست إلا تابعا للعمل المستقل والفردي. ولكن الانتاج الرأسمالي ينسل هو ذاته نفيه، بالحتمية ذاتها التي تخضع لها تطورات الطبيعة. انه نفي النفي. وهو يعيد ليس ملكية الشغيل الخاصة بل ملكيته الفردية المؤسسة على مقتنيات ومكاسب العصر الرأسمالي، وعلى التعاون والملكية المشتركة لجميع وسائل الانتاج، بما فيها الأرض"[[47]].
وكذلك انجلز، فيما سمعنا من التطبيقات وغيرها. وكذلك ستالين وبوليتزر وأضرابهما من المفكرين الماركسيين.
غير ان كاتبا ماركسيا حديثا تعرض إلى ذلك بإسلوب يكاد ان يكون ثانويا وإستطراديا... حيث قال:
"لقد رأينا ان ما يبرز بصفة النفي، يتبدل بدوره مع الزمن ويتحول إلى نوعية جديدة، أي نفي نفسه. وهذه السلسلة من النفي لا نهائية. وانه من الخطأ الظن بان هذا التطور يجري بشكل سلس وبدون تناقضات. الواقع ان التطور التصاعدي السائر إلى الامام عن طريق النفي يتم بشكل تناقض.
ولتوضيح ذلك نتصور نزاعا بين طرفين حول قضية علمية ما. ان الطرف الأول يقدم فكرة معينة [نظرية] والطرف الثاني يقدم نفي هذه الفكرة [ضد النظرية]. ان كلا من الطرفين المتعارضين يمكن ان يصيب بعض الحقيقة، ولكنهما يعارض أحدهما الآخر من جانب واحد، ويقف أحدهما من الآخر بصفته نافيا له. وتنثسب بين الطرفيـن معركة فكرية تنتهي بظهور فكرة جديدة تنفي الفكرتين السابقتين المتصارعتين فيما بينهما.
ولكنها عندما تنفيهما وتنهي الخلاف الناشب بينهما لا تنبذ تلك العناصر من الحقيقة التي كانت متمثلة في كل منهما من جانب واحد، بل تضمهما إلى بعض وتصبح بهذا [مركبا] يستفيد من الجوانب الايجابية في تطور الجدال الذي كان ناشبا... ويختفي في الوقت نفسه عنصر الخطأ المؤقت المعارض للحقيقة. ان هذه الدرجة الجديدة بالذات هي ما نسميه [نفي النفي]. وبالتالي فان نفي النفي هو النتيجة القانونية لحل صراع الاضداد"[[48]].
-9-
وطبقا لهذا التسلسل الفكري، وضعت الماركسية: قانون تراكم التغيرات الكمية وتحولها، في مرحلة معينة، إلى تغيرات كيفية. والمراد من التغيرات الكمية، بإصطلاحها، التغيرات الطفيفة التي تطرأ على الشيء، ومن التغيرات الكيفية: ما كان تغيرا أساسيا ومهما في الشيء. وبهذا الفهم من هذا القانون: ان التغيرات الطفيفة والقليلة إذا تراكمت أنتجت تغيرا كبيرا ومهما.
قال ستالين:
"ان الديالكتيك - خلافا للميتافيزيقية -، لا يعتبر حركة التطور حركة نمو بسيطة، لا تؤدي التغيرات الكمية فيها إلى تغيرات كيفية. بل يعتبرها تطورا ينتقل من تغيرات كمية وضئيلة وخفية إلى تغيرات ظاهرة وأساسية، أي تغيرات كيفية. وهذه التغيرات الكيفية ليست تدريجية، بل هي سريعة فجائية، وتحدث بقفزات من حالة إلى أخرى.
وهذه التغيرات ليست جائزة الوقوع بل هي ضرورية نتيجة تراكم كمية محسوسة وتدريجية.
ولذلك تعتبر الطريقة الديالكتيكية ان من الواجب فهم حركة التطور، لا من حيث هي حركة دائرية أو تكرار بسيط للطريق ذاته، بل هي حركة تقدمية صاعدة إنتقال من الحالة الكيـفية القديمة إلى حالة كيفية جديدة وتطور ينتقل من البسيط إلى المركب، من الادنى إلى الأعلى"[[49]].
وقال انجلز:
"كل تغير هو مرور من الكمية إلى الكيفية. هو نتيجة التغير الكمي لكمية الحركة كيفما كان شكلها، سواء أكانت ملازمة للجسم من داخله أم مضافة اليه من خارج. فان حرارة الماء مثلا ليس لها بادىء الأمر تأثير في حالته من حيث هو سائل، ولكن إذا زيدت أو نقصت حرارة الماء، جاءت لحظة تعدلت فيها حالة التماسك التي هو فيها، وتحول الماء إلى بخار في إحدى الحالات، والى جليد في الحالة الأخرى"[[50]].
و"يمكن القول بان الكيمياء هي علم التغيرات الكيفية الناشئة في الاجسام عن تغيرات كمية"[[51]].
-10-
وأما مقدار الارتباط بين هذين القانونين: قانون نفي النفي وقانون التغيرات، فهو غير واضح في المصادر الماركسية!...
ان الماركسية، لا بد لها ان تجيب عن السؤال عن هذه العلاقة بأحد شكلين:
الشكل الأول: ان التغيرات الكمية - مهما كانت ضئيلة - يعتبر كل واحد منها، أو كل مرحلة أو درجة، شكلا من أشكال التركيب [نفي النفي] النتائج من إطروحة وطباق سابقين عليه، طبقا للقانون الأول. والتغير الكيفي، شكل آخر للتركيب أيضا، لكنه ضخم ومهم. فقد اكتسب هذا التغير أصل وجوده من القانون الأول، واكتسب ضخامته وأهميته من القانون الثاني.
الا ان هذا الشكل لا يكاد يكون صحيحا، لانه مناف للطفرة التي قالت بها الماركسية قبل التغير الكيفي. فانها تعني ان هذا التغير الذي هو [تركيب] جديد غير مسبوق بإطروحة وطباق، بل بطفرة تقطعه عن سوابقه. فان من نتائج الطفرة وخصائصها ان لا يكون ما بعدها ملحقا بما قبلها أو معتبرا من نتائجه بشكل من الأشكال.
مضافا إلى ان وجود الاطروحة والطباق للتغير الكيفي سوف يكون افتراضيا تجريديا، لانه غير متمثل بالتغيرات الكمية السابقة عليه، وإلا صرنا إلى الشكل الثاني الذي سوف نتحدث عنه... إذن فأين توجد الاطروحة والطباق؟!...
الشكل الثاني: انها تعتبر التغيرات الكمية صراعا بين الاضداد أو بين الاطروحة والطباق، ويكون التغير الكيفي هو التركيب.
الا ان هذا الشكل أيضا غير قابل للتصديق، إذ مضافا إلى ورود الاشكال الأول السابق نفسه، فان الطفرة [تقطع] التغـير الكيفي عن التغيرات الكمية بل يعتبر حادثا جديدا غير ناتج مما سبق. بخلاف التركيب، فانه يتولد من أحشاء الصراع بين الاطروحة والطباق، ولا يمكن ان يكون إلا كذلك.
هذا، ونحن طبقا لهذا الشكل الثاني، لا بد ان نعتبر القانونين قانونا واحدا ليس إلا. فالتغيرات الكمية عبارة أخرى عن صراع الاضداد، والتغير الكيفي عبارة أخرى عن التركيب أو نفي النفي. فهما تعبيران عن واقع واحد. وبذلك تخسر الماركسية أحد القانونين الرئيسيين، مع انها قد أكدت على كل منهما مستقلا تأكيدا كبيرا.
فهل يعني ذلك ان الماركسية، حين تحدثت عن قانون التغيرات، لاحظته [سلسا] خاليا من الاضداد، كـما هو مقتضى الفصل بين القانونين... وهل يمكن للماركسية ان تتحدث بهذا الشكل؟...
- 11-
وينقسم صراع الاضداد إلى تناقض رئيسي وتناقض ثانوي.
فان "أية عملية ما ليست بسيطة قط، لانها تدين بوجودها الخاص إلى عدد كبير من الشروط الموضوعية التي تصلها بالمجموع. ينتج عن ذلك ان كل عملية هي محل سلسلة من التناقضات ومن بين هذه التناقضات، تناقض رئيسي يوجد منذ بداية العملية حتى نهايتها ويحدد وجوده وتطوره طبيعة سير العملية، أما الأخريات فهي تناقضات ثانوية تتعلق بالتناقض الرئيسي.
... ولا تتراكم هذه التناقضات كل منها فوق الآخر، بل هي تتداخل وتتفاعل حسب قانون الجدلية الأولي. فما هو تأثير هذا التفاعل؟، تزداد أهمية تناقض ثانوي في بعض الاحوال، فيصبح لفترة معينة تناقضا رئيسيا بينما يصبح التناقض الرئيسي الأول ثانويا [ولا يعني هذا زوال تأثيره]. فليست التناقضات إذن متحجرة، بل هي تتغير.
وهكذا يصبح التناقض بين البرجوازية والبروليتاريا [الذي هو التناقض الرئيسي الأول] في البلاد المستعمرة ثانويا لفترة معينة، بالرغم من خطورته، إذ ينحل بانتصار الاشتراكية في هذه البلاد..."[[52]].
-12-
فهذه الفقرات، كافية لعرض الديالكتيك الماركسي، أو قانون صراع الاضداد، بشكل موجز ومرتب، خال من التشويش وكثرة الأمثلة والمناقشات... التي تجدها في المصادر الماركسية.



مناقشة الديالكتيك
-1-
بالنسبة إلى ما ذكره الماركسيون من وجود السؤال الرئيسي في الفلسفة، حول أسبقية الروح أو المادة...
تكتسب بعض المسائل نوعا من الأهمية، حين تكون نقطة للخلاف بين جماعتين فكريتين من الناس... لا تختلف في ذلك المسائل الفلسفية عن غيرها.
فالمسألة المهمة بين المسلمين والمسيحيين هو انه هل صدق محمد بن عبد الله نبي الاسلام في نبوته أو لا. والمسألة الرئيسية بين غاليلة والكنيسة هي ان الأرض كروية أو مسطحة. والمسألة الرئيسية بين فريقين من الفلاسفة هي ان الأصل في التكوين هل هو الماهية أو الوجود وهكذا.
إذن، فمن الطبيعي ان تكون المسألة الرئيسية بين الماديين والالهيين هو القول بتقدم الروح أو المادة. ولا يعني ذلك انها هي المسألة الأكبر على الاطلاق، لوضوح انه قد توجد انقسامات أخرى فلسفية أو فكرية، تكون مسائل أخرى هي المحك فيها.
وليست هذه المسألة هي أعم المسائل في الفكر الفلسفي. فان هناك ما هو أسبق منها واشمل، كالمسألة التي وقعت محلا للخلاف بين الواقعيين والمثاليين - بالمعنى الاصطلاحي - وهو انه هل يوجد خارج الذات شيء واقعي أو لا يوجد... لوضوح ان الخلاف في تلك المسألة متفرع على الاعتراف بالواقع الموضوعي، والتسالم عليه بين الفريقين: المادي والالهي.
واما التعبير بالمثالية والميتافيزيقية، في كلام الماركسيين، على خلاف المعاني الاصطلاحية والمعروفة لها، بحيث تشمل الفلاسفة الماديين أنفسهم، كهيجل وفورباخ، فيصبحون ماديين ميتافيزيقيين، وواقعيين مثاليين في نفس الوقت!!... فهذا تهافت ينبغي ان نعرض عنه، وخاصة بعد ان عرفنا من استعمال هذه الالفاظ كونها لمجرد الطعن والتجريح.

-2-
وأما القول بأزلية الكون، فقد ثبت في العلم الحديث بطلانه. فان مقتضى قانون الديناميك الحراري، هو ان الاجسام عموما تشع حرارتها حتى تصل إلى الصفر المطلق أو العدم. ومعه... فإذا كان هذا الكون ازليا، إذن فلا بد ان يكون قد انعدم وانتهى منذ عهد بعيد طبقا لهذا القانون. في حين اننا نرى الكون موجودا، إذن فلا بد ان يكون قد وجد في لحظة [متأخرة] بحيث لا زالت حرارته الداخلية سارية المفعول. وهذا يعني حدوث الكون ونفي أزليته.
وإذا كان الكون حادثا... إذن، يدور الأمر بين الاعتراف بالفاعل الخارجي للكون، أو كونه قد طفر من العدم إلى الوجود فجأة... وكلا الأمرين مما لا ترغب فيه الماركسية.
وإنكار قانون الديناميك الحرارية، كما حاولت بعض المصادر الماركسية ان تقوله[[53]]، يورط المفكر الماركسي بعدة محاذير باطلة [[54]]، أوضحها في الذهن الماركسي انه يكون على خلاف قول لينين بان الكون شعلة أبداً تثور وتنطفئ طبقا لقوانين معينة... كما سبق ان سمعنا.
فان إنكار قانون الفناء الحراري، يعني ان الكون يشع حرارته باستمرار وبنسبة متشابهة منذ الازل، بدون ان [ينطفئ] أو يناله العدم. وهو على خلاف ما التزم به لينين.
ويبدو ان المقصود من إنطفاء شعلة الكون، انعدامه بالمرة، مرة بعد مرة، إذن يلزم من اشتعاله بعد الانطفاء وجوده بعد العدم مرة بعد مرة، وهو يورط الماركسية بالقول بالصدفة للكون لعدة مرات، ربما لا تكون متناهية على حين انها هربت منه لمرة واحدة.
ولا ينبغي لنا ان نتحدث عن [القوانين المعينة] التي تحكم الكون حين ينعدم وتنطفىء شعلته، كما لا ينبغي ان نتحدث عن القوانين [الموضوعية] الماركسية، في مثل ذلك، بما في ذلك قانون الـديالكتيك الذي رأى لينين إنطباقه في هذا المورد... إذ لا معنى لوجود القانون مع إنعدام الموضوع.
-3-
واما ما ذكرناه في الفقرة الثالثة من اعتراف الماركسية بوجود الواقع وإمكان إدراكه، خلافا للمثاليين - بالمعنى المصطلح -، فهذا أمر صحيح، نعترف به إجمالا، ولا حاجة إلى الدخول في تفاصيله، إذ يكفينا في بحثنا الآتي هذا المقدار المختصر من الواقعية.
غير انه مما يلفت النظر انه لا يوجد في المصادر الماركسية - حسب ما نعلم - استدلال على صحة الواقعية، وإنما أخذت النظرية بمصادرة ساذجة، مع أن للمثالية أدلتها التي تحتاج إلى المناقشة سواء على المستوى القديم كباركلي، أو على مستوى الفيزياء الحديثة التي انطلق منها البعض إلى الالتزام بالمثالية.
كل ما في الموضوع، أن القوانين الماركسية حيث أنها لا تفيد في اثبات الواقعية باعتبار تفرعها على الاعتراف به، فقد رأت الماركسية أن الأصلح لها أن تلوذ بالصمت من هذه الجهة وتوكل الأمر إلى الوجدان البسيط.
-4-
نود في هذا الصدد الاشارة إلى حقيقة معينة، قلما يلتفت إليها المفكرون على اختلاف إتجاهاتهم...
وهي أن [القانون] الكوني، أيا كانت صيغته ومدلوله، وفي أي ميدان كان عمله، إنما هو مفهوم ذهني منتزع من عدد من الوقائع الجزئية الخارجية. فقولنا: كل جسم كبير يجذب الجسم الصغير... ليس إلا صيغة ذهنية أو تعبيرية منتزعة أو مفهومة باعتبار ملاحظة عدد ضخم من الوقائع الخارجية التي حدثت فيها الجاذبية في عالم الكون. فهنا تنجذب تفاحة وهناك تنجذب حصاة وهنالك ينجذب كوكب... وهكذا... فنلاحظ ذلك ونقول: كل جسم كبير يجذب الجسم الصغير، الذي هو [قانون الجاذبية].
ولا يمكن أن يكون للقانون بمعناه الواسع وجود واقعي، وإنما الموجود في الخارج ليس إلا الجزئيات، والوقائع الخاصة.
والبرهان على ذلك من زاويتنا: الحقيقة الفلسفية القائلة: بأن الكلي - على سعته - لا يوجد في الخارج، فان عالم الوجود الخارجي مساوق مع الجزئية والتعين. والمفهوم القانوني مفهوم كلي لا يمكن أن يوجد في الخارج.
والبرهان من زاوية الماديين: إن القانون الكوني، أيا كان، ليس [مادة] لانه مسيطر على المادة والماديات وحاكم فيها. وليس محسوسا، لوضوح أن ما هو المحسوس هو مدار وإنطباق القانون، لا القانون على سعته. فاننا نرى التفاحة تنجذب إلى الأرض لكننا لا نرى قانون الجاذبية...
فالماديون حين يقولون: بأن الوجود الواقعي منحصر بالمادة - ويقولون: بأن ما ليس بمحسوس ليس بموجود -. ينتج من ذلك: أن [القانون] غير موجود، باعتباره أمرا غير محسوس.
وإن تحدثوا عن [القوانين الموضوعية] - كـما هو ديدن الماركسيين دائما -... فهم يتحدثون - لا محالة - عن شيء لا مادي ولا محسوس، بل عن شيء ميتافيزيقي أو [مثالي] مقيت!!...
لا ينجو من ذلك حتى قانون الديالكتيك نفسه. فاننا لو لاحظناه بحياله لوجدناه مفهوما ميتافيزيقيا مثاليا لا مادي ولا محسوس. وإنما المحسوس - لو صح هذا القانون - هو وقائعه وتطبيقاته الجزئية. فنحن نرى هذه الشعيرة - كـما مثل انجلز - تصبح نبتة، وهذه النبتة تصبح شجرة، وهذه الشجرة تصبح ثمرة... لا أننا نرى القانون على شموله وعمومه.
هذا ويختص قانون الديالكتيك بزيادة في اتجاه هذا البرهان نفسه...
فان التناقض الداخلي، في الشيء ذاته بذهن الاطروحة والطباق، أمر غير محسوس، وإنما المحسوس هو طروّ العوامل المتلفة على الشيء من الخارج. فإذا زرعنا الشعيرة اتلفتها رطوبة الأرض، وإذا دققناها اتلفها الدق، وإذا قضمناها اتلفها القضم... وهكذا. وأما أن عوامل الفناء موجودة في داخل الشعيرة نفسها، فهو أمر غير محسوس، بل هو افتراض ميتافيزيقي ليس إلا.
إذن، فليس قانون الديالكتيك على سعته ميتافيزيقيا، فحسب، بل حتى في موارده الجزئية ميتافيزيقي أيضا. فما هو رأي الماركسيين في الالتزام بمثل هذه الأمور الميتافيزيقية!!...
إذن، فتعميم قانون صراع الاضداد الميتافيزيقي، إلى كل المجالات من العلوم الطبيعية والمجتمع... حتى الرياضيات... تعميم ميتافيزيقي ليس إلا...
-5-
وبغض النظر عما قلناه، والتسليم - جدلا - بإمكان وجود القوانين الموضوعية المادية... يمكن إيراد إشكالات أخرى تتمثل في عدة نقاط ضعف:
النقطة الأولى: إن ما حاولته الماركسية من الانطلاق من الأمثلة الحياتية والعلمية، وإن كان لطيفا... إلا أن فهم النظرية العامة من هذه الأمثلة، يمكن بأحد إسلوبين:
الاسلوب الأول: أن نفترض النظرية سلفا، ثم نحاول حمل الأمثلة عليها.
الاسلوب الثاني: أن نحاول فهم النظرية من حمل الأمثلة نفسها.
والمفروض أن الماركسية قامت بالاسلوب الثاني في فهم النظرية... فهل أفلحت في ذلك. أو انها قامت - في الواقع - بالاسلوب الأول من حيث لا تعلم.
إن الأمثلة المأخوذة من الكون والحياة، مهما تزايدت، فانها لا تدل على فهم فلسفي معين، بل هي كالكأسة الفارغة يمكن أن تملأها أي نظرية فلسفية عامة، وضعت لفهم الكون والحياة. ولا يمكن لأي نظرية عامة أن تنجح ما لم تطبق فهمها على كثرة كاثرة من موارد الكون والحياة.
فمثال انجلز عن حبة الشعير، كـما يمكن فهمه على أساس الديالكتيك، كذلك يمكن فهمه على أساس مفهوم العلية القائل بالارتباط الضروري بين الفعل والفاعل، كـما يمكن - أيضا - فهمه على أساس العلية بالفهم العلمي الحديث القائم على مجرد الترتب بين الوقائع... وهكذا، أي نظرية عامة أخرى.
إذن، فالأمثلة المسبقة من الحياة، لا تدل على النظرية الماركسية، كـما يريد انجلز أن يقول... بل من الضروري للفلسفة أن تقيم البرهان على صحة نظرياتها خارجا عن هذا النطاق، حتى ما إذا تمّ البرهان عليها أمكن تطبيقها على سائر الوقائع. أي إن الاسلوب الأول هو الاسلوب الأمثل.
وأما إذا اعتمدت النظرية، على الوقائع اعتمادا كليا، كـما فعلت الماركسية، ولم يكن لها دليل مسبق، إذن سوف تبقى النظرية للدليل الكافي، لان الوقائع وحدها، قاصرة عن اثباتها، كـما رأينا.
النقطة الثانية: إن صراع الاضداد، هل يؤدي - كـما ترى الماركسية - إلى وجود تركيبي أكمل أو لا؟!...
إن هذا الصراع - على ما يبدو - يؤدي حتما، إلى هلاك المتصارعين، لانه عنيف ودائم، ولا أقل من هلاك أحدهما، وأما وجود شيء جديد نتيجة لهذا الصراع، فهذا مما لا يمكن أن يكون معقولا، لانه خلاف طبيعة الصراع بالضرورة.
على أن الحركة، ليست دائما إلى الأكمل والأعلى، بل قد تؤدي الحركة إلى ما هو الاردأ، كتحول الحديد إلى تراب نتيجة لتآكله بالرطوبة... وقد لا تؤدي هذه الحركة إلى نتيجة بالمرة، مثل بقاء بعض المجتمعات البدائية غير المتطورة إلى حد الآن، على شكلها البدائي، ولعلها تبقى كذلك حتى تفنى أو تتفرق.
... وقد تؤدي الحركة إلى زوال الذات بدون بدل... كالفوتونات الكهربائية عند إستقرارها على الاجسام، فانها تنعدم بالمرة، لان لا كتلة لها عند السكون، وإنما تحدث لها الكتلة عند الحركة، كـما ثبت في الفيزياء الحديثة.
فإذا كانت الحركة صراعا بين الاضداد، لم تكن منتجة للفرد الأكمل دائما...
النقطة الثالثة: إننا نستطيع مما سبق أن ننطلق إلى نتيجة مهمة من عدة زوايا:
الزاوية الأولى: أننا بعد أن أثبتنا أن القوانين الكونية، لا وجود لها على المستوى المادي، وإنما هي مفاهيم ذهنية نعبر بها على المستوى اللغوي عن مجموعة من الوقائع الجزئية التطبيقية... إذن، فقد زال الأساس المهم الذي يقيم عليه الماديون ماديتهم في التعويض، بفرضية وجود هذه القوانين عن فرضية وجود الله... إذ يرون أنه لا حاجة إلى الافتراض الثاني مع صدق الافتراض الأول.
وهذا منحى عام للماديين، سواء في ذلك الماركسيون وغيرهم. وإنما يختلف الماركسيون عن غيرهم في فهم هذه القوانين التي تعوض عن افتراض الخالق في رأيهم. فغير الماركسيين يكتفون من هذه القوانين بالقوانـين الفيزياوية والكيمياوية والفلكية للطبيعة. والماركسيون يفهمون كل ذلك طبقا لقانون خاص بهم هو قانون الديالكتيك الذي عرفناه.
فإذا استطعنا التنزل عن افتراض وجود القوانين المادية، على ما برهنا عليه... لم يبق أمامنا إلا الافتراض الثاني، وهو وجود الله تعالى كمدبر للعالم بدل هذه القوانين.
هذا... ونستطيع أن نخطو خطوة أخرى، وهي أننا لو سلمنا - جدلا - بوجود هذه القوانين، فان وجودها لا يغني عن وجود الله، بعد وضوح دلالتها على حسن التدبير في هذا الكون، كما سنشير إليه في الزاوية التالية... وخاصة مع الاعتراف [بحدوث] الكون، كما سنبرهن عليه من الزاوية التي بعدها.
الزاوية الثانية: أكدت الماركسية بإصرار على أن القوانين الطبيعية،عمياء عفوية الانتاج... وهذا واضح جدا على مستوى الفكر المادي، لا مناص لهم عن الالتزام به. ولكن هل هو صحيح أو لا؟.
إننا نصبح مفكرين وعباقرة ومشاهير، لمجرد الاطلاع على خصائص بعض هذه القوانين. فهل يمكن أن يكون وجود هذه القوانين - بعد الاعتراف بها - بدون فكر وبدون عبقرية؟!... وهل تكفي الازلية أو الصدفة لتفسير ذلك؟، إن الجواب على ذلك موكول إلى الرأي العام في تفكيره الاعتيادي الموضوعي.
لا يشذ عن ذلك حتى قانون الديالكتيك نفسه - على تقدير صحته - فان سريانه في الكون، وإنتاجه للحركة نحو الأكمل، لا يمكن أن يكون لمجرد أزلية القانون أو لمجرد الصدفة. وإنما يدل بوضوح على عمق الصنع والتدبير.
الزاوية الثالثة: أن القول بأزلية الكون بمعنى عدم وجود بداية لوجوده... مما لا معنى له بالمرة.
فان لفظ الكون يعبر عن مجموع ما في عالم الوجود من أجزاء... فما هو الشيء الذي نقول بأزليته؟، هل هو المجموع أم الاجزاء؟!...
أما المجموع، فلا يمكن أن يكون أزليا، لانه مفهوم ذهني أو تعبيري غير موجود في الخارج، وإنما المتحقق هو الاجزاء الكثيرة فقط. أما تصور وحدتها المجموعية فهو خيال تصوري محض. وليس المراد الالتزام بأزلية هذا الخيال، وإنما المراد الالتزام بأزلية الكون الواقعي، فإذا لم يكن المجموع واقعيا لا معنى للالتزام بأزليته... فان ما هو أزلي هو الموجود الواقعي دون غيره.
وأما الالتزام بأزلية الاجزاء على كثرتها وتشتتها... فهذا أيضا غير محتمل، فلان الاجزاء توجد وتفنى باستمرار، ولا يمكن لأي جزء بعينه أن يبقى محافظا على وجوده منذ الازل. فان معنى الحركة - حتى في الفكر الماركسي - هو زوال أشياء وحدوث أشياء أخرى، طبقا لقانون الديالكتيك أو غيره والكون متحرك باستمرار، ولا يمكن أن يكون ساكنا.
فإذا لم يكن الكون، لا بمجموعه ولا بأجزائه أزليا، فهو حادث - إذن - في لحظة معينة. فيدور أمره بين الالتزام بالصانع الحكيم أو القول بالصدفة المطلقة التي تبرأت الماركسية من مجرد التفكير بها.
وقد يخطر في الذهن: أن معنى أزلية الكون ليس هو ما قلناه، بل بمعنى أن الكون عبارة عن مجموعة من الحوادث المتتابعة من الأزل وإلى الأبد، فأي واقعة لاحظناها وجدناها مسبوقة بأخرى، وهكذا إلى ما لا يتناهى. وهذه السلسلة المتتابعة هي التي تحفظ للكون أزليته.
وجوابه: أن هذا الشكل من التتابع، ما لم يصل إلى الفاعل الخارجي أو الخالق الحكيم، الذي يوجد السلسلة بشكلها اللا متناهي أو يقع في أولها، فلا تكون لا متناهية في العدد... ما لم يكن هذا الشكل مستحيلا، كما سنذكر في النقطة التالية.
الزاوية الرابعة: إن أزلية الكون، بأي شكل، لو سلمناها، لا تبرر وجوده من دون فاعل خارجي. فان عدم افتراض هذا الفاعل يؤدي إلى ما يسمى بإصطلاح الفلسفة بالتسلسل وهو محال. إذن يتعين القول بوجود الفاعل الخارجي حتى مع الالتزام بأزلية الكون.
وإنطباق فكرة التسلسل، واضحة على هذا التقدير... فان ترتب الأحداث والوقائع الكونية على بعضها البعض، مما لا ينكره أحد، سواء كان بنحو ديالكتيكي أو علمي أو على شكل ثالث... إذن فوجود هذه الحادثة مستند إلى حادثة قبلها، وتلك إلى ما قبلها، وهكذا إلى ما لا نهاية. وهذا هو معنى التسلسل.
وأما إستحالة التسلسل، فنحن لا نحتاج في اثباتها إلى دليل عقلي معقد، لكي تنكره الماركسية بصفته ميتافيزيقيا أو مثاليا!!... وإنما الوجدان حاكم بإستحالته، إذ يكفي مجرد تصوره إلى إستنكار حدوثه.
وأوضح أمثلته: ما إذا أمرك شخص، لا مناص لك من طاعته، أن تخرج من عدة أبواب على أن لا تخرج من أي باب إلا إذا كنت خرجت من باب قبلها. فان أمره هذا لا يكون قابلا للاطاعة، باعتبار استلزامه التسلسل. فانك - لا محالة - تخرج لأول مرة من باب لم تخرج من باب قبله. وأما تقيدك بهذا الشرط باستمرار، فهو في عداد المحالات... فالحظ ذلك بنفسك[[55]].
ومثله، ما لو أمرك بأن تأكل عدة تفاحات على أن تكون كل تفاحة تأكلها مسبوقة بأكلك تفاحة قبلها... أو أمرك أن تسمع عدة أبيات من الشعر على أن يكون كل بيت تسمعه مسبوقا بسماعك لبيت قبله... وهكذا.
ومن هنا تضطر أنت، لو أردت الامتثال، إلى قطع هذه السلسلة بالخروج من باب لم تخرج قبله من باب آخر، أو سماع بيت من الشعر لم تسمع قبله بيتا... وهكذا. وإلا كانت كل فقرات السلسلة متعذرة التطبيق تماما...
فكذلك الحال في الكون عموما، لو قلنا بأزليته من دون إسناده إلى صانع خارجي، فان حوادثه مربوطة ببعضها البعض منذ الازل، فإذا لم تستند إلى الصانع تكون كل حوادثه متعذرة الوجود، تماما كأبيات الشعر والتفاحات.
إذن فأزلية الكون مستحيلة التحقق على أساس الفكر المادي...
النقطة الرابعة: انه كـما لا معنى لازلية الكون، لا معنى لازلية قوانينه أيضا بما فيها قانون الديالكتيك... بشكل أوضح من أزلية الكون.
إذ لعل شخصا يتحدث عن أزليه الكون، بعد التنزل - جدلا - عـما عرفناه في النقطة السابقة، يتحدث عنه على أساس ملاحظة المجموع أو على تسلسل الحوادث وتتابعها اللا نهائي... إلا أن هذا لا معنى له في القوانين الكونية. لان الحديث عن مجموع القانون حديث مهمل، لوضوح أن القانون إنما يوجد ضمن تطبيقات، وليس له وجود أوسع من ذلك.
وتطبيقات القانون متناثرة مشتتة ليس بينها ترابط من أي نوع، فلا يمكن أن نتصور فيها تتابعا لا نهائيا... لوضوح أن جذب التفاحة غير مربوط بجذب الحصاة... وهكذا.
وإذا كانت التطبيقات، متعددة ومشتتة، وليس للقانون وجود زائد عليها، إذن فكيف يمكن الالتزام بأزليته.
والأمر بالنسبة إلى قانون الديالكتيك، أوضح وأشد... لاننا لو سلمنا - جدلا - بإمكان أزلية غيره من القوانين، يتعذر القول بأزليته مع الأسف!!...
لوضوح، أن معنى أزليته بقاؤه على طول المدة، بقاؤه سلسا من دون تغيير... وهذا ينافي مضمون القانون نفسه. فان مضمون القانون هو أن كل شيء يحدث فيه النفي ونفي النفي، على الشكل الثلاثي الذي عرفناه. فإذا كان هذا المضمون شاملا حقيقة لكل شيء، إذن فهو شامل للقانون نفسه، ومعه يكون قانون الديالكتيك [أطروحة] جرى فيها النفي [الطباق] ويحدث بعده [التركيب]...
إذن، فإذا كان هذا القانون أزليا، ينبغي أن نتوقع - طبقا لمضمونه نفسه - أن يكون قد تغير وتبدل إلى شيء آخر منذ أمد طويل. وسيكون القانون الذي يخلفه سلسا وثابتا، ولا حاجة إلى القول بتغيره مرة أخرى، بعد زوال قانون الديالكتيك من الكون... ولا بد أن يكون هذا القانون الجديد، هو الساري المفعول في العصر الحاضر.
-6-
لم يبق لدينا من المناقشات، سوى النظر إلى القانون الماركسي الثاني، وهو تحول التغيرات الكمية إلى تغير كيفي، تحولا دفعيا على شكل قفزة أو طفرة.
إن هذا القانون مما لا أساس له، لعدة نقاط:
النقطة الأولى: ما ذكرناه فيما سبق، من أن الطفرة بطبيعتها دائما تقطع الواقع اللاحق عن الواقع السابق، بحيث لا يكون اللاحق ناتجا من السابق بأي حال عن السابق، بل هو حادث جديد منقطع عن سابقه. وهذا هو سر الطفرة وفلسفتها.
فما ذكرته الماركسية من أن التغير الكيفي ناتج من التغيرات الكمية، وأنها بمنزلة الأسباب له... لا يكون صحيحا، لتخلل الطفرة بينهما... فلا بد أن نفحص عن أسباب أخرى للتغير الكيفي... وإلا كان وجوده مستندا إلى الصدفة المطلقة!!...
النقطة الثانية: أن هذا القانون، لو صح أحيانا، فهو لا يصح دائما...
إذ أن التغيرات الكمية كثيرا ما لا تنتج تغيرا كيفيا بالمرة، كنقل شيء ما من مكان إلى مكان، وكحركة المروحة الكهربائية وسائر المحركات والآلات، وكحركة النجوم في مداراتها. فان كل هذا... وغير هذا... لا ينتج شيئا جديدا بعد إنتهاء التغير الكمي وإنقطاع الحركة لو حصل.
وقد يكون التغير الكيفي ناتجا من دون تغيرات كمية. خذ إليك مثلا: إنكسار الزجاج، فانه لو كان ناتجا عن الاهتزاز، لكان ناتجا عن تغير كمي... ولكنه قد يكون ناتجا عن سقوط جسم ثقيل عليه، فيكون إنكساره تغيرا كيفيا غير ناتج من تغير كمي فيه.
وكذلك اسراج المصباح الكهربائي، وكذلك اشعال النار، فانها غير مسبوقة بتغيرات كمية فيها. بل هي إما حركة في غيره كحركة الفوتونات الكهربائية خلال السلك، الأمر الذي يوجب اسراج المصباح. وإما هي حركة ليست من نوعه كحركة يد الانسان الذي يشعل النار فانها ليست من نوع النار. والقانون الماركسي لا بد أنه يشترط أن يكون التغيران في شيء واحد ومن نوع واحد.
انظر إلى مثال الغليان الذي أكد عليه انجلز، فانه حاصل على كلا الصفتين فهو ذو تغيرات كمية في شيء واحد [وهو الماء] ومن نوع واحد، فان الغليان شكل من أشكال ارتفاع الحرارة.
وقد لا يكون التغير الكيفي، نهائيا... بل تلحقه تغيرات كمية أخرى، لكن بدون أن تكون منتجة لتغير كيفي. فلئن كان رفع الحرارة قبل الغليان منتجا للغليان، فان رفع الحرارة بعد الغليان غير منتج لشيء، بل يبقى الغليان هو الغليان وتحول السائل إلى غاز على حاله.
وما الذي يحدث لو ان كل مجموعة من التغيرات الكمية منتجة لتغير كيفي... إذن، ينبغي أن ننتظر تغيرا كيفيا بعد [90] درجة من تصاعد الحرارة وربما أقل منها أيضا. مع أن شيئا من ذلك لا يحدث. إن السر في هذا [التأجيل]، إلى درجة المائة يكمن في سبب آخر غير هذا القانون الذي يعجز عن تفسيره.
ولو أننا انتظرنا من التغير الكيفي أن يكون أهم وأفضل من التغيرات الكمية التدريجية، إذن سنصطدم بتغيرات كيفية أضعف وأسوأ من التغيرات الكمية. ولعل أوضح أمثلته الموت بعد الحياة، فان استمرار الحياة منتج للموت الذي هو أقل أهمية منها. ومن أمثلته [الاحتراق التام] في حالتي الخسوف والكسوف الذي ينتج بعد الاحتراق الجزئي التدريجي... مع وضوح أن الاحتراق التام أسوأ من الاحتراق الناقص.
النقطة الثالثة: أن التغير الذي يعتبره انجلز كيفيا، هو - في واقعه - تغير كمي ليس إلا.
ويمكن أن ننطلق إلى ايضاح ذلك من مثاله الرئيسي: مثال الغليان. فانه يحتوي على تغيرات كمية على عدة أشكال:
الشكل الأول: تصاعد الحرارة، فانه - بطبعه - تصاعد كمي وان زاد على المائة. ويوضح ذلك: الالتفات إلى غير الماء من الاجسام التي تتدرج في الحرارة فان تصاعدها هناك كمي محض.
الشكل الثاني: تحول الماء إلى بخار أو غاز... فان هذا يحدث منذ الدرجات الضعيفة للحرارة، ويتزايد بتزايدها، لانه يتناسب مع الحرارة تناسبا طرديا. إذن فالتبخر كان موجودا قبل الغليان ومستمرا في التزايد، والحال نفسها بقيت بعد الغليان، ولم يحدث شيء جديد.
نعم، لو لم يكن التبخر موجودا، ثم وجد من أول الغليان، لكان ذلك تطبيقا للقانون بشكل أو بآخر. إلا أن الأمر ليس كذلك.
الشكل الثالث: النشيش، الذي هو عبارة عن صعود الاجزاء السفلى من الماء إلى أعلى، نتيجة لتمددها بالحرارة أكثر من الاجزاء العليا. فان الحديث فيه كالحديث عن التبخر... من حيث أن النشيش موجود منذ الدرجات الضعيفة للحرارة، ويتزايد بتزايدها، لانه يتناسب معها تناسبا طرديا، حتى تصبح تدريجا واضحة. ولو إرتفعت الحرارة أكثر من المائة، فسوف يكون الانقلاب أوضح.
ويصدق أيضا ما قلناه في جانب التبخر... فان النشيش أو الصعود، لو كان منعدما قبل الغليان، ثم يحدث بحدوثه، لكان تطبيقا للقانون، ولكن الأمر ليس كذلك.
كل ما في الأمر، أن العرف اللغوي تبانى على تسمية كمية معينة من هذه السلسلة الصاعدة من الحركات بالغليان، كـما سمى درجاتها الضعيفة بالنشيش. وكان يمكنه أن يسمي أية مركبة أخرى بهذا الاسم أو بأي إسم آخر. وقد أهمل [التصاعد] اللاحق للغليان من إسم جديد. وفي الواقع كله تصاعد على غرار واحد، وبارتفاع في كمية الحرارة وكمية التبخر وكـمية الانقلاب ليس إلا.
ومن هنا نستطيع أن نفهم معنى الطفرة التي لمسها الماركسيون قبل التغير الكيفي فان العرف اللغوي حين يتبانى على أن درجة معينة من الانقلاب هي المسماة بالغليان، دون ما هو أقل منها... فان هذه الدرجة تحدث مع تصاعد الحرارة في لحظة معينة، بطبيعة الحال [درجة المائة تحدث بعد التسعة والتسعين] ولا يكون لها وجود قبل تلك اللحظة. وبمجرد حدوثها يسميها العرف اللغوي [فجأة] باسمها الجديد: الغليان. وهذه المفاجأة هي التي استوحى منها الماركسيون معنى الطفرة وهي مفاجأة لغوية، كـما أن فكرة التغير الكيفي أساسا فكرة لغوية، ولا تحتوي من ناحية [علمية] إلا على التغير الكمي.
إذن، فلم نستطع أن نضع يدنا على تطبيق واحد، من أي نوع، يصلح أن يكون تطبيقا كافيا للقانون الماركسي، وحاملا لكل صفاته المطلوبة.
ومن مجموع هذه المناقشات ينتج أن الأسس الفلسفية العامة للمادية التاريخية، لم يثبت صحة شيء منها، غير الاعتراف بالواقعية. إلا أن هذا لا ينافي وجود بعض اللمعات في التفكير الماركسي، هو الذي حدانا أن نستشهد بها في هذا الكتاب.

الأسس العامة الاقتصادية والاجتماعية
للمادية التاريخية

-1-
إن الحياة الاجتماعية جزء من الطبيعة، وتابعة لقوانينها القاهرة، بطبيعة الحال.
قال ستالين:
"ومن السهل أن ندرك الأهمية العظمى لتطبيق مبادئ المادية الفلسفية على درس الحياة الاجتماعية، وعلى درس تاريخ المجتمع... فإذا صح أن الصلة بين حوادث الطبيعة وتكييف بعضها بعضا بصورة متبادلة هما قانونان ضروريان من قوانين تطور الطبيعة نتج عن ذلك أن الصلة بين حوادث الحياة الاجتماعية وتكييف بعضها بعضا بصورة متبادلة، ليسا مجرد احتمالات، بل هما أيضا قانونان ضروريان من قوانين التطور الاجتماعي.
وبالتالي تخرج الحياة الاجتماعية وتاريخ المجتمع عن كونهما تكدس [احتمالات] بل يصبح تاريخ المجتمع تطورا ضروريا، وتصبح دراسة التاريخ الاجتماعي علما"[[56]].
-2-
وحيث أن القانون الأهم والأعم للطبيعة، في نظر الماركسية، هو الديالكتيك مضافا إلى قانون التغير الكمي والكيفي... إذن يكون المجتمع في حاضره وماضيه ديالكتيكيا، محكوما لقانونه القاهر. وتكون المادية التاريخية من زاوية كونها تفسيرا للمجتمع، مادية ديالكتيكية بطبيعتها، وإن كانت خاصة بالمجتمع.

قال كوفالسون:
"إن الموقف الديالكتيكي [الجدلي] من معرفة جميع الظاهرات الاجتماعية من دراسة المجتمع، هو أهم مقدمة فلسفية للدراسة الاجتماعية. وهو يلزم بالنظر من خلال التناقضات إلى المجتمع بسبيل التطور"[[57]].
"وليس من العسير أن نلاحظ أن مبدأ المادية والمبدأ الديالكتيكي للتاريخية في دراسة المجتمع يخدمان على السواء هدفا واحدا، هو معرفة الموضوع المدروس، كما هو عليه بحد ذاته، وفي هذا تتجلى وحدتهما العضوية.
إن المجتمع إنما هو نظام موجود ومتطور موضوعيا. وليكن هذا التعريف للمجتمع، لا يميزه عن الطبيعة بوصفه موضوعا خاصا للمعرفة، لانه تجري هنا وهناك، في المجتمع وفي الطبيعة دراسة قوانين عمل وتغير الانظمة المادية"[[58]].
وقال ستالين:
"أما المادية التاريخية فتوسع نطاق المادية الديالكتيكية حتى تشمل دراسة الحياة الاجتماعية، وتطبق هذه المبادئ على حوادث الحياة الاجتماعية... أي على درس المجتمع على درس تاريخ المجتمع"[[59]].
وقال:
"من الواضح أن وجود علم تاريخي، وتطور هذا العلم شيئان مستحيلان بدون هذا الفهم التاريخي للحوادث الاجتماعية، فمثل هذا الفهم فقط يمنع علم التاريخ من أن يصبح فوضى احتمالات، وكونه أخطاء سخيفة.
وبعد، إذا صح أن العالم يتحرك ويتطور تماما وأبدا، وإذا صحّ أن اختفاء القديم ونشوء الجديد هما قانونان للتطور، أصبح من الواضح أنه ليست هناك أنظمة اجتماعية ثابتة [لا تتزعزع] ولا [مبادئ أبدية] للملكية الخاصة والاستثمار. وليست هناك [أفكار أبدية] عن خضوع الفلاحين لكبار ملاكي الأرض والعمال للرأسماليين"[[60]].
"... وبعد، إذا صحّ أن التطور يجري، بإنبثاق التناقضات الداخلية وبالنزاع بين القوى المتضادة على أساس هذه التناقضات، وان غاية هذا النزاع هي قهر هذه التناقضات والتغلب عليها. فمن الواضح أن نضال البروليتاريا الطبقي هو حادث طبيعي تماما ولا مناص منه"[[61]].
-3-
يتميز المجتمع على الكون الطبيعي وقوانينه العامة، بميزتين رئيسيتين:
الميزة الأولى: إن هناك قوانين تحكمه، خاصة به، وهي منبثقة بدورها من القوانين الكونية العامة ومنسجمة معها... وسنسمع رأي الماركسية في تأثير قوى الانتاج وعلاقات الانتاج في تطوير المجتمع.
الميزة الثانية: وجود جوّ من الحرية والوعي في تصرف المجتمع، بخلاف الطبيعة، فان تصرفاتها عمياء عفوية خالية من الوعي والهدف، حسب ما ترى الماركسية.
وبطبيعة الحال، يكون مقتضى شمول القوانين الكونية الضرورية للمجتمع: أن تكون كل تصرفات الناس [جبرية] ضرورية لا أثر للوعي فيها. إلا أن الماركسية جمعت بين هذين المفهومين المتناقضين: الضرورة والحرية، واعترفت بهما معا.
قال انجلز:
"غير أن تاريخ تطور المجتمع يختلف جوهريا في نقطة واحدة عن تاريخ تطور الطبيعة. ففي الطبيعة [بقدر ما نحن نضع جانبا ردّ فعل الانسان فيها] لا يؤثر بعضها في بعض إلا قوى عمياء لا واعية، وفي تأثيرها تظهر القوانين العامة. وليس هنا أي هدف واع منشود. لا في الأعراض الظاهرية التي لا عدّ لها والمرئية على السطح، ولا في النتائج الختامية التي تؤكد وجود الانتظام في داخل هذه الأعراض.
أما في تاريخ المجتمع، فالأمر بالعكس. ففي تاريخ المجتمع يفعل الناس الذين لهم موهبة الوعي ويعملون بتفكير أو بتأثير عاطفة، وينشدون أهدافا معينة. ولا يصنع هنا شيء دون نية واعية، ودون هدف منشود"[[62]].
قال بليخانوف:
"ولكننا في الحوادث التاريخية لا نواجه أشياء جامدة، وإنما نواجه بشرا يعملون، والبشر يتمتعون بالوعي والارادة. فيحق لنا بالتالي أن نتساءل عما إذا كانت الضرورة - التي لا يوجد خارجها مفهوم علمي للظواهر في التاريخ، كما في علم الطبيعة - لا تنفي فكرة الحرية الانسانية.
وإذا صغنا المسألة بكلمات أخرى، فهي تطرح على النحو التالي: هل من سبيل للتوفيق بين الفعل الانساني الحر والضرورة التاريخية.
يبدو لنا للنظرة الأولى أن ذلك غير ممكن وان الضرورة تنفي الحرية، وبالعكس. ولكن الأمور ليست على هذا الشكل إلا بالنسبة لمن يتوقف نظره عند سطح الأشياء، عند قشرة الظواهر. في الحقيقة أن هذا التناقض [الشهير] هذا التنافي المزعوم بين الحرية والضرورة ليس له وجود. فان الضرورة لا تنفي الحرية إنما هي شرطها الأساسي"[[63]].
وقال بليخانوف أيضا:
"وعلى كل، فمن المؤكد أن مثل هذا التوافق ممكن الوقوع تماما، وان الشعور بالضرورة يتسق تماما مع الفعالية العملية التي بلغت مداها. ومهما يكن من أمر فهذا ما صادفناه حتى الآن في التاريخ"[[64]].
"... إنني لا أستطيع أن أقسم عرى هذا التماثل بين الحرية والضرورة جاعلا إحداهما تعارض الأخرى، ولا يمكن أبداً أن استشعر أن الضرورة تضايقني. إلا أن اختفاء الحرية هذا، ليس في الوقت نفسه إلا تعبيرا تاما عنها"[[65]].
"... هذه الحرية المتولدة عن الضرورة. وبعبارة أدق: أنها الحرية المتماثلة مع الضرورة، إنها الضرورة التي استحالت إلى حرية. إن هذه الحرية هي نفسها الحرية المواجهة بعامل قسري، والمعارضة بعائق خارجي..."[[66]].
-4-
ويذكر بليخانوف إسلوبا رياضيا لحساب احتمالات هذه الحرية والضرورة من أجل التأكيد على أنه من الممكن الجمع بينهما تماما.
اسمعه يقول:
"لنفرض أن الظاهرة [آ] يتحتم وقوعها إذا توفرت مجموعة شروط معينة نرمز إليها بحرف [س]. وقد أوضحت لي أن بعضا من هذه الشروط قد تمّ توفرها، وأن البقية الباقية ستحصل في الوقت [ن].
لقد أقنعتني!، فسأواجه الحادث [آ] وأكتب كلمة [تام] وأنام ملء جفوني حتى يحـين اليوم السعيد حيث يتحقق فيه الحادث وفق تنبؤاتك.
وإليك النتائج، فمن مجموع القيمة [س] للشروط الواجب توافرها حتى تحدث الظاهرة [آ] ادخلت عملي أيضا الذي سأرمز له بحرف [د]. ولما كنت مستسلما للرقاد لدى حلول الوقت [ن] فان مجموع الشروط اللازمة لايجاد الظاهرة الملمع بها ليس [س] وإنما [س- د]. وهذا ما يبدل الوضع. ويجوز أن يحل آخر مكاني ويكون مستسلما للعطالة، غير ان المثل الذي ضربه له استرخائي قد ترك لديه أثرا فعالا، إذ رأى أن العطالة أمر مشين. وفي هذه الحال، تحل القوة [ب] مكان القوة [د].
فإذا كانت القوة [ب] مساوية للقوة [د] [د = ب] فان مجموع الأسباب الضرورية لإنجاز الظاهرة [آ] تبقى مساوية لـ [س]. والظاهرة تقع من تلقاء نفسها في الوقت المحدد [ن].
وإذا لم تكن قوتي معادلة للصفر، وإذا كنت كفوءا وماهرا ولم يأخذ مكاني شخص سواي، فتكون عندئذ قيمة [س] ناقصة لم تكتمل، وستتحقق الظاهرة [آ] في زمن متأخر عن الوقت الذي فرضناه آنفا أو تتم بصورة ناقصة أو لا تتم البتة.
هذا الأمر واضح كالنهار، فإذا لم افقه هذه الحقيقة، أو تخيلت أن القيمة [س] ستبقى [س] حتى بعد اخفاقي، فما ذلك إلا لأني أجهل قواعد الحساب.
وهل أكون أنا الوحيد الذي يجهل قواعد الحساب؟، عندما أنبأتني أن مجموع الشروط [س] سيتم الحصول عليها في الوقت [ن] لم تشر إلى أنني سأذهب وأنام حالما تنتهي محادثتنا. وكنت على يقين بأنني سأبقى حتى النهاية عاملا لاتمام الظاهرة [آ]. لقد اعتمدت على قوة كان لزاما عليك أن لا تعول عليها كثيرا، بدلا من قوة أخرى كان من واجبك الاعتماد عليها، وبالتالي فقد أخطأت بالحساب أيضا.
ولنفترض أنك لم ترتكب أية هفوة وكنت مرتقبا حدوث كل شيء، فإليك ما ستؤول إليه حساباتك: قد ذكرت أن مجموع الأسباب [س] ستتحقق في الوقت [ن]. ومن جملة هذه الشروط الضرورية يمثل إخفاقي قوة سلبية، كـما يمثل الأثر المثير - وهو الذي يشيع الطمأنينة في قلوب الرجال الأشداء الموقنين بأن اتجاهاتهم ومثلهم العليا ليست إلا تعبيرا ذاتيا عن الضرورة الموضوعية - القوة الايجابية.
وفي هذه الحالة يتحقق مجموع الأسباب [س] في الوقت المحدد من قبلك وتتم الظاهرة [آ]. وهذا يبدو واضحا. ولكن لماذا جعلتني الفكرة القائلة بضرورة وقوع الظاهرة [آ] في اضطراب، ولم تبدُ لي وكأنها تحكم علي بالعطالة؟، ولم جعلتني نتيجة البراهين التي أوحت بها إلي أنسى المبادئ الأولية للحساب؟، لا ريب أن ثقافتي كانت على شكل يجعلني أحمل بعنف في نفسي، ميلا إلى العطالة، وان محادثتنا كانت القطرة التي صبت في كأس دهاق. وتلكم هي القضية بكاملها.
إن الشعور بالضرورة لم يكن من شأنه إلا اعطاء استرخائي وعجزي المعنوي المناسبة اللازمة حتى يتحققا. ولم تكن الضرورة سبب ذلك، وإنما السبب هو التربية التي أصبتها.
وهكذا نرى أن الرياضيات علم مفيد جليل القدر، لا يحسن أن تغرب قواعده عن البال، وخاصة عن بال السادة الفلاسفة"[[67]].
-5-
وحـين جمعت الماركسية بين الضرورة والحرية، نفت في نفس الوقت [الجبرية] المطلقة و[الارادية] المطلقة. ورأت فيها مذاهب غير صحيحة.
قال بليخانوف في نقد بعض وجهات النظر:
"بيد أن هذه الحقيقة تتسم بالجبرية الصارخة، لانها تعود وتزعم أن تاريخ الانسانية محدد سلفا، حتى في جزئياته القليلة، بالخصائص العامة للطبيعة البشرية. إن الجبرية هنا تنشأ عن إختفاء الخاص في العام.
ويمكن القول، كما في العادة: ما دامت جميع الحوادث الاجتماعية محددة بالضرورة، فليس لعملنا أي اعتبار. وهذه فكرة صحيحة لم يحسن صياغتها، إذ كان من الواجب القول: إذا كان العام يقرر كل شيء، فينجم عن ذلك أن الفردي [بما فيه مجهودي] ليس له أية أهمية، ان مثل هذه النتيجة صحيحة تماما، وإن كان استعمالها يجري بصورة خاطئة. وعند تطبيق هذه الفكرة مع المفهوم المادي الحديث عن التاريخ حيث يترك حيزا للعمل الفردي، لا يعود لها أي معنى"[[68]].
وقال كوفالسون:
"إن الجبرية [الاعتقاد بالقضاء والقدر] تؤدي على العموم إلى خرافات وسخافات، بتحويلها الصدفة إلى حتمية تاريخية.
أما الارادية التي تعتبر التاريخ مجرد إنتاج لإبداع الناس الحر، لارادتهم الحرة ولاختيارهم الحر لأهدافهم، فانها تتخبط في مأزق أمام كثير من المسائل. مثلا من وجهة النظر هذه كيف يفسر الدافع الأساسي التالي، وهو أن نتائج النشاط في التاريخ تكون أحيانا كثيرة جدا مناقضة للأهداف التي وضعها الناس نصب أعينهم. إن الناس يتمنون الخير، ولكنهم يصنعون الشر أحيانا"[[69]].
-6-
ولعل أوضح بيان في إسلوب الجمع بين الضرورة والحرية، من الناحية الاجتماعية، هو ما ذكره كوفالسون، حين قال:
"إن كان جيل جديد من البشر يجد عند دخوله حلبة الحياة، ظروفا اجتماعية جاهزة، مصنوعة قبل ظهوره، ويفعل ويتصرف على أساسها، ويصنعها من جديد أو يغيرها. وهذه الظروف تنشئ إمكانيات معينة لأجل هذا النشـاط أو ذاك.
ثم إن مستوى التطور المبلوغ سابقا، يحمل معه طائفة معينة من القضايا الاجتماعية، فيدركها الناس ويستهدفون حلها. ولهذا لا يمكن فصل النشاط عن الظروف الموضوعية التي يتحقق في إطارها. إلا أن وجود هذه الظروف الموضوعية لا يقلل البتة من شأن واستقلال نشاط الانسان، بل يتيح - بالعكس - فهم هذا النشاط على نحو أفضل"[[70]].
"... ان المجتمع يتطور حسب القوانين الموضوعية، والناس مقيدون في أفعالهم بظروف مادية معينة. ولكن الناس يستطيعون في إطار الظروف الموضوعية - وهذا الاطار واسع جدا - أن يتخذوا مختلف القرارات... حسب فهمهم للظروف الموضوعية، لظروف النشاط الملموسة"[[71]].
-7-
بعد الانتهاء من هذه المرحلة، يأتي دور الحديث عن قوى الانتاج لنرى مقدار تأثيرها في قيادة المجتمع، ومن ثم في الحرية أو الضرورة للانسان.
قوى الانتاج أو القوى المنتجة، هي الوسائل التي كان ولا زال الانسان يستخدمها في [نضاله ضد الطبيعة] على حدّ تعبير الماديين.
قال بليخانوف:
"إن اليد مع الذراع هي الأداة الأولى والآلة الأولى التي يستخدمها الانسان. وعضلات الذراع تؤدي مهمة النابض الذي يضرب أو يرمي. غير أن الآلة أخذت تظهر خارج الجسم شيئا فشيئا. لقد أفاد الحجر في بادىء الأمر بثقله، بكتلته. وفيما بعد ثبتت هذه الكتلة على مقبض. وهكذا البلطة والمطرقة.
إن اليد وهي الأداة الأولى عند الانسان، تخدمه لإنتاج أدوات أخرى، وتكييف المادة للنضال ضد الطبيعة، أي ضد بقية المادة المستقلة.
وكلما ارتقت هذه المادة المستعبدة، نما إستخدام الأدوات والآلات وازدادت أيضا قوة الانسان ضد الطبيعة"[[72]].
وقال ستالين:
"وفيما يلي لوحة تبين الخطوط الكبرى لتطور القوى المنتجة منذ أقدم الازمان إلى يومنا هذا:
الانتقال من الأدوات الحجرية الغليظة إلى الفؤوس والسهام، وبالتالي، المرور من الصيد إلى استخدام الحيوانات وتربية المواشي بشكل بدائي. ثم الانتقال من الأدوات الحجرية إلى المعدنية [الفأس الحديدية، المحراث الابتدائي المجهز بسكة مصنوعة من الحديد... إلخ] وبالتالي الانتقال إلى غرس النباتات، إلى الزراعة. ومن ثم إجراء تحسين جديد من الأدوات المعدنية لأجل صنع مختلف المواد، وظهور الكير ذي المنفاخ، وصناعة الاواني الفخارية، وبالتالي تطور الحرف، وانفصال الحرف عن الزراعة، وتطور الحرف المستقلة أولاً. ثم المانيوفاكتورة [أي المصنع] فيما بعد، ثم الانتقال من أدوات الانتاج الحرفي إلى الآلة، وتحويل الانتاج الحرفي - المانيوفاكتوري، إلى صناعة قائمة على الآلة. ومن ثم الانتقال إلى نظام الآلات وظهور الصناعة الميكانيكية الحديثة الكبرى.
هذه هي بصورة إجمالية وغير كاملة اللوحة التي تبين تطور قوى المجتمع طوال تاريخ البشرية. ولا حاجة إلى القول أن تطور أدوات الانتاج وتحسينها لم يحدثا بصورة مستقلة عن الناس بل حققها الناس الذين لهم علاقة بالانتاج"[[73]].
-8-
ولكن ما هي علاقات الانتاج؟...
يجيب ستالين على ذلك في كتابه قائلا:
"... فالناس في نضالهم مع الطبيعة يستثمرونها لإنتاج الحاجات المادية، ليسوا منفردين منعزلا بعضا عن بعض بل ينتجون في جمعيات فالانتاج، دائما، ومهما تكن الشروط، إنتاج اجتماعي. ففي أثناء إنتاج الحاجات المادية يقيم الناس فيما بينهم هذه العلاقات أو تلك ضمن نطاق الانتاج، أي يقيمون بينهم هذه أو تلك من علاقات الانتاج.
ويمكن أن تكون هذه العلاقات علاقات تعاون وتساعد... كـما يمكن أن تكون علاقات إنتقال من شكل من أشكال علاقات الانتاج إلى آخر... ويمكن ان تكون علاقات سيطرة علاقات الانتاج. فهي دائما، وتحت كل الانظمة، عنصر ضروري لا غنى عنه في الانتاج، مثلها في ذلك قوى المجتمع المنتجة، سواء بسواء"[[74]].
"يستخلص من ذلك أن الانتاج أو إسلوب الانتاج، يشمل قوى المجتمع المنتجة، كما يشمل علاقات الانتاج بين الناس سواء. ففيه يتجسد اتحاد الطرفين خلال عملية إنتاج الحاجات المادية"[[75]].
-9-
تكون علاقات الانتاج دائما مربوطة بتغيرها وتطورها بتطور القوى المنتجة. وهو تغير وتطور خارج عن قدرة الناس وإرادتهم، بل هو مؤثر فيهم من حيث لا يعلمون.
قال ماركس:
"إن الناس أثناء الانتاج الصناعي لمعيشتهم يقيمون فيما بينهم علاقات إنتاج معينة ضرورية مستقلة عن آرائهم. وتطابق علاقات الانتاج هذه درجة معينة من تطور قواهم المنتجة"[[76]].
وقال ستالين:
"خاصية الانتاج الثانية: هي أن تطوره وتغيراته تبدأ دائما بتغير القوى المنتجة وتطورها، وبتغير وتطور أدوات الانتاج قبل غيرها. فالقوى المنتجة هي - إذن - أكثر عناصر الانتاج حركة وثورة.
في بادىء الأمر، تتعدل القوى المنتجة وتتطور، وبعدئذ تبعا لهذه التعديلات وطبقا لها، تتعدل علاقات الانتاج بين الناس، في علاقاتهم الاقتصادية.
غير أن ذلك لا يعني أن علاقات الانتاج لا تؤثر في تطور القوى المنتجة أو أن هذه لا تتعلق بتلك. فان علاقات الانتاج التي يتعلق تطورها بتطور القوى المنتجة، تؤثر بدورها في تطور القوى المنتجة فتعجله أو تبطؤه.
ومن المهم أن نلاحظ - علاوة على ذلك - أن علاقات الانتاج لا يمكن أن تتأخر أمدا طويلا عن نمو القوى المنتجة، وأن تبقى في تناقض مع هذا النمو. لان القوى المنتجة لا تستطيع ان تتطور تطورا تاما إلا عندما تكون علاقات الانتاج مطابقة لطابع القوى المنتجة... ولذلك، فمهما تتأخر علاقات الانتاج عن تطور القوى المنتجة، فلا بد ان ينتهي الأمر - وهو فعلا ينتهي - بالمطابقة بينها وبين القوى المنتجة... وإلا تعرضت الوحدة إلى خطر التفكك... وإلى وقوع أزمة في الانتاج والى تحطيم القوى المنتجة"[[77]].
"... فاذن، ليست القوى المنتجة أكثر عناصر الانتاج حركة وثورة فقط، بل هي أيضا العنصر الحاسم في تطور الانتاج، وكـما تكون القوى المنتجة كذلك، يجب أن تكون علاقات الانتاج"[[78]].
-10-
إن تطور علاقات الانتاج يكون سببا في التطور الاجتماعي ككل، سواء من الناحية السياسية أو الادبية أو الدينية أو الفلسفية أو أي شكل آخر في المجتمع.
قال ماركس:
"ومجموع علاقات الانتاج هذه تشكل البناء الاقتصادي للمجتمع أي الأساس الواقعي الذي يقوم عليه [بناء علوي] حقوقي وسياسي، وتطابقه كذلك أشكال معينة من الوعي الاجتماعي والسياسي والفكرى بصورة عامة. فليس وعي الناس هو الذي يحدد معيشتهم، بل على العكس من ذلك، معيشتهم الاجتماعية هي التي تحدد وعيهم"[[79]].
وقال انجلز:
"إننا نرى للظروف الاقتصادية القول الفصل في تحديد التطور التاريخي. وعليه فالأصل هو نفسه عامل اقتصادي"[[80]].
"إن التطور السياسي والحقوقي والفلسفي والديني والادبي والفني... إلخ، يستند إلى التطور الاقتصادي"[[81]].
-11-
وإذا صحّ ذلك، أعني إستناد تطور المجتمع إلى تطور علاقات الانتاج... وصح إستناد تطور هذه العلاقات إلى تطور قوى الانتاج أو وسائله... صح - لا محالة -. إستناد تطور المجتمع نفسه إلى تطور قوى الانتاج، وبالتالي إلى آلة الانتاج نفسها.
قال ستالين:
"فالناس... يتغيرون ويتطورون بتغير أدوات الانتاج وتطورها"[[82]].
وقال كوفالسون:
"إن وسائل العمل... ليست دليلا على النجاحات التي أحرزها الناس في النضال ضد الطبيعة وحسب، بل الأساس الحاسم لتطور الانتاج والمجتمع كله"[[83]].
-12-
غير أن هنا استثناء تؤكد عليه الماركسية، لكي لا يورد عليها بأننا نرى كثيرا من الأشياء تتطور بغير العامل الاقتصادي. إن العامل الاقتصادي - في نظرها - هو السبب الأعمق والأهم في تطور كل جوانب المجتمع، ولا يعني ذلك مباشرته العمل في كل شيء، بل توجد هناك عوامل أخرى تعمل متأخرة عنه، وإن كانت كلها تعود إلى النتيجة إليه.
قال انجلز:
"إن التطور السياسي والحقوقي والفلسفي والديني والادبي والفني... إلخ، يستند إلى التطور الاقتصادي. ولكنها جميعا تتأثر أيضا بعضها ببعض، كما تؤثر في الأساس الاقتصادي. فليس صحيحا أن الوضع الاقتصادي هو السبب، وهو وحده الفاعل، وان كل ما عداه ليس سوى مفعول. ان ثمة - بالعكس - تفاعلا على أساس الضرورة الاقتصادية التي لها الغلبة في المرجع الأخير. إن الناس هم الذين يصنعون تاريخهم بأنفسهم، ولكن في وسط مكيف لهم على أساس علاقات فعلية موجودة من قبل، في عدادها الظروف الاقتصادية التي - مهما يكون مدى تأثرها بالظروف الأخرى السياسية والآيديولوجية - لن يقلل ذلك في المرجع الأخير، من كونها الظروف المحددة التي تؤلف من البداية إلى النهاية، الدليل المرشد الذي يجعلك وحده قادرا على الفهم"[[84]].
وقال أيضا:
"إن العامل المحدد في التاريخ، حسب المفهوم المادي للتاريخ، هو المرجع الأخير، إنتاج وإعادة إنتاج الحياة الواقعية. ولم نؤكد أبدا - لا ماركس ولا أنا - أكثر من هذا.
فإذا كان من يعذب هذه القضية ليرغمها على أن تقول أن العامل الاقتصادي هو المحدد الوحيد، فانه ليحولها إلى عبارة فارغة مجردة سخيفة.
إن الوضع الاقتصادي هو الأساس، ولكن مختلف عناصر البنيان الفوقي - الأشكال السياسية للنضال الطبقي ونتائجه -... الأشكال الحقوقية، وحتى إنعكاسات جميع هذه النضالات الفعلية في دماغ المشتركين فيها، النظريات السياسية والحقوقية والفلسفية، والمفاهيم الدينية... تمارس كذلك فعلها في سير النضالات التاريخية، وفي كثير من الأحيان تحدد شكلها على نحو راجح. فثمة فعل ورد فعل لجميع هذه العوامل التي في غمارها تنتهي الحركة الاقتصادية... ولولا ذلك، لعمري، لكان تطبيق النظرية على أي عهد تاريخي أيسر من حلّ معادلة بسيطة من الدرجة الأولى. إننا نصنع تاريخنا بأنفسنا، ولكن قبل كل شيء بمقدمات وضمن ظروف جداً محددة. والظروف الاقتصادية، من بين جميع الظروف، هي في النهاية الظروف المحددة. ولكن الظروف السياسية... إلخ بل وحتى التقاليد التي تخالط أدمغة الناس تلعب كذلك دورا وإن يكن غير حاسم. إنها أسباب تاريخية، وفي المرجع الأخير، أسباب اقتصادية"[[85]].

***
إلى هنا نكون قد سرنا خطوة مهمة وموفقة، في فهم الأساس الاقتصادي للتطور الاجتماعي.
ولعل من الراجح الآن ان نبدأ بمناقشة هذه الآراء الماركسية، قبل الدخول في [الفهم الطبقي الماركسي]، لكي لا تتكدس علينا المناقشات ويتعذر جانب الوضوح فيها.


مناقشة الفكر الماركسي
في الحرية الفردية وعلاقات الانتاج

-1-
نحن نتفق مع الماركسية، في هذه النقطة، وهي: ان القوانين الطبيعية العامة شاملة للمجتمع، وان المبادئ الفلسفية للكون تشمل حياة الناس وتاريخهم بالضرورة.
يستثنى من ذلك - في نظرنا - الأفعال التي تصدر من الناس عن إرادة ووعي، على ما سيأتي، وسنرى بالتحديد ما هو موقف الماركسية منها.
ونتفق مع الماركسية أيضا في ضرورة الترابط بين الحوادث الاجتماعية، بشكل من الأشكال.
وإنما نختلف معها - بهذا الصدد - في أمرين:
الأمر الأول: في تشخيص القوانين الطبيعية التي تحكم المجتمع. فالماركسية ترى في انها قانون الديالكتيك ونحوه، مما سمعناه، في حين اننا نرى انها أشياء أخرى سنلمح اليها فيما يلي من البحث.
الأمر الثاني: انه مع استثناء الأفعال الاختيارية للناس من الضرورة القانونية الكونية - كما قلنا -، لا يكون التطور الاجتماعي تطورا ضروريا قهريا، يمكن حسابه بإسلوب رياضي حدّي تماما. بل يبقى إحتمال تصرف الناس في ضمن التاريخ موجودا أيضا.
ومن الطريف ان الماركسية إلى جانب تأكيدها على ضرورة التطور، بكل تفاصيله، تؤكد أيضا على وعي الناس واراداتهم، وانهم هم الذين يصنعون التاريخ. وهذا معناه عدم إمكان الجزم الحقيقي بردود الفعل الصادرة، والتنبؤ بالحوادث يمكن حسابه حسابا رياضيا... كما تميل اليه الماركسية حين حولت علم التاريخ والمجتمع من [فوضى احتمالات] إلى [علم]!!...
إلا أن هذا لا ينافي الاعتراف مع الماركسية، بأن المجتمع يتطور تطورا موضوعيا، وذا درجة كافية من الضبط، ويمكن السيطرة عليه من قبل فاعل داخلي أو خارجي. وسيتضح ذلك جليا عند شرح التخطيط العام في القسم الثالث من هذا الكتاب.
وبهذه الدرجة الكافية من الضبط، يمكن تأسيس علم التاريخ، كفرع عميق من فروع المعرفة الانسانية. ولا يكون [فوضى احتمالات وكومة أخطاء سخيفة].
-2-
نرى أن الأسباب التي تؤثر في التطور الاجتماعي في العصور الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، ثلاثة رئيسية، إثنان منها موضوعيان، أعني خارجين عن إرادة الناس، وواحد منها ذاتي، يعود إلى إرادتهم.
السبب الأول: الأسباب الطبيعية العامة.
فان اعترفنا بالقوانين، عبرنا عنها بالقوانين الكونية، كقوانين الفلك والفيزياء والكيمياء العامة. وإن انكرنا القوانين - كما فعلنا - تكون الأسباب هي كل واقعة سابقة بالنسبة إلى اللاحقة، فان هنا تتابعا بين الحوادث على أي حال، من حين حدوث الكون إلى نهايته. وقد سبق ان برهنا على حدوث الكون. وانطلقنا من ذلك على وجود الفاعل الخارجي الخالق للكون.
ومن هذا النوع من الأسباب قهرية التأثير بالنسبة إلى كل ما يندرج تحتها من الوقائع والأشياء، وموضوعي ومستقل تماما عن إرادة الانسان، وتجعل الانسان - عادة - عاجزا عن مخالفتها أو محاولة تجاهلها.
وهذه الأسباب شاملة بمدلولها المباشر للمجتمع، تماما كما هي شاملة للطبيعة. وبعبارة أخرى: إنها تفهم المجتمع كما تفهم الطبيعة... هنا نرى الانسان يسقط من شاهق كما تسقط الحصاة!!...
السبب الثاني: الأهداف المتوخاة من إيجاد الكون.
والبرهان على ذلك مختصر قبل الوصول إلى القسم الثالث من الكتاب. اننا بعد أن أثبتنا أن للكـون خالقا ومدبرا من خارجه، وثبت في الفلسفة ان هذا الخالق قادر مطلق وحكيم مطلق ومختار في تصرفه. يكفينا من ذلك الآن ان الخلاف مع الماديين إنما هو في وجوده، مع التسالم على أنه لو كان موجودا لكان كاملا [مطلقا] ولم يدّعِ أحد وجود الإله الناقص.
كـما ثبت ان كل فعل اختياري، لا بد أن يكون ناشئا من هدف وغرض، معينين، وهذا ما إعترفت به الماركسية، كما سمعنا قبل قليل. فكيف إذا كان الفاعل قادرا وحكيما مطلقا.
... إذن، فلا بد أن تكون أهداف الخالق الحكيم من وراء خلق هذا الكون العظيم... في غاية العمق والدقة والأهمية. وحيث انه القادر المطلق، فهو - إذن - قادر على تنفيذ أهدافه من خلقه، بأي شكل من الأشكال.
والفاعل الحكيم يستحيل عليه نقض الغرض، أي أن يخالف أهدافه ويفعل ما لا يحققها أو ما يحقق اضدادها. فهو إذن - بالضرورة - يتسبب بقدرته إلى تحقيق تلك الأهداف والاغراض. ولا تكون هذه الضرورة منافية لقدرته، باعتبار إنسجامها مع إرادته وحكمته. مع وضوح ان إستحالة نقض الغرض [حق إرفاقي] للفاعل، ولا يمكن ان يتضمن تحميلا قسريا بالنسبة إليه.
ونحن باعتبار كوننا موجودين في داخل الكون، ومحكومين بقوانينه وأسبابه، لا نستطيع ان ندرك بالتفصيل، خصائص تلك الأهداف. غير اننا نعلم، على وجه الاجمال، تبعا للاعتقاد بالحكمة المطلقة لخالق الكون، وإستغنائه المطلق عن خلقه: ان خلق الكون من أجل ان يصل الكون إلى كماله، أعني أحسن واقعية يمكن أن يصل إليها في طريق حركته نحو الأفضل. غير أننا لا نستطيع أن ندرك شكل هذا الكمال، إلا بعد حدوثه.
وهذا السبب، المسمى بالعلة الغائية في إصطلاح الفلسفة، شامل للبشرية أيضا في حياتهم الفردية والاجتماعية، بصفتهم أيضا جزءا من الطبيعة. غير انه يكتسب صيغة أخص وأوضح. وذلك بأن نقول: ان الهدف من إيجاد البشرية هو إيصالها إلى كمالها، أعني - أيضا - أحسن حالة واقعية يمكن ان تصل إليها في طريق حركتها نحو الأفضل.
وكما يستحيل تخلف الأهداف الكونية، ويتسبب الخالق المدبر إلى تحقيقها لا محالة... كذلك يستحيل تخلف الأهداف المتوخاة من إيجاد البشرية، ويتسبب الخالق أيضا إلى تحقيقها بالضرورة. وهذا هو الذي نصطلح عليه بالتخطيط الالهي العام، الذي سنعرض له في القسم الثالث مفصلا.
وإنطباق هذا السبب على الحياة البشرية، لا يعني بحال، تحول أفعالهم الاختيارية إلى أفعال ضرورية قسرية. فان هذا السبب الغائي، لا يزيد - في واقعه - عن السببين الآخرين من حيث التطبيق. بمعنى أن الخالق حين توخى أهدافا معينة من كونه وبشريته، جعل السبب الأول والثالث الآتي هي الطرق إلى إنجاز تلك الأهداف، فتحول تلك الأسباب عن واقعها وتغير محتواها يعني بالضرورة تخلف تلك الأهداف، وهو مستحيل لانه نقض لغرض الحكيم المطلق، إذن، فلا بد ان يبقى السبب الأول قسريا. والسبب الثالث اختياريا، على ما سنسمع، لكي ينجز الكون أهدافه.
وبكلمة أخرى: إن اختيارية أفعال البشر، دخيلة في إيصالهم إلى الكمال فالالتزام بقسرية أفعالهم، مناف مع هذا الهدف وهو محال.
السبب الثالث: لتكوين الحياة الاجتماعية، هو الأفعال الاختيارية للناس أنفسهم، وردود أفعالهم تجاه مختلف الوقائع والأحداث. وسنعرف مقدار اختيارية هذه الأفعال في الفقرة التالية.
وهذا السبب ذاتي - بطبعه - باعتبار أن صفة الاختيار صفة [داخلية] للانسان، كـما أن الدوافع التي يصدر عنها في أفعاله دوافع داخلية أيضا.
-3-
نعرف من هذا الذي سمعناه، ما هو الصحيح في مقدار اختيارية أفعال الانسان.
إن الانسان يملك الاختيار، بمعنى أن له أن يفعل وان يترك تجاه أي واقعة أو حادثة، ولا يمكن أن تكون أفعاله قسرية. وهذا هو الذي له أكبر الأثر في تربيته وتكامله، وبالتالي في تربية البشرية ككل وتكاملها، والافصاح عن النيات الحسنة والشريرة. وبدونه لا معنى لأي هدف أو أي دافع، نشعر به وجدانا، كـما لا معنى للخير والشر، كـما لا معنى لإعطاء أية قيمة لفعل الانسان، فلا يستحق أحد شكرا ولا عقابا.
ولكن الانسان، بالرغم من كونه مختارا، لا يستطيع أن يتحكم في السببين الأولين النافذي المفعول عليه.
أما السبب الأول: فهو قسري التأثير بالنسبة إليه، لا اختيار له تجاهه، لوضوح ان كل من ألقى نفسه من شاهق، فهو يسقط، وكل من أدخل يده في النار، فانها تحترق.
وبهذا السبب تتحدد الظروف التي يستطيع الانسان بذل النشاط من خلالها. لوضوح ان الانسان لو كان يستطيع ان يخالف قانون الجاذبية - مثلا - لكان نشاطه بشكل يختلف عن نشاطه حال عدم استطاعته لذلك. إذن، فقانون الجاذبية - مهما فسرناه - يحدد ظرف سلوك الأفراد ويحدد من نشاطهم عموما. وكذلك الحديث عن غيره من القوانين.
إلا ان هذا السبب بالرغم من قسريته، لا يحول الأفعال الانسانية إلى قسر. فان احتراق اليد بالنار قسري، لكن ادخالها فيها اختياري على أي حال. وذلك: لان الانسان إنما يكون مختارا فيما هو قادر عليه، وهو غير قادر على ان يخالف القوانين أو الأسباب العامة بالضرورة. فهو قادر - مثلا - على أن لا يدخل يده في النار، ولكنه غير قادر على عدم إحتراقها لو دخلت.
وهذه الظروف التي توفرها الأسباب العامة، إطار واسع - حسب تعبير الماركسيين - يمكن أن يتصرف الناس خلالها.
وأما السبب الثاني: فليس له أي قسر مباشر بالنسبة إلى الأفراد. ولكن حيث أنه يتضمن تحديد أهداف معينة من خلق الكون والبشرية، تحدث بالضرورة... ينتج من ذلك: أن الانسان يستطيع أن يحدد أهدافه القصيرة، لا انه يستطيع ان يحدد أهداف بشريته عموما، بل هو بالضرورة سائر ضمن هذه الأهداف.
وبكلمة أخرى: ان الانسان في كل أفعاله الاختيارية يسير بالضرورة نحو هدفيـن مزدوجين: أهدافه الشخصية القصيرة، والأهداف العامة للبشرية.
ولا نقصد بالأهداف القصيرة، ما ينجز خلال يوم أو شهر، بل ان الأهداف الفردية مهما طالت، فانها قصيرة بالنسبة إلى عمر البشرية الطويل.
ومن الطريف: أن الأفعال والأهداف الشخصية، لا تنافي بحال الأهداف البشرية العامة. ومن هنا، إن الفرد مهما عمل من أعمال ومهما استهدف من أهداف، فانه يخدم بذلك الأهداف البشرية العامة من حيث لا يعلم.
ذلك لسبب بسيط، وهو ما أشرنا إليه من أن الخالق الحكيم أوجد السبب الثالث للحياة الاجتماعية، بمعنى انه أوفر الاختيار للناس، من أجل إنجاز تلك الأهداف العامة. إذن فكل ما يصدر عن الأفراد نتيجة لهذا الاختيار، فهو بالضرورة، يقع في طريق تحقيق تلك الأهداف.
وبهذا نعرف إحدى الخصائص الرئيسة للتخطيط العام الذي سنشرحه في القسم الثالث: وهي، ان أفعال البشر مهما كانت، فانها تقع مؤيدة للتخطيط وأهدافه، ولا معنى لان تقع مضادة لها.
-4-
فان فهمنا الجمع بين الضرورة والحرية، بالشكل الذي ذكرناه الآن، فهو. وإلا كان الجمع بينهما تناقضا وكلاما متهافتا ليس إلا... لوضوح ان الفرد إما أن يكون مختارا حرا في أفعاله، وإما ان يكون مجبورا فيها مقسورا عليها... ولا معنى لان يكون الفرد حرا ومجبورا في نفس الوقت.
ومعه لا نجد أي معنى للحرية المتولدة من الضرورة أو المتماثلة معها، كما سمعناه من بليخانوف وغيره من الماركسيين.
-5-
ولعل ما ذكره كوفالسون، من إسلوب الجمع بين الحرية والضرورة، أقرب إلى ما قلناه من أي شيء آخر. فانه من الصحيح أن الجيل حين يرد الحياة يواجه ظروفا اجتماعية جاهزة، يتصرف على أساسها، فان تلك الظروف تعتبر غير اختيارية بالنسبة إليه، لانها من صنع غيره، وفعل كل فرد غير اختياري بالنسبة إلى الفرد الآخر. ومن هنا تدخل هذه الظروف في الاطار العام الواسع الذي يحدد حرية التصرف الفردية. [إلا ان وجود هذه الظروف الموضوعية لا يقلل البتة من شأن وإستقلال نشاط الانسان]، كـما قال كوفالسون، بعد أن برهنا على وجود الاختيار في ضمن ذلك الاطار.
كما ان الاسلوب الرياضي الذي اتخذه بليخانوف، يدل على ذلك أيضا، ولا يمكن فهمه إلا من هذه الزاوية.
إن الحادثة [آ] إن كان مجموع أسبابها [س] متكونة من أسباب كونية قسرية من الشكل الأول الذي ذكرناه، وكان لنا إطلاع كاف على تفاصيلها، إذن، يمكن التنبؤ بحصول الحادثة في الوقت [ن] بشكل رياضي دقيق غير قابل للتخلف.
وأما إذا كان جزء من مجموع [س] فعل إرادي اختياري لفرد أو أفراد، [د] أو [ب]، فلا يمكن التنبؤ بوقوع الحادثة بشكل قطعي بأي حال. بل غايته ان نحسب حساب احتمالات الدوافع التي نعرفها للفرد إلى انجاز ذلك العمل. فان عرفنا له دافعا شديدا، كان احتمال وقوع الحادثة [آ] كبيرا، في وقتها المحدد [ن]. والا كان أضعف من ذلك.
من يكون له دافع كبير، سوف نحرز -إلى حد بعيد- أنه لن يستسلم للنوم، كما إفترض بليخانوف لنفسه، بل سوف يبقى عاملا جادا لايجادها، فتحدث في وقتها المحدد، بخلاف ما لو كان دافعه ضعيفا، فانه يترك العمل - على الأكثر -، فتفقد الحادثة جانب الفعل الاختياري، والمفروض أن [س- د= صفر] أي ان الحادثة لن تتحقق بتركه العمل لمجرد وجود الجزء التكويني من الأسباب.
نعم، لو تبدل [د] إلى [ب] بمعنى انه قام بالفعل غيره والمفروض ان: [ب- د... س+ ب= آ] وهو وجود الحادثة في وقتها المعين.
واما افتراض بليخانوف تأثر وقوع الحادثة عن وقتها [ن] أو حدوثها ناقصة عند انعدام [د] وعدم تعويضه بـ[ب]... فهذا يعود إلى مقدار افتراض دخل [د] أو الفعل الاختياري في وقوع الحادثة. فاننا إذا افترضنا له دخلا كليا كان وقوع الحادثة بدونه متعذرا أي أن [س- د= صفر] بالضرورة، وان افترضناه شيئا يحوم حول الحادثة ويلقي عليها بعض الظلال وحسب، كان ما قاله بليخانوف، من هذه الناحية، صحيحا.
وإذا كان للفعل الاختياري [د] مشاركة في وقوع الحادثة [آ]... أمكن التنبؤ القطعي بوقوع الحادثة، بشكل مشروط بإنجاز العمل، تماما كـما هو مشروط بوقوع [س] نفسها. كل ما في الأمر ان [س] يمكن التنبؤ بتحققها بصفتها تكوينية، واما [د] فاختيارية. وعلى أي حال فالتنبؤ المشروط صادق تماما. بأن نقول: لو حدث [س] وانضم إليه [د] لحدث [آ] في الوقت [ن]. فلو عبرنا عن الاشتراط والتقدير برمز [..] وعنينا من [آ] وقوع الحادثة في وقتها المحدد كانت المعادلة كـما يلي:
[.. س+.. د= آ]. وكذلك تماما [.. س+.. ب= آ]. لان [د= ب] بحسب الفرض.
وانطلاقا من هذا التسلسل الفكري، نجد ان الشعور بالاضطراب الذي تحدث عنه بليخانوف عن نفسه، والايحاء الذي فهمه من ضرورة كونه مسترخيا عاطلا، شعور وهمي لا أساس له. إذ يستطيع بليخانوف ان يسترخي ويستطيع ان يعمل، باعتباره فردا مختارا في الفعل والترك. فإذا فعل حدثت الحادثة وان استرخى لم تحدث... وليس في ذلك أي شكل من أشكال الضرورة بالنسبة إليه.
فما حاوله بليخانوف، من جعل البرهان الرياضي، دليلا على الجمع بين الضرورة والحرية، غير صحيح... وإنما ينبغي أن نفهمه بالاسلوب الذي فهمناه.
-6-
إن الايمان بالمادية عموما مستلزم للقسر والجبرية في أفعال الانسان. لان [القوانين] المادية ذات تأثير ضروري قسري دائما شامل لكل أجزاء الكون، بما فيه الانسان، بشكل لا يمكن فيه الاستثناء.
وإذا كانت قوى الانتاج وعوامل [المادية التاريخية] عموما تنتج إطارا اختياريا للانسان، فهذا معناه أن تأثيرها غير كامل، بل لها جزء الأثر، ويكون باقي الأثر موكولا إلى العوامل المادية الأخرى، وتشكل مجموع العوامل حينئذ عنصرا جبريا في حياة الانسان.
ومعه، فانكار الجبرية، من قبل الماديين، والتركيز على جانب الحرية، غريب تماما عن مسالكها الفكرية... وأغرب منه ما ادعاه كوفالسون من ان الجبرية تؤدي إلى الاعتقاد بالقضاء والقدر. كلا!. فان هذا الاعتقاد - ببعض أشكاله - يعني: ان الله يجبر الناس على أعمالهم، وهو اتجاه جبري غير الاتجاه الذي يقول: ان العوامل المادية تجبرهم على ذلك. ما ينبغي ان يلتزم به الماديون هو هذا الثاني، لا القول بالقضاء والقدر بطبيعة الحال.
على ان فكرة الاختيار وصفة الحرية في أفعال الانسان، فكرة [ميتافيزيقية] لا تتناسب مع المادية بالمرة. فالالتزام بالحرية من قبل الماديين اتجاه ميتافيزيقي مثالي مقيت!!!...
وقد بقيت بعض المناقشات الجانبية في كلمات الماركسيين عن حرية الانسان، لا حاجة إلى التطويل بها، بل نوكل إدراكها إلى القاريء النبيه.
-7-
وصل بنا النقاش الآن إلى قوى الانتاج وعلاقات الانتاج...
لسنا في خلاف مع الماركسية من حيث مفهوم قوى الانتاج، فانها - بذاتها - أمر معاش في المجتمع ولا من حيث تطورها عبر التاريخ البشري، ولا في ان قوى الانتاج تحتاج في الغالب، إلى علاقات إنتاج معينة على الصعيد الاجتماعي.
كـما اننا لا نناقش في تأثير هذه الأشياء في حياة المجتمع، مباشرة أو بالواسطة، شأنها في ذلك شأن العامل الجغرافي أو الجنسي أو غيرهما، مما ادعى الناس أنه العامل الوحيد في التأثير... وليس كذلك.
وإنما يبدأ النقاش من هذا الدور السحري الكبير الذي اعطته الماركسية لهذه الأشياء. فان ذلك، مما لايمكن الالتزام به لعدة نقاط:
النقطة الأولى: إن قوى الانتاج قد تتطور ولا يتطور المجتمع، وقد رأينا في مجتمعنا العالمي المعاصر، في عدة موارد:
المورد الأول: في أوربا الغربية، كألمانيا وفرنسا وإنكلترا وإيطاليا... وهي البلدان التي تنبأ ماركس وانجلز، طبقا لنظرياتهم المادية، بانتقالها إلى الاشتراكية أسبق من غيرها.
قال انجلز:
"فالثورة الشيوعية... إنما ستقع في آن واحد في جميع البلدان المتمدنة أي على الأقل في إنكلترا واميركا وفرنسا وألمانيا"[[86]].
وقد أخلفت هذه البلدان ظن هذا المفكر وصاحبه... وبقيت رأسمالية تماما لعدة قرون، بالرغم من تطور وسائل الانتاج من الآلة البخارية إلى الآلة التي تدار بالبنزين إلى الآلة الكهربائية إلى الآلة الذرية. ولا زال النظام هو النظام، بالرغم من هذا التطور الشاسع العظيم لوسائل الانتاج.
فان اعتذر عن ذلك شخص وقال: بأن نظرية المادية التاريخية قد تحصل بشكل سريع، وقد تحصل بشكل بطيء وتكون البلدان الرأسمالية قد حصلت النظرية فيها بشكل بطيء.
غير ان هذا الاعتذار، قد يكون مقبولا في التطور القليل لقوى الانتاج في مرحلتين مثلا، وأما إذا أصبح التطور بهذا الشكل ولم تنطبق نظرية المادية التاريخية، فهذا معناه عدم صحة النظرية ومجافاتها للواقع. إذ كيف أوجدت الفأس الحديدية نظام الرأسمالية، ولم توجد سلسلة التطورات المتأخرة الكثيرة، وخاصة بعد الوصول إلى الصناعات الذرية، نظام الاشتراكية الأول [دكتاتورية البروليتاريا] فضلا عما بعده.
إن هذا يعني - على الأقل - توقف مفعول الضرورة المادية التاريخية، في هذا العصر، بعد أن كان نشيطا فعالا!!...
المورد الثاني: في الاتحاد السوفييتي نفسه والبلدان الاشتراكية التابعة له. فانها تمر الآن - طبقا للنظرية - بعصر دكتاتورية البروليتاريا. وهو عهد واحد قبل عهدين إشتراكيين لاحقين له، آخرهما الطور الشيوعي الأعلى، على ما سوف نسمع. وبالرغم من تطور قوى الانتاج ووسائله إلى حد الآلة الذرية، هناك... إلا أن دكتاتورية البروليتاريا بقيت هي هي لم تتطور.
المورد الثالث: في الصين الشعبية، فانها - طبقا للنظرية - تعيش نفس الفترة. وبالرغم من دخولها في [العهد الذري] لم تستطع أن تدخل في [العهد الشيوعي].
المورد الرابع: البلدان الاشتراكية المجاورة للاتحاد السوفييتي، فان اندراجها في العالم الشيوعي لم يكن بسبب تطور وسائل الانتاج فيها، بل بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية، التي أوجبت دخول الجيوش الروسية إلى البلدان المجاورة التي كانت محتلة لألمانيا الهتلرية...
فان اعتذر عن ذلك شخص وقال: بأن تطور وسائل الانتاج في الاتحاد السوفييتي، أوجب تغيير النظام في البلدان المجاورة، فرجع التأثير إلى هذا التطور نفسه.
... إن هذا الاعتذار يحتوي على تأويل للنظرية، مجاف لروحها، ولما ذكره المفكرون الماركسيون الاوائل الذين أناطوا نظام كل بلد بتطور وسائل الانتاج فيه لا في غيره. ولا معنى للتفريق المكاني بين التطور والنظام، بأن يحصل التطور في مكان ويحصل النظام في مكان آخر، كـما هو معلوم.
النقطة الثانية: إن علاقات الانتاج، قد تتطور ولا يتطور كثير من ظواهر المجتمع، كاللغـة والدين والقانـون وبعض المؤسسـات الاجتماعية...
أما اللغة، فعدم تطورها بتغـير الانظمة وتطور علاقات الانتاج، واضح كل الوضوح. وقد اعترف بذلك الماركسيون المتأخرون، وقد اعتبرها كوفالسون استثناء من الظواهر الاجتماعية، حيث نسمعه يقول عن اللغة:
"... ولكن بما ان وجودها وتطورها وخصائصها، لا يحددها البناء التحتي الاقتصادي، فلا يمكن تصنيفها في عداد عناصر البناء الفوقي"[[87]].
ومراده من البناء التحتي الاقتصادي، ما عرفناه من قواعد تطور المجتمع بتطور وسائل الانتاج... كأن هذه النظرية - لو كانت صحيحة - لكانت قابلة للاستثناء متى شاء المفكر. في حين ان القوانين العامة الضرورية غير قابلة للاستثناء، ووجود الاستثناء في كل [قانون] يدل على عدم صحته بنفسه.
وكذلك الدين، فان أوروبا بقيت مسيحية في عصري القنانة والاقطاع وبقيت [علمانية] في عصر الانتاج الحرفي والرأسمالية الأولى والرأسمالية الاحتكارية، بل وفي عصر دكتاتورية البروليتاريا، في القسم الاشتراكي من أوروبا.
والحديث عن القانون، يشبه هذا الحديث... فان القانون الروماني وجد في عصر القنانة وبقي ساري المفعول إلى عصر الاقطاع العصر الحرفي والرأسمالية الأولى، بل بقيت روحه العامة سارية المفعول إلى عصر الرأسمالية الاحتكارية.
وكذلك الحديث عن المؤسسات الاجتماعية، فالنظام الملكي في بريطانيا والحبشة وإيران، مرّ في عهود مختلفة من زاوية النظرية المادية التاريخية من عهد القنانة إلى عهد الاقطاع إلى عهد الرأسمالية، على اختلاف بين هذه الدول لا حاجة إلى الدخول في تفاصيله.
بل وكذلك الانظمة السياسية والحقوقية والدينية والفلسفية على العموم، قد تتحجر ولا تتطور.
"ويضيف ماركس قائلا: كذلك هي الحال بالضبط فيما يتعلق بالانظمة السياسية والحقوقية والدينية والفلسفية على العموم"[[88]].
والحال التي يشير إليها هي التحجر الذي كان يشير إليه قبل ذلك من عدم تطور نظام القرابة في بعض المجتمعات القديمة.
وكذلك بعض الأحزاب، كالماسونية، وكذلك بعض الصحف المهمة التي تبقى مستمرة الصدور عدة قرون وفي مختلف العهود.
النقطة الثالثة: إن علاقات الانتاج، إن أوجبت التطور، فهي لا توجب شكلا معينا من التطور. إذ لو كان كذلك للزم ان يتطور العالم كله على شاكلة واحدة، وليس كذلك. إذن، فهي توجب التطور في كل بلد على شكل يختلف عن تطور البلد الآخر.
إذن، فالتطور في البلد المعين، أو قل ان أوضاعه بمجموعها وتفاصيلها غير مستندة إلى تطور علاقات الانتاج... بل إلى عوامل أخرى، تفسر وجود الفرق بين الانظمة والتواريخ في مختلف البلدان.
وبكلمة أخرى: إن هذه التفاصيل غير مستندة إلى تطور وسائل الانتاج وحدها، وإلا كانت عهود الاقطاع - مثلا - في العالم متشاكلة في ظواهرها، مع ان الاختلاف بينها ظاهر جدا. ولا يمكن لمجتمعين أن يكونا على شاكلة واحدة. وإنما تستند هذه التفاصيل إلى أسباب أخرى غير وسائل الانتاج... أو قل: إلى المركب بين وسائل الانتاج وغيرها، وهذا المركب لا يمكن أن نعبر عنه بوسائل الانتاج أو علاقات الانتاج بطبيعة الحال. ومعه لا تكون وسائل الانتاج هي السبب الكامل في أي بلد من البلدان على الاطلاق... وإنما لها جزء التأثير. وقد تكون مشاركتها ضعيفة أحيانا وقوية أحيانا.
النقطة الرابعة: اننا سمعنا من المفكرين الماركسيين عدة أمور مترابطة:
الأمر الأول: ان تطور علاقات الانتاج مستند إلى تطور وسائل الانتاج.
الأمر الثاني: ان تطور المجتمع، بظواهره المختلفة، مستند إلى تطور علاقات الانتاج.
الأمر الثالث: ان تطور وسائل الانتاج نفسها غير منفصل عن الانسان بل الانسان هو الذي يطور هذه الوسائل ويحسنها.
وهذا ينتج عدة اعتراضات لا تكون في مصلحة الفكر الماركسي.
الايراد الأول: ان تطور المجتمع والناس مستند إلى تطور علاقات الانتاج، المستندة في تطورها إلى تطور وسائل الانتاج، المستند بدوره إلى فكر المجتمع والناس أنفسهم. إذن فالناس هم الذين يطورون أنفسهم، في الحقيقة، ولا يستند التطور إلى وسائل الانتاج أو علاقاته إلا على سبيل المجاز.
الايراد الثاني: إن إسناد تطور وسائل الانتاج إلى وعي الناس، مناف لما ذكره ماركس من:
"ان الناس أثناء الانتاج الصناعي لمعيشتهم يقيمون فيما بينهم علاقات معينة ضرورية مستقلة عن آرائهم. وتطابق علاقات الانتاج هذه درجة معينة من تطور قواهم المنتجة"[[89]].
وقد سبق ان سمعنا هذه العبارة في الفقرة السادسة من هذا الفصل.فان الناس إن طوروا وسائل إنتاجهم عن وعي وعمد وتفكير، وكانوا يشعرون بأن علاقاتهم الانتاجية سوف تتغير، وهذا ما يكون مدركا أحيانا، اذن، يستند تغيير هذه العلاقات إلى وعيهم وعمدهم وتفكيرهم، وليس مستقلا عن آرائهم، كـما قال ماركس.
الايراد الثالث: إذا توقف [آ] على [ب] وتوقف [ب] على [آ] أيضا... ينتج أن لا يوجد [آ] ولا [ب]. فمثلا، لو كنت لا تحترم صديقك إلا إذا احترمك، وكان صديقك يتخذ منك نفس الموقف... بحيث لم يكن أحدكما مستعدا للبدء باحترام صاحبه إلا إذا بدأه الآخر بالاحترام... إذن، فسوف لن يحترم أي منكما صاحبه، انه ينتظر المبادرة من قبل الآخر، وهي لا تحدث، إلا على تقدير شرط مفقود وهو المبادرة الأخرى، وهكذا. وقد التفت بليخانوف إلى إستحالة هذه المناقضة [[90]].
وكذلك الحال، لو توقف [آ] على [ب] وتوقف على [جـ] وتوقف [جـ] من جديد على [آ]. فان ذلك يؤدي إلى عدم وجود شيء من هذه الثلاثة. فإذا طبقنا هذه الفكرة على ما سمعناه من الماركسية، في هذا الصدد، وجدنا أن تطور المجتمع يستند إلى تطور علاقات الانتاج، وتطور علاقات الانتاج يستند إلى تطور وسائل الانتاج وتطور هذه الوسائل يستند إلى تطور المجتمع. فقد توقف كل من هذه الثلاثة بعضها على البعض، وهو يؤدي - كـما عرفنا - إلى عدم كل واحد منها.
فإذا أجاب الماركسيون: أن المجتمع الذي يطور وسائل الانتاج يمثل جيلا من الناس، والمجتمع الذي تطوره وسائل الانتاج يمثل جيلا آخر، فلا يكون هذا الايراد موجودا، بل تكون سلسلة التطويرات موجودة باستمرار.
إن هذا الجواب، يعني - بكل وضوح - ان الأجيال تربي بعضها بعضا عن وعي وتفكير... كل ما في الأمر أن واسطة التربية تكون اقتصادية على استمرار. فالمؤثر في تغيير الجيل اللاحق هو الجيل السابق، بشكل رئيسي. وهذا أمر صحيح، على إجماله، لا أن السبب الرئيسي للتغيير مستند إلى علاقات الانتاج أو وسائله، كـما أكدت عليه الماركسية.
النقطة الخامسة: ان الماركسية بعد ان اكدت ان هذا العامل الاقتصادي هو العامل الأعمق لتطور المجتمع، وليس هو العامل الوحيد في كل التفاصيل إذن فهذا العامل - كـما عرفنا من عدة تصريحات ماركسية - هو عامل ناقص، ذو تأثير جزئي، وليس عاملا قسريا ضروريا. فإذا ضممنا إلى ذلك، تأكيد الماركسية على وعي الناس واستخدامهم لتفكيرهم استخداما تاما وحقيقيا... كان معنى التركيب بين هاتين الحقيقتين الماركسيتين: ان وعي الناس وتفكيرهم يمكن أن يحول دون تأثير العامل الاقتصادي. لوضوح أن العامل الجزئي الناقص، يمكن الحيلولة دون تأثيره.
ولو كانت الماركسية قد جزمت بتفرع الوعي الانساني عن قوى الانتاج. كان لها أن ترفض هذه الفكرة. إلا أنها أظهرت خلاف ذلك في عدد من المناسبات[[91]]. ومعه يمكن للوعي الحيلولة دون تأثير العامل الاقتصادي، ولو في بعض الأحيان. ولا يكون العامل الاقتصادي نهائيا. كما أرادت الماركسية أن تقول.
إذن، فلم يثبت - طبقا لهذه المناقشات - ان العامل الاقتصادي، هو العامل الحاسم في تطوير المجتمع، وإن كان ينبغي الاعتراف مع الماركسية، بأن له تأثيرا جزئيا مباشرا أو غير مباشر، على عدد من ميادين الحياة، شأنه في ذلك، شأن العوامل الأخرى. فان الالتزام بنظرية العامل الواحد، على أي حال. لا تخلو من امكانية التعرض إلى النقد.

المفهوم الطبقي
لدى الماركسية

-1-
أسندت الماركسية إسلوب تطوير المجتمع بوسائل الانتاج أو قوى الانتاج طبقا لمفهومها الديالكتيكي العام، إلى الاسلوب الذي عبر عنه ماركس قائلا:
"وعندما تبلغ قوى المجتمع المنتجة درجة معينة في تطورها، تدخل في تناقض مع علاقات الانتاج الموجودة أو مع علاقات الملكية - وليست هذه سوى التعبير الحقوقي لتلك - تلك العلاقات التي كانت تتحرك ضمنها القوى المنتجة إلى ذلك الحيـن.
فبعد ان كانت هذه العلاقات أشكالا لتطور القوى المنتجة، تصبح قيودا لهذه القوى، وعندئذ ينفتح عهد الثورات الاجتماعية، فان تغير الأساس الاقتصادي يزعزع كل البناء العلوي الهائل على صور مختلفة من السرعة أو البطء"[[92]].
إن قوى الانتاج أسرع تطورا من علاقات الانتاج. قال ستالين:
"فالقوى المنتجة هي إذن أكثر عناصر الانتاج حركة وثورة. ففي بادىء الأمر تتعدل القوى المنتجة وتتطور. وبعدئذ، تبعا لهذه التعديلات وطبقا لها، تتعدل علاقات الانتاج بين الناس، أي علاقاتهم الاقتصادية"[[93]].
ثم قال:
"فمهما تتأخر علاقات الانتاج عن تطور القوى المنتجة، فلا بد من أن ينتهي الأمر - وهو فعلا ينتهي - بالمطابقة بينها وبين مستوى تطور القوى المنتجة، وأن تتخذ طابعا يلائم طابع هذه القوى المنتجة، والا تعرضت الوحدة إلى خطر التفكك، فيؤدي إلى حدوث إنقطاع في مجموع الانتاج إلى تجمع في نظام الانتاج، بين القوى المنتجة وعلاقات الانتاج، إلى وقوع أزمة في الانتاج، إلى تحطيم القوى المنتجة[[94]].
ثم قال:
"ان الازمات الاقتصادية، التي تؤدي إلى تحطيم القوى المنتجة، هي نتيجة لهذا الخلاف - يعني بين علاقات الانتاج وطابع القوى المنتجة -.
وعلاوة على ذلك، فان هذا الخلاف نفسه هو الأساس الاقتصادي للثورة الاجتماعية المدعوة إلى هدم علاقات الانتاج الحالية، وخلق علاقات جديدة مطابقة لطابع القوى المنتجة"[[95]].
-2-
وهنا تقول الماركسية كلمة رئيسية في منطقها الديالكتيكي، وفي فهمها للمادية التاريخية. بالرغم اننا لا نجد في المصادر الماركسية التصريح بها كقاعدة عامة، إلا نادرا، وإنما نجد اسهابا في تطبيقها على عهود المادية التاريخية، وخاصة في نقدها للوضع الرأسمالي. وسنسمع تطبيقاتها بعد ذلك.
وأما هنا، فينبغي أن نسمع القاعدة العامة، مستقاة من كلام ستالين حين يقول:
"فان تطور القوى المنتجة والتغيرات في ميدان علاقات الانتاج تجري خلال مرحلة معينة، بصورة عفوية مستقلة عن إرادة الناس. ولكن ذلك لا يدوم إلا إلى حين، أي إلى أن تصبح القوى المنتجة التي برزت وأخذت تتطور في درجة معينة كافية من النضج. فعندما تبلغ القوى المنتجة الجديدة حدّ النضج، تتحول علاقات الانتاج الموجودة والطبقات التي تمثلها، إلى حاجز كؤود لا يمكن إزاحته من الطريق إلا بالنشاط الواعي للطبقات الجديدة، وبعملها العنيف أي بالثورة.
ويظهر إذ ذاك بشكل رائع الدور العظيم الذي تلعبه الأفكار الاجتماعية والمؤسسات السياسيه الجديدة المدعوة إلى إلغاء علاقات الانتاج القديمة ومحوها بالقوة. فان حاجات المجتمع الاقتصادية وعلاقات الانتاج القديمة، كل ذلك، يولد أفكارا اجتماعية جديدة"[[96]].
وقد بدأ الفصل الأول من البيان الشيوعي بالقول:
"إن تاريخ كل مجتمع إلى يوما هذا، لم يكن سوى تاريخ نضال بين الطبقات. فالحر والعبد، والنبيل والعامي، والسيد الاقطاعي والقن، والمعلم والصانع، أي بالاختصار، المضطهِدون والمضطهَدون، كانوا في تعارض دائم، وكانت بينهم حرب مستمرة تارة ظاهرة وتارة مستترة. حرب كانت تنتهي - دائما - إما بانقلاب ثوري يشمل المجتمع بأسره، واما بانهيار الطبقتين المتناضلتين معا"[[97]].
ثم يبدأ مؤلفا هذا البيان، بتطبيق مفهوم هذا الصراع على عهود التاريخ، كما تفهمها المادية التاريخية.
-3-
ومن هذه الزاوية يكون كلام انجلز صحيحا، حين يقول:
"ثبت - بالنسبة للتاريخ الحديث على الأقل - ان كل نضال سياسي هو نضال طبقي، وان كل نضال تخوضه الطبقات من أجل تحررها، رغم شكله الذي هو بالضرورة سياسي - لان كل نضال طبقي هو نضال سياسي - هو بالنتيجة نضال لأجل التحرر الاقتصادي".
-4-
ومن الطبيعي، طبقا لهذا التسلسل الفكري، ان يكون المجتمع منقسما إلى طبقتين فقط، إذ بعد تطور قوى الانتاج بشكل أسرع من علاقات الانتاج، توجد طبقة [رجعية] تمثل علاقات الانتاج التي أصبحت قديمة، وتصبح هي الطبقة الظالمة المضطهدة - بالكسر - ويكون إلى جنبها طبقة مرتبطة مصلحيا بالشكل الجديد لوسائل الانتاج، وما تقتضيه هذه من علاقات إنتاج... وتصبح هذه الطبقة هي الكثرة المضصهدة - بالفتح - في المجتمع، وتبدأ بالصراع الطبقي من أجل السيطرة على الطبقة القديمة وإزالتها من الوجود عن طريق الثورة.
وهنا يوجد فهمان متعاكسان للماركسية في تحديد الوجود الطبقي في المجتمع:
الفهم الأول: ان الطبقة المضطهدة - بالفتح - بصفتها تقدمية وثورية، وعلى الأخص: باعتبارها موافقة مع الشكل المتطور من وسائل الانتاج... سوف يكتب لها النجاج حتما، فتزيل الطبقة القديمة الرجعية وتحل محلها.
وتعيش هذه الطبقة فترة، حتى ما إذا وصلت وسائل الانتاج، في مجتمعها إلى حدّ النضج، أصبحت هذه الطبقة - بدورها - رجعية، لانها تصبح ممثلة للعلاقات الانتاجية القديمة، وتوجد ضدها طبقة جديدة تقدمية، تمثل قوى الانتاج التي جاءت إلى الولادة من جديد.
وهذا الفهم هو الموافق مع التسلسل الفكري النظري للماركسية، وله شواهد من كلام الماركسيين.
وقد طبقته الماركسية في إنتقال المجتمع من عهد الاقطاع إلى عهد الرأسمالية الأولى، فان الطبقة الفقيرة في عهد الاقطاع، هي التي أصبحت رأسمالية بعد ذلك. على ما سوف نسمع بعد ذلك.
الفهم الثاني: إن الكثرة الكاثرة، من سكان المجتمع، هي دائما - في المجتمع الطبقي - الطبقة المضطهدة - بالفتح -، فهم في عهد الرق أرقاء وفي عهد الاقطاع فلاحون أقنان، وفي عهد الرأسمالية عمال بروليتاريون.
والاعتراض الوارد على الفهم الأول من زاوية الفهم الثاني، هو: ان الطبقة المضطهدة - بالفتح - حينما تكون كثيرة، أو ممثلة للأكثرية الكاثرة، كيف تصبح مضطهدة - بالكسر -، إن هذا مخالف لوضع المجتمعات تاريخيا... ولا يحتوي - لو حصل - على ظلم أو اجحاف كبير لان حكم الأقلية من قبل الأكثرية، كأنه واضح المشروعية، وقد أقرته الماركسية في أكثر من عصر من عصورها الاشتراكية، على ما سنسمع.
وهذا الاعتراض لا يرد على الفهم الثاني، لان الأكثرية، هنا مضطهدة - بالفتح - باستمرار.
والاعتراض الوارد على الفهم الثاني من زاوية الفهم الأول: انه كيف يمكن لأكثرية الشعب، وهم اشخاص بأعيانهم، أن يكونوا ممثلين لأكثر من مرحلة واحدة من مراحل تطور وسائل الانتاج، وما تقتضيه هذه من علاقات. إن الفرد لا يمكن ان يكون نصيرا إلا لمرحلة واحدة من هذا التطور، طبقا للنظرية فكيف أصبح الفرد - الممثل للأكثرية - نصيرا لوسائل الانتاج الجديدة باستمرار.
وبالرغم من ذلك، فان الماركسية طبقت الفهم الثاني، على إنتقال المجتمع من عهد الرق إلى عهد الاقطاع، فان الأقنان أنفسهم أصبحوا فلاحين، ولم يصبحوا إقطاعيين، كما هو المتوقع في الفهم الأول، وهذا ما سنسمع تطبيقاته في الفصل الآتي أيضا.
ومع تذبذب الفهم الماركسي بين هذين الوجهين المتعارضين، وورود الاعتراض على كل منهما من زاوية النظرية الماركسية نفسها، لا يبقى لأصل هذه الفكرة التي يتفرع عنها الوجهان... قيمة واقعية.
-5-
إن النظرية الماركسية، بالرغم من انها أكدت على انقسام المجتمع إلى طبقتين لا أكثر، لم تستطع في نفس الوقت إنكار وجود طبقات أخرى، لكنها اعتبرتها طبقات ثانوية غير رئيسية.
قال انجلز: في صدد حديثه عن إنكلترا وفرنسا:
"ومنذ عام 1835 اعترف في هذين البلدين بالطبقة العاملة، البروليتاريا مناضلة ثالثة من أجل السيطرة. وقد بلغت درجة من البساطة بحيث أن الناس الذين أغمضوا عيونهم عمدا وحدهم الذين لم يستطيعوا ان يروا في نضال هذه الطبقات الثلاث الكبرى وفي تصادم مصالحها تكمن القوة المحركة لكل التاريخ الحديث"[[98]].
وظاهر هذا الكلام انقسام المجتمع إلى ثلاث طبقات رئيسية من أول الأمر:
وقال البيان الشيوعي:
"وخلال العهود التاريخية السابقة نجد المجتمع في كل مكان تقريبا منظما تنظيما متسلسلا، والأوضاع الاجتماعية على مراتب ودرجات متفاوتة. ففي روما القديمة نجد النبلاء ثم الفرسان ثم العامة ثم الأرقاء. في القرون الوسطى نجد الاقطاعيين الأسياد، ثم الاقطاعين الاتباع، ثم المعلمين ثم الصناع ثم الأقنان. ونجد تقريبا داخل كل طبقة من هذه الطبقات مراتب ودرجات خاصة"[[99]].
وهذا الكلام واضح كل الوضوح بانقسام المجتمع إلى طبقات عديدة، سواء في عهد الرق [في روما] أو في عهد الاقطاع [في القرون الوسطى]. ثم يقول:
"إلا أن الذي يميز عصرنا الحاضر، عصر البورجوازية، هو أنه جعل التناحر الطبقي أكثر بساطة: فان المجتمع آخذ في الانقسام أكثر فأكثر إلى معسكرين فسيحـين متعارضين، إلى طبقتين كبيرتين، العداء بينهما مباشر هما البورجوازية والبروليتاريا"[[100]].
وقال كوفالسون:
"إن البنية الطبقية لكل مجتمع هي عبارة عن لوحة معقدة جدا. وتحليلها يفترض في المقام الأول ان نفرز في المجتمع المعني: الطبقات الأساسية التي تفصح العلاقات بينها عن الخط الرئيسي لتطوره. وعلاوة على ذلك ينبغي ان نأخذ بالحسبان أنه توجد كذلك، عادة، في المجتمع طبقات غير أساسية مرتبطة بوجود مختلف النماذج الاقتصادية"[[101]].
ثم قال:
"والحرفيون وصغار التجار والفلاحون، يمثلون النموذج الاقتصادي البضاعي الصغير. والفلاحون في المجتمع الرأسمالي هم طبقة وسطية غير أساسية، وموجودة في جميع البلدان تقريبا. وهي تنحل بتأثير العلاقات الرأسمالية، فارزة البورجوازية الريفية والبروليتاريا الريفية. وفي جملة من البلدان توجد طبقة كبار ملاكي الأراضي، الذين يلجأون إلى بقايا أشكال الاستثمار الاقطاعية، علاوة على أشكال الاستثمار الرأسمالية. وفضلا عن الرأسماليين والعمال والبرجوازية الصغيرة، توجد كذلك في المجتمع الرأسمالي فئة كبيرة من المثقفين والمستخدمين. فان هؤلاء لا يملكون وسائل الانتاج ولا يصنعون الخيرات المادية، ولهذا لا يشغلون مكانا مستقلا في نظام الانتاج"[[102]].
-6-
وقد أسندت الماركسية كل الظواهر الاجتماعية إلى التناحر الطبقي، نشرح أهمها فيما يلي بالتفصيل:
فمن ذلك، وجود الدولة:
وتستقريء الماركسية نشوء الدولة من أول أمرها، في تاريخ البشرية، حتى تصل بها إلى العصر الحديث. وسنواكب هذا الاستقراء في الفصل الآتي عند الحديث عن عهود المادية التاريخية، الذي يمثل الكيان الأساسي لهذه النظرية الماركسية.
والمهم في المقام ان نعرف وجهة نظر الماركسية عن الدولة من حيث نشأتها ودورها بعد وجودها.
قال انجلز:
"وبما ان الدولة قد نشأت من الحاجة إلى لجم تضاد الطبقات، وبما أنها قد نشأت ضمن الاصطدامات بين هذه الطبقات. فهي كقاعدة عامة دولة الطبقة الأقوى السائدة اقتصاديا، والتي تصبح عن طريق الدولة السائدة سياسيا أيضا. وتكتسب على هذه الصورة وسائل جديدة لقمع الطبقة المظلومة واستثمارها.
فان الدولة القديمة كانت، قبل كل شيء، دولة مالكي العبيد لقمع العبيد، الدولة الاقطاعية هيئة النبلاء لقمع الفلاحين التابعين والأقنان. كذلك الدولة التمثيلية الحديثة هي أداة لإستثمار العمل المأجور من قبل رأس المال"[[103]].
وقال - أيضا - عن الدولة:
"إنها لا تؤلف ميدانا مستقلا ولا تتطور بصورة مستقلة، بل يتوقف وجودها وتطورها آخر الأمر، على الظروف الاقتصادية لحياة المجتمع"[[104]].
وهي أيضا ليست سوى تعبير مكثف عن الحاجات الاقتصادية السائدة في الانتاج"[[105]].
وقال أيضا:
"إن الدولة تبدو لنا أول قوة فكرية فوق الانسان، فان المجتمع يُنشئ جهازا لحماية مصالحه المشتركة من الهجمات الداخلية والخارجية. وهذا الجهاز هو سلطة الدولة. وما أن يولد حتى يجعل نفسه مستقلا عن المجتمع، وينجح في ذلك بقدر ما يصبح جهاز طبقة معينة واحدة، وبقدر ما يحقق سيطرة هذه الطبقة بصورة مباشرة.
ونضال الطبقة المضطهدة ضد الطبقة الحاكمة يصبح بالضرورة نضالا سياسيا، نضالا موجها قبل كل شيء ضد السيطرة السياسية لهذه الطبقة. وإدراك الصلة بين هذا النضال السياسي وقاعدته الاقتصادية يقل، وفي بعض الأحيان يختفي تماما. ولكنه إذا كان لا يختفي دائما عند المناضلين، فانه ينعدم غالبا عند المؤرخين.
... غير أن الدولة، حينما غدت قوة مستقلة إزاء المجتمع، أحدثت حالا آيديولوجية جديدة، والمقصود هنا بالضبط أن العلاقة مع الوقائع الاقتصادية تختفي بصورة تامة عند محترفي السياسة وأصحاب نظريات قانون الدولة، وحقوقيي القانون المدني. وفي كل حالة خاصة ينبغي للوقائع الاقتصادية ان تأخذ شكل أسباب حقوقية من أجل أن يصادق عليها القانون. ومن البديهي انه ينبغي عند ذلك حسبان الحساب الكامل نظام القانون القائم، ولذلك يبدو الشكل الحقوقي كأنه كل شيء، أما المحتوى الاقتصادي، فلا شيء"[[106]].
-7-
ومن ذلك: وجود الدين.
إن الماركسية، لم تستطع ان تؤكد بوضوح إرتباط الدين بالوجود الطبقي في المجتمع، وإن مالت إلى ذلك كل الميل. وذلك لوجود عقبة كؤود دون ذلك، وهو وجود الدين في عصور بشرية متقدمة جدا. وفي تلك العصور لم تكن الطبقية موجودة، في نظر الماركسية، لوجود المجتمع الشيوعي البدائي في ذلك الحين. إذن، فمن المتعذر القول: بأن الدين نشأ من الوجود الطبقي.
نعم، رأت الماركسية: ان الدين أصبح - بعد وجوده - أحد الأساليب الرئيسة التي تستعملها الطبقات في الصراع فيما بينها:
قال انجلز:
"إن الدين قد ولد في عصور بدائية من تخيلات الناس الجاهلة الغامضة البدائية عن طبيعتهم ذاتها، وعن الطبيعة الخارجية التي تحيط بهم"[[107]].
وقال بوليتزر عن المراسيم الدينية:
"انها تعبر جميعا عن معطى معين حقيقي عن الفعل الانساني، ألا وهو عجزه النسبي الكبير في مطلع الانسانية وهو عجز أمام الطبيعة، ذلك العجز الذي يتعلق بنمو الانتاج الضعيف. وهو أيضا عجز أمام الظواهر الاجتماعية الذي يتعلق الاضطهاد الطبقي وفقدان الامل وضعف الوعي الاجتماعي.
يعرف كل واحد منا أن على المراسيم الدينية ان تضمن النجاح والفوز [في الأعمال] والانتصار على العدو، وأن تعود بالسعادة الأبدية... وهكذا تبدو الديانة كأنها وسيلة يستخدمها الانسان لبلوغ أهدافه، وهي مراسيم تتعلق بجهل أسباب شقائه، أو سعيه نحو السعادة"[[108]].
"إن الديانة لما كانت تتولد من الجهل فانها تحل محل التفسيرات العلمية تفسيرات خيالية، فتعمل بذلك على ستر الواقع وإسدال الستار على التفسير الموضوعي للظواهر ولهذا كان الرجل المتدين مناوئا لمبادىء العلم التي هي من عمل الشيطان، لانه حريص على أوهامه.
وتستخدم الطبقات المستغلة هذه الخاصية، لإهتمامها بإخفاء استغلالها عن أعين الطبقات الكادحة... فهي بحاجة إلى سلبية هذه الطبقات وجمودها، كي يستمر اضطهادها، كـما انها بحاجة لخضوعها وايمانها بالقضاء المحتوم، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: يجب توجيه أمل الجماهير بالسعادة نحو العالم الآخر وهكذا يعرض الأمل والعزاء بدخول الجنة، على أنها تعويض عما بذلته الطبقات الشعبية من تضحيات على الأرض. فيتحول الاعتقاد بخلود النفس، الذي كان ينظر إليه في القدم على أنه مصيبة مرهقة، إلى أمل بالخلاص في الآخرة.
استخدمت الديانة، إذن، منذ أقدم العصور كقوة فكرية [للمحافظة على النظام] وكأفيون للشعب، حسب قول ماركس، بالرغم من أن الطبقات الحاكمة المـستنيرة لم تعد تعتقد بأية كلمة من النظريات التي كانت تعمل على استمرار تأثيرها في الطبقات الكادحة"[[109]].
هذا ما قالته الماركسية عن الدين من الزاوية التاريخية، وهناك مناقشات فلسفية أو عقائدية، لا مجال لسردها ونقاشها في هذا البحث. وستأتي بعض التفاصيل لدى التعرض إلى الهيكل الأساسي للمادية التاريخية.
-8-
ومن ذلك: وجود الفلسفة والعلوم عموما.
فهي مستندة في وجودها وتطورها إلى وسائل الانتاج.
وقد اكدت الماركسية بهذا الصدد، على عدة نقاط:
النقطة الأولى: ما سمعناه من انجلز: من ان التطور السياسي والحقوقي والفلسفي والديني والادبي والفني، يستند إلى التطور الاقتصادي[[110]].
النقطة الثانية: ما سمعناه عن لينين من انه انتقد الموضوعية واللا تحيز إنتقادا حادا، واعتبرها شكلا مستورا ومقنعا للتعبير عن الحزبية[[111]].
النقطة الثالثة: إنكار الحقيقة المطلقة بالمرة، وان الحقائق دائما نسبية.
قال انجلز:
"كذلك تحطم هذه الفلسفة الديالكتيكية جميع التصورات عن الحقيقة المطلقة النهائية، وعن أوضاع الانسانية المطلقة المناسبة لها. فليس هناك بالنسبة للفلسفة الديالكتيكية شيء نهائي مطلق مقدس. إنها ترى حتمية الانهيار في كل شيء..."[[112]].
النقطة الرابعة: ان المعارف والعلوم عموما ناشئة من المصلحة.
"ويقوم بين المعرفة والمصلحة تطابق، وتتجلى المصلحة في السعي وراء المعرفة الحقيقية. ولكن إذا تناقضت المصلحة والمعرفة نشأت الخرافات والاوهام. والتصورات المشوهة عوضا عن العلم. ان المصلحة إنما هي قوة جبارة. ولو أن البديهيات الهندسية أو النظريات الهندسية - مثلا - كانت تناقض مصالح معينة، لتواجد بكل تأكيد، أناس يعمدون إلى دحضها"[[113]].
النقطة الخامسة: إن النظرية الماركسية نفسها حزبية.
قال كوفالسون:
"إن العلم الاجتماعي الماركسي يربط نفسه على المكشوف بمصالح الطبقة العاملة، بالنضال من أجل تحرير الكادحين من الاستثمار، بتحرك المجتمع نحو الاشتراكية والشيوعية. وفي هذا تقوم حزبيته"[[114]].
النقطة السادسة: إن الماركسية أكدت على قانون الديالكتيك، الذي يتضمن ان كل شيء متضمن لنفيه ولنفي النفي أيضا، الذي هو معنى الاطروحة والطباق والتركيب. وقد عرفنا ذلك مفصلا.
وإذا كان هذا القانون شاملا لكل الأشياء، إذن فهو شامل للفكر الماركسي، بكل تفاصيله أيضا، وإلا لم يكن قانون الديالكتيك عاما بطبيعة الحال.
وإذا شمل هذا القانون الفكر الماركسي، فسوف يؤول إلى الانتفاء والتغيير، لا محالة. لاننا إما أن نفرض هذا الفكر، إطروحة أو طباقا أو تركيبا. ولا شيء غير ذلك.
فان فرضناه إطروحة، كان الطباق نافيا له، فضلا عن التركيب. وإن فرضناه طباقا، باعتباره نفيا للفكر السابق عليه، كان التركيب فكرا غير الاطروحة والطباق، أو غير الفكر القديم والفكر الماركسي معا. وإن فرضناه تركيبا، كان التركيب بدوره إطروحة يحتوي على نفيه لا محالة، لوضوح ان الديالكتيك لا يكف عن العمل بعد إنجاز [التركيب] لا محالة. إذن، فالفكر الماركسي ينتفي حتما ويتبدل إلى غيره، طبقا للقانون الماركسي نفسه.
النقطة السابعة: إن الفلسفة والعلوم جميعا إذا كانت من نتاج التطور الاقتصادي - كما سمعنا من انجلز - فهذا لا يعني، فقط، ان العلوم تكون مسببة لهذا التطور، كما فهمناه من النقطة الأولى، بل يعني انها تتطور بتطورها أيضا. فإذا عرفنا، بالاضافة إلى ذلك، ان الفكر الماركسي وجد في عصر الرأسمالية، وكان الوضع الاقتصادي الرأسمالي في عصر الرأسمالية، وكان الوضع الاقتصادي الرأسمالي مسببا له... إذن، فسوف يتغير بتغير هذا الوضع، ولا يمكن أن يكون له بقاء واستمرار بعد زوال الرأسمالية طبقا لنفس القاعدة الماركسية. فان كان لها بقاء، كان ذلك نقطة ضعف في القاعدة الماركسية للتطور نفسها.
فهذه سبعة نقاط ماركسية، تدل على سبعة نقاط ضعف في الفكر الماركسي على الخصوص، وفي الفلسفة والعلوم كلها على وجه العموم. والماركسية اعترفت بهذه النقاط كلها، في الفلسفات والعلوم كلها، وانكرتها في الفكر الماركسي نفسه!!... فالفكر الماركسي في نظر الماركسيبن، يدل على الواقع الموضوعي نفسه، وهو مرآة صادقة عنه.
فانه "يرسم بصورة موضوعية لوحة عن الواقع، ونسبة القوى، والتناقضات القائمة واتجاهات التطور"[[115]].
-9-
ومن ذلك: وجود الأخلاق.
قال انجلز:
"ولهذا فاننا نرفض كل طمع بأن تفرض علينا أية عقائدية أخلاقية كقانون إضافي سرمدي نهائي، لا يتزعزع بعد اليوم بذريعة ان لعالم الأخلاق، هو أيضا مبادئه الدائمة التي هي فوق التاريخ والفوارق القومية. فنحن نؤكد - بالعكس - ان كل نظرية في الأخلاق حتى اليوم إنما كانت في التحليل الأخير نتاج الوضع الاقتصادي للمجتمع في أيامها. وكما ان المجتمع قد تطور اليوم ضمن تعارضات طبقية، فقد كانت الأخلاق على الدوام أخلاقا طبقية: أما انها كانت تبدو سيطرة ومصالح الطبقة السائدة، واما انها كانت منذ ان تصبح الطبقة المضطهدة على جانب من القوة، تمثل الثورة على هذه السيطرة ومصالح المستقبل للمضطهدين.
وأضاف:
"وما من شك أن تقدماً قد حدث مع هذا - إجمالا - بالنسبة للأخلاق، كما بالنسبة لجميع فروع المعرفة البشرية الأخرى. ولكننا لم نتجاوز بعد الأخلاق الطبقية. ولن يصبح ممكنا وجود أخلاق إنسانية حقا موضوعة فوق التعارضات الطبقية وذكراها، إلا في مستوى للمجتمع لا يكون قد تمّ فيه فقط التغلب على التعارض الطبقي، بل يكون قد نسي فيه أيضا في ممارسة الحياة اليومية، ماذا كان هذا التعارض"[[116]].
ويعتبر انجلز كثرة التطورات الأخلاقية وتعددها وتعارضها، دليلا على عدم كون الأخلاق سرمدية ونهائية.
اسمعه يقول:
"بأية أخلاق يعظوننا اليوم؟، إنها أولا الأخلاق الاقطاعية المسيحية الموروثة من إيمان القرون الماضية. وهي بدورها تنقسم أساسا إلى أخلاق كاثوليكية وأخلاق بروتستانتية، الأمر الذي لا يمنع انقسامها ثانية إلى أقسام فرعية... وإلى جانب هذا تقوم الأخلاق البرجوازية الحديثة. ثم من جديد إلى جانب هذه أخلاق المستقبل، أخلاق البروليتاريا... فما هي الصحيحـة إذن؟، ولا واحدة بمعنى مطلق ونهائي".
وأضاف:
"ولكن الأخلاق التي تحتوي على النصيب الأوفى من العناصر الواعدة بالبقاء هي بالتأكيد الأخلاق التي تمثل في الحاضر، إنقلاب الحاضر، تمثل المستقبل، إنها إذن الأخلاق البروليتارية"[[117]].
وقال انجلز أيضا:
"فمنذ اللحظة التي تطورت فيها الملكية الخاصة للأشياء المنقولة، كان لا بد لجميع المجتمعات التي تسود فيها هذه الملكية الخاصة، أن يكون فيها هذه الوصية الأخلاقية المشتركة: لا تسرق. فهل يعني هذا أن تصبح هذه الوصية وصية أخلاقية سرمدية!، كلا أبدا!!. ففي مجتمع أزيلت منه دواعي السرقة، حيث السرقات، بالتالي، لا يمكن إرتكابها، مع مرور الزمن، غير مجانين. كم سيضحك الناس من الواعظ الأخلاقي الذي يود ان يعلن على رؤوس الأشهاد الحقيقة السرمدية: لاتسرق!"[[118]].
وإذا كانت الأخلاق طبقية، ومتطورة بالتالي بتطور وسائل الانتاج وعلاقات الانتاج، إذن يوجد لكل مرحلة من مراحل المجتمع البشري أخلاقه الخاصة، ولكل طبقة أخلاقها الخاصة... إلخ.

-10-
ومن ذلك: وجود العدالة والقانون ككل.
فانها - أيضا - من نتائج الوضع الاقتصادي، المتمثلة بعلاقات الانتاج ووسائل الانتاج.
ولعل أوضح نص ماركسي يوضح ذلك، ويكشف عن تطور الفكرة القانونية في نظر الماركسية، من صورتها البدائية، إلى فكرة العدالة، بشكلها [الميتافيزيقي!!] الكامل... ما قال انجلز:
"في مرحلة جد بدائية من تطور المجتمع، يشعر بالحاجة إلى جمع العقود اليومية المتجددة للانتاج والتوزيع ومبادلة المنتجات في قاعدة مشتركة، وإلى السهر على أن يخضع كل فرد لشروط الانتاج والتبادل المشتركة. وهذه القاعدة التي تكون في البداية عرفا، تصبح بعد قليل قانونا.
ومعه تنبثق بالضرورة هيئات مكلفة بمراعاته: السلطات العامة، الدولة.
وخلال التطور اللاحق للمجتمع يتطور القانون إلى تشريع أكثر أو أقل اتساعا.
وكلما إزداد تعقيدا إزدادت إصطلاحاته بعدا عن الاصطلاحات المعبرة عن ظروف المجتمع الاقتصادية الجارية. واذ ذاك يبدو هذا التشريع كعنصر مستقل، يستمد مبرر وجوده وأساس تطوره اللاحق لا من الظروف الاقتصادية، بل من دواعيه العميقة الخاصة، أو - إذا شئتم - من [فكرة الارادة]. وينسى الناس ان الظروف الاقتصادية لحياتهم هي منشأ الحقوق لديهم. مثلما نسوا انهم قد نسلوا من عالم الحيوان.
ومع تطور التشريع إلى مجموعة معقدة وموسعة تظهر ضرورة تقسيم جديد للعمل الاجتماعي وتتكون طائفة من رجال القانون المحترفين. ومعهم يولد علم الحقوق. وهذا العلم لدى تطوره، يقارن بين النظم القانونية لمختلف الشعوب ولمختلف العصور، ناظرا إليها لا كصورة للعلاقات الاقتصادية في حينها، بل كنظم تجد في ذاتها مبرر وجودها. والحال ان المقارنة تفترض عنصرا مشتركا، والحقوقيون يظهرونه ببناء حقوق طبيعية مما هو مشترك أكثر أو أقل بين جميع هذه النظم. والمقياس الذي يرجع إليه لمعرفة ما هو من الحقوق الطبيعية أم لا، إنما هو - بالضبط - التعبير الأكثر تجريدا عن الحقوق ذاتها، أي العدالة.
... وهذه العدالة ليست دائما غير التعبير على الصعيد الآيديولوجي والميتافيزيائي عن الظروف الاقتصادية القائمة، تارة حسب صورتها المحافظة وتارة حسب صورتها الثورية.
فلقد كانت عدالة اليونان والرومان تجد الرق عادلا. وكانت عدالة البرجوازيين عام 1789 تطالب بإلغاء الاقطاعية، لانها غير عادلة... وهكذا فكرة العدالة السرمدية تتغير ليس فقط مع تغير العصر والمكان بل ومع تغير الاشخاص أنفسهم"[[119]].
فقد أكد انجلز على عدة نقاط:
النقطة الأولى: إن القانون في صورته البدائية، عبارة عن تقاليد أو عرف، وفي صورته المعقدة قانون.
النقطة الثانية: إن القانون ناشئ من ظروف المجتمع الاقتصادية.
النقطة الثالثة: إن القانون كلما إزداد تعقيدا إزداد بعدا عن أصله الاقتصادي.
النقطة الرابعة: إن الناس تدريجا ينسون ارتباط القانون بالجانب الاقتصادي مثلما نسوا انهم قد نسلوا من الحيوان!!...
النقطة الخامسة: إن الدولة تصبح مسؤولة عن تطبيق هذا القانون [الاقتصادي] الطبقي.
النقطة السادسة: إن القانون تدريجا يكتسب تجريدا إضافيا فيصبح من الحقوق الطبيعية، ثم يصبح ممثلا لفكرة العدالة [الميتافيزيائية].
النقطة السابعة: إن اختلاف النظر إلى العدالة خلال اختلاف المجتمعات والصور يعني أن العدالة نسبية وليست مطلقة. وبتعبير آخر: انها منظورة - فقط - من زاوية اقتصادية طبقية.
فهذه النقاط السبع، يغنينا بها انجلز عن أخذ كلمات غيره من الماركسيين.

مناقشات
الوجود الطبقي الماركسي

-1-
لا ينبغي ان نختلف مع الماركسية في تأثير قوى الانتاج في إنتاج علاقات إنتاج معينة، لا بمعنى السلبية بأي معنى من معانيها. بل - من زاويتنا - ان كل مجموعة من الآلات، والمواد الخام الطبيعية، تحتاج في تدبيرها وحسن إنتاجها إلى علاقات إنتاج معينة، لو تغيرت هذه العلاقات لم يصبح الانتاج نفسه حسنا ووفيرا.
وهذا في واقعه، يعود إلى عدة عوامل أهمها اثنان:
العامل الأول: الفهم العلمي والاجتماعي، لأحسن طريقة يمكن أن يستغل به هذه المجموعة، لإنتاج أكبر مقدار من الناتج ومن الربح.
وقد يكون هذا الفهم خاطئا، بمعنى أن الفرد أو مجموع من يهمه أمر الانتاج، يرى ان مجموع التصرفات المعينة هي أفضل من غيرها. ولو كان قد تعمق أكثر لادرك لزوم الاستغناء عن بعض التصرفات وإبدالها بتصرفات أفضل.
العامل الثاني: حبّ الذات الذي يقتضي اتباع الأحسن دائما. وإلا فما الذي يحدو بالفرد أو المجموع إلى ذلك... والفرد يستطيع بالضرورة أن يوقع نفسه بالضرر أو الهلاك.
ولكن السؤال الذي يتوجه إلى الماركسيين، في هذا المجال، هو أنهم هل يعتقدون بتكون علاقات الانتاج طبقا لتطور وسائل الانتاج بشكل ديالكتيكي أو بشكل [سلس] خال من التناقضات؟!...
إن جوابهم ينبغي أن يكون حاضرا، وهو اختيار الاسلوب الديالكتيكي، لكونه أمسّ بقانونهم العام. ولكن هلا قدموا لنا اسلوب تطبيق هذا القانون في هذا المجال؟!...
فاننا في هذا المجال، ككل مجال، لا بد ان نلاحظ: الشيء ونفيه ونفي نفيه... أو الاطروحة والطباق والتركيب. فكيف تنطبق هذه المفاهيم في مجال بحثنا؟!...
إن الماركسيين قدموا لنا التناقض بذهن علاقات الانتاج القديمة ووسائل الانتاج الجديدة، كجواب على هذا السؤال. وهذا وإن لم يكن خاليا من المناقشة، غير أننا يمكن ان نطرح السؤال بشكل أوضح، بحيث لا يصلح ان يكون هذا جوابا له. كيف تترتب علاقات الانتاج مع وسائل الانتاج الموازية معها في الدرجة؟!... هل ذلك بشكل تناقضي أو بشكل سلس؟ وهذا سؤال يعم كل تطورات وسائل الانتاج، بما تنتجه من علاقات إنتاج مختلفة، على مدى عصور المادية التاريخية.
إن أفضل ما نفترضه في هذا الصدد هو ان تكون الدرجة المعينة من وسائل الانتاج - الطاحونة الهوائية مثلا -: هي اطروحة. فهل تصلح ان تكون علاقات الانتاج الموازية لها - العلاقات الاقطاعية مثلا -: طباقا لتلك الاطروحة، ونفيا لها. كلا!، بعد افتراض الانسجام الكامل بينهما.
إن الطباق لوسائل الانتاج، لا بد أن يفترض - ماركسيا - طباقا داخليا في نفس الآلة، يؤدي إلى تكاملها وتطويرها. واما ترتب علاقات الانتاج على الدرجة المعينة لهذه الوسائل، ووجودها بإزائها، فهو ترتب سلس بالضرورة.
ولو كانت علاقات الانتاج هي الطباق، فما هو التركيب؟... ليس هو الآلة الجديدة، لكونها ناتجة من الطباق [الداخلي] في الآلة القديمة. وليس هو علاقات الانتاج الجديدة، لكونها ناتجة عن الآلة الجديدة لا عن علاقات الانتاج القديمة، باعتراف الماركسية. وليس هو تغير أوضاع المجتمع، فانها تتغير طبقا للعلاقات الجديدة، لا للعلاقات القديمة. إذن فهذا الطباق ليس وراءه تركيب!!!...
ويمكن أن نلاحظ نفس هذه الملاحظة، بالنسبة إلى ترتب التغيير الاجتماعي على علاقات الانتاج الجديدة. إن الأوضاع الجديدة تترتب على العلاقات الجديدة، بشكل سلس غير تناقضي. لانها - أولا - لا تصلح ان تكون طباقا لها باعتبار انسجامها تاما، في حين يفترض بالطباق أن يكون نافيا للاطروحة، لا منسجم معها. ولو كان طباقا - ثانيا -، فليس له تركيب لان كل ظاهرة أخرى مما عددناها لها مبررات وجودها الماركسية غير هذا الصراع بين علاقات الانتاج وظواهر المجتمع.
إذن، فقانون الديالكتيك، غير منطبق على علاقات الانتاج، ولا على ظواهرها الاجتماعية الجديدة.
-2-
نحن نتفق مع الماركسية بوجود التطور المستمر في قوى الانتاج، بمعنى آلات الانتاج، لا المواد الخام بما فيها الأرض، فانه لا معنى للتطور المستقل فيها إلا نادرا. نعم الانسان لو اعتبرناه من قوى الانتاج، فقد يتطور في الذكاء أو القوة البدنية، وقد لا يتطور.
ويعود تطوير وسائل الانتاج إلى ما يشبه ذينك العاملين، اللذين عرفناهما في الفقرة الأولى. ونعبر عنهما في المقام كما يلي:
أولا: حبّ الذات المقتضي لحبّ زيادة الانتاج.
ثانيا: الفهم المركب من أمرين:
أحدهما: الفهم العلمي بإسلوب تطوير الآلة.
ثانيهما: ادراك حقيقة ان الآلة المتطورة تخدم الانتاج أكثر من سابقاتها.
وهذا يعني بوضوح ان تطور وسائل الانتاج إنما كان بفعل الفكر الانساني والارادة الانسانية، وليس شيئا خارجا عن وعي الناس، كـما حاول ماركس وستالين أن يقولا. ومن الطبيعي أن يكون أولئك الماركسيون الذين اعترفوا بإسناد التطور إلى وعي الانسان أقرب إلى الحق.
ولكن هؤلاء بدورهم يقعون في بعض المصاعب:
أولا: إن معنى ذلك: إن الانسان هو الذي يطور نفسه، لا ان قوى الانتاج هي التي تطوره بشكل مستقل. وبكلمة أخرى: ينحصر الأمر بالقول: بأن العقول المفكرة المخترعة والمطورة للالات الجديدة، هي التي تطور المجتمع عن طريق هذه الآلات، وليس للالات أي تأثير حقيقي.
ثانيا: انه بعد أن أصبح التطور واعيا، فمن الصعب أن نتصور وقوع التنافي بين قوى الانتاج وعلاقاته، لاننا من الصعب ان نتصور ان مثل هؤلاء المخترعين يوقعون الضرر بوضعهم الاجتماعي، كيف، وقد يكونون من المستفيدين منه فعلا. كـما اننا من الصعب ان نتصور مجموع الناس المكون لعلاقات الانتاج، لا يفهم أفضلية الآلة المتطورة على القديمة.
-3-
وما حال هذه القضية التي اعتبرتها الماركسية صحيحة بشكل سلس وهي ان قوى الانتاج أسرع تطورا من علاقات الانتاج... وانها أكثر العناصر حركة وثورة.
أولا: ان هذه الحقيقة - ككل حقيقة - لا بد في منطق الماركسية ان تكون مشمولة لقانون الديالكتيك... فتكون نسبية الصدق وليست مطلقة ولا نهائية، إذن فهي ان صدقت في حين لا يتعين بالضرورة ان تكون صادقة دائما. بل يتعين تغيرها بتطور وسائل الانتاج نفسها.
ثانيا: إننا شاهدنا تطور وسائل الانتاج في البلدان الرأسمالية من الآلة البخارية إلى الكهربائية إلى الذرية، ولم يحصل أي تطور في علاقات الانتاج أو الوضع الاجتماعي، وبكلمة أخرى: إنه لم يحصل تناف بين العلاقات السابقة والآلة الجديدة.
ثالثا: ان هناك علاقات إنتاج مستمرة بالضرورة، بالرغم من تطور الآلات والمجتمعات ككل، وموجودة في مختلف الانظمة الاجتماعية... كالزراعيين، أعني الملاكين الصغار، والفلاحـين والحرفيين أعني الصناع اليدويين، ولو بالآلة الصغيرة، والمعلمين والأطباء والبنائين، وغيرهم... فلماذا لا تتطور هذه العلاقات بقانون الماركسيين.
-4-
إنه من السهل أن نفترض بشكل [سلس] ان مجموع من يهمه الأمر في علاقات الانتاج يتطورون مع تطور الآلة، من دون ان يتخلف تطورهم عن تطورها. فمهما زاد مسمار أو مروحة، و اقتضى ذلك علاقات إنتاج جديدة، أو تبدلت الآلة بالمرة، فان مجموع من يهمهم الأمر يعقدون علاقاتهم طبقا للجديد باستمرار، طبقا لاختيارهم للأحسن نتيجة لحبّ ذاتهم، كما قلنا، وطبقا لإتصاف الناس بحب مصالحهم ولقمة عيشهم، كـما ذكرت الماركسية.
هذا، وان تخلف علاقات الانتاج أحيانا، عن التطور، مستند إلى أسباب بعينها، لا تعود إلى قوى الانتاج ولا إلى قانون الديالكتيك، بل إلى إرتباط فئة معينة ذات نفوذ، ارتباطا مصلحيا، لا بالآلة القديمة، بل بأشياء أخرى كالأرض في حالة الاقطاعيين... والمنجم مثلا... أو الصيد مثلا في حالة غيرهم. والارتباط المصلحي مستند إلى حبّ الذات ليس إلا لوضوح ان الانسان قادر على ان يضر نفسه ويخالف مصلحته، لو لم يكن محبا لذاته.
إذن، فتخلف علاقات الانتاج، يعود إلى عوامل جغرافية ونفسية، أكثر من ارتباطها بالآلة.
-5-
إن مفهوم الطبقة الماركسي، مغاير لمفهومها عند علماء الاجتماع الآخرين، فبينما يرى البعض ان الطبقة هي المجموعة التي يتحدد الانتساب إليها بالولادة، في مقابل الكتلة التي يتم الانتساب اليها نتيجة للانهماك بعمل معين. ترى الماركسية ان الطبقة يتحدد الانتساب إليها طبقا لعلاقات الانتاج، فالطبقة الماركسية هي كتلة في إصطلاح الآخرين لانها تعني الانهماك بعمل اقتصادي معين.
ومهما يكن الرأي في هذا الاختلاف، فان التعريف الماركسي، يختص بالانطباق على الملاكـين والفلاحين، أو العمال وأصحاب العمل، ونحوهم. ولا يمكن ان ينطبق على كثير من مجموعات الناس.
فهناك مجموعة من الناس في العصر الاقطاعي والرأسمالي وغيرهما، لا تنتسب إلى عمل، وهم العاطلون بسبب الصغر أو الكبر أو المرض أو عدم توفر الفرص، أو غير ذلك.
هناك مجموعات من الناس، لا يمت عملهم إلى الانتاج بصلة، كالطلاب والمعلمين والأطباء والحلاقين ورجال الدين ورجال الدولة... وادراج هؤلاء أو بعضهم في مفهوم العمال أو البروليتاريا، توسيع مجازي لهذا المفهوم.
وهناك مجموعات من الناس يرتبط عملهم بالتوزيع لا بالانتاج... وهم التجار عموما على اختلاف بضائعهم ومراتبهم. بل ان الانتاج بدون توزيع لا معنى له، وغير مثمر للربح بالمرة. بل ان الرأسمالية عموما لم توجد، ولم تكدس الأموال الطائلة إلا بالتوزيع. ولم يكن الانتاج كافيا في ذلك، كـما هو واضح.
وهناك عدد من الناس ينتجون، لكن لا بضاعة ولا زراعة، كالصحفيين والرسامين والنقاشين والحفارين... ونحوهم. ويقصد بالانتاج عادة غير هذا الانتاج.
وهذه [الطبقات] موجودة في مختلف عصور التاريخ، بعد تجاوز العصر البدائي للبشرية.
وإذا كان الحال هكذا، فينبغي أن نتساءل عن مصير هذه الطبقات في مجال الصراع الطبقي الماركسي. وهل يكونون مضطهدين أو مضطهدين، مع العلم انه قد لا يكون بعضهم مندرجا في كلا هذين المفهومين، كـما قد يكون بعضهم مندرجا في كلا المفهومين لظروف معينة. فهل يكونون من مؤيدي الآلة القديمة أو الجديدة، في حين انهم غير مرتبطين بالآلة أصلا.
وما هو شأن مثل هذه [الطبقات] لا في الديالكتيك الجاري في المجتمع، حينما تكون الطبقة المضطهدة القديمة إطروحة والطبقة المضطهدة طباقا والوضع الاجتماعي الجديد تركيبا. فلا تكون هذه الطبقات مندرجة في شيء من هذه المفاهيم... مع ان شيئا ما في العالم لا يمكن أن يخرج عنها في الديالكتيك الماركسي.
والاعتذار عن ذلك - ماركسيا - بكونها طبقات غير أساسية، يعني الاعتراف بعدم شمول قواعد الديالكتيك والمادية التاريخية. لهذه الطبقات... فضلا عن الاعتذار عن ان الصراع بين هذه الطبقات قد يكون أهم أحيانا من الصراع بذهن الطبقات الأساسية... فانه يتضمن الاعتراف بأن الصراع الماركسي الأساسي في المجتمع، يكون معطلا أحيانا أو يكاد، لسيطرة صراعات أخرى عليه، وإذا تعطل الخط الأساسي للصراع أو ضعف، كيف يكون ذلك سببا لتطور المجتمع. وكيف أوجب تطور وسائل الانتاج ايجاد الصراع الثانوي دون الصراع الأساسي خلافا للقواعد المادية التاريخية المفهومة؟!.
-6-
من هذا نعرف أنه ليس كل نضال سياسي هو نضال طبقي، كـما ترى ا لماركسية.
إن الوجود الطبقي سبب للنضال السياسي، بلا شك. وإنما الشك في كونه السبب المنحصر لذلك، بحيث لا يوجد نضال سياسي إلا وهو نضال طبقي!!...
إن السنوات المتأخرة التي عشناها في النصف الثاني من هذا القرن أثبتت بكل وضوح، ان غالب النضالات السياسية ناشئة من اتجاهات عقائدية وفكرية وحزبية، ناشئة بدورها من أحد منشأين رئيسيين ليس أحدهما الوجود الطبقي في المجتمع.
المنشأ الأول: الشعور بالظلم العام في المجتمع المعني خاصة، وفي البشرية عامة، مع ادعاء المجموعة بأنها تستطيع حلّ هذه المشكلات.
المنشأ الثاني: محاولة الترؤّس في الناس والسيطرة على دفة الحكم في المجتمع، من أجل مصالح فردية خاصة، كحب السيطرة وحب الشهرة، ونحو ذلك.
-7-
وأما فكرة نشوء الدولة عن الوجود الطبقي في المجتمع.
فنحن لا ينبغي أن نختلف مع الماركسية في وجود كثير من الدول الطبقية في التاريخ، وخاصة في أوروبا قبل عصر النهضة وبعدها، وهي محل تركيز الفكر الماركسي عادة، كـما سمعنا.
فقد تداولت الحكم في أوروبا سلسلة من الحكومات بعضها إقطاعية وبعضها رأسمالية، وبعضها تمثل - في نظر الماركسيين - طبقة العمال البروليتارييـن.
إلا أن هذا لا يعني، بأي حال، عدم إمكان نشوء الدولة من سبب آخر، غير الوجود الطبقي في المجتمع... نعم، لو عملنا من أوروبا - كما عملت الماركسية - نموذجا بشريا عاما، يمكن تعميم الحكم منها إلى كل مناطق الأرض، لكان كلام الماركسيين أقرب إلى الصحة. إلا ان هذا مما عرفنا زيفه بوضوح... وان شيئا من مناطق الأرض لا يشبه أوروبا بحال، أو أن أوروبا لا تمثل إلا نفسها على طول الخط. إذن، فالرأي الماركسي لا بد أن يكون بعيدا عن الصحة. ويمكن ان تنشأ الدولة من سبب غير طبقي موجب لوجودها.
وللماركسية تصريحات مهمة، تثبت بكل وضوح، أن الدولة يمكن أن تكون غير ممثلة لطبقة معينة، بل هي وسط بين الطبقات، وكان الحال على ذلك خلال قرنين من الزمن في الحكم الفرنسي الملكي.
قال انجلز:
"ومع ذلك، فثمة - كحالات إستثنائية - مراحل تبلغ فيها الطبقات المتناضلة درجة من توازن القوى تنال معها سلطة الدولة لفترة معينة نوعا من الاستقلال حيال الطبقتين، مظهر وسيط بينهما. هكذا كان الحكم الملكي المطلق في القرنين السابع عشر والثامن عشر، إذ كان يحافظ على التوازن بين النبلاء والبرجوازية في النضال القائم بينهما. وهكذا كانت البونابرتية في الامبراطورية الأولى، ولا سيما في الامبراطورية الثانية في فرنسا. إذ كانت تحرض البروليتاريا على البرجوازية والبرجوازية على البروليتاريا"[[120]].
وإذا أمكن حدوث هذا الحياد في الدولة بين الطبقات مرة، أمكن حدوثه مرات.
ونحن بعد أن التفتنا إلى ان النضال السياسي قد ينشأ من دوافع غير طبقية، فهذا النضال، إذا تكلل بالنجاح لمجموعة معينة من الناس، فسيطروا على الحكم، فان حكمهم لا محالة لا يكون طبقيا.
-8-
والصيغة المقترحة لفهم الدولة، كـما ينبغي أن تكون، بغض النظر عن المظالم التي تتورط فيها الدول. هي كـما يلي:
إن الدولة وجدت من أجل ازجاء تلك المصالح التي لا يمكن للأفراد القيام بها عادة.
فان مصالح الأفراد على شكلين:
منها: ما يمكن لأي فرد عادة القيام بها كالحصول على الدخل الفردي والتعليم وممارسة الطب، ونحو ذلك. فضلا عن النشاط الشخصي كالأكل والنوم.
ومنها: ما لا يمكن لأي فرد القيام به عادة، وهي الأعم والأهم من المصالح العامة، كتنظيم الدفاع والتعليم العام والطب والبرق والبريد وتأسيس المرافق العامة والاشراف على الاستيراد والتصدير، وغير ذلك.
وعجز الأفراد عن القيام بذلك، يعود إلى عدة أسباب لا حاجة إلى استقصائها. وإنما المهم ان مثل هذه المصالح، ينحصر ازجاؤها بالدولة لا محالة، وبدون ذلك يكون المجتمع في حالة تسيب كامل، لان الأفراد كمجموع لا يمكنهم القيام بذلك، لان تصدي البعض ليس أولى من تصدي الآخرين، واتفاق المجموع غير ممكن.
فالدولة التي تزجي هذه الحاجات العامة طبقا لمصلحة الاشخاص الحاكمين، بأي دافع من الدوافع: طبقي أو شخصي أو حزبي أو استعماري، فهي دولة ظالمة، والظلم لا يدوم طويلا، بل ينفتح حينئذ عصر الثورات والتمردات والمتاعب ضدها. لان الشعب في النهاية، لا يمكن ان يصبر على الضيم طويلا.
والدولة التي تزجي هذه الحاجات طبقا لمصلحة مجموع الشعب المحكوم، لانها تتصف بالغيرية ونقاء الضمير، فهي الدولة العادلة، وهي مما لا يمكن عادة وجود المتاعب ضدها إلا من قبل جماعة من الطامعين أو المعتدين.
وبهذا نفهم عدة نتائج مخالفة للماركسية:
النتيجة الأولى: انه يمكن للدولة ان لا تكون طبقية أو حزبية.
النتيجة الثانية: ان وجود الدولة لا يقترن بالثورات والتمردات دائما، كما تريد الماركسية ان تقول. بل ان الدولة التي تسير طبقا لراحة الشعب ورفاهه، لا مجال منطقي للثورة عليها... فان العدل يضمن بقاء الملك.
النتيجة الثالثة: ان وجود الدولة ضروري باستمرار، لان المجموع لا يمكن ان يزجي الحاجات العامة بأي حال، إلا في فروض نادرة، سوف نوضحها عند الحديث عن التخطيط الالهي العام.

مناقشة الفكرة الماركسية
عن الدين

-1-
وهنا لا نريد ان ندخل أية كلمة من ناحية فلسفية أو عقائدية في البرهان على صحة الدين، أو على وجود الخالق المدبر للكون. وفيما ذكرناه فيما سبق عند مناقشة الديالكتيك كفاية لمن اكتفى.
وإنما نريد حصر النقاش في الجانب الاجتماعي والنظر إلى تفسير الماركسيين لوجود الدين وتطوره ومدى إمكان صحة ذلك.
-2-
ان الماركسية لم تستطع - كما عرفنا - ان تؤكد استناد وجود الدين إلى وسائل الانتاج أو الوجود الطبقي، لتقدم وجوده يقينا على وجودها ما عدا اليد إذا اعتبرناها من وسائل الانتاج. لكن هذه الوسيلة يتأخر الدين عنها تأخرا كبيرا بحيث يكون اسناده اليها مثيرا للسخرية... لوضوح انها وجدت مع الانسان، ولكن الدين - بشكله المعروف - وجد بعد عصر الوعي الانساني.
وعلى أي حال، فالماركسية استطاعت بذلك ان تعطينا رقما واضحا في بعض الأشياء لا تنتج بهذا السبب، خلافا لقواعد المادية التاريخية التي تقول: ان كل الأشياء ناتجة عن وسائل الانتاج أو الوجود الطبقي. إذ لقائل ان يقول: انه إذا كانت بعض الأشياء تنتج عن سبب آخر، فلربما ينتج عن ذلك أكثر من شيء، أو العديد من الأشياء.
ان القول الماركسي: بان وجود الدين ناشئ من أشكال بدائية جدا من وسائل الانتاج، ينافي ما قالته الماركسية من استناد وجوده إلى جهل الناس أو عجزهم. لوضوح ان الجهل والعجز يمثلان نقصا في التكوين البشري ولا يستند بأي حال إلى وسائل الانتاج. فاستناده إلى هذين العاملين، يعني عدم استناده إلى ذلك العامل.
ومعاصرة الجهل والعجز لوسائل الانتاج البدائية، لا يعني كونها ناشئة منها, لوضوح إمكان كونها أمورا متعاصرة ليس بينها سببية.
وقد يخطر في الذهن ان الجهل مستند إلى عدم وجود وسائل الانتاج المتطورة، التي أوجدت العلوم المختلفة بعد ذلك، وفتحت البشرية ذهنيا على كثير من الحقول الكونية.
ومن ثم يكون الجهل مستندا إلى وسائل الانتاج بشكل وآخر.
غير ان هذا لا يعدو ان يكون مغالطة في التعبير، لانه أصبح مستندا إلى [عدم] وسائل الانتاج المتطورة, وهذا ليس استنادا فعليا إلى أي درجة ناجزة من وسائل الانتاج، كما تريد الماركسية ان تقوله في الأشياء جميعا. واما إستناد وجود الجهل إلى الدرجة الناجزة القديمة من وسائل الانتاج، فهو مما لم تستطع الماركسية ان تقوله باعتبار وضوح بطلانه، فان استناده إلى غير اليد واضح لليقين لتقدمه عليها. واما استناده إلى اليد كوسيلة للانتاج، فهو مما يدعو إلى السخرية، لوضوح انهما: أعني اليد والجهل، وجدا معا في الانسان، وليس بينهما أي شكل من أشكال السببية. والقول بإستناد الجهل إلى اليد ليس بأوضح من القول باستناد اليد إلى الجهل!!... وخاصة وان الجهل كان موجودا في عصر لم يكن الانسان ملتفتا إلى استعمال يده في الانتاج بالمرة[[121]]. ومن ثم لم تكن يده وسيلة للانتاج، ومن ثم لم يكن هناك أي وسيلة للانتاج بالنسبة إلى الانسان.
وإذا لم يكن الجهل مستندا إلى وسيلة انتاج، وإنما هو صفة طبيعية للبشر غير المتعلم أو القديم... فاستناد الدين اليه يعني عدم استناده إلى أية وسيلة انتاج. ومن هنا يكون القول الماركسي باستناد الدين إلى أشكال بدائية جدا من وسائل الانتاج، منافيا معه. فكيف سمحت الماركسية لنفسها ان تتكلم على شكلين متناقضين.
-4-
ان قدم الشعور الديني لدى الانسان، لا يتعين تفسيره بالشكل المادي أو الماركسي، بل كما يمكن ذلك، كذلك يمكن وجوده بسبب اصالة الشعور الديني وصدقه في النفس البشرية، إذن فالنظر الموضوعي لا يمكنه ان يجزم بمضمون ذلك التفسير.
-5-
ان الجهل بأسباب حوادث الطبيعة، لا يفسر بمجرده وجود الدين أو الاعتقاد بخالق مدبر خارج الطبيعة. اذ لو اقتصرنا على فكرة الجهل، لكان في إمكان الجاهل ان يسند هذه الحوادث إلى محض الصدفة، وعدم وجود أي سبب لها... كما يمكنه ان يسنده إلى سبب بسيط من موجودات الكون، وان لم يكن له أي ارتباط بالواقعة. فلو لم نضم إلى هذا [الجهل]!!!، الاعتقاد بقانون السببية ارتكازا والاعتقاد إلى أهمية وعمق سبب الفاعل للتدبير الكوني العام، لما أمكن ان ينتج الجهل بمجرده الاعتقاد بالخالق المدبر.
ولو كان هناك ترابط حقيقي بين الجهل والاعتقاد الديني، لما أمكن ان نجد كثرة من الجهلاء الملحدين، أو كثرة من العلماء المؤمنين، مع العلم ان هذين الصنفين موجودان بكثرة في البشرية منذ ان عرفت البشرية الجهل والعلم.
ومن طريف القول، ما ذكره بليخانوف من ان الجهل البشري ينتج الشعور الاحيائي عند الانسان، هذا الشعور المنتج بدوره للشعور الديني لديه.
اسمعه يقول:
"ان طفلا كان بحضوره يصف القمر بقوله [ملعون] لانه لم يكن يود الظهور، فهذا الطفل كان يعتبر القمر كائنا حيا. والانسان البدائي، يحيي - على غرار هذا الطفل - الطبيعة بمجموعها. ان التفكير الاحيائي هو المرحلة الأولى في تطور الفكر الديني. والخطوة الأولى للعلم هي ابعاد التفسير الاحيائي لحوادث الطبيعة، وفهمها كظواهر خاضعة لقوانين"[[122]].
ومن الواضح ان المتدين لا يؤمن بوجود الروح أو الحياة في الطبيعة نفسها، بل بوجودها خارجها. وكان الاعتقاد على ذلك منذ القديم، فان الاعتراف بالخالق لا يعني غير ذلك. كما ان المتدين لا يرى تنافيا بين السبب الخارجي والقوانين، بل يمكن ان يؤمن بكلا الأمرين، وان السبب الخارجي هو الذي سن هذه القوانين في الكون. مضافا إلى ما عرفناه من ان القوانين وحدها لا تكفي تفسيرا لحوادث الكون، بل هي ليست إلا وهما من الاوهام. والتفسير الوحيد للحوادث هو الاسناد إلى فاعل خارجي، بعد التجاوز عن الصدفة المحضة التي لا يمكن ان يقول بها أي مفكر.
-6-
كما ان الجهل غير كاف لنشوء العقيدة الدينية، كذلك العجز غير كاف لوجودها... لوضوح ان رد الفعل الأولي للعجز هو التردد وانهيار الارادة، وليس هو الاعتقاد بأي شئ مهما كان.
ولو انه كان سببا للاعتقاد، فلا يتعين الاعتقاد بسبب خارجي، بل يكفي الاعتقاد بالصدفة أو بسبب في داخل الكون - كالشمس مثلا - أو بالقوانين العامة أو بالجن... إلى غير ذلك من العقائد. إذن فتعين الاعتقاد بالإله المدبر دون غيره، يحتاج إلى بيان سببه... ولا يكفي العجز لتدبيره.
-7-
وصلت بنا المناقشة إلى استفادة الوجود الطبقي من الدين، بعد ان لم يكن بأصل وجوده طبقيا.
لا ينبغي ان ننكر ان كثيرا من الجهات والأفراد والطبقات، استفادت من الدين - على اختلاف أشكاله - استفادات أنانية مصلحية، تحت مختلف الدوافع والشعارات، سواء سميناها استفادات طبقية، كما أرادت الماركسية، أو سميناها باسم آخر.
وليس في ذلك من ضير على أصل الدين، فان المتاجرة باسم الشيوعية أيضا ممكنة من دون ان يوجب طعنا على الشيوعية، فكذلك الحال في الدين حرفا بحرف. سواء كثر [التجار] أو قلوا، وسواء مثلوا قوة أو مثلوا ضعفا، وسواء مثلوا طبقة أو كانوا أفرادا.
غير ان من الطريف والمؤسف، وتقصد نماذج معينة من البشر المحسوبين على الدين، تلك النماذج التي يكون الكلام الماركسي عنها قريبا من الصحة. وتهمل النماذج الصحيحة للدين، التي لا يصح فيها ذلك الكلام البتة.
ونحن نذكر بعض النماذج للتمثيل والفات النظر، لا على سبيل الحصر، ولا على سبيل التمانع، بل يمكن إدراج فرد أو أفراد تحت أكثر من نموذج واحد.
النموذج الأول: نموذج [بدائي] من الدين - لو صح التعبير - كالاعتقاد بتعدد الالهة، أو وجود إله قومي، أو الطقوس الدينية في قبائل نصف متوحشة!!، ونحو ذلك.
النموذج الثاني: نموذج الرأي الشخصي لمفكر ديني، وكل رأي شخصي يحتاج إلى تمحيص قبل نسبته إلى الصحة، فضلا عن نسبته إلى الدين. كرأي اوغسطين أو الفارابي أو غيرهما.
النموذج الثالث: نموذج كنسي كان يحكم أوروبا ردحا من الزمن، ويتبنى عدة قضايا [جاهلة] ضد [العلم] لا ظل لها من الصحة... مما أوجب غضب الرأي العام الأوروبي وحدوث النهضة الأوروبية الحديثة، بما أحدثته من مادية وعلمانية.
النموذج الرابع: استغلالات سياسية للدين، قد لا يرضاها الدين الأصلي الذي تبنته هذه السياسة، كتبني الدولة الرومانية للمسيحية، أو استغلال الأحزاب الاشتراكية الأوروبية لاسم الدين، حيث أسست أحزاب في عدد من بلدان أوروبا باسم الحزب الاشتراكي المسيحي، مع نسبته إلى البلد الذي وجد فيه.
النموذج الخامس: نموذج الاختلافات الدينية الواقعة بين المعتقدين بالدين. وهي اختلافات - والحق يقال - كثيرة جدا على طول التاريخ. سواء في داخل الدين الواحد، كالدين المسيحي والاسلامي، أو بين أهل الأديان المختلفة... كالبوذيين والمسلمين في الهند، واليهود والمسلمين في الشرق الأوسط.
النموذج السادس: نموذج صوفي منعزل عن العامل، أناني في نزعته الدينية، لا يرى إلا مصلحة كماله الشخصي من الناحية الدينية. ولا يهتم بكمال غيره ولا بفساد العالم.
فإذا قدمنا للماركسية خاصة وللعالم عامة، نموذجا آخر من الدين يريد اصلاح العالم، وينظم علاقات البشر تنظيما عادلا، ويتجاوب مع العلوم الطبيعية تجاوبا كاملا، ويشجب الاستغلالات المنحرفة له. وبالخلاصة، يتجاوب مع آمال البشرية وآلامها في كل عصر لا يختلف تجاهه قوي عن ضعيف أو غني عن فقير أو حاكم عن محكوم، كلهم تجب تربيتهم ومعاقبتهم على الذنب واستغلال مواهبهم استغلالا صالحا... كـما عليه الدين الاسلامي بواقعه العادل، ونصوص واضحة في ذلك، كـما هو مبحوث في مصادره. فما ينبغي أن تقول الماركسية تجاهه، وكيف يمكن ان يكون ناشئا عن الوجود الاجتماعي الطبقي، وهو على مثل هذه الصفات.
-8-
إن الفكر الديني يرى العلم الطبيعي بكل أشكاله الصورة الناطقة عن قدرة الخالق وحسن تدبيره وعظمة خلقته. وليس هناك أي تناف بين العلم والدين. وإن أبسط فكرة تدل على ذلك لدى المتدين: هو أنه يرى أن العلوم الطبيعية بما تدل عليه من قوانين وظواهر، لا يمكن ان تكون صادقة بدون وجود الله تعالى. فضلا عن أن الدين الاسلامي حثّ على تعلم العلوم على مختلف أشكالها، كـما هو غير خاف على من راجع مصادره.
إذن فـما ادعاه بليخانوف، تبعا للفكر الماركسي عموما من أن:
"الخطوة الأولى للعلم هي إبعاد التفسير الاحيائي - يريد به الديني الالهي - لحوادث الطبيعة، وفهمها كظواهر خاضعة لقوانين"[[123]].
لا يمكن أن يكون صحيحا.
إذن، فالعلوم الطبيعية كلها علوم إلهية دينية، وليس المتدينون بحاجة إلى ما قاله كوفالسون:
"وفي زماننا صار الدين أكثر احتراسا وأخذ رجال الدين يصرحون على المكشوف: انهم يطمحون إلى أمر واحد فقط، هو ان يترك العلم لله شيئا ما [إلهيا] على الأقل"[[124]].
إن الرجال الفاهمين للدين يعلمون ان كل شيء هو لله عزّ وجلّ، بما فيه كل ظواهر العلم والطبيعة، ولا حاجة بهم إلى هذا الاستجداء الدنيء.
كما ان الصلة بين الفيزياء والميتافيزياء، صلة وثيقة جدا، أكثر مما يتصور الماديون، بل أكثر مما يتصور أكثر المتدينين أيضا. فان العوامل الميتافيزيائية هي التي تحرك كل أجزاء الكون الفيزيائي. وتشكل البديل الصالح عن القوانين المزعومة التي عرفنا زيف تصورها فيما سبق... وليس لنا الآن الدخول في تفاصيل ذلك.
إذن، فالنداء المادي القائل:
"أيتها الفيزياء حذار من الميتافيزياء"[[125]].
خال من المضمون والمعنى تماما... إذ لا وجود ولا حركة للفيزياء بدون الميتافيزياء.
-9-
وأما الاعتقاد بالجزاء الأخروي، فلا نريد الدخول في تفاصيله، بعد كل الذي سبق، من إعادة النظر في الأفكار الماركسية تجاه الدين، إلا من زاوية واحدة، وهي أن هذه العقيدة، هل تصلح إفيونا للشعوب، كما قال ماركس، أو أنها - في واقعها - المحرك الأساسي للمعتقدين بها للعمل في خدمة الانسانية والعدالة.
إن الانسان بحسب طبعه مربوط بمصالحه الخاصة ونوازعه وأهدافه القصيرة، وقد يرفض، بكل سهولة وحزم، أي دافع يدرك منافاته ولو بقليل مع تلك الدوافع والنوازع، ما لم يدرك عودها عليه، تارة أخرى، بالمصلحة.
وهذا ينتج بطبيعة الحال، الميل نفسيا إلى عصيان كل تعليم قانوني أو نظامي يشعر فيه الفرد بهذه المنافاة... سواء في ذلك القانون الوضعي أو القانون الالهي، [التعاليم الدينية].
والاطروحة الواضحة لتذليل هذه المشكلة هي جعل العقاب على العصيان والجزاء على الاطاعة، وهذا ما عملته الحكومات فعلا في قوانينها الوضعية، فشرعت العقوبات، وأسست السجون، فضمنت إلى حد المستطاع إطاعة وتطبيق قوانينها، بما في ذلك الحكومات الشيوعية نفسها.
والدين لا يختلف عن ذلك، فان له في قانونه عقوبات ومثوبات دنيوية معجلة، على مستوى قوانين العقوبات الاعتيادية... كما ان له عقوبات ومثوبات أخروية مؤجلة. وكلا هذين النوعين من الجزاء، يؤثر بطبيعة الحال، في ضمان تطبيق التعاليم الدينية. والقسم المؤجل يختص بها الدين عن القوانين الوضعية، ويعطي لأعمال الخـير قيمة معنوية عظيمة تتجاوز ساحة الحياة إلى ساحة الأبدية. وبذلك يزداد الدافع العاطفي نحو العمل الديني إلى حد كبير.
فإذا فهمنا الدين طريقة صوفية أو رهبانية أو كنسية، كما حاولت الماركسية أن تفهم كان تطبيق تعاليمه يعني الانعزال عن الناس، وبالتالي التخدير عن العمل وعن نفع الآخرين، كما قال ماركس تماما.
وأما إذا شجب الفكر الديني الصالح هذه الاتجاهات، وأكد على بث الخير في الناس وتطبيق العدل فيهم، والتضحية من أجل الآخرين بالنفس والنفيس، كان معنى تطبيق هذه التعاليم ومعنى الحث عليها يجعل الدافع الأخروي عليها: زيادة الدافع النفسي والعاطفي تجاه نفع الآخرين وبذل التضحيات لنفعهم واسعادهم. واعطاء ذلك قيمة أبدية غير موقتة ولا قصيرة "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"[[126]].
-10-
أما لو سلمنا - مع الماركسية - ان الدين وليد مرحلة من مراحل تطور وسائل الانتاج... فلماذا لم يتغير أو يتطور بتغيرها.
إن مرحلة معينة لوسائل الانتاج إن كانت أوجبت وجود الدين أساسا، إذن، فالمرحلة اللاحقة لها يجب ان تكون موجبة لطمسه وزواله بالمرة، مع أن المشاهد بالوجدان بقاؤه إلى العصر الحاضر، بالرغم من التغيرات العديدة من وسائل الانتاج.
وإن مرحلة معينة من وسائل الانتاج إن كانت سببا لشكل من أشكال الدين، إذن فاللازم ان يتغير في المرحلة اللاحقة لهذه الوسائل. في حين اننا نجد ان عددا من الاديان بقيت بذاتها وبكل تفاصيلها عبر أشكال عديدة من وسائل الانتاج، وعبر عهود كثيرة، للمادية التاريخية. واعتنقها الناس بمختلف طبقاتهم واتجاهاتهم ومصالحهم، كالبوذية واليهودية والمسيحية والاسلام.
ولذا أشرنا فيما سبق، ان الدين من جملة الأشياء التي تعتبر ثابتة بالرغم من هذه التطورات التي تؤمن بها الماركسية.

مناقشة الفكر الماركسي
في الأخلاق والعدالة

-1-
ينبغي أن نتفق سلفا على أن هناك قضايا سلوكية أو [عملية] متفق عليها بـين البشر، فمثلا لو سئل أي فرد عن قيمة السرقة أو عن قيمة العلاقة الجنسية بين الفرد وأمه، لإستنكرها بطبعه واعتبرها أمرا غير مشروع. لا يختلف في هذا الاستنكار مجتمع عن مجتمع أو جيل عن جيل أو طبقة عن طبقة.
ونحن نعلم باليقين أن وجود هذا الشعور في البشرية قديم منذ أن التفت الناس إلى اهمية السلوك وقيمته... وذلك منذ آلاف السنين. إذ بلا شك ان فردا من الانسان القديم لو أخذ فاكهة لطعامه مثلا، فخطفها منه شخص آخر، لاستنكر ذلك واستنكره غيره أيضا. وليس ذلك إلا مفهوم [لا تسرق] الذي شجبه انجلز.
إن هذا المفهوم ليس من قبيل وعظ الوعاظ، بل هو تسالم اجتماعي عام على تصحيح هذه القضايا واعطاء هذه القيمة لهذا العمل. ويكون رد الفعل لعصيان هذه القضايا، أي للقيام فعلا بالسرقة مثلا، هو - على أقل تقدير - عقابا اجتماعيا عاما يتمثل في شجب كل أفراد المجتمع لهذا العمل واحتقار فاعله، وادراك أنه قد عمل عملا دنيئا ينبغي تركه والارتداع عنه.
وهذا المفهوم بالذات: لا تسرق. ليس وليد الشعور الاجتماعي بالملكية، بل هو وليد الشعور بالاختصاص، إذ لا أقل من استنكار سرقة طعام الفرد وثيابه وأموره الخاصة به، سواء كان مالكا لهذه الأشياء أو لا، ومن هنا لو قلنا بتأخر وجود الشعور بالملكية تاريخيا، فلا أقل من الشعور بالاختصاص منذ وجدت البشرية، بل هو موجود عند الحيوانات أيضا بنحو آخر. وهذا الشعور يلازم بطبعه مع الشعور بقبح السرقة واعطائها قيمة رديئة، لانها تنافي هذا الشعور، وتعني سلب الاختصاص.
وكذلك الحال في المجتمع الشيوعي الذي تهدف إليه الماركسية، فان الملكية الخاصة غير موجودة فيه، ولكن الاختصاص موجود فيه لا محالة، فيما يمت إلى الأفراد بصلة. ومن هنا يكون هذا المفهوم الاجتماعي صادقا تماما، ولا تنتفي مبرراته الواقعية، كـما يريد انجلز أن يقول.
إن المجتمع الواعي والمرفه الذي يصبح من العمق الفكري بحيث يعد السارق في حكم المجانين... هذا المجتمع يحتاح إلى هذا المفهوم أيضا، بل هو مطبق له تطبيقا كاملا، وإلا لم يصبح السارق مجنونا ولكان قد أحسن صنعا في نظر الناس. وليس معنى التطبيق الكامل لبعض القضايا أو الأحكام، أن تصبح تلك القضية خالية من المعنى. نعم، حاجة الناس إلى الوعظ والتنبيه تكون منتفية، لانهم ملتفتون إلى ذلك دائما، إلا أن ذلك لا يعني كذب القضية أو سفاهتها، بشكل من الأشكال.
-2-
وإذا تم لنا الشعور الانساني بقيمة معينة لقضية واحدة أو قضيتين، الذي هو معنى حكم العقل العملي باصطلاح المناطقة... أمكن القول بوجود عدة قضايا يشعر بها الانسان بنفس المستوى.
ولئن كان الشعور العملي عند الانسان البدائي قليلا، لبساطة الحياة... فان هذا الشعور ينمو بنمو الحضارة والمدنية الانسانية، لوضوح أن الحياة كلما تعقدت، ازدادت التوقعات الصالحة من الفرد، وازداد العتب عليه كلما خـالف هذا الشعور الانساني العام.
ومعه يصبح مجموع القضايا التي يمثلها الشعور العملي البشري كبيرا يمثل [علم الأخلاق] ويمثل العدالة بمفهومها [الميتافيزيائي]!! المطلق.
فاننا نشعر الآن بوضوح برداءة السرقة سواء كانت الملكية موجودة أو لا وسواء كان الاختصاص موجودا أو لا، بل سواء كان الانسان موجودا أو لا. معنى هذه القضية: لا تسرق: انه كلما اختص فرد بشيء كان سلبه منه عملا رديئا. وصدق هذه القضية لا يتوقف على وجود فرد معين أو اختصاص معين أو ملكية معينة. وهذا هو معنى الاطلاق في صدق القضية.
-3-
وبهذا نستطيع أن نفرق بين العرف والتقاليد من ناحية وبين الشعور العملي عند الانسان، مع ان كليهما يمت إلى السلوك بصلة.
وذلك: ان الشعور العملي يعم الاعتقاد بصحته كل البشر الأسوياء. وأما العرف والتقاليد، فهي تختص بمجتمع معين دون مجتمع. ولا توجد هناك تقاليد متفق عليها بين البشر.
كـما ان الشعور العملي عند الانسان يتصف بالاطلاق، بالمعنى الذي ذكرناه، وأما التقاليد، فلا تتصف بهذا الاطلاق، وإنما هي ردود فعل معينة يتسالم عليها مجتمع معين طبقا لمصالحه وفهمه للحياة.
نعم، قد يكون سلوك الأفراد في المجتمع مركبا من الشعور العملي والتقاليد، بل هو في الأغلب، كذلك، لوضوح ان المجتمع كـما يطبق تقاليده الخاصة به، يطبق الآراء العقلائية أيضا أعني الشعور العملي، كلاهما تطبيق تلقائي.
ومن هنا نعرف أن التقاليد ليس لها قيمة حقيقية، بل ان المجتمع في طريق تربيته ينبغي أن يستغني عنها تدريحيا، بخلاف الشعور العملي فانه ذو قيمة حقيقية، ولا بد أن تستهدف التربية العادلة رسوخها وتعميقها في أذهان الناس.
-4-
وبذلك أيضا نستطيع أن نفرق بين الشعور العملي والقانون فان الشعور العملي يتصف بالتسالم والعمومية بين الناس، بخلاف القانون، فانه في أصل تشريعه شعور شخصي للمقنن بأن هذه المادة أو القضية أو السلوك على الطريقة المعينة، مطابق للمصلحة، حسب فهم المقنن للكون والحياة... دون ان يكون متسالما عليه بين الناس، وقد لا يكون واضح المصلحة في أذهانهم أيضا.
-5-
وبهذا نعرف أن الماركسية أصابت حظا من الصواب، حين قالت: بتأخر وجود القانون في البشرية، وحين رأت تأخر الشعور العملي عن وجود البشرية.
ولكنها أخطأت في عدة نقاط أهمها نشوء الشعور العملي من مرحلة معينة من مراحل وسائل الانتاج. فقد عرفنا اصالته وعمقه في الادراك الانساني، وعدم استناده إلى ذلك. نعم هو مسـتند إلى درجة من درجات الوعي البشري في تقييم الأشياء، وهو أمر آخر غير وسائل الانتاج.
كـما اخطأت في الاعتقاد في ان القانون ناشئ من العرف، فان العرف هو بعض مصادر القانون وليس مصدره الوحيد. فان القضايا العرفية وحدها لا تكفي لان تشكل قانونا، كـما هو واضح، لقلة ما تسالم عليه العرف من [القضايا] والحاجة إلى قضايا قانونية كثيرة لتدبير أمور الناس... من ناحية. ووجود عدد من القضايا الخاطئة عرفا لا يمكن صياغة القانون منها.
كما اخطأت في الاعتقاد بأن القانون ممثل للعدالة المطلقة باستمرار، كما حاولت الماركسية أن تفهمه من اتجاه خصومها. فان هذا ليس بصحيح، وكيف يصح وجود التضارب والاختلاف بين المقننين باستمرار. وإنما القانون إذا اتفقت قضاياه الأساسية وأصوله الموضوعية مع الشعور العملي العام، كان عادلا، وإلا لم يكن عادلا.
إذن، فعدالة القانون شيء جدي يمكن حسابه بشكل دقيق، ولا يمكن أن تكون مادتان قانونيتان متهافتتان في المضمون عادلتين في نفس الوقت، وان اعتقد واضع هذه المادة وواضع الأخرى، بعدالة ما وضعه.
ومن هنا نفهم - أيضا - خطأ الاعتقاد الماركسي، بأن اختلاف المقننين واختلاف علماء الأخلاق في جملة من القضايا، يدل على عدم وجود العدالة المطلقة. فاننا بعد ان برهنا على وجود الشعور العملي في البشرية، نستطيع أن نفهم ان الاختلافات في واقعها تطبيقات خاطئة لذلك الشعور العملي. وان واحدا معينا من الآراء في كل مسألة هو الصحيح، والباقي خاطىء لا محالة.
كما ان تطور الشعور العملي خلال تاريخ البشرية، لا يدل أيضا على عدم وجود العدالة المطلقة، كما تريد الماركسية أن تقول. فان هذا التطور صحيح ضروري تبعا لتطور الفهم البشري العام للكون والحياة وازدياده تدريجا، وكلما ازداد الفهم ازدادت التوقعات العملية كما أشرنا. كل ما في الأمر ان الذهن الضيق الموجود في العصر القديم، لا يدرك من القضايا العملية إلا بعدد قليل ومن زوايا معينة. في حين ان الذهن المتفتح والمعمق الادراك، يستطيع أن يلم بالقضايا العملية من مختلف زواياها وخصائصها. إذن فتطور البشرية يوجب تطور الادراك العملي وازدياد توقعات تطبيقها، كفرسي رهان.
هذا، وإن الاختلاف في الادراك العملي بين المقننين، لا يعني اختلاف الشعور العملي العام، فان دافع القانون، يتأثر لا محالة بعدة عوامل ليس كلها عقلية أو عامة، بل فيها الشعور العاطفي الشخصي أو الحزبي أو المذهبي أو القومي أو غير ذلك، مما يكون مانعا عن اتباع العدالة المطلقة والشعور العملي العام، مما يجعل المقنن - في واقعه - منحرفا عن العدالة المطلقة وعاصيا لها.
ومن هنا نفهم مزية من أهم المزايا للتشريع الالهي عن التشريع الوضعي، فان المقنن الوضعي يتأثر بتلك العوامل بالضرورة، وبمقدار تأثره يبتعد عن مصلحة المجتمع والعدالة المطلقة، بخلاف المشرع الالهي، لوجود الحكمة المطلقة لديه، وعدم صدق المصالح الضيقة في حقه، كما هو واضح. وسوف لن يكون هذا الرأي غريبا علينا بعد ان برهنا على وجود الخالق المدبر للكون فيما سبق.
-6-
وهنا، بعد أن تكلمنا عن العدالة، لا بد ان نفرز الأخلاق بكلمة: ان الشعور العملي العام هو الأساس للعدالة في القانون والأخلاق معا. ومن هنا يصطلح على قيمة السلوك القانوني وغير القانوني بالقيمة الأخلاقية.
والأخلاق بهذا المعنى تحدد وتقيم السلوك عموما. في كل أشكال العلاقات الخاصة والعامة، فتعطي لعدد من الأفعال شكل الالزام ولبعضها شكل الرجحان وكذلك في جانب الترك والارتداع. غير أن جانب [الاباحة] والتخيير في الأفعال موجود فيها أيضا على نطاق غير قليل. ومن هنا لم تصلح القضايا الأخلاقية وحدها أن تكون رصيدا لقانون متكامل.
لكننا إذا فهمنا من الأخلاق ما يفهمه الناس عادة من كونها عبارة عن آداب المجاملة وحسن الصحبة في العلاقات... فالأخلاق بهذا المعنى لا تمثل - دائما - الشعور العملي العام. بل هي كالقانون، تنشأ من هذا الشعور تارة ومن المصالح الشخصية أو المذهبية أو الحزبية أو القومية أحيانا، كـما تنشأ من التقاليد ومن الخرافات أحيانا أخرى. وهي لا تكون على صواب ما لم تنشأ من الأساس العام الذي تبتني عليه الأخلاق بالمعنى الأول.
ومن هنا ينشأ التسيب والانحراف في المجتمعات، فيحترم من لا يستحق الاحترام ويحتقر من لا يستحق الاحتقار، ويؤخذ البريء بذنب المجرم، ويتباطأ الناس في قضاء حاجة المحتاجين، بل لا يبقى للانسان قيمة، وتكون المصلحة الضيقة أعلى من كل قيمة، إلى آخر قائمة الظلم والانحراف.
والمعنى الأول للأخلاق [مطلق] الصحة غير قابل للتبدل، وان أوضح دليل وجداني عليه، هو تسالم البشر على صدق القضايا الأخلاقية الأساسية، لا يختلف فيه جيل عن جيل ومجتمع عن مجتمع وطبقة عن طبقة. بخلاف القسم الثاني فانه يختلف بالضرورة اختلافات شاسعة بين البشر.
وهذه هي الأخلاق التي ذكرها انجلز وجعل اختلافها دليلا على عدم صدق الأخلاق صدقا مطلقا، كـما سمعنا. وهي لعمري ليست بمطلقة، بل ولا صادقة بالمرة، ما لم تعد إلى القضايا الأساسية التي لا يمكن ان ينالها كلام انجلز وغير انجلز بأي سوء.
-7-
وأما رأي الماركسية في الفلسفة والعلوم عموما، الذي ذكرناه، في الفقرة الثامنة من المفهوم الطبقي الماركسي. فهو بشموله وعموميته يعتبر طعنا في العلوم كلها، وادخالها في بوتقة ضيقة: طبقية وحزبية ومصلحية، توجب الشك في معطيات كل الفلسفات والعلوم وعدم الوثوق بمطابقة أي شيء منها للواقع، بما في ذلك الفلسفة الماركسية نفسها.
ومن هنا لم يكن هذا الرأي من الماركسية قابلا للنقاش... لوضوح ان طعنها في العلوم هو طعن حزبي ومصلحي من وجهة نظرها نفسها... كـما ان المناقشة في ذلك ستكون حزبية ومصلحية وطبقية بطبيعة الحال.
لا يبقى مع الماركسية إلا استفهام واحد، وهي انه كيف يستطيع مفكروها الجزم بنتائج الابحاث العلمية فيزياوية أو تاريخية أو اقتصادية أو غيرها، كـما تطفح كتبهم بذلك. مع انهم يأخذون نتائجها من أناس آخرين هم بدورهم طبقيون ومصلحيون وغير موضوعيين. كيف تتوقع الماركسية ان تقنع الآخرين مع انها تقوله لهم ضمنا: ان آرائي مصلحية وطبقية وحزبية وليست موضوعية. كـما أن نظر الآخرين إليها سوف يكون متصفا بنفس الصفة، فمن المنطقي ان يبتعد الناس عن القناعة المطلوبة للماركسية.
والذي يهون الخطب، ان هذا التهوين من قيمة العلوم، سيصيب الماركسية أو لا، باعتبار اعترافها لنفسها بهذه القيمة الضئيلة. وأما غيرها من العلوم والفلسفات، فسوف لن يصيبها ضرر لان تقييمها غير منحصر بآراء الماركسيين بطبيعة الحال. وان الرأي العام في العالم يرى في العلوم والفلسفات غير ما ترى الماركسية، فيمكنه أن يعطيها قيمتها الواقعية.

الهيكل الأساسي
للمادية التاريخية

التكوين العام
-1-
قسمت الماركسية عصور التاريخ البشري إلى أقسامها المشهورة عنها. وهو ليس تقسيما عقليا جديا، بل هو إلتزام بما نقل التاريخ من ذلك.
قال ستالين:
"ولقد سجل التاريخ خمسة أنواع أساسية لعلاقات الانتاج: المشاعية البدائية، الرق، النظام الاقطاعي، النظام الرأسمالي، والنظام الاشتراكي"[[127]].
وقد كان وجود النظام الاشتراكي تاريخيا صحيحا، عند ما كتب ستالين هذه العبارة، إذ كانت روسيا قد بدأت فعلا بتطبيق النظام الاشتراكي، تحت حكم لينين ثم ستالين نفسه، وأما الجيل الأسبق، فيكون اطلاعه على وجود العهد الاشتراكي متعذرا.
ولو كان التاريخ قد سجل عهدا آخر، أو عهودا أخرى أو سجل العهود بشكل آخر في التقديم والتأخير، لكان للمادية التاريخية موقف آخر غير ما عهدناه.
-2-
وقد بدأت الطبقية في المجتمع مع بدء عصر الرق، ولم يكن لها وجود في عصر المشاعية البدائية، وبقيت سارية المفعول إلى العصر الرأسمالي وستزول في عصر الاشتراكية.
وكذلك الحال في الملكية الخاصة، والدولة تماما، في اعتقاد الماركسية.
قال كوفالسون:
"وقد أدت جمـيع هذه العوامل إلى انحلال الجماعة البدائية والى تفسيخ العلاقات القائمة على المساواة البدائية. ودخلت القوى المنتجة الجديدة في تناقض مع علاقات الانتاج القديمة. ومحلها حلّ المجتمع الطبقي مع الملكية الخاصة، ومع استثمار الانسان للانسان"[[128]].
وقال برنامج الحزب الشيوعي السوفييتي:
"الشيوعية هي نظام اجتماعي لا طبقي تقوم فيه الملكية الواحدة للشعب على وسائل الانتاج"[[129]].
وقال ستالين:
"وفي النظام الاشتراكي... تؤلف الملكية الاجتماعية لوسائل الانتاج أساس علاقات الانتاج"[[130]].
وقال انجلز:
"فالدولة إذن غير موجودة منذ الازل. لقد كانت ثمـة مجتمعات تدبر أمرها بدونها، ولم تكن لديها أية فكرة عن الدولة وعن سلطة الدولة. وفي مرحلة ما من التطور الاقتصادي كانت مرتبطة بحكم الضرورة بانقسام المجتمع إلى طبقات، جعل هذا الانقسام الدولة ضرورة. واننا الآن لنقترب بخطوات سريعة من مرحلة تطور الانتاج لم يقتصر الأمر معها على كون وجود هذه الطبقات لم يعد ضرورة، بل ليغدو عقبة مباشرة في طريق الانتاج. ولسوف تسقط هذه الطبقات، بمثل الحتمية التي انبثقت بها في الماضي، وتسقط الدولة معها لا محالة"[[131]].
ولم ينتقل المجتمع من الاقطاع إلى الرأسمالية مباشرة، بل مر بمرحلة صناعية صغيرة وبدائية، تسمى بالحرفية أو العهد الحرفي. وقد يكون هذا العهد شاملا - بنحو وآخر -: العهد المانيوفاكتوري، وهو القائم على أساس تعاون الحرفيين تحت اشراف واحد، من اجل انتاج مشترك. واللفظة مأخوذة من النص الأوروبي الذي يعني [مصنع].
قال ستالين بصدد تعداده لتطور وسائل الانتاج:
"وانفصال الحرف عن الزراعة، وتطور الحرف المستقلة أولا، ثم المانيوفاكتورة، فيما بعد. ثم الانتقال من أدوات الانتاج إلى الآلة، وتحويل الانتاج الحرفي المانيوفاكتوري إلى صناعه قائمة على الآلة"[[132]].
فإذا عرفنا ان الزراعة تعني في هذه اللغة: الاقطاع. والآلة تعني النمو الرأسمالي... عرفنا أن العهد الحرفي والعهد المانيوفاكتوري، يقع بين الاقطاع والرأسمالية.
وقال كوفالسون في صدد حديثه عن الفترة الأخيرة من الاقطاع:
"ولكن الانتاج الحرفي الذي كان قد بلغ في مرحلة ازدهار الاقطاعية درجات متفاوتة من الرقي والكمال. لم يكن يلبي الطلب المتناهي بلا انقطاع، لان الامكانيات التي كان يوفرها لأجل توسيع الانتاج كانت محدودة للغاية.
وقد استتبعت حاجات السوق ظهور قوة منتجة جديدة هي التعاون والمانيوفاكتورة.
... فعلى نقيض الحرفة، تقوم المانيوفاكتورة بتقسيم مفصل للعمل عند انتاج سلعة من السلع. صحيح، ان الأدوات الحرفية تبقى القاعدة التكنيكية للمانيوفاكتورة، إلا أن تقسيم عملية الانتاج العامة إلى عمليات جزئية في غاية البساطة قد أدى إلى ازدياد إنتاجية العمل ازديادا ملحوظا. وخلق بالاضافة إلى المقدمات لأجل الاستعاضة عن عمل الانسان بحركة العاملة. وبذلك هيأ تطور المانيوفاكتورة الشروط والظروف لأجل ظهور إلا نتاج الالي"[[133]].
-4-
وتنقسم الرأسمالية - في وجهة النظر الماركسية - إلى ثلاثة أقسام: يمثل المرحلة الأولى منها التراكم الأولي لرأس المال، أو البرجوازية الصغيرة والمتوسطة. وتمثل المرحلة الثانية منها: الرأسمالية التنافسية، وهي القائمة على الاشتراك في الفرص من خلال السوق الحرة. وتمثل المرحلة الثالثة منها: الاحتكاريـة، وفيها تندر فرص الربح الرأسمالي لغير الاحتكاريين ويضطر المجتمع إلى الانصياع إلى تحكم الاحتكاريين اقتصاديا وسياسيا.
ويميل الكتّاب الماركسيون المحدثون إلى أن المرحلة المعاصرة من الرأسمالية، هي المرحلة الاحتكارية، وإن لم يعاصرها ماركس وانجلز ولم يتحدثا عنها.
ولا حاجة الآن إلى الاستشهاد بكلام الماركسيين، بعد أن كان العزم على بسطه تفصيلا في المستقبل.
-5-
وتنقسم الاشتراكية أيضا إلى ثلاثة أقسام: تمثل المرحلة الأولى منها، مرحلة الاعداد للاشتراكية عن طريق دكتاتورية البروليتاريا. وأما المرحلة الثانية فهي الطور الأول من المجتمع الشيوعي، كـما اصطلح ماركس، وهي الاشتراكية بالمعنى المشهور، المقابل للشيوعية العلمية. وأما المرحلة الثالثة، فهي مرحلة الطور الأعلى أو المجتمع الشيوعي الذي تطبق فيه القاعدة القائلة: من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته. وتنتفي فيه الدولة، ويزول الصراع الطبقي، إذ لا يكون في المجتمع إلا طبقة واحدة، وهي المرحلة الأخيرة من عهود المادية التاريخية، ومن تاريخ الانسانية أيضا!!...
وسيأتي تفصيل كل ذلك في مستقبل البحث.
-6-
ينتج من كل ذلك. ان الماركسية، وإن كانت تعتقد أن التاريخ البشري منقسم إلى خمسة أقسام، هي الأقسام المشهورة التي أسلفناها. إلا أنها في نفس الوقت تعتبر هذه المراحل رئيسية، وتعتقد بمراحل أخرى، أكثرها ضمني، غير رئيسي، تصل بالسلسلة إلى إحدى عشرة مرحلة... تبدأ بأول وجود المجتمعات البشرية وتنتهي بمرحلتها العليا.
فإذا أضفنا إلى ذلك تاريخ ما قبل وجود المجتمعات، حين كان يعيش الانسان القديم منفردا أو في جماعات صغيرة متفرقة... كانت الأقسام اثني عشر كـما يلي:
أولا: مرحلة ما قبل تكون المجتمعات.
ثانيا: الشيوعية البدائية.
ثالثا: عهد الرق.
رابعا: عصر الاقطاع.
خامسا: الانتاج الحرفي.
سادسا: الانتاج المانيوفاكتـوري.
سابعا: التراكم الأولي لرأس المال.
ثامنا: الرأسمالية التنافسية.
تاسعا: الرأسمالية الاحتكارية.
عاشرا: دكتاتورية البروليتاريا.
حادي عشر: الطور الاشتراكي الأول.
ثاني عشر: الطور الشيوعي الأعلى.
وكل هذه التطورات موكولة إلى تطور وسائل الانتاج، ومقترنة بشكل معين لعلاقات الانتاج، وموجبة لايجاد مستوى فكري وسياسي وطبقي معين يختلف عن سابقه ولاحقه.
وتعتقد الماركسية ان هذه التطورات ضرورية خارجة عن اختيار الانسان، وعن وعيه... لا يستثنى من ذلك إلا العهد الاشتراكي بأقسامه الثلاثة، فان الحزب الماركسي- اللينيني هو الذي يقود البشرية عن وعي وعمد إلى الاشتراكية ثم إلى الشيوعية. ولا يمكن أن تحدث هذه المراحل الأخيرة تلقائيا، كما حدثت المراحل السابقة عليها. وسنسمع تصريحات الماركسيين عن ذلك عند الحديث المفصل عن هذه المراحل.
-7-
وهذه النظرية، ذات اسلوب مطاط في التطبيق، لا تنطبق على شكل واحد في كل الازمنة والأمكنة.
"لان هذه النظرية لا تعطي سوى موضوعات وتوجيهات عامة، تطبق مثلا في بريطانيا على غير ما تطبق في فرنسا، وفي فرنسا على غير ما تطبق في ألمانيا، وفي ألمانيا على غير ما تطبق في روسيا"[[134]].
فإذا وجدنا ان بعض البلدان قد انتقل إلى الرأسمالية دون الباقي أو إلى الاشتراكية دون الآخرين. أو إذا وجدنا ان أحد العهود قد طال في بعض البلدان أو إذا كان تطبيق أحد العهود أعمق من البعض الآخر، فلا ينبغي أن نتعجب من ذلك، من أجل هذا السبب.
فان هذه النظرية تهمل التفاصيل، وهي قابلة للانطباق على كل الأشكال الاجتماعية. كـما انها تهمل عنصر الزمن ولا تحدد تاريخا معينا لأي عهد من العهود. وإنما التحديد التاريخي يعود إلى الوضع الخاص بكل مجتمع.






نقد التكوين العام
للمادية التاريخية

-1-
لا ينبغي أن نختلف مع الماركسية بمرور البشرية ردحا طويلا من الزمن بعصر بدائي، يبدأ بما قبل تكون المجتمعات، وان المجتمعات والأفكار والأساليب تكونت تدريجا، ولا زالت البشرية في مجال التطور والرقي.
إلا أن النقاش ينطلق بعد ذلك، من عدة نقاط:
النقطة الأولى: ان الماركسية مسؤولة عن الجواب على هذا السؤال، وهو أن هذه التطورات خلال العهود التاريخية الخمسة، هل هي ضرورية أم لا. مقتضى التكوين النظري الماركسي، هو كونه ضروريا، مقترنا اقترانا قهريا بتطور وسائل الانتاج. ومعنى ذلك: اننا لو فرضنا ان مجتمعا بدائيا خلق في الأرض من جديد، لأمكن أن نتنبأ بمروره بنفس هذه العهود الخمسة من دون ان يمكنه التخلف عن ذلك. كما لا يمكن لوعي ذويه أو أية سلطة داخلية أو خارجية أن تغير من ذلك.
ولكن مقتضى عبارة ستالين التي نقلناها في الفقرة الأولى من [التكوين العام] أن هذه العهود الخمسة يستند تحديدها إلى النقل التاريخي صرفا. فلو كان التاريخ قد سار في كل العهود أو بعضها على شكل آخر، لما كان للماركسية أي مانع في ان تقول: ان وسائل الانتاج تطور المجتمع على الشكل [ب] لا الشكل [آ] بخلافه على الوجه الأول، فان تغير سير التطور المادي للتاريخ يكون مستحيلا.
وطبقا للوجه الأول - أيضا - يستحيل ان يمر قسم من البلدان بشكل من التطور. ويمر قسم آخر بشكل آخر منه. بمعنى ضرورة مرور كل البشرية بهذه العهود الخمسة، وان اختلفت في التفاصيل.
وحيث أن الوجه الأول، هو المطابق للنظرية الماركسية الأصلية، وللتأكيدات في كلمات الماركسيين على التطور الضروري للمجتمع، والخارج عن وعي الناس وادراكهم. فإذا وجدنا بعض البلدان تختلف عن البعض الآخر، أو تتخلف عن بعض العهود - كـما سنسمع بعد ذلك - إذن نعرف ان الماركسية قد فشلت في تفسير التاريخ، كـما تريده من العمومية والشمول.
النقطة الثانية: ان نظر الماركسية مركز باستمرار نحو أوروبا، أوروبا فقط، إنطلاقا من اللا شعور الأوروبي القائل: بأن الانسان هو الانسان الأوروبي وغيره هباء في شبك. إذن فلا ينبغي أن يعتني بماضي الناس أو حاضرهم أو مستقبلهم إلا إذا كانوا أوروبيين، أو يعود عليهم بالفائدة.
ولا ينبغي ان ننسى كلمة لينين التي سمعناها قبل قليل: ان هذه النظرية لا تعطي سوى موضوعات توجيهية عامة، تطبق مثلا في بريطانيا على غير ما تطبق في فرنسا، وفي فرنسا على غير ما تطبق في ألمانيا، وفي ألمانيا على غير ما تطبق في روسيا. وهذه الدول كلها أوروبية.
ولا زلنا نذكر أحلام انجلز وماركس التي حامت حول تطبيق الشيوعية في إنكلترا وألمانيا قبل روسيا، وقد فشل هذا الحلم، وكذبه الواقع. وهذه كلها دول أوروبية أيضا. ان تفكير الرجل الأوروبي بما فيهم لينين وانجلز وماركس، يدور في بوتقة أوروبية مغلقة، ولا يخطر في ذهنه إلا أسماء الدول الأوروبيه، كأنها الوحيدة الوجود في العالم.
إذا التفتنا إلى ذلك، فقد يكون صحيحا أن ندعي أن أوروبا مرت فعلا بهذه العهود الخمسة، على أن يكون هذا الحكم غالبا غير مستوعب، ومهملا من التفلسف وذكر الأسباب، ويبقى مع ذلك، قابلا للمناقشة، على ما سيأتي.
إلا اننا لو نظرنا إلى خارج أوروبا، فقد نجد التاريخ يسير على خلاف ما سار في أوروبا، وبالتالي على خلاف ما تريده المادية التاريخية.
فالشرق الأوسط عموما لم يمر بعهد اقطاعي مشابه لأوروبا، وان كانت هناك ملكيات للأرض غير قليلة... إلا انها لا تبلغ إلا نسبة ضئيلة مما كان عليه الاقطاع الأوروبي. ولم يكن يتصف بنفس المعاملة الوحشية مع الفلاحيـن، لوجود الفوارق النفسية والدينية والاجتماعية بين المنطقتين.
كما أن الشرق الأوسط لم يمر بعهد رأسمالي كالعهد الذي مرت به أوروبا ولم يكن فيه إنتاج آلي ضخم ولا توزيع على نطاق عالمي، كـما هو معلوم.
نعم، مرّ الشرق الأوسط في عهود قديمة، بعهد الرق ردحا طويلا من الزمن. ولكنه تحول إلى عهد جديد لا يشبه شيئا مما ذكرته الماركسية من العهود، هو عهد [الاسلام] وبخاصة في صدر الاسلام والخلافة الأولى.
والصين الشعبية انتقلت من الاقطاع إلى الاشتراكية، وأهملت بالمرة عهد الرأسمالية الرئيسي، وكذلك عدد من البلدان الاشتراكية بما فيها الاتحاد السوفييتي نفسه، وقد اعترفت بذلك المصادر المتأخرة، كـما سيأتي فيما بعد.
النقطة الثالثة: إن البشرية بدأت بمرحلة ما قبل المجتمعات... ثم بدأت المجتمعات تحدث تدريجا، فهل كان هذا الحدوث ناشئا من الوجود الطبقي، إن الطبقية لا معنى لها بدون مجتمع بطبيعة الحال. ولكن إذا كان كل تطور مستندا إلى الوجود الطبقي، كـما تريد الماركسية ان تقول، إذن فلا يمكن ان يحدث التطور في البشرية الأولى... مع انها قد تطورت فعلا.
وقد تقول الماركسية: ان حدوث المجتمعات مستند إلى تطور وسائل الانتاج، لا إلى الوجود الطبقي. وهذا التطور كان موجودا في ما قبل المجتمعات.
وجوابه ان هذا غير صحيح لوجهين:
الوجه الأول: إن الماركسية عودتنا أن تسند التطور العام إلى تطور وسائل الانتاج بشكل غير مباشر. وإنما تطورها يوجب تطور علاقات الانتاج، وهذا التطور يوجب بدوره تطور الشكل الطبقي للمجتمع، وهذا الأخير يوجب تطور سائر ظواهر المجتمع. فكيف إنقطعت هذه السلسلة، وأصبح التطور مستندا إلى وسائل الانتاج مباشرة. إن هذا لا يمكن ان يكون مفهوما من زاوية قواعد المادية التاريخية. وإذا أمكن التطوير المباشر للانسان، فلماذا لم تلتزم به الماركسية دائما... هل اختلفت قوة وسائل الانتاج بعد تطور المجتمعات؟!. وإذا لم يمكن التطوير المباشر فكيف حدث ذلك في مورد حديثنا في الانسان قبل وجود المجتمعات.
الوجه الثاني: إنه بعد التنزل - جدلا - عن الوجه الأول، وافتراض أن الماركسية تختار التطوير المباشر لوسائل الانتاج. فهذا يعني اننا ينبغي ان نجزم بحدوث التطور في وسائل الانتاج قبل حدوث المجتمعات، لتكون المجتمعات قد حدثت عقيبه.
إن وجود اليد وحدها، غير كاف في ذلك، لانها وجدت مع الانسان، ولم توجد المجتمعات إلا بعد أمد طويل، تتعذر النسبة إليها فيه. فينبغي ان نفحص عن وسيلة انتاج أخرى... وكل وسيلة لاحظناها - بما فيه استعمال الحجر - لا يوجد دليل تاريخي على تقدمها على تكون المجتمعات. ما لم تقل الماركسية ان مقتضى قواعد المادية التاريخية هو ذلك، فيصبح مستنتجا منها لا دليلا عليها كـما هو المطلوب الآن.
هذا ويمكن القول ان استعمال الحجر ونحوه، ليس تطورا في وسيلة الانتاج، وإنما التطور كان نتيجة لعمل إنساني كتركيب الحجر على المقبض ليصبح فأسا مثلا. وإذا صحّ ذلك، لم يكن وجود التطور إلا في مجتمع بطبيعة الحال، لان الاختراع والاكتشاف لا يكون إلا في مجتمع. ومعه يكون وجود التطور في العصر السابق على المجتمعات متعذرا... ومعه يتعين أن يكون هذا التطور الانساني الذي هو وجود المجتمعات غير مستند إلى تطور وسائل الانتاج.
-2-
إن تطور البشرية من المجتمع الشيوعي البدائي إلى عصر الرق، لم يكن مستندا إلى الوجود الطبقي، لفرض اعتراف الماركسيين بعدم وجود الطبقات في المجتمع البدائي. فإذا كان كل تطور مستندا إلى الوجود الطبقي، وغير مستند إلى وسائل الانتاج مباشرة، كما عرفناه مطابقا لقواعد المادية التاريخية وتصريحات الماركسيين. إذن فتطور المجتمع البدائي إلى الرق، لا يكون مطابقا لتلك القواعد.
-3-
إن الماركسية ربطت بين وجود المجتمع البدائي، وبين عدم وجود الطبقية من ناحية وعدم وجود الملكية الخاصة من ناحية أخرى. مع ان كلا الأمرين يمكن وجودهما في ذلك المجتمع.
إن المجتمع البدائي - على الأقل - كان يشعر بأهمية الأب والجد وسيطرتهما على ذريتهما، أو - على الأقل أيضا - إن ذلك قد حدث قبل وجود الرق بزمن طويل. وهذا يعني تحقق الوجود الطبقي في المجتمع. فان طبقة الاباء أعلى وأكبر من طبقة الأبناء لا محالة.
كما أن المجتمع البدائي، مهما كان التوزيع الاقتصادي فيه بدائيا ومشاعا، كما تريد الماركسية أن تقول... إلا أن هناك أشياء - بلا شك - مستندة إلى الفرد ومختصة به، يشعر بالغبن عند سيطرة الآخرين عليها، وانخرام مصالحه الشخصية في ذلك، لا أقل من وجبة طعامه أو ثيابه أو سلاحه، مهما كانت هذه الأمور بدائية.
كـما أن الاشاعة في الملكية، هي سيطرة جماعة محدودة على كمية من المتاع كالطعام أو السلاح مثلا. وهذه الجماعة ترفض بطبيعة الحال سيطرة جماعة أخرى على أموالها[[135]]، وهذا يعني وجود الملكية الخاصة في حدود الجماعة. فان فكرة الملكية الخاصة لا تعني استنادها لفرد واحد، بل قد تكون مشتركة بين متعددين.
إذن، فالملكية الخاصة، كانت موجودة أيضا في المجتمع البدائي، ولم يكن هذا المجتمع شيوعيا، كـما تريد الماركسية ان تقول. وسنبحث ذلك أيضا عند التعرض إلى ذلك المجتمع.
ومن هنا نستطيع أن نعجب للتشكيك الذي ذكره انجلز في ملكية إبراهيم الخليل D لقطعانه، حيث قال:
"ومن العسير القول ما إذا كان موسى مؤلف ما يسمى بالكتاب الأول، قد اعتبر البطريرك إبراهيم مالكا لقطعانه بموجب حقه الشخصي بوصفه رئيس مشاعة عائلية، أم بموجب مركزه كرئيس يرث بالفعل عشيرة"[[136]].
بالرغم من أن إبراهيم D كان يعيش في منطق الماركسية، في عهد الرق، ولا شك في وجود الملكية الخاصة في ذلك العهد. مضافا إلى ما ذكرناه من وجود الملكية في المجتمع البدائي، لو كان مجتمعه بدائيا.
-4-
وهل الملكية الخاصة مستلزمة لإستثمار الانسان للانسان، كـما قالت الماركسية، أم لا؟!...
إن الملكية الخاصة شيء، واستثمار الانسان للانسان شيء آخر، قد يقترنان وقد يفترقان.
قد تكون الملكية الخاصة مقترنة مع هذا الاستثمار الشنيع، كـما يحدث في عصور الرق والاقطاع والرأسمالية وعصر دكتاتورية البروليتاريا، بالنسبة إلى غيرهم من [الرجعيين] و[أعداء الشعب والتقدم].
وقد تكون الملكية الخاصة موجودة بدون استثمار الانسان للانسان،كـما لو تعهد أفراد المجتمع أو القانون السائد أن لا تنتقل الملكية من شخص إلى آخر، إلا برضائه وطيب قلبه، بحيث يلتزم ببطلان كل اسلوب معاملي يفقد هذا العنصر الهام، مع سدّ الفرص تماما أمام أي استغلال أو تحكم، كما هو الحال بالقانون الاسلامي، كما هو غير خفي لمن راجعه.
كـما قد يكون استثمار الانسان للانسان موجودا ولا تكون الملكية الخاصة موجودة. وذلك - بكل بساطة - في المجتمع الشيوعي [بصورته البدائية على الأقل]. فان المتاع حين يكون مشاعا ولا يكون هناك جهاز حاكم، فقد يخطر في ذهن الأقوياء الاذكياء ان يحوزوا لأنفسهم أكثر من الآخرين، وهذا هو الاتجاه الذي ولد مجتمع الرق في نهاية المطاف، باعتراف الماركسية، وهو اتجاه وجد في العصر السابق عليه لا محالة.
وباختصار، فان استثمار الانسان للانسان، لا يحدث إلا حين تتحكم الأثرة والأنانية، وينعدم التعاطف الانساني، ولا ربط لذلك بالملكية الخاصة بذاتها.
ولكن ما هو الدليل على ان استثمار الانسان للانسان شيء شنيع وقبيح.
إننا لو قلنا بالقيمة الأخلاقية المطلقة للأشياء، فالحكم بالشناعة والقبح على ذلك يكون يسيرا وواضحا، وأما لو قلنا بإستناد القيم إلى وسائل الانتاج والوجود الطبقي، فمن الواضح أننا يمكن أن نقول بكل وضوح: ان كل استثمار مناسب في عهد تاريخي معين هو حسن في تلك الفترة وليس قبيحا. فالاسترقاق في عهد الرق لم يكن قبيحا، حتى عند العبيد أنفسهم، ولا القنانة في عهد الاقطاع، ولا العمل في عهد الرأسمالية. ومن ثم فاستثمار الانسان للانسان شيء جيد وحسن في مختلف عصور البشرية. وكذلك ليس من القبيح محاربة [أعداء الشعب] في عصر دكتاتورية البروليتاريا، وهي حرب عنيدة وطويلة، كما سيأتي عند الحديث عن هذا العصر.
نعم، يمكن أن تتبدل هذه القيمة إلى الشناعة والقبح في المجتمع الشيوعي النهائي، حين تنعدم الطبقات ويزول النضال الطبقي والدولة.
فإذا علمنا أن البشرية لم تدخل بعد في الطور الأعلى النهائي، في أية منطقة في العالم، بل ان مناطق العالم الآن موزعة - في منطق الماركسية - بين الاقطاع والرأسمالية ودكتاتورية البروليتاريا... إذن فلا بد أن نحكم بحسن استثمار الانسان للانسان، ونحن معاصرون لهذه العهود. ويستحيل على أي فرد أن يسبق التاريخ، بما فيهم المفكرون الماركسيون أنفسهم. فكيف حكموا بقبح الاستثمار خلافا لقواعد ماديتهم التاريخية. فان هذا إما على خلاف اعتقادهم، أو ان هذا الاعتقاد وجد في أذهانهم على خلاف تلك القواعد.
-5-
وأما الدولة التي اعتقدت الماركسية أنها لم تكن في العهد الشيوعي الأول وستكون غير موجودة في العهد الشيوعي الأخير.
قال انجلز:
"والمجتمع الذي ينظم الانتاج تنظيما جديدا على أساس اتحاد المنتجين بحرية، وعلى قدم المساواة، سيرسل آلة الدولة بأكملها، حيث ينبغي أن تكون حينذاك: إلى متحف العاديات بجانب المغزل البدائي والفأس البرونزية"[[137]].
ونحن بعد أن عرفنا وظيفة الدولة في المجتمع، وانها تنظم ما لا يستطيع الأفراد تنظيمه... نستطيع ان نعرف تبعا لذلك عدة حقائق.
الحقيقة الأولى: إن وجود الدولة تابع لوجود درجة من التعقيد، تكتسب فيه المصالح العامة درجة صعبة لا يمكن للأفراد القيام بها.
الحقيقة الثانية: إن وجود الدولة يكون ضروريا ما دامت الحياة معقدة، لا تختلف في ذلك عهود التاريخ. ولا يمكن لأي مجتمع مهما كان اشتراكيا أن يسوس نفسه بنفسه بدون دولة أو حكومة. إلا بعض الفروض النادرة أو غير المشروعة، التي سنشير إليها بعد ذلك.
الحقيقة الثالثة: إن هنالك فرقا بين الشيوعية الأولى والشيوعية الأخيرة، لو سلمنا بوجوديهما. فانه في الشيوعية الأولى، لم تكن الحياة معقدة، بل كانت بدائية وبسيطة للغاية، فلم تكن البشرية بحاجة إلى الدولة. وأما في الشيوعية الأخيرة، فالحياة بطبيعة الحال معقدة، بل هي أكثر تعقيدا من أي عهد مضى، لانها أكثر حضارة ومدنية وانتاجا من أي وقت مضى، على ما هو المفروض. والتعقيد تابع لوجود الحضارة والمدنية بطبيع الحال. فكيف يمكن عدم وجود الدولة، وكيف يمكن للأفراد ان يسوسوا المجتمع باستقلالهم.
ولو كان عدم الدولة، مقترنا من التوزيع الشيوعي للمال، وناتجا منه... لكان القول بعدم الدولة في المجتمع الأول ملازما للقول بعدمها في المجتمع الأخير، كما أرادت الماركسية... لان صفة التوزيع الشيوعي مشتركة بينهما. إلا ان الأمر - مع الأسف! - ليس كذلك بل هو تابع لدرجة معينة من التعقيد الاجتماعي. وهو متوفر في المجتمع الأخير وغير متوفر في المجتمع الأول، فمن الطبيعي أن يكون المجتمع الأول غير محتاج إلى الدولة، على حين يكون الأخير غير مستغن عنها.
-6-
وبالنسبة إلى وجهة النظر المادية التاريخية للتطور، لو كان العامل الأساسي فيه هو الوجود الطبقي أو التوزيع غير المتساوي لوسائل الانتاج أو للأرباح... لكان عدم وجود الدولة مشتركا بين المجتمعين الأول والأخير.
إلا أن الماركسية أفهمتنا انها ترى ان السبب الرئيسي هو تطور وسائل الانتاج بالذات، وان كل مرتبة أو مرحلة معينة من التطور تنتج شيئا معينا أو ظاهرة اجتماعية معينة. ولا معنى للقول بأن مرحلتين مختلفتين من تطور وسائل الانتاج تكونان متصفتين بنفس الظاهرة الاجتماعية.
وهذا ينتج منه نتيجتان مهمتان ماركسيا:
النتيجة الأولى: انه مع اختلاف درجات التطور في وسائل الانتاج من عصر الرق إلى عصر الرأسمالية، كيف يمكن أن تبقى ظاهرة معينة محفوظة وغير متبدلة، هي ظاهرة الدولة. إذ لا معنى لاتصاف مرحلتين من التطور بنفس الظاهرة، كـما عرفنا.
وقد يخطر في الذهن: اننا وجدنا عدة استثناءات لهذه القاعدة، أهمها اللغة وغيرها. فلتكن الدولة من هذه الاستثناءات.
والجواب على ذلك: اننا عرفنا أيضا ان هذه الاستثناءات لا تعني شيئا آخر غير انخرام القاعدة المادية وبطلانها. فلتكن الدولة كذلك.
النتيجة الثانية: إن درجتين من وسائل الانتاج إحداهما في غاية البساطة والبدائية، والأخرى في قمة التعقيد والتطور، وهما متباعدتان في التاريخ جدا، قد يزيد الفاصل الزمني بينهما على ألفي عام... إحداهما في المجتمع البدائي والأخرى في المجتمع الشيوعي الأعلى... قد اتصفت هاتان الدرجتان من التطور المتباين بنفس الظاهرة، وهي انعدام الدولة. مع اننا عرفنا قبل قليل أنه لا يمكن لمرحلتين من تطور وسائل الانتاج ان تتصفا بنفس الظاهرة. فكيف صحّ للماركسية الالتزام بذلك؟!!...
ولو انسجمنا مع القواعد الماركسية لقلنا بأن الوسائل البدائية للانتاج تنتج المجتمع الخالي من الدولة، وأما الوسائل المتطورة جدا فتقترن بوجود الدولة. ولا يمكن للتاريخ ان يعود القهقري بأي حال.
-7-
قلنا اننا إذا نظرنا إلى خارج أوروبا، لا نجد عهود المادية التاريخية مطبقة بوضوح، فكذلك لو نظرنا إلى أوروبا نفسها...
فان أوروبا بشكلها المعاصر منقسمة إلى قسمين: رأسمالي واشتراكي. أما القسم الرأسمالي، فلم يمر بعهد الاشتراكية، وأما القسم الاشتراكي، فلم يسبق له ان مرّ بعهد الرأسمالية... وإنما طفر من الاقطاع إلى الاشتراكية، كـما قلنا.
إذن فعهود المادية التاريخية، غير مطبقة في أوروبا تماما، فضلا عن غيرها.
كما أن عددا من المجتمعات الأوروبية اجتمعت فيه الرأسمالية مع الاقطاع. فقد حدث ذلك في المجتمعين الفرنسي والألماني، في عصر المانيوفاكتورة الأولى، فان ماركس - على ما سنسمع - يعتبر الانتاج المانيوفاكتوري انتاجا رأسماليا، مع انه قد حدث في عصر الاقطاع وبقيا معا ساريي المفعول ردحا من الزمن.
وقد حدث أيضا في روسيا القيصرية، قبل الثورة، فانها كانت تحتوي على الاقطاع إلى جنب التجارة الرأسمالية الواسعة، وإن لم تكن على الشكل الآلي الحديث.
أما عن مناصرة عدد من الاشتراكيين مع الرأسماليين ومع المثاليين، فهو حديث الماركسيين الأساسي، ضد أعدائهم من الاشتراكيين، وسيأتي فيما بعد بعض الأمثلة لذلك.
إن كل ذلك، يحدث في أوروبا نفسها على خلاف قواعد المادية التاريخية.
-8-
وأما الفهرس العام للمادية التاريخية، بعهودها الخمسة، وأقسامها الاثني عشر، فسيأتي التعرض إلى نقد كل منها عند التعرض إلى عرض أوصافها فيما يلي.
إلا أننا الآن نقول كلمة واحدة، وهي ان هذا التسلسل الطويل للمادية التاريخية، ينافي مع القواعد الأساسية الماركسية لتطور التاريخ.
إن الماركسية قالت: إن عهد الرق نقيض العهد الشيوعي البدائي، وعهد الاقطاع نقيض لعهد الرق، وعهد الرأسمالية نقيض لعهد الاقطاع... وتصل البشرية إلى كل عهد، باعتبار التناقض الديالكتيكي المتمثل بالتناحر الطبقي الموجود في العهد السابق عليه.
إن هذا لو سلمناه، فهو صادق بالنسبة إلى تطور المادية التاريخية خلال عهود خمسة لا خلال عهود اثني عشر، إن هذا التقسيم الجديد، يواجه - من هذه الجهة - عدة نقاط ضعف.
النقطة الأولى: إن نقيض الاقطاع ليس هو الرأسمالية، بل هو العهد الحرفي، ونقيض العهد الحرفي هو العمل المانيوفاكتوري، ونقيض هذا العمل هو التراكم الرأسمالي الأولي.
إن هذا على خلاف تصريحات الماركسيين - أولا -، حيث قسموا العهود إلى خمسة وحصروا التناقض فيها. كما انه خلاف المبررات المعطاة لتحول المجتمع من عهد إلى عهد، والمربوطة بتطور وسائل الانتاج وتغـير الوجود الطبقي... كما سنعرف. ان الطبقة الجديدة في عهد الاقطاع هم الرأسماليون وليس الحرفيين.
إذن، فهذه المبررات، غير صادقة في التقسيم الجديد، بل يحتاج المجتمع إلى مبررات جديدة للانتقال من خلال هذه العهود الجديدة.
النقطة الثانية: إن التناقض لو سلمناه بعد التجاوز عن النقطة الأولى، فانه إنما يصدق في عهدين ذوي فروق كبيرة كعهد الرأسمالية الاحتكارية مع العهد الذي يليه وهو دكتاتورية البروليتاريا. ولا نسلم وجود التناقض في عهدين متجاورين متجانسين، كالعهد الحرفي والعهد المانيوفاكتوري، وكالرأسمالية التنافسية مع الرأسمالية الاحتكارية، وكالطور الشيوعي الأول مع الطور الثاني. إن هذه العهود متجانسة ومتحابة، وليست متناقضة ولا متضادة، بل يعتبر المتأخر تركيزا وترسيخا للعهد السابق عليه. واختلاف أوصافها لا يبرر اطلاق لفظ التناقض أو التضاد عليها... واستعمال هذه الالفاظ فيها تمطيط غير صحيح لهذه الاصطلاحات المنطقية أو الفلسفية.
النقطة الثالثة: إن التناقض حين ينتفي بين عهدين متجانسين، لا يمكن الالتزام بأنه ناتج عنه بصورة ديالكتيكية... بل هو ناتج منه بطريقة [سلسة] لا محالة، لانه ترسيخ وتأكيد له، وليس نفيا له كـما هو واضح.
فمثلا، لو كانت الرأسمالية الاحتكارية نفيا للرأسمالية التنافسية، لأوجب زوال الوضع الرأسمالي بالمرة، ولو كان الطور الشيوعي الثاني نفيا للطور الأول لكان موجبا لزوال الاشتراكية بالمرة، فان معنى النفي هو ارتفاع النظام الاجتماعي بكل خصائصه، كما صرحت الماركسية. وإنما لم يوجب نفيه لانه مترتب عليه ترتبا سلسا، ويعتبر تأكيدا وترسيخا له، وليس نفيا له بأي حال.
-9-
بقيت الفقرة السابعة من التكوين العام، وهي ان النظرية المادية التاريخية تعطي توجيهات عامة وتختلف في التطبيق... غير خالية من المناقشة بالرغم من كونها لطيفة إلى حدّ كبير. لكنها غير منطبقة على القواعد الماركسية الأخرى.
إن المادية التاريخية والقواعد الماركسية العامة لتطور المجتمع، لا يخلو حالها من أحد شكلين: اما ان تكون حدية في الانطباق مائة بالمائة، واما أن لا تكون حدية.
فان كانت حدية تماما، كان تطور المجتمعات على شكل واحد بالضرورة، ويستحيل ان يكون مختلفا بطبيعة الحال. وهذا خلاف الوجدان، فان الاقطاع هنا يختلف عنه هناك والرأسمالية هنا تختلف عنها هناك، في عدد من الصفات والظواهر العامة. وهذا واضح من التاريخ المعاصر والقديم.
وهذا الاعتراض هو الذي تخلص عنه لينين حين قال بأن النظرية ليست حدية بل تعطي توجيهات عامة فقط.
ولكنه في الواقع، قد وقع في اعتراض أشد، فان النظرية إن لم تكن حدية... لم نستطع - أولا - ان نجزم بوجود الطور الشيوعي الأعلى، كما حاولت الماركسية أن تؤكده. بل لم نستطع الجزم بأي تغيير لان النظرية ستصبح سببا ضعيفا مطاطا يمكن أن تحول دونه الموانع... فان أنكر لينين ذلك، كان معناه كون النظرية حدية ضرورية، وليست ذات توجيهات عامة فقط.
وثانيا: ما أشرنا إليه فيما سبق من ان هذه التوجيهات العامة أو السبب الضعيف، لا تصلح وحدها لإنتاج التفاصيل بل لا بد أن عاملا آخر مستقلا في كل مجتمع أنتج التفاصيل الخاصة به. ومعه يكون مجموع الوضع الاجتماعي ناتجا من مجموع التوجيهات العامة والعامل الآخر المستقل. وهذا العامل لا نستطيع ان نسميه بتطور وسائل الانتاج، بعد ان كان هذا التطور لا يمثل إلا التوجيهات العامة فقط، أعني جزء مجموع السبب الموجب لتطور المجتمع.
وعلى أي حال، فمقتضى الضرورة التاريخية، التي أكدت عليها الماركسية في نظريتها، هو كونها حدية وليست [موضوعات توجيهية عامة] كما قال لينين. ومعه لا نستطيع أن نفسر الفرق والاختلاف بين المجتمعات.
ويعتبر هذا الكلام من لينين تنازلا عن تلك الضرورات الفلسفية، نتيجة لضغط الواقع المعاش الذي يخالف النظرية الماركسية بوضوح.
هذا، وبعد الحديث عن التكوين العام، سنبدأ بالحديث عن العهود الاثني عشر، فنعقد لكل منها فصلا مستقلا، ونلحق بكل فصل مناقشاته الخاصة به.

مرحلة ما قبل المجتمعات

-1-
تعتقد الماركسية بأن الانسان متحدّر عن قرد، كما هو القول المشهور لداروين... بغض النظر عما يستلزمه هذا التحول من طول في الزمن، أو عدم اعتراف الناس بسلفهم [الصالح] هذا!!...
قال انجلز:
"منذ مئات عدة من ألوف السنين، في عهد ما يزال من غير الممكن تحديده بيقين، من ذلك العصر في تاريخ الأرض الذي يسميه الجيولوجيون بالعصر الثالث على تخومه على الأرجح، كان يعيش في مكان ما من الدائرة الاستوائية - أغلب الظن في قارة غائرة اليوم في جوف المحيط الهادي - عرق من القردة الشبيهة بالبشر بلغت تطورا رفيعا بوجه خاص. وقد أعطانا داروين وصفا تقريبيا لهذه القردة التي قد تكون أسلافنا. كانت مكسوة كليا بالشعر، وذات لحى وآذان محددة، وتعيش جماعات على الأشجار.
وقد أخذت هذه القردة، بالدرجة الأولى - دون شك - بنمط معيشتها الذي يتطلب أن ينجز الأيدي من أجل التسلق غير وظائف الأرجل، أخذت تفقد عادة الاستعانة بأيديها من أجل السير على الأرض، واتخذت أكثر فأكثر مشية عمودية. وهكذا تم اجتياز الخطوة الحاسمة لانتقال القرد إلى الانسان"[[138]].
"... في البدء العمل، وبعده، ثم معه في الوقت نفسه، اللسان: ذانكما هما الدافعان الأساسيان اللذان تحت تأثيرهما تحول دماغ قرد شيئا فشيئا إلى دماغ إنسان. يتجاوزه بعيدا برغم كل تشابه، ارتفاعا واتقانا. ولكن السير جنبا إلى جنب مع تطور الدماغ تطورت أدواته المباشرة، أعضاء الحواس"[[139]].
"... وقد مرت مئات ألوف السنين - وهي في تاريخ الأرض تعادل ثانية في حياة الانسان - قبل أن يخرح مجتمع بشري من قطيع القردة المتسلق للأشجار. ولكنه ظهر آخر الأمر. فـما الفرق الذي نجده بـين قطيع القردة، وبين المجتمع البشري؟، العمل!".
ويستمر انجلز ببيان كيف أن العمل هو الذي غيّر القرد وجعله إنسانا. وقال في آخر كلامه:
"... فكما ان تاريخ تطور الجنين البشري في بطن أمه لا يمثل غير تكرار مختصر لتاريخ ملايين السنين من التطور الجسماني لأسلافنا الحيوانات بدءا من الدودة. فان التطور العقلي للطفل، هو كذلك تكرار أكثر تكثيفا، فقط للتطور العقلي لدى هذه الأسلاف، الأخيرة منها على الأقل.
على أن مجمل العقل المنهجي لدى جميع الحيوانات، لم ينجح في أن يطبع الأرض بخاتم ارادتها. ان هذا يحتاح إلى الانسان. وبالاختصار، ان الحيوان يستخدم الطبيعة الخارجية فقط، ويحدث فيها تغييرات بمجرد وجوده. وأما الانسان، فانه بالتغييرات التي يحدثها في الطبيعة يجعلها تخدم أغراضه، يسيطر عليها. وفي هذا يقوم الفارق الأساسي الأخير بين الانسان وباقي الحيوانات. والانسان مدين في هذا الفرق مرة أخرى، للعمل"[[140]].
ولا ينبغي ان ننسى في هذا الصدد عبارة انجلز حـين يقول:
"وينسى الناس ان الظروف الاقتصادية لحياتهم هي منشأ الحقوق عندهم، مثلما نسوا انهم قد نسلوا من عالم الحيوان"[[141]].
-2-
ويذكر انجلز في كتابه [أصل العائلة]... الخطوات اللاحقة لتطور الانسان عن القرد، فيقسمها إلى عدة أطوار، نذكر منها الآن، ما يمت إلى ما قبل تكون المجتمعات بصلة:
"أولا: الوحشية:
1- الطور الادنى: طفولة النوع البشري. كان الناس ولا يزالون بعد في اقامتهم الأولية، في الغابات الاستوائية وشبه الاستوائية. كانوا يعيشون - على الأقل جزئيا - على الأشجار. وبهذا وحده يمكن تفسير بقائهم بين وحوش كاسرة كبيرة. وكانت الثمار والجوز والجذور غذاءهم.
والانجاز الرئيسي في هذه المرحلة هو نشوء النطق. ومن بين جميع الشعوب التي أصبحت معروفة في هذه المرحلة التاريخية، لم يبق أي منها في هذه الحالة البدائية. ورغم ان هذه الحالة استمرت، أغلب الظن، الآلاف والآلاف من السنين، إلا أننا لا نستطيع أن نثبت وجودها بأدلة مباشرة. ولكننا إذ نعترف بنشوء الانسان من مملكة الحيوان، لا بد لنا أن نفترض ونقبل هذه الحالة الانتقالية.
2- الطور المتوسط: يبدأ باستعمال الغذاء السمكي... وباستعمال النار. وهذا وذاك مترابطان، لان الغذاء السمكي لا يصبح صالحا تماما للاستهلاك إلا بفضل النار.
ولكن البشر أصبحوا بفضل هذا الغذاء الجديد، مستقلين عن المناخ والمكان، وبالسير مع تيار الانهر وعلى سواحل البحار، كان في وسعهم أن ينتشروا - حتى في الحالة الوحشية - على القسم الأكبر من سطح الأرض.
... إن الاقامة في أماكن جديدة، والسعي النشيط الدائم إلى البحث والتفتيش، بالاضافة إلى امتلاك النار عن طريق الحك، كل هذا أوجد وسائل جديدة للتغذية، هي الجذريات والدرنيات التي تحتوي على النشاء، والمشوية في الرماد الحار، أو في الأفران المحفورة في الأرض.
وكذلك الطريدة التي أصبحت، بفضل اختراع الأسلحة الأولى، الهراوات والرماح، غذاءا إضافيا يمكن الحصول عليه حسب الصدف، بين الفينة والفينة"[[142]].
ثم يقول انجلز بعد صفحة:
"حتى الآن استطعنا أن ننظر في سير التطور بوصفه سيرا ذا طابع شامل تماما، ساري المفعول في مرحلة معينة بالنسبة لجميع الشعوب، بصرف النظر عن مكان إقامتها. ولكننا مع حلول عهد البربرية، وصلنا إلى درجة يكتسب فيها الفرق بين الاحوال الطبيعية في القارتين الكبيرتين شأنا ووزنا"[[143]].
وحيث ان الاختراع عموما، لا يصدر إلا عن مجتمع، كـما أسلفنا، إذن فإختراع الهراوات والرماح، دال بشكل وآخر على وجود المجتمع، إذن، فقد دخلت البشرية في عصر الاجتماع.

مناقشة
ما قبل المجتمعات

-1-
لا شك ان البشرية بدأت بسيطة وبدائية وساذجة، وقد ولدت كل الظواهر الاجتماعية فيها تدريجا، بما فيها اللغة، بل وحتى القدرة على التفكير الفعلي المنظم...
ولكن كيف تم ذلك، وتحت أي نوع من الأسباب حدث، فهذا ما نستطيع أن نحمل عنه فكرة بعد قليل أولا، ويأتي تفصيله عند الحديث عن التخطيط العام ثانيا.
والمهم الآن هو التعرف على مقدار صحة هذه التفاصيل التي ذكرها انجلز، ومقدار ارتباطها بالقواعد الماركسية.
-2-
وأول خطوة يمكن ان نتقدم بها في طريق المناقشة، هو ما اعترف به الماركسيون أنفسهم بأن العهود القديمة، فضلا عما قبلها، لا يمكن إقامة أدلة حقيقية للتأكد من أوصافها، وإنما يقوم تفسيرها دائما، على الظن والتخمين دائما.
وكلما كان العهد أقدم كانت النقول التاريخية عنها أندر، ومن ثم فالاستنتاج منها أصعب. وبالطبع فان الحدس والتخمين يملأ الفجوات الموجودة حتى يصل الأمر في القدم إلى حد لا يمكن التحدث عنه باثبات تاريخي بالمرة، فيكون للتخمين الميدان الافسح في ملء هذا الفراغ.
وقد سمعنا انجلز قبل قليل يقول:
"منذ مئات عدة من ألوف السنين في عهد ما يزال من غير الممكن تحديده بيقين... كان يعيش... في أغلب الظن...".
وقال انجلز أيضا:
"ولكن إذا كانت دراسة هذه الأسباب المحركة للتاريخ في جميع المراحل السابقة غير ممكنة تقريبا، لان العلاقات بين هذه الأسباب ونتائجها كانت مشوشة ومستورة. فان عصرنا قد بسط هذه العلاقات، حتى ان حلّ اللغز أصبح ممكنا في آخر الأمر".
وإذا كانت دراسة ما قبل العصر الحديث لغزا مستورا، فكيف بالعصور الأسبق عليه. وكيف بالعهود البشرية الأولى، فضلا عن عهد ما قبل المجتمعات، فضلا عن عهد تحول القرد إلى إنسان. وإنما قال انجلز بأن حلّ اللغز أصبح ممكنا باعتبار نظريته الماركسية، التي أخذ صحتها مسلمة في كلامه، وهو ما لا يمكننا الآن الاعتراف به، باعتبار اننا نبحث عن صحة هذه النظرية أساسا.
-3-
إننا نستطيع أن نرفض بضرس قاطع نظرية تكوّن الانسان من قرد، لكننا لا نريد الآن ان ندخل في التفاصيل. نذكر فقط بعض نقاط الضعف التي نراها فيها:
النقطة الأولى: ما قلناه قبل لحظة من أن هذا التحول، لو كان قد تمّ، فهو في عهد سحيق من القدم لا يمكن إقامة الدليل عليه.
النقطة الثانية: إن هذه النظرية لو صحت لحدثت باستمرار، ولرأينا مختلف الدرجات ما بين القرد والانسان باستمرار. فما الذي حدا بهذه العملية ان تتم في زمن معين دون غيره. إن هذا لغريب.
النقطة الثالثة: إن علماء الوراثة اتفقوا على استحالة انتقال نوع إلى نوع، وضرورة مماثلة الذرية للسلف بالنوع. ولا شك ان القرد نوع آخر غير الانسان، فيكون حصوله منه مستحيلا. ولا فرق في هذه الاستحالة بين الانتقال الدفعي والانتقال التدريجي.
إن تغير الصفات بالتدريج ممكن ما دامت النوعية بذاتها قائمة. ولا يمكن للناسلات [الجينات] أن تقرر أنماطا من الصفات خارجة عن النوع بأي حال.
النقطة الرابعة: إن علماء الوراثة اتفقوا على أن الصفات المكتسبة لا تورث. فما يكتسبه الحيوان أو الانسان من صفات نتيجة للعامل الجغرافي أو لتكيفه طبقا لحاجاته - كـما هو مقتضى نظرية التطور الداروينية - يستحيل ان تورث. إن القطة إن قطعت ذيلها لم تنتج ذرية مقطوعة الذيول. أو ان عاملا قويت يده اليمنى من كثرة الممارسة، لا تكون ذريته متصفة بنفس الصفة. إذن، فلا يمكن إنتاج التطور من هذه الناحية.
وهذه النقاط واضحة جدا على الأساس المادي الذي تعترف به الماركسية وتنطلق منه.
وأما على الأساس الالهي، فهذه النقاط وخاصة الثلاث الأخيرة، غير واردة، لان إيكال الأمر إلى قدرة الله تعالى ومشيئته يذلل كل هذه المصاعب، وانطلاقا من هذا الأساس يمكن إقامة أدلة من نوع آخر على بطلان نظرية داروين، ربما أشرنا إلى بعض أسسها، خلال الحديث عن التخطيط العام في القسم الثالث من الكتاب.
-4-
من هذا يتضح، أن الفكر القائم على الأساس الالهي، غير ملزم بالاعتراف بهذه النظرية، ولكن المادية مضطرة، من أجل تفسير وجود الحياة وتطورها على وجه الأرض، إلى الالتزام بهذه النظرية، باعتبارها التفسير المتوفر المعقول لذلك، ولكنها إذ تواجه تلك النقاط التي ذكرها ستقع في موقف محرج، وستضطر في النهاية إلى التنازل عن نظرية التطور، فتبقى الحياة بدون تفسير مادي.
إن اختصار الجنين لتاريخ البشرية، وإن كانت فكرة مشهورة، يوافق عليها انجلز بدوره. إلا أنها أسطورة غريبة، وبخاصة من زاوية الماركسية، وذلك لورود عدة نقاط عليها:
النقطة الأولى: ان هذه المماثلة المدّعاة تبدأ لا محالة، من أول التلقيح وتنتهي بالرشد الكامل للفرد، حينما يصبح الفرد مماثلا مع مجتمعه في المستوى العقلي والفكري.
وهذا يستلزم عدة أمور غير صحيحة:
الأمر الأول: أن يتماثل نمو الأفراد الجسمي والعقلي إلى حد كبير، لانهم جميعا يمثلون نفس التاريخ البشري... وهذا واضح الانتفاء والبطلان.
الأمر الثاني: ان يمر الفرد أو الأفراد بمثل النكسات التي مرت بها البشرية خلال تاريخها الطويل - المهمة منها على الأقل -. ومن الواضح عدم مرور أغلب الأفراد بذلك.
الأمر الثالث: ان يكون نمو الفرد سلسا كنمو البشرية، في حين أنه يحتوي على [عقبات] غير موجودة في تاريخ البشرية، يمر بها الأفراد بالضرورة كالتلقيح نفسه، والولادة والتسنين والشيخوخة.
النقطة الثانية: إن البشرية مرت في نظر الماركسية بالعهود الخمسة المعروفة. فما هو المماثل في حياة الفرد. وهل تصح المماثلة بدون إمكان هذا التطبيق. وهل يصبح كل فرد خيّرا صالحا بالضرورة في آخر عمره، كالبشرية التي تنبأت لها الماركسية بالمستقبل السعيد. إن أفضل فترات العمر هو الشباب، وهو يقع عادة في الوسط من حياة الفرد. على حـين أن المادية التاريخية ترى أن أفضل فترات عمر البشرية هو نهايتها، خلال مستقبلها السعيد.
النقطة الثالثة: إننا لو تجاوزنا عما سبق، لرأينا الانسان لا يمثل البشرية فقط، بل يمثل الكون كله. وقد غفل انجلز عن ذلك، ولكن لم يغفل بعض الفلاسفة عن ذلك حين قالوا: ان الجنين منذ التلقيح يبدأ جمادا ثم يصبح نباتا ثم يصبح حيوانا ثم يصبح إنسانا. ثم أضافوا: إنه يصبح بعد ذلك ملاكا. وإذا كان انجلز ينكر المرحلة الأولى، لان الانسان يبدأ بالحويمن وهي ليس بجماد، وينكر المرحلة الأخيرة، انطلاقا من ماديته، فلا أقل من انه يذكر المراحل الثلاثة الوسطى. فلماذا أهملها؟!.
-6-
هناك أمران مهمان في تطور البشرية يعترف انجلز أو ينبغي ان يعترف، أنهما غير ناتجين عن وسائل الانتاج:
أحدهما: اللغة.
قال انجلز - كـما سبق ان سمعنا -:
"والانجاز الرئيسي في هذه المرحلة هو نشوء النطق".
ولم تكن وسائل الانتاج بمتطورة بالمرة، ولم يكن للانسان أية وسيلة إنتاج سوى يده، ولو كانت اليد سببا لوجود اللغة، لكانت اللغة موجودة بوجود الانسان، وهو غير صحيح بطبيعة الحال.
ثانيهما: ظهور المجتمعات: حيث سبق ان قلنا أن تطوير وسائل الانتاج لا يمكن أن يستند إلا إلى مجتمع، مهما كان بسيطا. فيتعين ان يكون ظهورها قبل كل تطوير.
هذا مضافا إلى ما تعترف به الماركسية من تطور الانسان عن القرد، وتطور القرد عن حيوان أبسط منه وهكذا... وكل هذه التطورات غير مستندة إلى وسائل الانتاج، بطبيعة الحال.
وهناك بعض المناقشات الأخرى، لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها.


المجتمع الشيوعي البدائي

-1-
بعد ان بدأت المجتمعات بالظهور، بدأ عهد المجتمع الشيوعي البدائي، أو التشكيلة الشيوعية الأولى.
والماركسية تشرح شكل العهود عادة بشكل [تجريدي] كأنها أقرب إلى الأعمال الرياضية الحدية من أي شكل آخر. وهي وان حاولت تطبيقها على التاريخ الفعلي للبشرية، إلا انها تشعر حينئذ بصعوبة في انطباق ذاك الشكل التجريدي على الواقع الفعلي. وهذا ما سنحاول أن نحمل عنه فكرة فيما يلي، في حدود المجتمع البدائي.

-2-
تبدأ الماركسية بشرح الشكل التجريدي لهذا المجتمع، فتقول،كما قال ستالين: "في نظام المشاعية، تؤلف الملكية الجماعية لوسائل الانتاج أساس علاقات الانتاج، وذلك يطابق من حيث الأساس طابع القوى المنتجة في هذا الدور. فالأدوات الحجرية وكذلك القوس والسهام التي ظهرت فيما بعد، لم تكن تسمح للأفراد أن يناضلوا منفردين ضد قوى الطبيعة والحيوانات المفترسة.
فلأجل قطف الأثمار في الغابات، ولأجل صيد الأسماك، ولأجل بناء مسكن ما، كان الناس مجبرين على العمل معا بصورة مشتركة، إذا ما أرادوا اجتناب الموت جوعا أو الوقوع فريسة للحيوانات الضارية أو للقبائل المجاورة.
ويؤدي العمل المشترك إلى الملكية المشتركة لوسائل الانتاج وللمنتجات أيضا. فهنا، إذا استثنينا الملكية الفردية لبعض أدوات الانتاج التي تؤلف في الوقت نفسه أسلحة دفاع ضد الحيوانات المفترسة، لم نجد معنى لمفهوم الملكية الخاصة لوسائل الانتاج. هنا، لا استثمار ولا طبقات"[[144]].
-3-
وتقول الماركسية عن مميزات المجتمع البدائي:
"لقدكان هذا النظام الشيوعي البدائي، ضروريا للمجتمع الانساني، في هذه المرحلة من التطور. فلقد كان من المستحيل.على المجتمع لو عاش أفراده حياة منعزلة مبعثرة، أن يخترع الأسلحة والأدوات الابتدائية، وأن يحسنها فيما بعد.
ولم يستطع الناس أن يحرزوا انتصاراتهم الأولى في ميدان الكفاح ضد الطبيعة إلا بفضل حياتهم التعاونية لقد كان اتحادهم في [بطن] شيوعي هو قوتهم الرئيسية. لم يكن استثمار إنسان لإنسان آخر موجودا في المجتمع الشيوعي البدائي، بل لم يكن هذا الاستثمار ممكنا فيه. لقد كان العمل مقسما بين الرجل والمرأة. وكان في القبيلة أفراد أقوى من غيرهم وأفراد أضعف. ولكن لم يكن هناك استثمار.
ليس الاستثمار ممكنا، إلا إذا استطاع الانسان أن ينتج من وسائل الحياة ما يكفي له، وللآخرين أيضا. فبهذا الشرط وحده، يمكن لفرد أن يعيش عالة على عمل الآخرين. ولم يكن من الممكن، والحالة هذه، أن يوجد في المجتمع البدائي المجبر على تدارك رزقه يوما فيوما، أي استثمار"[[145]].
"ومن خصائص الشيوعية الأولية، اعترافها بدور المرأة الكبير، ولم يكن عدم المساواة بين الرجل والمرأة إلا في تقسيم العمل بينهما، ولم يكن يعترف إلا بنسل المرأة وحدها. فكانت المرأة تشرف على التربية، كما كانت نصائح الجدة نافذة. ذلك كان عهد سيطرة الام"[[146]].
-4-
"إن الشعور بالملكية الفردية والتفكير بها لم يوجدا بعد، كـما ان الحقد الطبقى غير موجود، لعدم وجود الطبقات والاستغلال الطبقي.
إذن، إنه على عكس ما يقول المثاليون، فان الشعور [بما يخصني] و[يخصك] وان الحقد والكبرياء ليست عواطف أبدية خالدة في الطبيعة الانسانية، بل هي منتوجات تاريخية تتولد من الملكية الخاصة"[[147]].
-5-
"كانت الأخلاق والدين والفن، أشكال الوعي التي ولدت في المجتمع البدائي. ولكن هذه الأشكال لم تكن آنذاك مفصولة بعضها عن بعض، بل كانت تندمج في كل ٍّواحدٍ، مشكّلة نظاما كأنما منحته الطبيعة، من تقاليد وعادات وتصورات العشيرة والقبيلة، نظاما كان عضو العشيرة بمفرده خاضعا كليا له بأفكاره وأفعاله.
كانت العشيرة والقبيلة، بالنسبة إلى الفرد نوعا من حدود لجميع علاقاته، حدود مكانية، لانه لم يكن بوسعه أن ينتقل بحرية إلا في ضمن أراضيها. حدود اقتصادية، لان وجوده كان رهنا بالجماعة. حدود روحية، لانه كان يعي ويتحسس نفسه لا كفرد منفرد متميز، بل كعضو في العشيرة المعينة. إن وعي العشيرة كان في الوقت نفسه وعي كل فرد، وكل ما يتخطى إطار العشيرة، إطار القبيلة كان غريبا"[[148]].
-6-
وتقول الماركسية في بيان سبب زوال المجتمع البدائي:
"ولقد تم تقدم قوى الانتاج داخل الكومون البدائية التي كانت تسهل آنذاك إلى أقصى حد، النضال ضد الطبيعة. وكانت المراحل الأساسية هي: تأليف الحيوانات بفضل القوس والسهام وتقسيم العمل بين الرعاة والصيادين البدائيين، ثم الانتقال إلى الزراعة بفضل الآلات المعدنية كفأس الحديد وسكة المحراث. يضاف إلى ذلك أن صناعة الخزف كانت تساعد على الاحتفاظ بالمؤن.
كان لهذا التقدم نتائج عظيمة. فلقد وفرت تربية الحيوانات والزراعة مصادر أكثر انتظاما وغزارة مما يوفره الصيد البري.
... ولم يعد العمل، بعد ظهور تربية الحيوانات والزراعة للحاجة المباشرة، بل أصبح ينتج فائضا، فيصبح التبادل ضروريا وممكنا، كـما تتوفر إمكانية تجميع الثروات"[[149]].
"ومع تزايد انتاجية العمل الفردي، أخذ يتطور الانتاج الفردي في العائلة الواحدة، الأمر الذي قوض أسس التوزيع المتساوي... فقد ظهر التبادل بين القبائل: أي شكل جديد من العلاقات الاقتصادية وظهر المنتوج الزائد أي المنتوج الذي يبقى بعد تلبية الحاجات الضرورية. وظهرت بالتالي إمكانية تكديس هذا المنتوج واعادة توزيعه، وتركيز الثروات في أيدي قسم من المجتمع.
وكان من الممكن أن يصبح الانسان نفسه ثروة، ولقد أصبحها، لانه صار من الأفيد أكثر فأكثر اقتصاديا استثمار قوة العمل. وقد تطلبت الزراعة نمط الحياة الحضري، وأتاح ظهور كمية كبيرة من المنتوجات للناس تشكيل وحدات أوسع من العشيرة والقبيلة.
وقد أدت جميع هذه العوامل إلى انحلال الجماعية البدائية والى تفسيخ العلاقات القائمة على المساواة البدائية. ودخلت القوى المنتجة الجديدة، في تناقض مع علاقات الانتاج القديم. ومحلها حلّ المجتمع الطبقي مع الملكية الخاصة، ومع استثمار الانسان للانسان"[[150]].
وأما الدولة، فلم تظهر في نهاية المجتمع البدائي، أو بداية مجتمع الرق، بل بعد ذلك، في زمن متأخر نسبيا، على ما سيأتي.
-7-
"حينما أخذ بعض أعضاء الكومون البدائية، بالانتقال تدريجا من الآلات الحجرية إلى الآلات الحديدية، كانوا، يجهلون النتائج الاجتماعية التي يفضي إليها هذا التجديد، ولم يكونوا يفكرون في ذلك.
ولم يعوا ذلك، ولم يكونوا يدركون أن استعمال الآلات المعدنية يعني ثروة في الانتاج، وانه سيؤدي بالنهاية إلى نظام الرق. لم يكونوا يريدون سوى جعل عملهم أسهل، وان يحصلوا على فائدة مباشرة محسوسة، فكان نشاطهم الواعي ضمن نطاق هذه الفائدة اليومية الضيق.
تركت نهاية العصر البدائي، ومطلع عصر الرق آثارا عميقة في مخيلة الناس. ولما كانوا لا يدركون ضرورتها الموضوعية، رأوا فيها انتقاما الهيا وفقدانا [للبراءة] الأولية، وثمرة [للشر] و[الكبرياء] والشيطان وهكذا صيغت [الفضائل] القديمة. في أفكار، تولد عنها العديد من الموضوعات الأخلاقية. فاستمرت ذكرى وجود المرأة القديم في إسطورة سبيل آلهة الخصب. كـما نعى الانجيل [سقوط] الانسان، وتغنى الشعراء القدامى أمثال هزيود وأوفيد [بالجيل الذهبي] الذي تنبأ المأثور بعودته المحتومة"[[151]].
-8-
هذا كله على مستوى [التجريد] الماركسي.
واما تطبيق هذه السلسلة النظرية على التاريخ البشري الفعلي، فلم تجده الماركسية إلا في كلام [مورغان] حين أصدر كتابه [المجتمع القديم]. وهو كاتب أمريكي معاصر لانجلز، وجد انجلز ان هناك تشابها كبيرا بين كتابه وبين النظرية الماركسية... فكتب كتابه المشهور [أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة] من أجل الالماع إلى ذلك والتركيز عليه.
ولا طريق للقارىء، عادة، إلى كتاب مورغان، إذ كان لا يحسن لغة الكتاب. وإنما طريقه إليه هو ما نقله عنه انجلز في كتابه المشار إليه.
وكتاب انجلز لا يقتصر - بطبيعة الحال - على ما يذكره مورغان، بل يضيف إلى ذلك أشياء كثيرة من آرائه، ويقتصر من مورغان على نقل نصوص من كتابه ليس إلا.
وقد يكون في مجموع آراء انجلز ومورغان التاريخية، بعض المشابهة مع النظرية الماركسية، على ما سنسمع لدى المناقشة، واما كلمات مورغان نفسها ونصوصه فلا ربط لها بصحة النظرية بأي حال. وسنسمع ذلك أيضا. ومن المعلوم ان أكثر من 90% من كتاب [أصل العائلة] هو من آراء انجلز وانشائه لا من آراء مورغان، كما هو واضح لمن راجع الكتاب.
ومعه يحسن أن نرجيء الاشارة إلى الجانب التطبيقي، إلى حين المناقشة.

مناقشة
المجتمع الشيوعي البدائي

-1-
من الطريف ان الماركسية تتكلم عن أغلب، بل عن جميع تشكيلاتها أو عهودها الخمسة، بشكل تجريدي، وتنظر إليها نظرا رياضيا، في حين أن المجتمع هو واقع تاريخي أكثر منه أي شيء آخر.
فمن المعروف أن هناك فرقا كبيرا بين الدائرة الهندسية التجريدية التي يتصورها الذهن، وبين أية دائرة فعلية يرسمها أي إنسان، مهما كان فنانا، فكذلك يلمس القارىء الفرق بين ما تقوله الماركسية بشكل تجريدي عن تطورات المجتمع، وما يراه في الواقع من لحم ودم وأفعال وأقوال.
إن هذا التجريد الماركسي يتصف بعدة صفات رئيسية:
الصفة الأولى: التسليم المطلق بأن هذه الأشياء قد حدثت فعلا، من دون إعطاء أي مجال للتشكيك أو الاحتمال. وكلما كان الحادث أو الظاهرة أقرب في نظر الماركسيين إلى نظريتهم، كان حدوثه أكثر يقينا وتأكيدا.
الصفة الثانية: إن هذه الأشياء قد حدثت أو تحدث في العالم كله بدون استثناء، وبدون أي تمييز.
الصفة الثالثة: إن شيئا آخر غير هذا التجريد الرياضي لم يحدث ولن يحدث، وكلما خالف ذلك، فهو كذب، ان أمكن تكذيبه، والا فهو لا بد مندرج في هذا التجريد على كل حال.
في حين أن كلا من هذه الصفات، قابلة للمناقشة:
أما الصفة الأولى: فلان ما هو المعلوم باليقين من التاريخ، هو الواقع المعاش، وبعض الأمور الواضحة من الماضي، وكل ما عداه، فهو محتمل الوجود والعدم. كالأعم الأغلب جدا من أمور الماضي والمستقبل. وقد سمعنا اعتراف انجلز بأن حوادث الماضي غامضة ومشوشة، وكلما كان الماضي أبعد كان أشد غموضا والتباسا، فكيف يمكن أن نأخذ مجموعة ضخمة من الحوادث كأنها يقينية الحدوث.
وأما الصفة الثانية: فهي - على الأقل - مخالفة لما ذكره لينين، من ان هذه النظرية تعطي توجيهات عامة، تطبق هنا على غير الاسلوب التى تطبق به هناك. وهذا الكلام لا يختلف فيه عهد عن عهد بطبيعة الحال. فكيف تستطيع الماركسية أن تجزم أن كل الصفات التي اعطتها للمجتمع البدائي والحوادث التي سردتها فيه، قد حدثت في العالم كله.
وأما الصفة الثالثة: فلأن العالم حشد هائل من الحوادث والظواهر، وإذا نظرنا إلى مجموع التاريخ البشري، كان هذا الحشد أشد ضخامة وأعظم خطرا وهولاً، فكيف تستطيع الماركسية أن تتصيد من هذا لمجموع الحوادث [المختارة] لتصنع منها [لوحة تجريدية]. وكيف تستطيع ان تقول: ان هذا هو التاريخ دون غيره. إلا ان يكون هذا جزافا من القول، أو يعود إلى فرض النظرية على الواقع على عكس ما أرادته الماركسية.
ومورغان وأبحاثه، ما هي قيمتها من الناحية التاريخية والمنطقية؟!.
إن مورغان باحث ومؤرخ، وهذا مما لا ينبغي المناقشة فيه. ولكن تبقى هنا عدة نقاط ينبغي فحصها:
النقطة الأولى: ان نظرية تأسيسية جديدة في تفسـير التاريخ، لا يمكن ان تتبرهن إلا إذا قامت على مجموعة كافية وواضحة من حوادث التاريخ، بحيث أخذها المؤرخون أمورا مسلمة وثابتة. وخاصة وان الماركسية - كـما سبق - أرادت أن تفهم نظريتها من الحوادث، لا أن تطبق الحوادث على نظريتها.
واما إذا اعتمدت هذه النظرية على أقوال مؤرخ واحد، وعلى حوادث محتملة وغير ثابتة. فهذا مما يخل بثبوت أصل النظرية. كما هو معلوم.
النقطة الثانية: ان مورغان كاتب متأخر، بطبيعة الحال، لم يعاصر العصر القديم للبشرية. كل ما في الموضوع أنه استقى من مصادر وكتب السابقين عليه جملة من معلوماته، وملأ الفراغات باجتهاداته وآرائه في حدود ما يعتقد أنه مناسب الحدوث في ذلك الحيـن.
فلئن كان مجموع آرائه مناسبا مع النظرية الماركسية، لو سلمناه، فان آراءه الخاصة مما لم يستطع أن يقيم عليه دليلا كافيا، لا يمكن الاعتماد عليها. وأما ما استطاع إقامة الدليل عليه، ونقله عن مصادر موثوقة، فهو غير كاف ولا مناسب مع النظرية الماركسية، وإلا لاعتمد عليها انجلز قبل اعتماده على كتاب مورغان.
النقطة الثالثة: ان من الادلة الرئيسية عند مورغان، لاستنتاج صفات المجتمع القديم، هو وجود ما يماثله من مجتمعات بدائية في العصر الحاضر.
ولكن هذا لا يتم، ولا يمكن أن يكون اثباتا كافيا، لوجود الاحتمال - على الأقل - بأن هناك فروقا كبيرة وأساسية بين المجتمع القديم والمجتمع البدائي المعاصر. وهذا الاحتمال لا يمكن نفيه إلا لمن كان مشاهدا لكلا المجتمعين، إذا وجدهما على شكل واحد. ولا يوجد مثل هذا الانسان على وجه الأرض.
ومما يدعم هذا الاحتمال: الاستفهام عن السبب الذي أوجب تطور باقي المجتمعات مع بقاء هذا المجتمع على بدائيته. ان هذا لا يمكن بدون أسباب رئيسية أوجبت ذلك، تمثل بدورها فروقا مهمة بين شكلي المجتمع البدائي.
وعلى أي حال، فمع وجود هذا الاحتمال، لا يمكن الزعم بأننا نعرف صفات المجتمع القديم.
-3-
وقد أوضح بليخانوف هذه الحقيقة حين قال:
"ولكنه لا يسعنا الاعتماد إلا على التخمينات فيما يتعلق بـ[الانسان البدائي]. فالبشر الذين يسكنون الأرض حاليا، والذين لاحظهم في الماضي باحثون جديرون بالثقة، هم بعيدون جدا عن الوقت الذي توقفت فيه الحياة الحيوانية بمعنى الكلمة الأصلي، بالنسبة إلى الانسان.
هكذا، فقبائل ايروكوا - في أميركا الشمالية - ونظام الأمومة الذي تعيش فيه هذه القبائل، ودرسه ووصفه مورغان، بلغت نسبيا مرحلة متقدمة جدا في التطور الاجتماعي. والاستراليون الحاليون أنفسهم لا يملكون لغة وحسب [واللغة هي الشرط والأداة والسبب والنتيجة في كل حياة اجتماعية] ولا يعرفون إستخدام النار وحسب، بل هم يعيشون أيضا في مجتمعات، في ظل نظام معين ولهم أعرافهم ومؤسساتهم.
والقبيلة الاسترالية لها أرضها وأساليبها في الصيد ووسائلها في الدفاع والهجوم، وهي تستعمل أوعية لحفظ المؤن، بعض أعمال تزيين الجسد. وبكلمة مقتضبة: ان الاسترالي رغم تأخره، يعيش في بيئة إصطناعية"[[152]].
إذن، فالفرق بين المجتمع القديم والمجتمعات البدائية المعاصرة، ليس محتملا فحسب، بل هو مؤكد ويقين... وباعتراف شخص ماركسي كبليخانوف. وأين هذا من الصورة التجريدية التي تعطيها الماركسية للمجتمع القديم.
-4-
إن صحة أبحاث مورغان، مستندة في نظر انجلز إلى مطابقتها، في رأيه، لتطور وسائل الانتاج.
قال انجلز:
"إن اللوحة التي رسمتها هنا، إستنادا إلى مورغان، عن تطور البشرية عبر عهد الوحشية وعهد البربرية إلى منابع الحضارة، غنية كفاية بخطوط جديدة. ناهيك بأنه لا جدال فيها، لانها مأخوذة مباشرة من الانتاج"[[153]].
وهذا يعني فرض النظرية على الواقع، فان النظرية هي التي تقول باستناد التطور إلى وسائل الانتاج. والمفروض أنها تفهم من أبحاث مورغان، لا ان تفهم أبحاثه على ضوئها.
-5-
إننا لو حاولنا تطبيق التجريد الماركسي للمجتمع القديم، على كلام انجلز في كتابه [أصل العائلة...]، لوجدنا المفارقات الكبيرة بين الحقلين بحيث لا يكاد يشترك الحقلان إلا في خصائص ضئيلة كالتأكيد على بدائية المجتمع وضآلة وسائل الانتاج فيه. ونجد إلى جنب ذلك عشرات الأوصاف موجودة في أحد الحقلين مفقودة من الحقل الآخر.
فبينما يؤكد التجريد الماركسي على عدم الملكية الخاصة وعلى التساوي في التوزيع ووجود الدين والفن والأخلاق في المجتمع البدائي. لا نجد لكل هذه الأمور أي أثر في تطبيقات انجلز. إذن فهي استنتاجات افتراضية محضة لا تملك أي اثبات تاريخي.
واما تطبيقات انجلز في كتابه، فتبدأ بتقسيم المجتمع القديم إلى: عصور الوحشية والبربرية وأطوار كل منها وتقسيمها إلى أقسام ثلاثة. ثم يبدأ الحديث عن شكل العائلة والزواج مفصلا، وبإنتهائه ينتهي الحديث عن المجتمع القديم ثم يبدأ الكلام عن صفات مجتمعات بعينها، كالمجتمع اليوناني والروماني وغيرهما ويكون الغرض الأساسي من هذا الاطلاع على الأوضاع السياسية والاجتماعية ومن ثم إسلوب تطور الدولة في تلك المجتمعات.
فما يمت إلى مجتمعنا القديم بصلة هو ما يعود إلى عهود البشرية الأولى، وإلى الحديث عن العائلة.
اما عهود البشرية خلال الوحشية والبربرية، فهو بعيد عن التجريد الماركسي كل البعد. وانجلز وان حاول ربط تطورها بتطور وسائل الانتاج، إلا انها عهود حضارية أو مدنية، وليست عهودا اقتصادية كالعهود الخمسة الماركسية. فلا بد ان وسائل الانتاج قد أثرت في التطوير الحضاري من دون الاحتياج إلى علاقات الانتاج أو التناحر الطبقي، خلافا للنظرية الماركسية.
ومعه فحتى لو سلمنا صدق كل هذه التطورات البشرية، فانه لا يستلزم بأي حال، صدق النظرية والتجريد الماركسيين. ومرور بعض المجتمعات البشرية بهذا التطور فيما سبق، لا يعني مرور أي مجتمع بدائي آخر بنفس التطور، كما تريد الماركسية ان تقول.
واما الحديث عن العائلة القديمة في كلام انجلز، فهو أيضا بعيد عن التجريد الماركسي، فانه يتحدث عن الزواج الجماعي والثنائي والاحادي وعن تطور النظام العائلي في الأدوار الأولى للبشرية.
وهو حديث عن جانب واحد، من جوانب المجتمع القديم. وهو جانب غير اقتصادي بطبعه. ومن هنا تركت الماركسية التأكيد عليه في [تجريدها الرياضي] إلا في بعض المصادر المتأخرة جدا من كتب الماركسيين مثل بوليتزر وكوفالسون، حين وجدوا ضرورة الربط بين التجريد والتطبيق، من أجل محاولة رفع التنافي بينهما. وقد نقلنا عنهما شيئا من ذلك.
-6-
ولو سلّمنا صحة الربط بين التجريد والتطبيق... فلنا ان نتساءل: ان وسائل الانتاج التي أوجبت تطور البشرية خلال عهود الوحشية والبربرية، وأوجبت تطور العائلة من الزواج الجماعي إلى الثنائي إلى الاحادي، كيف لم توجب زوال عهد الشيوعية البدائية... مع تأكيد الماركسية على ان لكل طور من وسائل الانتاج، شكلا مختلف من علاقات الانتاج، ولا يمكن ان تكون علاقات انتاج واحدة لطورين أو تطورين من وسائل الانتاج. فهل أصبح المجتمع الشيوعي البدائي محتويا على عدد من علاقات الانتاج، أو ان هذه التطورات لا تغير علاقات الانتاج. إن كل ذلك غير ممكن في النظرية الماركسية.
وما هو فضل وأهمية هذا التطور في وسائل الانتاج الذي أوجب زوال المجتمع الشيوعي، على التطورات السابقة عليه، التي لم تنتج زواله؟. وأين تأكيدات الماركسية على ان كل تطور في وسائل الانتاج ينتج تغير كل الوضع الاجتماعي بكل تفاصيله وخصائصه.
-7-
ينتج من هذه المناقشات، اننا ينبغي ان نعترف بوجود المجتمع البدائي وتأخر وجود الدولة عنه، وتأخر وجود المجتمعات عن وجود البشرية... لان هذا مطابق للطبيعة الأولية لتطور البشرية على ما سوف نرى.
واما ان المجتمع الأول، قائم على أساس التساوي في التوزيع، وعدم وجود الاختصاص أو الملكية، وكذلك مقارنة أية ظاهرة مع مرتبة معينة معروفة لتطور وسائل الانتاج... فهذا مما لا يمكن أن يكون له اثبات تاريخي.
ولعمري ان التطبيق الماركسي، لولا كونه قائما - إلى حد كبير - على الحدس والتخمين، لكان أقرب إلى التصديق من التجريد الماركسي الذي يعامل التاريخ البشري معاملة الأشكال الهندسية.
-8-
وهنا لا بد ان نقول كلمة عن الأخلاق والدين، اللذين إدعت الماركسية وجودهما في المجتمع الشيوعي الأول.
ونحن نتفق معها في وجودهما منذ ذلك الحين، إلا ان ذلك في الواقع، دليل رسوخهما وعمق وجودهما في الذهن البشري، ويكفي أن تعترف الماركسية وهي بالضرورة لا تستطيع أن تنكر، أنهما وجدا قبل أي تطور لوسائل الانتاج وقبل أي وضع اقتصادي أو علاقات الانتاج، وقبل أي وجود طبقي.
بل لا يبعد وجودهما بشكلهما المبسّط قبل وجود المجتمعات، حـين كان البشر جماعات متفرقة قليلة الأفراد.
لكننا لا ينبغي ان نخطو إلى الوراء أكثر، لاننا إذا قلنا ان البشرية بدأت من الصفر، حتى بالنسبة إلى التفكير واللغة، فمن المعلوم ان الدين والأخلاق لا يمكن ان يدركا من دون تفكير ولا لغة. فان الدين يتوقف إدراكه على نمو الادراك النظري لدى الانسان. والأخلاق يتوقف إدراكها على نمو الادراك العملي لديه. إذن فوجودهما منوط بهذين الأمرين. وغير منوط بأصل وجود البشرية، بناءا على هذه النظرية.
نعم لا يمكن ان ننزل بالبشرية، عن مستوى الحيوانات العليا، فان قلنا - كـما يميل إليه بعض الفلاسفة - بوجود درجة من الوعي عند هذه الحيوانات، فلا بد أن نقول بمثله أو بأفضل منه لدى الانسان الأول. ومعه فقد يمكن ان نفترض انه يفهم من الدين والأخلاق شيئا ضئيلا جدا مناسبا مع مرتبة إدراكه. ولعل في حياة العديد من الحيوانات، ما يصلح ان يكون شاهدا على هذا الادراك، ولسنا الآن بصدد تعداده.
هذا وقد سبق ان برهنا على أصالة الدين والأخلاق في الضمير الانساني وعدم ارتباطهما بموقف اقتصادي أو اجتماعي معين.
وبطبيعة الحال، كلما ازدادت تجارب الانسان، فردا أو جماعة، ازداد إدراكه النظري والعملي، وكلما ازداد ذلك ازداد للأخلاق والدين فهما وتعمقـا، واطلع على حقائق منهما أكثر، وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام عن التخطيط الالهي.
ولعل إدراك الناس للبراءة الأصلية والفضيلة والشر والكبرياء، كأمور سيئة تارة وحسنة أخرى، يحتاج إلى تطور في الادراك العملي إلى مقدار كاف، وليس من المولّدات الأخلاقية الأولى للذهن البشري... لكنها غير مربوطة في الحقيقة بانتقال البشرية إلى مجتمع الرق، كـما أراد بوليتزر أن يقول!!.
-9-
تبقى كلمة واحدة، بالنسبة إلى تحديد زمن انتهاء عصر الشيوعية البدائية، مضافا إلى تعيين ابتدائها.
إن الماركسية تحسن صنعا حين لا تعطي لعهودها التاريخية بشكلها التجريدي وقتا معينا. فانها قد تزيد وقد تنقص. إلا أنها ذكرت ان عهود معينة قد بدأت وانتهت فعلا. إذن قد اكتسبت تاريخا معينا في عالم التطبيق الفعلي، ومن هنا يقع السؤال: إن الواقع التاريخي لعصر الشيوعية البدائية، متى بدأ ومتى انتهى؟!...
إن المصادر الماركسية لا تكاد تعطي فكرة محددة حول ذلك، ولكن يمكن أن نتصيد ذلك من كلماتهم.
أما بالنسبة إلى إبتداء المجتمع الشيوعي، فهو يتحدد تجريديا ببدء المجتمعات، ولكننا حين نصل إلى عالم التطبيق نجد أن المجتمعات تكونت تدريجا، ولا يمكننا ان نشير إلى نقطة تاريخية محددة تحديدا رياضيا لنقول: انها زمان أو مكان تكوُّن المجتمعات.
إن المجتمعات عند انعقادها الواسع، كـانت شيوعية، كما تقول الماركسية، وأما قبل ذلك فما هو حالها؟... إن هذا أحد نقاط التنافي الكبير بين التجريد الماركسي والتطبيق.
إن الشيوعية البدائية، كما تصفها الماركسية تظهر في تعاون الأسر المختلفة من الناحية الاقتصادية، وبعض النواحي الأخرى. وهذا يصدق على المجتمعات الواسعة نسببا، ومن الصعب انه صادق على المجتمع الصغير كأسرة واحدة أو نحوها.
إذن، يبقى السؤال واردا بوضوح على الماركسية: إن المجتمع البدائي الشيوعي، هل بدأ مع تكوُّن المجتمعات على الاطلاق، أو من توسع المجتمعات. فالشق الأول هو ما تعرب عنه الماركسية عادة - كمفهوم - والشق الثاني هو الذي يقتضيه وصفها لذلك المجتمع.
واما بالنسبة إلى زمن انتهاء المجتمع الشيوعي البدائي من الناحية التطبيقية... فقد يبدو من المصادر الماركسية انه بقي طويلا في التاريخ.
إن انجلز يتصور النبي إبراهيم D يعيش في مجتمع بدائي، ولذا لم يكن يحس بالملكية الفردية، كما نتصورها الآن!!...
قال انجلز:
"ومن العسير القول ما إذا كان موسى، مؤلف ما يسمى بالكتاب الأول، قد اعتبر البطريرك إبراهيم مالكا لقطعانه بموجب حقه الشخصي بوصفه رئيس مشاعة عائلية، أم بموجب مركزه كرئيس يرث بالفعل عشيرة. هناك أمر واحد لا ريب فيه، هو انه ينبغي لنا ان لا نتصوره مالكا بمعنى الكلمة الحالي"[[154]].
بل ان الانجيل نفسه وضع في العصر البدائي نفسه...
قال انجلز:
"والقضية المتعلقة بكيفية نشوء القصص الانجيلية عن المعجزات أنشأت في قلب المشاعة عن طريق تشكل الخرافات تشكلا غير واع يعتمد على التقليد، أم اختلقها أولئك الذين ألفوا الأناجيل أنفسهم"[[155]].
واعتبر بوليتزر - كـما سمعنا - بعض أفكار الانجيل كسقوط الانسان، نتيجة لنهاية العصر البدائي ومطلع عصر الرق.
وبغض النظر عن هذا التهافت، بين هذين المفكرين الماركسيين، في أن الانجيل هل وضع خلال عصر المشاعة[[156]]، أو خلال عصر الرق. فان آلافا من السنين مضت بين بدء المجتمعات وعصر وضع الانجيل. وتكون هذه الآلاف كلها ممثلة للعصر الشيوعي البدائي... على حين لم يبق للعصور المتأخرة عنه سوى ألفين من السنين!!...
ومعنى ذلك: انه ليس النبي إبراهيم D كان يعيش في العصر البدائي، فحسب، بل موسى واضع ما يسمى بالكتاب الأول - على حد تعبير انجلز - كان يعيش في نفس العصر أيضا... للوضوح التاريخي بان [العهد القديم] وضع قبل [العهد الجديد] بزمن طويل. وتكون الأسر الفرعونية كلها وما يقابلها من الآشوريين والبابليين في الشرق الأوسط كلها تعيش في العصر البدائي الشيوعي.
إلا أن هذا كله - مع الأسف - غير محتمل، لوجود عدة نقاط للضعف فيه، نذكر منها ما يلي:
النقطة الأولى: إن وجود الدولة معناه انتهاء عصر الشيوعية البدائية، لتصريح الماركسيين بان الدولة إنما أسست بعهده،... وللتنافي الذي يعتقدونه بين التوزيع المتساوي والطبقية المنتجة للدولة.
ومن المعلوم ان العهود المشار إليها: الفرعونية والاشورية والبابلية وغيرها، كلها محكومة لطبقات أو أسر مسيطرة. وهذا معناه ان البشرية كانت قد اجتازت عصر المشاعة البدائية.
وموسى D وجد في عهد الفراعنة، كـما أن يسوع المسيح D وجد في عصر الدولة الرومانية، إذن فقد وجدا بعد العصر البدائي، وسيأتي أن الماركسية تعتبر المجتمع الروماني مثالا رئيسيا لعصر الرق. إذن، فكيف يكون الانجيل قد كتب في [قلب المشاعة] كـما صرح انجلز، مع أنه كتب بعد المسيح يقينا.
النقطة الثانية: ان الكتاب الأول الذي استشهد به انجلز، وهو [سفر التكوين] من التوراة المتداولة، صريح كل الصراحة بوجود الدولة في عصر إبراهيم D. والدولة تعني الخروح من العصر البدائي، كـما قلنا وقالوا.
اما في مصر، فقد كان الحكم للفراعنة، وقد ذهب إبراهيم إلى مصر، وكان له مع الفراعنة عدة حوادث نقل الكتاب الأول منها قسطا. منها: ان الفرعون حاول الاستيلاء على زوجته - كما يدعي الكتاب الأول - إذ يقول:
"فحدث لما دخل إبرام - يعني إبراهيم - إلى مصر، ان المصريين رأوا المرأة أنها حسنة جدا، ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون، فأخذت المرأة إلى بيت فرعون. فصنع إلى إبرام خيرا بسببها... إلخ ما حدث"[[157]].
واما في شرق البحر الاحمر، منطقة فلسطين والاردن ولبنان الحالية، فقد كانت محكومة لعدة أمراء أو ملوك، كما هو واضح لمن راجع أول الاصحاح الرابع عشر من سفر التكوين، ولا حاجة إلى نقله.
النقطة الثالثة: إن الكتاب الأول نفسه صريح بوجود الملكية لإبراهيم D، وغيره بالمعنى الذي نعرفه حاليا، خلافا لما قاله انجلز. كل ما في الموضوع أن انجلز كتب ما كتبه مستعجلا بدون الرجوع إلى المصدر الذي استشهد به.
إن عددا من فقرات الكتاب الأول دال على ذلك. يكفي ان ننقل منه هذه الفقرة الدالة على انه كان لإبراهيم أملاك وأغنام. وكان للوط أيضا مثلها، فوقعت خصومة بين رعاة إبراهيم ورعاة لوط. ولا يمكن ان تقع الخصومة إلا نتيجة للشعور الأكيد والوطيد بالملكية... فكان ان افترق الرجلان وتباعدا في الأرض، حتى لا تحدث الخصومة بينهما.
"ولوط السائر مع إبرام كان له أيضا غنم وبقر وخيام، ولم تحتملهما الأرض ان يسكنا معا اذ كانت أملاكهما كثيرة. فلم يقدرا ان يسكنا معا، فحدثت مخاصمة بين رعاة مواشي إبرام ورعاة مواشي لوط... فقال إبرام: لا تكن مخاصمة بيني وبينك وبين رعاتي ورعاتك، لأننا إخوان، أليست كل الأرض أمامك. اعتزل عني. ان ذهبت شمالا فأنا يمينا وان يمينا فأنا شمالا"[[158]].
اذن، فقد كانت الملكية موجودة بوضوح، ووجودها متأخر عن عصر الشيوعية البدائية، كـما تعتقد الماركسية، إذن فوجود إبراهيم متأخر عن ذلك العصر لا محالة.
إذن، فلا بد ان يكون العصر البدائي، قد انتهى قبل زمن إبراهيم D. ويكون وجوده، كـما قلنا فيما سبق، في عصر الرق، لو صحّ تقسيم الماركسية للتاريخ البشري.
-10-
اما ما أعطته الماركسية كمبرر تجريدي لإنتهاء عهد المشاعة البدائي، وهو وجود الانتاج الزائد عن الحاجة، وإمكان استغلال قوة العمل الذي أنتج فكرة ملكية الانسان للانسان.
... فمن المنطقي ان ينتج ذلك، أعني الانتاج الزائد، تقويض التوزيع المتساوي، وتكدس الانتاج الزائد لدى بعض الأفراد، وصيرورة هؤلاء ذوي شأن خاص في المجتمع وامتيازات يفقدها الآخرون. كـما أصبح في إمكان هؤلاء فرض السيطرة على جماعة من الناس، واستغلال أعمالهم مجانا لزيادة الانتاج. كل هذا ممكن...
الا ان وجود مجتمع الرق من وراء ذلك، غير منطقي ولا ممكن. وذلك:
أولا: إن استغلال الانسان للانسان، لا يعني تملكه بالملكية الخاصة بحيث يكون للمالك ان يبيعه أو يهبه، كما هو المفهوم من الرقية. إذ من الواضح ان الاستغلال موجود في أساليب أخرى كالاقطاع والرأسمالية، وهو غير متوقف على التملك الخاص.
ومن الواضح: ان حاجة الرجل القوي المستغل تكون مقضية ومنفذة بمجرد حصوله على أعمال الآخرين. فانه بذلك يحرز لنفسه أكبر مقدار ممكن من الانتاج الزائد الذي يطمع به. أما ملكيته للآخرين بأعيانهم، فهو أمر غير مربوط بالمرة بالانتاج. فهي خصيصة لا توجب زيادة العمل المستهلك، إن لم توجب، من الناحية النفسية نقصانه. فافتراض الملكية تجريديا، خال عن المبرر الصحيح.
ثانيا: إن هذا الاستغلال، قد ينتج سيطرة الأقوياء المستغلين على جماعات من الناس. وأما سيطرتهم على كل الناس أو على أغلبهم، بحيث يصح القول بانقسام المجتمع إلى مالكـين ومملوكين فحسب، كـما تريد الماركسية ان تقول - تجريديا -، فهو مما لا يصح لعدة أسباب:
أهمها: إن إمكانية الانتاج أساسا لم تكن في ذلك العصر على هذه السعة، التي تحتاج إلى استغلال كل الناس. كـما أن المستوى الفكري الذي يجعل الفرد يلتفت إلى إمكان إمتلاكه لكل أفراد المجتمع، لم يكن موجودا أيضا.
كما أن الفرد القوي المستغل، يحتاح في انتاجه الفائض إلى تسويق يتوقف على وجود أناس [أحرار] يبيعون ولا يباعون... لان الانتاج قد يكون من الغزارة بحيث لا يستطيع الفرد القوي أن يبيعه بنفسه، كما لا يمكنه ان يستغل عبيده لبيعه، لان العبد ليس له شخصية قانونية ولا يستطيع ان يتولى أية معاملة، في عرفهم. إذن، فيحتاج التوزيع والتسويق إلى أناس أحرار يتكفلونه. إذن، فلا بد ان يكون جزء كافي من المجتمع بقي على حريته، ليقوم بهذه المهمة، وليس من مصلحة المستغلين استرقاقهم.
هذا هو الذي ينبغي ان يكون [تجريدا] صحيحا، بدل التجريد الماركسي. وسيأتي بعد لحظة كلام الماركسية مفصلا في وصف مجتمع الرق، مع مناقشته.

مجتمع الرق

-1-
إن مجتمع الرق هو أول أشكال المجتمع الطبقي، بعد زوال المساواة البدائية، وقد سببت العوامل التي أدت إلى زوالها إلى دخول البشرية في عصر الطبقية، خلال عصور: الرق والاقطاع والرأسمالية.
حيث "دخلت القوى المنتجة الجديدة في تناقض مع علاقات الانتاج القديم، ومحلها حلّ المجتمع الطبقي مع الملكية الخاصة ومع استثمار الانسان للانسان"[[159]].
-2-
"إن المجتمع الطبقي لم يظهر في جميع الأنحاء في وقت واحد. فقد ظهر بادىء ذي بدء في الأودية الخصبة لأنهر: يانتسي وهوانة والنيل واليانغ ودجلة والفرات. فان التربة الخصبة والسهلة على الحراثة في هذه الأودية كانت تعطي غلة جيدة نسبيا، رغم استعمال الأدوات الزراعية البدائية. ومن هنا بالذات، قبل أي مكان آخر، أخذ يدب الانحلال في المشاعة البدائية وظهرت العبودية [الرق] شكل الاستثمار البدائي الوحشي الأخشن، الذي كان يضمن لمالك العبيد منتوجا إضافيا، بتخفيض استهلاك المنتج المباشر إلى الحد الادنى المطلق"[[160]].
ان هذا التحول الاجتماعي الكبير، منوط أيضا، بتطور القوى المنتجة، في نظر الماركسية، طبقا لقاعدتها العامة في كل تحول.
"فعوضا عن الأدوات الحجرية، أصبحت عند الناس الآن أدوات معدنية، وبدلا من اقتصاد يقتصر على صيد إبتدائي فقير، ويجهل تربية المواشي والزراعة، تشهد ظهور تربية المواشي والزراعة وحرف شتى. وتقسيم العمل بين هذه الفروع المختلفة للانتاج، كما شهد ظهور إمكان تبادل المنتجات بين الأفراد والجماعات وإمكان تراكم الثروة في أيدي عدد ضئيل من الناس وتكديس وسائل الانتاج بصورة فعلية في أيدي الأقلية، وإمكان جعل الأكثرية خاصعة للأقلية، وتحويل أكثرية الناس إلى عبيد"[[161]].
-4-
وتعطي الماركسية للرق، مضافا إلى الأوصاف السابقة، ما يلي:
"إن العبد الرق بالنسبة إلى المالك يستطيع بيعه وشراءه وقتله كالماشية"[[162]].
"كان العبد ملكا مطلقا لسيده، الذي كان يستطيع أن يتصرف به تصرفه بالسوائم. وكان العبيد محرومين من كل الحقوق المدنية حتى الأساسية منها. وكان أسيادهم يستطيعون قتلهم دون ان ينالهم عقاب.
ومن الواضح ان شروطا كهذه كانت تجعل من الضروري اللجوء إلى العنف لإرغام العبيد على العمل. فكان استثمار العبد الفظيع سبب تهدم قواهم السريع، فإذا عجزوا عن العمل قتلوا. وكان من الضروري لاستبدال الموتى بغيرهم، ولتوسيع الانتاج ان يكون هناك فيض لا ينقطع من العبيد، فكان الأسياد يتداركونهم عن طريق الحروب التي تشنها الدول النخاسة على الدوام تقريبا"[[163]].
"هنا يسود العمل الاجباري عمل عبيد يستثمرهم سادة عاطلون منعمون، ولهذا لم تبق أيضا ملكية مشتركة لوسائل الانتاج ولا المنتجات اذن، فقد حلت محلها الملكية الخاصة، هنا يصبح سيد العبيد هو المالك الأول والرئيسي، المالك المطلق.
أغنياء وفقراء، مستثمِرون ومستثمَرون، أناس لهم كل الحقوق وأناس ليس لهم أي حق، نضال حقيقي طبقي حاد بين هؤلاء وأولئك تلك هي لوحة نظام الرق!..."[[164]].
-5-
ولم تستطع الماركسية ان تعرض عن ضغط الفكرة القائلة بوجود طبقات اجتماعية عديدة، أهمها التجار [الأحرار] الذين أشرنا إلى ضرورة وجودهم في مجتمع الرق.
قال بوليتزر:
"وقد نشأ داخل مجتمع الرقيق طبقات أخرى. فقد ظهرت طبقة العمال اليدويين حينما انفصلت المهن عن الزراعة. ثم ولَّد إزدياد التبادل تبادل السلع.
ومن هنا نشأت تناقضات جديدة، ولما كانت طبقة التجار وسيطا لا غنى عنه بين منتجين، فقد جمعت بسرعة ثروات ضخمة، وأصبح لها تأثير اجتماعي يناسب هذه الثروات. وأخذت تنافس الملاكين، لتوجيه السياسة حسب مصالحها الطبقية. غير أن هذه التناقضات الثانوية لا يجـب أن تخفي التناقض الأساسي ذلك: لان الرق يساعد على زيادة الثروات والانتاج الذي تعيش منه التجارة. وتزيد زيادة الانتاج قيمة قوة العمل الانساني، فيصبح من الصعب الاستغناء عن الرق الذي يصبح عنصرا أساسيا في النظام الاجتماعي"[[165]].
-6-
ومن حيث التطبيق، وجدت الماركسية خير مثال لعصر الرق، ما كان عليه الحال في الدولة الرومانية، إلى جانب ما كان عليه الحال في أجزاء كثيرة من اليونان، في عصر سابق أو معاصر للدولة الرومانية.
"إن اليونان القديمة وروما القديمة هما ذلك [الموديل] لمجتمع العبودية"[[166]].
ففي اليونان كان "الحق الأبوي مع توريث الملكية للأولاد ييسّر تراكم الثروات في العائلة ويجعل من العائلة قوة في وجه العشيرة، والفوارق في الملكية تؤثر بدورها في تنظيم الادارة بخلقها أولى أجنة الاريستوقراطية الوراثية والسلطة الملكية والعبودية التى كانت لا تشمل في البدء غير أسرى الحرب، تفتح السبيل أمام المستعبِد لاستعباد أعضاء قبيلته بالذات وحتى أعضاء عشيرته.
والحرب القديمة بين القبائل تتحول من ذاك إلى عملية نهب وسلب في البر والبحر لأجل الاستيلاء على الماشية والعبيد والكنوز، وتتحول بالتالي إلى مصدر عادي للكسب إلى حرفة"[[167]].
"ونما عدد العبيد نموا ملحوظا، ومن الأرجح أنه زاد كثيرا في ذلك الوقت على عدد الأثينيين الأحرار"[[168]].
وفي روما كان الملاكون الاريستوقراطيون "يحرثون بواسطة العبيد العقارات الشاسعة المتكونة على هذا النحو"[[169]].
ولا بد أن العدد الذي يتهيأ له من العبيد حراثة المساحات الشاسعة، عدد كبير فعلا.
-7-
ويستمر التجريد الماركسي، ليصف زوال مجتمع الرق وتبدله إلى الخطوة التالية، في تسلسل المادية التاريخية، وهو المجتمع الاقطاعي.
وينطلق أيضا إلى ذلك من القانون الكوني الديالكتيكي وقانون تطور وسائل الانتاج.
"لقد كان نظام الرق شكلا اجتماعيا ضروريا من أشكال تطور القوى المنتجة، في مرحلة معينة من مراحل التاريخ. ولكن هذا التطور بدوره كان سببا لانحطاط هذا النظام"[[170]].
"وتدريجا أخذ المجتمع العبودي يتحول بسبل وأشكال معقدة ومتناقضة إلى مجتمع إقطاعي"[[171]].
"وإذا كان نظام الرق في عهد نشأته وفي أيامه الأولى عاملا في تطور القوى المنتجة، فلقد أصبح فيما بعد سببا لتهديم هذه القوى. وكان هذا الانحطاط في القوى المنتجة أن يؤدى بدوره إلى انحلال الرق وزواله. وعلى قدر ما كان يزداد الافقار الشامل وانحطاط التجارة والحياكة والزراعة كان عمل العبيد ينقطع عن ان يكون عملا مفيدا وذا ريع"[[172]].
"لم يعد الرق يعطي أية فائدة، ولذلك كان يموت شيئا فشيئا، ولكنه كان يترك وراءه إبرته السامة، وهي احتقار الرجال الأحرار للعمل المنتج... فنظام الرق لم يعد من الناحية الاقتصادية نظاما يمكنه البقاء وعمل الرجال الأحرار، كان أخلاقيا، موضع الاحتقار، فالرق لم يعد يمكن أن يكون أساس الانتاج الاجتماعي، وعمل الأحرار لم يكن يمكنه حتى ذلك الوقت أساسا له. وكان العلاج الوحيد لهذه الحالة، ثورة كاملة"[[173]].
-8-
ولهذا التجريد تطبيقه أيضا على نفس النموذج المفضل، وهو المجتمع الروماني، فالماركسية تروي لنا كيف زال الرق من المجتمع الروماني.
"عندما كان اقتصاد نظام الرق قويا وثابتا، انتهت تمردات العبيد التي كانت تحدث من آن لآخر إلى الفشل. [وأكبرها جميعا تمرد سبارتاكوس من سنة 73 - 71 ق.م]، ولكن الوضع تغير تماما مع انحطاط اقتصاد نظام الرق وانحطاط الامبراطورية بوجه عام، وقد تكلمنا عنه آنفا.
وقد اتخذت تمردات العبيد منذ القرن الثاني للميلاد، شكلا أكثر حدة، وصادفت - على الأغلب - تأييدا من قبل الطبقات الفقيرة من السكان الأحرار، وهو أمر له أهمية خاصة.
وصادف في الوقت عينه ان بدأ البرابرة الجرمان يتوغلون في أراضي الامبراطورية الرومانية التي كانوا معها في حالة حرب منذ عدة قرون، فسهل هجوم الجرمان تمردات العبيد، في هزيمة روما على يد الجرمانيين وادت هذه الهزيمة من جديد إلى الاسراع في سير ثورة العبيد وتصفية نظام الرق.
... لقد أخذ الفاتحون الجرمان ثلثي مجموع أراضي الرومان ووزعوها على [البطون] والعائلات، ولكن قسما هاما من الأراضي المفتوحة وزعها الملوك على القادة العسكريين الذين أعطوها بدورهم إلى محاربيهم، ليتصرفوا بها تصرفا دائما دون ان يكون لهم حق بيعها أو التخلي عنها للآخرين.
ان هذه الأراضي التي بقيت تحت سلطة الملك العليا، سميت إقطاعات وسمي أصحابها أسيادا إقطاعيين... وهكذا نشأت حوالي القرن التاسع الاقطاعية أو النظام الاقطاعي"[[174]].

مناقشة
مجتمع الرق

لا ينبغي ان ننكر وجود بعض المجتمعات في التاريخ، اعترفت بالرق، وبملكية الانسان للانسان، وكـثر فيها العبيد، وكان لهم أثرهم فيها.
وإنما ينبغي أن تنطلق المناقشة من زاوية وجهة نظر الماركسية من حيث كون المرور بمثل هذه المرحلة ضروريا من ناحية ولازما لكل البشرية بدون استثناء. كيف، ويوجد ضد إمكان الالتزام بصحة هذا التعميم عدة نقاط للضعف:
النقطة الأولى: إن نظام الرق، وإن وجد في المجتمع اليوناني والروماني، إلا انه لم يشمل مناطق أخرى من العالم.
قال كوفالسون:
"إن اليونان القديمة وروما القديمة، هما ذلك [الموديل] لمجتمع العبودية الذي يحكمون بموجبه أحيانا كثيرة على كامل مرحلة الأزمنة الغابرة. ولكن هذا الموقف غير دقيق تاريخيا.
ففي مصر والهند والصين سار التطور في الازمنة الغابرة بأشكال مختلفة بعض الشيء، فان العبودية لم تتطور هناك بمثل ذلك الاتساع الذي تطورت به اليونان وروما.
إن نظام المشاعات الريفية المنغلقة نسبيا قد أنشأت طرازا من مجتمع سماه ماركس بالاسلوب الآسيوي للانتاج. وإسلوب الانتاج هذا، أهو تشكيلة اجتماعية خاصة أم لا؟. إن هذه المسألة لا تزال قيد المناقشة. ولكنه واضح على كل حال، انه طراز أصيل فريد من تنظيم اجتماعي ثابت جدا، وقلما طرأ عليه تغير وتطور. وان هذا يميزه بكل حدة عن عالم البحر الابيض المتوسط الدينامي جدا، من حيث مقاييس ذلك الزمن"[[175]].
إذن، فمصر والهند والصين لم تمر بنظام الرق، وإنما مرت بنظام آخر يختلف تماما عن عالم البحر الأبيض المتوسط عالم الرق الموجود في اليونان والرومان. فكيف صحّ ذلك، وتحقق في عالم الوجود، إذا كانت الضرورة التاريخية لتطور وسائل الانتاج، تقتضي وجود نظام الرق على أي حال؟!.
النقطة الثانية: إن الماركسية لا تستطيع أن تبت بشيء جزمي في هذا الأمر الذي هي بصدده، لانها تعترف بوجود الغبار الكثيف على التاريخ المانع من الرؤية التفصيلية والذي يجعل أكثر التفاصيل تقوم على الحدس والاستنتاج الشخصي دون النقل الموثوق.
ففي كتاب أصل العائلة كرر انجلز عدة مرات هذه الحقيقة، وخاصة بالنسبة إلى النموذجين المفضلين: المجتمع اليوناني والروماني. وإذا كان هذان المجتمعان خفيين في تاريخهما، وهما أوضح تاريخا وأشهر من أكثر مناطق العالم، فكيف بغيرهما من المجتمعات.
ففيما يخص التاريخ اليوناني، قال انجلز:
"إن تاريخ أثينا السياسي حتى سولون، ليس معروفا بصورة كافية"[[176]].
وقال في موضع آخر:
"نحن لا نعرف التفاصيل بدقة"[[177]].
وفيما يخص التاريخ الروماني قال:
"وبسبب الظلام الكثيف الذي يلف تاريخ روما الاسطوري البدائي - وهو ظلام شدده كثيرا ما بذله علماء القانون المتأخرون الذين تشكل مؤلفاتهم مصادرنا من محاولات لتفسير التاريخ بطريقة براغماتية عقلانية، وما قدموه من أوصاف وعروض بالطريقة ذاتها - يستحيل قول أي شيء دقيق"[[178]].
وإذا كاد التاريخ مجهولا، والظلام كثيفا، والقول الدقيق متعذرا، فكيف يصح أن نستنتج النظرية منه. والمفروض بالماركسية ان تستنتج النظرية من الواقع، دون العكس، كما ألمعنا إليه مكررا.
النقطة الثالثة: إن التجريد الماركسي، يفترض ان مجتمع الرق منقسم إلى طبقتين: قلة مالكة متنفذة، وكثرة كاثرة مملوكة مجردة من كل الحقوق.
إلا أن التطبيق مناف لهذه الصورة من عدة جهات نشير إليها بإختصار:
الجهة الأولى: إن نسبة الأحرار إلى العبيد كانت كبيرة، لا كـما يتوقعها التجريد الماركسي.
قال انجلز عن المجتمع الأثيني:
"كان مجمل عدد المواطنين الأحرار بمن فيهم النساء والاطفال يبلغ زهاء90000 [تسعين ألف] شخص. بينما كان عدد العبيد ذكورا وإناثا يبلغ 365000 [ثلاثمائة وخمسة وستون ألف] شخص. وعدد الموالي من مهاجرين وغرباء وعبيد محررين 45000 [خمسة وأربعون ألف] شخص. وهكذا كان يوجد مقابل كل مواطن راشد من الذكور 18 عبدا على العقل وأكثر من اثنين من الموالي"[[179]].
أقول: تكون نسبة العبيد إلى مجموع غيرهم من أحرار وموالي هكذا:
الف = = أي حوالي نسبة الثلث إلى الثلثـن،وهي نسبة منافية مع التجريد الماركسي إلى حد كبير.
الجهة الثانية: ان المجتمع الروماني، كان منقسما إلى ست طبقات[[180]]، لا إلى طبقتين، كما ذكر انجلز، خلافا للتجريد.
الجهة الثالثة: إن كثيرا من الأحرار ليسوا فقط، غير مالكين، بل هم فقراء أيضا. نعرف ذلك من النص الماركسي الذي سمعناه يقول:
"وقد اتخذت تمردات العبيد منذ القرن الثاني للميلاد شكلا أكثر حدة. وصادفت - على الأغلب - تأييدا من قبل الطبقات الفقيرة من السكان الأحرار، وهو أمر له أهمية خاصة"[[181]].
النقطة الرابعة: إن هناك أسباب معينة اقتضت تطور المجتمع واضحة للعيان، غير تطور وسائل الانتاج، ويبدو بوضوح انه لولا تلك الأسباب لما حصل تطور المجتمع الروماني من الرق إلى الاقطاع.
فمثلا نعرف من حديث سيغال السابق عن الظروف التي أدت إلى ذلك، انها متكونة من عدة عناصر. منها: ثورات العبيد التي كانت عديدة في ذلك المجتمع. ومنها: - وربما الجزء الأهم - توغل البرابرة الجرمان في الامبراطورية الرومانية.
إذن، فلولا هذا التوغل لبقي مجتمع الرق ساري المفعول، والدولة الرومانية مستمرة. إذن، فليس السبب في هذا التطور، هو تطور وسائل الانتاج في المجتمع الروماني.
أضف إلى ذلك: أن سيغال أوضح: ان الجرمان تقاسموا الأراضي فيما بينهم، فصار مالك كل قسم إقطاعيا. فلولا هذا التنظيم الذي أحدثوه لما وجد الاقطاع في الدولة الرومانية. إذن فالاقطاع مستند إلى الغزو الخارجي، لا إلى تطور وسائل الانتاج في ذلك المجتمع، أو إلى شعور الملاكين بأن الفلاح أكثر انتاجا من الرقيق، على ما سوف نسمع من الماركسية في شرحها التجريدي لأسباب وجود الاقطاع.
النقطة الخامسة: ان مجتمع الرق، من زاوية ماركسية، موجود قبل المجتمع اليوناني والروماني بكثير. فالفراعنة في مصر، وملوك الشرق الأدنى من البابليين والآشوريين وغيرهم، لا بد للماركسية أن تقول انهم عاشوا مجتمع الرق، دون المجتمع البدائي، بطبيعة الحال. فلماذا لم تُشر الماركسية إلى ذلك.
وقد سمعنا في النقطة الأولى من المناقشة، من كوفالسون ان مصر لم تمر بعصر الرق. ونظره - كما يبدو - متوجه إلى مصر في الحقبة المعاصرة للدولة الرومانية، ولم ينظر إلى ما قبل ذلك إلى زمن الفراعنة الاقدمين، الذين توافق صفات مجتمعهم، إلى حد ما، ما تعطيه الماركسية من صفات لمجتمع الرق تجريديا.
وعلى هذا تكون مصر قد خرجت على التجريد الماركسي، لانها انتقلت من الرق [في عصر الفراعنة] إلى غير النظام الاقطاعي، إلى الاسلوب الآسيوي للانتاج - كما سماه ماركس -، الذي هو طراز أصيل وفريد من تنظيم اجتماعي ثابت جدا، وقلما طرأ عليه تغير وتطور، كما سمعنا من كوفالسون.



مجتمع الاقطاع

-1-
تربط الماركسية حدوث مجتمع الاقطاع، بقاعدتها العامة، وهي تطور وسائل الانتاج أو قوى الانتاج. وتناقض الشكل الجديد لها مع نظام مجتمع الرق.
قالت على لسان بعض كتابها المحدثين، وهو ألطف ما وجدناه للتجريد الماركسي في تصوير هذه الفقرة:
"وفي ظروف مجتمع الرق حدث تطور تالٍ للقوى المنتجة رفعها إلى مرحلة جديدة. ففيه حدث تحسين في عملية صهر المعادن وصناعة الحديد، وانتشار المحراث الحديد ونول النسيج، وتطور زراعة الأرض وانشاء البساتين وصناعة الخمور والزيوت. وعلى هذا الأساس تتغير وتتحسن تجربة ومهارات العمال.
كانت قوى الانتاج المتطورة، تتطلب ان يكون لدى كل شغيلة نوع من المبادرات في الانتاج والمصلحة في العمل. وكان الرق الذي تساوى مع أداة العمل الجامدة يعرقل إدخال تكنيك جديد، لانه كان ينظر إليه بعين العداء.
ولقد كان الرقيق يصب جام غضبه ويفرغ نقمته على أدوات العمل وغالبا يقوم بتحطيمها ولهذا كانت تصنع الأدوات، عن قصد، فجة ودون توفر المهارة.
وكان الرقيق الذي يعمل تحت العصا ذا إنتاجية عمل جد منخفضة. إن إدخال أدوات جديدة أكثر صلاحية، كان يتطلب تغيير علاقات الانتاج في مجتمع الرق. كانت الضرورة الاقتصادية تجبر على رفض استخدام الرقيق باعتباره خاليا من المصلحة والاهتمام بالعمل.
ولقد تجلت هذه الضرورة في التناقض الصارخ الذي كان مصدر تفسخ وانهيار نظام عهد الرق. وينحصر هذا التناقض في أن العمل [الذي هو الشرط الأساسي لوجود كل مجتمع] يصبح هنا غير قمين بالانسان، يصبح لعنة على جماهير الأرقاء. وليس في وسع الناس ان يعيشوا بدون عمل، لكن في وسعهم أن يعملوا كثيرا ويبقوا أرقاء.
كان المخرج في التناقض هو في تحطيم علاقات إنتاج عهد الرق والطبقات المرتبطة بها، وفي خلق علاقات إنتاجية جديدة تضمن للمنتجين المباشرين ولو جزءا يسيرا من الاهتمام بالعمل"[[182]].
ويتلخص هذا الكلام عن انهيار مجتمع الرق وقيام مجتمع الاقطاع على أنقاضه بالأسباب التالية، يمكن تلخيصها كـما يلي انطلاقا من التصورات الماركسية العامة:
السبب الأول: تطور وسائل الانتاج، الذي يقتضي بشكل ديالكتيكي وخارج عن إرادة الانسان، تحول النظام الاجتماعي.
السبب الثاني: ان الرقيق كان ذا قوة انتاجية منخفضة، لا تفي بأطماع المالكين وطموحاتهم إلى الربح الوفير، ومن هنا استبدلوا بفكرة الرق فكرة الاقطاع[[183]].
السبب الثالث: ان الأرقاء أنفسهم باعتبار سوء ظروفهم المعاشية والاجتماعية كانوا يقومون بتمردات وثورات عديدة، حتى أنهم كانوا يحطمون أدوات الانتاج نفسها، ويعملون الجديد منها بدون مهارة ولا إخلاص. وهذا التمرد أدى في نهاية المطاف إلى إنهيار الرق وقيام الاقطاع.
السبب الرابع: ان نظام الرق في بعض مراحله الأخيرة، اقتضى أن يبقى الرقيق بدون عمل، وهذا مناقض مع طبيعة الناس الاجتماعية والمعيشية فاقتضى ذلك تغيير علاقات الانتاج القديمة وإبدالها بغيرها، من أجل الحصول على العمل.
اما أنه هل يمكن اجتماع هذه الأسباب كلها، أو لا بد أن يصدق بعضها دون بعض، وهل هي متفقة على نتيجة واحدة أو لا فهذا ما سيأتي عند المناقشة.
هذا كله على مستوى التجريد الرياضي، الذي هو مصدر الالهام الرئيسي للماركسية.
وهو بالرغم من أهميته لم نجده إلا في مصدر متأخر جدا من مصادر الماركسية.
-2-
اما أغلب المصادر الماركسية، فهي تنطلق إلى وجود المجتمع الاقطاعي، من التطبيق، من تحول المجتمع الرومانى من الرق إلى الاقطاع. وقد سمعنا من [سيغال] مختصرا عن ذلك فلا نعيد.
-3-
وتشرح الماركسية مميزات المجتمع الاقطاعي، ووجهات تفوقه عن مجتمع الرق، من زاوية كونه يعتبر خطوة تقدمية بالنسبة إليه، فتقول:
"يمثل النظام الاقطاعي تطورا في الملكية الخاصة، وأساسه الاقتصادي هو ملكية السيد الاقطاعي لوسائل الانتاج، وكذلك ملكيته المحدودة للعامل القين.
لم يعد بإمكان الاقطاعي أن يقتله، وإن كان يمكنه أن يبيعه أو يشتريه. ولا يملك القين، سواء كان فلاحا أو عاملا يدويا، شخصيا، إلا آلاته وما اقتصده على أساس العمل الشخصي. وهكذا يمكنه أن يكوّن عائلة"[[184]].
"وخلافا للعبد، كانت تتوفر للفلاح في المجتمع الاقطاعي فرصة العمل في قطعته من الأرض، وكان يبقى له حد أدنى من المنتوج، ضروري لأجل تجديد إنتاج قوة العمل. وكان بإمكان الفلاحين في أغلب الاحوال أن تكون لهم عيالهم، حتى وإن كانوا في حالة تبعية قنية. ولهذا لم يكن تجديد انتاج قوة العمل مرتبطا بالضرورة بالحروب، ولم يكن طابعه التبديدي بنفس الضراوة التي كان عليها في ظل نظام العبودية.
لقد كان العبد بمنزلة الأداة. أما الفلاح في النظام الاقطاعي. فقد كان يعتبر إنسانا، وان كان من الفئة الدنيا من الناس"[[185]].

-4-
وتستمر الماركسية، واصفة المجتمع الاقطاعي، فتقول:
ان بنية المجتمع الاقطاعي الطبقية معقدة نسبيا، فان الفوارق الطبقية فيه مستورة الانقسام إلى فئات ومراتب. فالانسان ينتسب منذ ولادته إلى فئة أو مرتبة معينة. فهو اما نبيل أو فلاح، اما تاجر أو حرفي. والانتقال من فئة إلى أخرى صعب للغاية. وتسود فئتان متميزتان هما فئة النبلاء وكبار رجال الدين.
... وتتميز الدولة الاقطاعية بالملكية المراتبية أو المطلقة، وتتميز آيديولوجيتها بسيادة الدين بلا منازع. والدولة والكنيسة اللتان هما مؤسستان كليتا الجبروت من مؤسسات هذا المجتمع تصونان وتحميان ملكية الطبقة السائدة وإمتيازاتها"[[186]].
"واتخذ الاستثمار الاقطاعي للفلاحين شكلين رئيسيين:
1- إجبار الفلاح على ان يعمل مجانا أياما معينة من الأسبوع في حقول السيد [وهي السخرة].
2- إجباره على تسليم جزء من محصول أرضه الخاص [وهي الأتاوة].
وكان الفلاح يملك حق ترك سيده لينضم إلى سيد آخر، ولكنه لا يستطيع -مع ذلك- ان يتحرر من السيادة الاقطاعية"[[187]].
-5-
"وكان المنتجون الحرفيون المستقلون الذين يقطنون في المدن وينتجون بقصد البيع، يسدون قسما كبيرا من حاجاتهم بما ينتجونه بعملهم الخاص [فكانوا يملكون مواشي وبستانا وحقلا في بعض الأحيان]. وكان التبادل محليا على الأخص ويجري بين المدينة والقرى المجاورة لها.
وإلى جانب هذا كانت هناك تجارة المنتجات المستوردة من البلاد الأخرى، وخصوصا الأشياء الكمالية والافاوية [البهارات] وغيرها. ولكن لم يكن هناك تقريبا تبادل بين المناطق المختلفة لكل قطر.
ولما كان طابع الانتاج طبيعيا، وكان تطور المبادلات ضعيفا، وكانت الطرق والمواصلات سيئة، كانت البلاد مجزأة إلى مقاطعات ومناطق مستقلة.
... ومع تطور التبادل، أخذ استثمار الفلاحين يزداد خطوة فخطوة، فكلما اتسع التبادل وكلما استطاع السيد الاقطاعي شراء أشياء كمالية وأسلحة لمحاربيه، كلما وجب عليه - بالتالي - ان يستنزف من فلاحيه أكثر مما كان يستنزف أولا. فصارت حقول الأسياد تتسع على حساب أراضي الفلاحين. والسخرات تزيد ومعها تزيد الأتاوات"[[188]].
-6-
ثم تشرح الماركسية على طريقتها التجريدية أسباب زوال الاقطاع، وانحطاط المجتمع الاقطاعي، قائلة:
في البداية "تظل صور نضال القيون بدائية: كالهرب من منطقة السيد، وتنظيم العصابات في الغابات، والقيام بالثورات لمحاولة القضاء على السجلات التي سجل عليها السيد ما يتوجب عليه"[[189]].
ثم توجد "بداية منازعات جديدة: اذ تولّد فئة القيون التي مارست الصناعة اليدوية ومن ثم التجارة،طبقة جديدة. ويزداد تناقض المصالح بين هؤلاء [البرجوازيين] اذ يجب على هذه البرجوازية الفتية ان تنمّي قوى الانتاج، وان تكون قوة اقتصادية كبيرة. وتصبح علاقات الانتاج الاقطاعية، التي كانت في البدء مطابقة لطابع قوى الانتاج، عامل تأخّر، فتتحول إلى عوائق لهذه القوى. ويبدو التناقض بين البرجوازية والاقطاعية، بعد أن كان ثانويا، قد تولد عن نمو قوى الانتاج داخل نظام الرق، فيظهر على المسرح ليقوم في النهاية بالدور الرئيسي"[[190]].
-7-
وأما مجتمع الاقطاع من حيث التطبيق، فلا يحتاج إلى أي تأكيد، فانه أوضح من أن يوصف. ان أوروبا عاشت عدة قرون تحت هذا النظام، إبتداء بالغزو الجرماني للدولة الرومانية وإنتهاء بالثورة الفرنسية التي كانت الحلقة الرئيسية الأولى في بناء البرجوازية الرأسمالية.
ومن هنا كان للماركسية ان تمثل لتمردات الفلاحين [الأقنان] على ذلك النظام بحركة الجاكيين في فرنسا في القرن الرابع عشر، وحرب الفلاحين في ألمانيا في القرن السادس عشر، وتمردات رازين بوغاتشيف في روسيا[[191]].
وستأتي ايضاحات أخرى عن زوال الاقطاع، من حيث التجريد والتطبيق عند الكلام عن حدوث الحلقة التالية للمادية التاريخية الماركسية.

مناقشة
المجتمع الاقطاعي

لا ينبغي أن نختلف مع الماركسية في أن عددا من بلدان العالم، وخاصة في أوروبا، مرت بعهود ملكية الأراضي الواسعة، المسماة بالاقطاع.
وإنما النقاش ينبغي أن يبدأ في إمكان ضرب القاعدة العامة لضرورة مرور أي مجتمع بشري بهذا النظام، كـما أرادت الماركسية ان تقول... مع التأكد من صحة أو عدم صحة الأوصاف المعطاة لهذا النظام، وانطباق التجريد مع التطبيق، ونحو ذلك من المناقشات.
-1-
لا بد أولا ان ننظر في مدى صحة الأسباب التي رأى التجريد الماركسي وجود المجتمع الاقطاعي على أساسها. وهنا لا حاجة إلى تكرار الأسباب، وإنما نبدأ بالمناقشة رأسا.
أما السبب الأول، ففيه عدة نقاط ضعف نذكر منها ما يلي:
النقطة الأولى: ان خروح هذا التطور عن إرادة الانسان، ينافي ما ذكر في السبب الثاني من ان المالكين هم الذين اختاروا هذا النظام، وجعلوه البديل الأفضل لنظام الرق. وهو السبب الذي أكد عليه ستالين، كـما عرفنا.
كـما ينافي أيضا السبب الثالث، وهو أن الأقنان بثوراتهم العديدة هم الذين أجهزوا على نظام الرق، وأقاموا مجتمع الاقطاع.
فان أجابت الماركسية: أنهم أرادوا ذلك قهرا، طبقا لضرورة القانون لا بالوعي والاختيار.
قلنا في جوابه: ان هذا منسجم مع القوانين العامة التي آمنت بها الماركسية إلا أنه ينافي أمرين:
الأمر الأول: ان الماركسية - كـما عرفنا - جمعت بـين الضرورة والاختيار فأثبتت للانسان اختيارا ووعيا، ونفت الضرورة الجبرية المطلقة. إذن فالأقنان كانوا مختارين في ثوراتهم، غير مجبورين. وهو ينافي السبب الأول.
الأمر الثاني: ان الماركسية صرحت بكل وضوح، على ما سوف يأتي، ان مرحلة الاشتراكية، لا يمكن أن توجد إلا بالعمل الواعي من قبل الاشتراكيين وبالارادة الثورية منهم. فإذا كان للاشتراكيين إرادة بصفتهم بشرا - طبعا - فليكن لكل البشر إرادة ووعي، بما فيهم الأقنان ومالكيهم أيضا.
النقطة الثانية: ان من جملة فقرات قانون الديالكتيك الماركسي: أن التغير الكمي يصبح عن طريق الطفرة تغيرا كيفيا، وأن التغير لا يمكن ان يوجد بشكل سلسة لا طفرة فيه. وقد عرفنا ذلك فيما سبق.
فأين الطفرة إلى الاقطاع؟!. إن الماركسية لم تذكر أي طفرة أو ثورة اقتضت هذا المعنى، وإنما تبدو الأسباب التاريخية سلسة في إيجاد هذا النظام الجديد.
إن ثورات العبيد كلها فاشلة، كـما يخبرنا سيغال[[192]]. وبرر ذلك كوفالسون قائلا:
"لانهم كانوا مشتتين غير منظمين، ولانهم لم تكن لديهم أهداف سياسية واضحة"[[193]].
وأكبر التمردات جميعا هو تمرد سبارتاكوس من سنة 73-71 قبل الميلاد[[194]] وهو - بالرغم من أهميته - متقدم جدا على وجود الاقطاع، فلا يصلح أن يكون سببا له، مضافا إلى فشله. إذن، فثورات العبيد لا تصلح ان تكون ممثلة لهذه الطفرة المتوقعة. ولولا الغزو الجرماني لبقي المجتمع الروماني تحت نير الرق إلى أجل غير مسمى.
واما الغزو الجرماني نفسه، فهو لا يصلح أن يكون ممثلا لتلك الطفرة لعدة أسباب:
أولا: لوجوده في مجتمع واحد من مجتمعات الرق، ولم تحدثنا الماركسية عن وجود مثيله في اليونان مثلا.
ثانيا: انه سبب خارجي. والماركسية تتحدث عن التغير الكيفي الداخلي كغليان الماء الناتج عن تصاعد الحرارة.
ثالثا: ان هذا الغزو بمجرده لم ينتج زوال نظام الرق، لولا ان الغزاة الجرمان قرروا، بعد مدة، توزيع الأراضي وإيجاد نظام الاقطاع.
إذن، فالسبب الأول غير صحيح.
واما السبب الثاني: فهو قد يكون صادقا على بعض المالكين، إذا أراد ان يحرر عبيده. إلا انه - مع الأسف - مناف مع التطبيق التاريخي، فان الذين طبقوا الاقطاع في المجتمع الروماني ليسوا المالكـين بل هم الغزاة الجرمان أنفسهم وقد وزعوها على أنفسهم لا على المالكين السابقين للرقيق. فالمالك لم يصبح إقطاعيا، كما هو المفروض لو صحّ هذا السبب، كما ان الاقطاعي الجديد لم يكن مالكا للرقيق.
وأما السبب الثالث: فقد عرفنا أن ثورات العبيد وحدها لم تكن بأي حال كافية لقلب النظام في المجتمع الروماني، لولا الغزو الجرماني. فضلا عما دون الثورة من نشاط لتحطيم آلات الانتاج وعدم صناعتها بمهارة.
هذا، ولم تروِ لنا الماركسية، وجود ما يماثل هذه الثورات في العدد والأهمية في مجتمعات الرق الأخرى.
مضافا إلى انها كلها متقدمة على زمن زوال الرق، فلا تصلح ان تكون سببا مباشرا لزواله.
وأما السبب الرابع: فهو بمجرده صيغة تافهة جدا، فان بقاء الناس من دون عمل لا يعني أي شيء ما لم يستتبع تمردا أو ثورة. فان انتقلنا إلى التفكير في وجود الثورات، استقبلنا التاريخ بما عرفناه من ثورات العبيد والغزو الجرماني، وقد عرفنا مناقشاتها.
هذا وينبغي ان نلتفت بدقة، إلى ان ثورات العبيد وبقاء الناس من دون عمل، لا يعني الانتقال إلى نظام الاقطاع بأي حال. كل ما تعنيه وجود الواقع الفاسد وضرورة تغييره. واما الحال الجديدة التي يجب أن تطبق في المجتمع، فهذا ما لا يفهمه الجمهور، ولا دليل بأي حال على أن العبيد قد قصدوا تطبيق الاقطاع حين قاموا ثائرين... بل يمكن التأكيد على عدم التفاتهم إلى ذلك. إذن، فما الذي أدى إلى وجود الاقطاع دون غيره، لو انطلقنا من أحد السببين الأخيرين من الأسباب الأربعة.
إذن، فكل الأسباب التي سردتها الماركسية لا تصح ولا تصلح لإزالة الرق وإيجاد الاقطاع. فإذا كان الاقطاع قد وجد في بعض البلدان، كالمجتمع الروماني خاصة، وأوروبا عامة، فقد وجد لأسبابه الأخرى على الطريقة السلسة غير الماركسية بعد ان فشلت الأسباب الماركسية في تفسير وجوده، وعدم إمكان وجوده بدون سبب بالمرة.
-2-
إن المملوك في المجتمع السابق كان يسمى [رقا] والفلاح في مجتمع الاقطاع يسمى [قينا]. فما هو الفرق بين الاصطلاحين.
قال بوليتزر:
"إن كلمة [قين] نفسها مشتقة من لفظ لاتيني يعني [الرقيق]..."[[195]].
إذن، فالمفهوم لم يتبدل خلال النظامين، وإن تبدل اللفظ، إلا ان الأوصاف التي يعطيها التجريد الماركسي للفلاح في نظام الاقطاعي - كـما سمعنا - لا يمكن ان تجعل منه قينا أو رقيقا، فهو إنسان صالح للتملك، ولأخذ حصة من الحاصل، وللانتقال من سيد إلى سيد، وغير ذلك مما لا يمكن ان يكون صفة للعبد.
نعم، يظهر من كلام سيغال: أن نظام القنانة جاء متأخرا على نظام الاقطاع.
قال:
"ولقد أدى استثمار الفلاحين المتعاظم شدة إلى دفع هؤلاء للهرب، وفي سبيل الحيلولة دون هذا الهرب لجأ الاقطاعيون إلى ربطهم بالأرض، فأصبحوا أقنانا، وفي ظل القنانة ازدادت تبعيتهم للاقطاعي وتوثقت... إلخ"[[196]].
إذن، فليس كل فلاح إقطاعي هو قنّ، وإنما أصبح كذلك في عصر متأخر، خلافا لسائر المصادر الماركسية التي تعتبر القنانة صفة عامة.
كما انه يمكن القول، طبقا لرأي سيغال: ان الحال ازدادت سوءا، بل رجعت إلى عصر الرق أو ما يشبهه، وهذا مخالف للمفهوم العام للمادية التاريخية الذي يؤكد على سير البشرية إلى الأفضل دائما.
على أنه ماذا يعني تشريع الاقطاعين للقنانة؟... هل يعني ملكيتهم الشخصية على ما كان في عصر الرق تماما؟!. ستجيب الماركسية بالنفي!. فإذا لم يكن يعني ذلك فلماذا سمي النظام بالقنانة، وهل القن إلا المملوك بالملكية الشخصية؟!، وهل تشديد النكير على الفلاح من الناحية التشريعية يمنعه من الهرب؟، ان التشريع لا يؤثر شيئا ما لم يقترن بقوة السلاح، ومع وجود القوة لا حاجة إلى هذا التشريع، يكفي تشريع الاشراف العام على الفلاحين، بحيث يعاقبون على عصيانه أو الهرب منه. وبهذا تستوفي حاجة النظام الاقطاعي. ومجرد كون الرقيق في النظام السابق يمكن قتله، بدون عقاب، بخلاف نظام الاقطاع، لا يكفي فرقا بين الانسانين، مع العلم أن العمل الرئيسي لكل من الرق والقين هو الزراعة، وكلاهما قد يستخدم في أعمال أخرى.
-3-
قلنا فيما سبق: أن ماركس والماركسيين، لا يرون في الدنيا بلادا إلا أوروبا. فالكرة الأرضية تبدأ بأوروبا وتنتهي بها.
إن حديثها عن المجتمع الاقطاعي، كله طافح بذلك... خذ إليك المجتمع الروماني والمجتمع اليوناني، وهما في أوروبا. والغزو الجرماني على الرومان لم يحدث إلا في أوروبا وتطبيقات الاقطاع في ألمانيا وفرنسا وإنكلترا وروسيا، كلها تطبيقات أوروبية. وثورات الفلاحين، بما فيه تمرد سبارتاكوس كلها أوروبية.
إن نظام السخرة، وأخذ الاتاوة، كان منطلقه الأساسي مجتمع أوروبا.
كـما ان وجود الدولة والكنيسة اللذين يدعمان النظام الاقطاعي، إنما كانت في أوروبا. لوضوح أن الكنيسة منطلقة من الدين المسيحي، وهو دين شائع في أوروبا وقليل في غيرها. فان الدين الشائع في الشرق الادنى هو الاسلام، والدين الشائع في الشرق الأقصى هو البوذية. وفي أفريقيا تشيع أديان وعقائد بسيطة وبدائية، وكذلك في أمريكا قبل اكتشافها، في العصر الذي نتحدث عنه.
وينتج هذا التركيز على أوروبا، عدة أخطاء في المادية التاريخية، في حدود مجتمع الاقطاع.
أولا: إن الاقطاع الأوروبي، ليس ينبغي بالضرورة، ان يوجد في مناطق أخرى من العالم. فان لأوروبا ظروفها الخاصة التي اقتضت ذلك.
بل هو لم يوجد في غير أوروبا، بكل تأكيد، وأبسط دليل على ذلك: انه لو كان قد وجد لذكرته الماركسية كدليل على نظريتها. وها نحن نعيش في الشرق الأوسط، فلا نجد خلال الحقب الطويلة لتاريخه، ما يماثل الاقطاع الأوروبي، ولا تشكل ملكيات الأراضي التي حدثت فيه إلا جزءا ضئيلا بالنسبة إلى ذلك الاقطاع، وما يتصف به من سعة وأهمية.
ثانيا: إن هذا الدين الذي يدعم الاقطاع، هو الآيديولوجية الكنسية الموجودة في أوروبا. وليس من الصحيح الزعم: ان اتجاهات دينية أخرى سوف تتورط بنفس الخطأ حين تجابه نفس الظروف كالاسلام واليهودية والبوذية.
ثالثا: إن سبب تولد البرجوازية الأوروبية التي أجهزت على الاقطاع ليس بالضرورة ينبغي أن يتكرر في البلدان الأخرى... بعد الالتفات إلى النهضة العقلية والعلمية التي قادتها هذه البرجوازية، وقويت على أساسها في أوروبا، مما يبعد جدا توفره في أي بلد آخر، ولم يحدث - تاريخيا - في أي منطقة أخرى إلى حد الآن. ولولا بوادر تلك النهضة، لكان في الامكان استمرار حكم الاقطاع والكنيسة على أوروبا إلى الوقت الحاضر.
إن التجريد الماركسي بشكله الكامل، يقتضي أن يكون المجتمع الاقطاعي منقسما إلى طبقتين: قلة متحكمة مالكة للأراضي، وكثرة ساحقة من الفلاحين أو الأقنان.
إلا ان هذه الصورة، كانت شاحبة في مجتمع الرق، أصبحت أكثر شحوبا في المجتمع الاقطاعي. إن طبقات كثيرة أخرى موجودة فعلا في أوروبا غير هاتين الطبقتين، ولا يمكن لأحد أن ينكر أثرها في المجتمع.
إن بعض الطبقات أرجعتها الماركسية إلى مصالح الاقطاع نفسه، وإن لم تكن من الاقطاعيين حقيقة كطبقة الحكام السياسيين للمجتمع، وكطبقة رجال الدين الكنسيين. وبعض الطبقات لم تستطع الماركسية بأي حال ارجاعها إلى ذلك بالرغم من انها تشكل كثرة كاثرة في المجتمع، ككبار التجار وصغارهم والحرفيين بأقسامهم. مضافا إلى مهن أخرى كالادباء والصحفيين والسينمائيين وغير ذلك، وهم يتبعون ذوق الجمهور ورغبته في الغالب، لا انهم يناصرون الاقطاعيين. وستولي الماركسية طبقة الحـرفيين أهمية خاصـة في النظام المانيوفاكتوري الجديد، وهو دليل على توفرها بدرجة تستطيع كتابة الصفة الرئيسية للمجتمع.



النظام
الحرفي والمانيوفاكتوري

وهو النظام الذي وجد في أوآخر الاقطاع وبواكـير الرأسمالية، حتى ان نظام المانيوفاكتورة، تعتبره الماركسية عهدا برأسه في مقابل الاقطاع والرأسمالية، وإنما قل عنه التركيز والاهتمام، باعتبار قصر مدته تجاه العهود الأخرى. ونستطيع أن نواكب الرأي الماركسي حول هذين النظامين: الحرفي والمانيوفاكتوري، ضمن الفقرات التالية:
-1-
إن المهن الحرفية موجودة خلال عصر الاقطاع نفسه، إلا أنها تدريجا أصبحت تكتسب أهمية متزايدة. وقد لعبت بأهميتها تلك دورا رئيسيا في تاريخ الاقطاع، حتى استطاعت من خلال التطورات اللاحقة الاجهاز على النظام نفسه.
إن التجريد الماركسي يبرز هذه الأهمية، حين يقول:
"حدثت بالمدن تبدلات هامة، فالعلاقات بين المعلمين الحرفيين وصناعهم، أخذت تزداد خطورة، ومثلها العلاقات بين الحرفيين والتجار. واليك السبب في ذلك:
لقد كان الفلاحون خلال المرحلة الأولى من النظام الاقطاعي، يهربون باستمرار نحو المدن التي كانت مستقلة استقلالا ذاتيا، ويتمتع سكانها بحريتهم الشخصية، فازداد بهذا الشكل - على الأخص - عدد سكان المدن، وكان هذا مفيدا لها أول الأمر، إذ ان قوتها العددية كانت تزيد باللاجئين اليها. وتنفعها هذه الزيادة في نضالها ضد الاقطاعيين.
ولكن هذا التزايد في سكان المدن أوجد خطرا هدد الحرفيين، هو خطر المنافسة. فأخذت [المنظمات الحرفية] تعمد إلى التحديد والتضييق في قبول أعضاء جدد في صفوفها، وأطالت مدد التعليم في المهن، وزادت في استثمار الصناع، حتى صار من المستحيل عليهم، أكثر فأكثر، ان يصبحوا معلمين حرفيين. واتخذت المنظمات الحرفية فوق هذا، تدابير أخرى ترمي إلى منع كل الأساليب الجديدة من ان تدخل في الانتاج، وإلى محاربة المنتوجات المستوردة. فكان من جراء ذلك ان نشب النضال بين المنظمات الحرفية وبين التجار"[[197]].
-2-
"وإليك الآن كيف ولدت المانيفاكتورة الرأسمالية. لقد كان النول الصغير محتكرا في المدن بيد المنظمات الحرفية. فلهذا أخذ الرأسمال التجاري، الذي كان من مصلحته تطوير الانتاج، يوسع دائرة نشاطه إلى ما وراء المدن. فعزز تطور الانتاج الحرفي في الريف وخصوصا انتاج النسيج، فكان من جراء ذلك، أن وقع [الحرفي] البعيد عن السوق تحت تبعية المتعهد الرأسمالي. وقد اتخذت هذه التبعية بالترتيب الأشكال التالية:
فالحرفي في أول الأمر، يبيع منتجاته بأسعار رخيصة. ثم يتلقى من المتعهد نقودا ومواد أولية على سبيل القرض، فيصبح عاملا يشتغل بصنع المواد الأولية التي تخص المتعهد بعدئذ مقدما من عنده آليته الخاصة لا غير، ورابحا بعد جهد ما يكاد يقوم بأوده.
ويأخذ المتعهد بعد هذا، بتكتيل الحرفيين المبعثرين في بناء واحد، حيث يعملون منذئذ كعمال مأجورين محرومين من كل وسيلة انتاج.
وعندئذ يصبح الرأسمال التجاري رأسمالا صناعيا، ويظهر إلى جانب الانتاج السلعي الصغير الانتاج الرأسمالي الكبير: أي المانيوفاكتورة"[[198]].
وان أفضل وصف وتقييم ماركسي للتنظيم المانيوفاكتوري، نجده على لسان كارل ماركس نفسه في كتابه [رأس المال].
فقد حلّلها تحليلا اقتصاديا، فهي من هذه الناحية أولى مراحل [المادية التاريخية] التي تحاول الماركسية تقييمها من الناحية الاقتصادية. ولعل عذرها في ذلك: أن عصر الرق والاقطاع، وان كانت عصورا [اقتصادية] ولكنها من البساطة والبدائية بحيث تكون مدركة للنظّارة بدون تحليل. وإنما ينبغي ان يبدأ التحليل من حيث يبدأ التعقيد. وأول وأبسط أشكال التعقيد الاقتصادي - لو صح التعبير - هو الانتاج المانيوفاكتوري. ومن هنا استحق اعطاءه تحليله الاقتصادي الكافي.
ومهما تكن صحة هذا العذر، فقد اعتبرت الماركسية النظام المانيوفاكتوري نظاما رأسماليا، نتج من الوجود الحرفي في المجتمع وأنتج - بدوره - التراكم الأولي لرأس المال.
"ان التعاون المؤسس على تقسيم العمل، يعني المانيوفاكتورة، هو في أوائل عهده ابتداع عفوي، غير واعٍ. وما أن يكتسب حدا كافيا من المتانة، وأساسا واسعا سعة كافية، حتى يصبح الشكل المعترف به، والشكل المنظم للانتاج الرأسمالي"[[199]].
-4-
نسمع كارل ماركس، يصف شكل المصنع التعاوني المانيوفاكتوري، حين يقول:
"إن معملا واحدا يجمع تحت إمرة رأس المال نفسه حرفيين من مهن مختلفة، ينبغي للمنتوج أن يمر بين أيديهم، لكي يبلغ نضجه الكامل. لقد كانت عربة من العربات هي النتاج الجماعي لأعمال عدد كبير من الحرفيين المستقلين بعضهم عن بعض، كالنجارين والسراجين والخياطين والقفالين والأطارين والخراطين والحبالين والزجاجين والنقاشين والدهانين والمُذهبين... إلخ، لقد جمعتهم مانيفاكتورة العربات جميعا في موضع واحد حيث يعملون في الوقت نفسه وبصورة مباشرة فيما بينهم.
... وما زلنا حتى الآن على صعيد التعاون البسيط الذي يجد مادته من الناس والأشياء جاهزة. ولكن سرعان ما يطرأ عليه تغيير جوهري. ان الخياط والأطّار والقفال... إلخ، الذين ليسوا مشتغلين إلا في صناعة العربات يفقدون شيئا فشيئا عادة ممارسة مهنتهم في كل اتساعها، ومع فقدهم هذه العادة يفقدون الطاقة على ذلك.
ومن جهة أخرى، فان مهارتهم المحدودة - الآن - في اختصاص تكتسب الشكل الأكثر ملائمة لهذه الدائرة الضيقة من العمل... على هذا النحو خرجت مانيفاكتورات الجوخ وعدد من المانيفاكتورات الأخرى من طائفة الحرف المختلفة، تحت إمرة رأس المال نفسه"[[200]].
-5-
ويقسم ماركس المانيفاكتورة إلى شكلين أساسيين:
"وهذان الشكلان على رغم تشابكهما العرضي، يؤلفان نوعين مختلفين اختلافا جوهريا، يلعبان أدوارا مختلفة جدا عند التحول التالي للمانيفاكتورة إلى صناعة كبرى. وهذا الطابع المزدوج ينتج عن طبيعة النتاج الذي يدين بشكله النهائي، اما إلى ملائمة آلية بسيطة بين منتجات جزئية مستقلة، واما إلى سلسلة من الطرائق والممارسات المترابطة"[[201]].
فالقسم الأول من المانيفاكتورة، ما تضّمن صناعة لاليات متفرقة مختلفة تماما يصنع كل منها باسلوب مستقل، وحين تتحد وتتجاوز وتتفاعل تنتج آلة جديدة. ويمثل ماركس لذلك بصناعة القاطرة باجزائها المختلفة الكثيرة، والساعات باجزائها الكثيرة أيضا.
"فبعد أن كانت الساعة عملا فرديا لأحد الحرفين في نورمبورغ، أصبحت النتاج الاجتماعي لعدد هائل من الشغيلة، كصانعي اللوالب والموانىء والرزات اللولبية وثقوب الياقوت وروافعه والابر والعلب والبراغي والمُذهبين... إلخ. والتقسيمات الثانوية كثيرة جدا"[[202]].
"... وجميع هذه الاعضاء المتفاصلة تجتمع لأول مرة في اليد التي سوف تصنع منها في النهاية كُلا آليا. وهذه العلاقة الخارجية البحتة للنتاج المنجز، مع مختلف عناصره، تجعل هنا - كـما يحدث في كل عمل مماثل - اندماج العمال الجزئيين في المعمل نفسه عرضيا تماما. بل ان الأعمال الجزئية يمكن تنفيذها بمثابة حرف مستقلة بعضها عن البعض"[[203]].
ويصف ماركس القسم الثاني من المانيفاكتورة، قائلا:
"إن النوع الثاني من أنواع المانيفاكتورة، يعني شكلها الكامل، يقدم منتجات تجتاز مراحل نمو مترابطة. يعني سلسلة من العمليات التدريجية، كما يجري مثلا في مانيفاكتورة الدبابيس، حيث تتداول السلك النحاسي أيدي [72] عامل بل [92] عاملا ليس بينهم اثنان يقومان بالعملية ذاتها.
إن مانيفاكتورة من هذا النوع، من حيث هي، تدمج حرفا كانت أولا مستقلة، تنقص المسافة بين مختلف أطوار الانتاج. وهكذا يقصر الوقت المطلوب لانتقال النتاج من مرحلة إلى مرحلة أخرى، وكـذلك عمل النقل"[[204]].
-6-
ويعطي ماركس رأيه الكامل في المصنع التعاوني هذا، انه يراه أفضل من الصناعة الحرفية المتفرقة بكثير... ولكنه - مع الأسف! - انتاج رأسمالي لا يمكن الركون إليه.
وتتلخص نقاط القوة التي يراها ماركس للمصنـع التعاوني، بما يلي:
أولا: انه يوفر وقتا في الانتاج، كبيرا جدا بالنسبة إلى الانتاج الحرفي. كـما سمعنا منه قبل قليل.
ثانيا: إنه تقسيم تعاوني للعمل:
"فبعد ان كانت البضاعة نتاجا فرديا لعامل مستقل يقوم بطائفة من الأشياء تصبح النتاج الاجتماعي لجماعة من العمال"[[205]].
"ان التقسيم المانيفاكتوري للعمل هوتعاون من نوع خاص ولا تأتي فوائده في شطر كبير منها، من هذا الشكل الخاص، وإنما من الطبيعة العامة للتعاون"[[206]].
ثالثا:
"إن المانيفاكتورة تنتج تفوق الشغيل التفصيلي بإعادة إنتاج تقسيم الحرف، ودفعه إلى أقصى حدوده. كما وجدته في مدن العصور الوسطى"[[207]].
رابعا:
"إن نزوعها إلى تحويل العمل الجزئي إلى مهنة لا يتعداها الانسان إلى سواها، طوال حياته، يستجيب إلى ميل المجتمعات القديمة لجعل الحرف وراثية"[[208]].
خامسا:
"إن عملا متواصلا ووحيد الشكل يؤدي أخيرا إلى إضعاف إنطلاق الارواح الحيوانية واضعاف توترها حين تجد راحة وسحرا في تغيير نشاطها"[[209]].
سادسا: إن الانتاج التعاوني يوفر لأي عامل حرفي من الآلات والأدوات الضرورية في الصناعة ما لا يمكن لأي عامل حرفي باستقلاله ان يملك إلا القليل منها.
"العهد المانيفاكتوري يختصر ويحسن ويكثر أدوات العمل، مع جعلها ملائمة للوظائف المنفصلة والمقصورة على عمال جزئيين"[[210]].
سابعا:
إنها"تنمي الاختصاص المنعزل حتى انها تجعل منه براعة كبرى... والى جانب التدرج التراتبي ينشأ تقسيم بسيط للشغيله إلى بارعين وغير بارعين. وبالنسبة إلى هؤلاء الأخيرين تزول تكاليف المرآن. أما الأول فتنقص تكاليف مرانهم إذا قورنت بتكاليف الحرفة. وفي الحالتين تفقد قوة العمل من قيمتها"[[211]].
-7-
وتتلخص نقاط الضعف في هذا الشكل التعاوني من الصناعة، في رأي ماركس، في النقاط التالية:
أولا:
إنها"تفكك الحرفة الواحدة إلى عمليات مختلفة وتعزلها بعضها عن بعض، وتجعلها مستقلة إلى الدرجة التي تصبح كل منها وظيفة العامل الجزئي وحدة"[[212]].
ثانيا:
إنه "على الرغم من الفوائد التي تأتي بها المانيفاكتورة المدمجة، فهي تكتسب وحدة تكتيكية حقيقية، ما دامت ترتكز على قاعدتها الخاصة. ولا تحصل هذه الوحدة إلا بعد تحول الصناعة المانيفكتورية إلى صناعة آلية"[[213]].
ثالثا: إنها تنتج فقدان العادة على ممارسة المهنة على نطاق واسع. وقد سمعنا كارل ماركس يقول:
"الذين ليسوا مشتغلين إلا في صناعة العربات يفقدون شيئا فشيئا عادة ممارسة مهنتهم في كل اتساعها ومع فقدهم هذه العادة يفقدون الطاقة على ذلك"[[214]].
رابعا: إن الانتاج المانيوفاكتوري هو انتاج رأسمالي في الواقع، يدار برأس مال موحد، وينتج زيادة في القيمة الفائضة، ويكون باستمرار تحت إشراف رأس المال. وهذا ما سنسمعه في الفقرة التالية.
-8-
إن الزبدة الرئيسية للقيمة التي يعطيها ماركس للمصنع التعاوني، هو كونه ذا صيغة رأسمالية، وقد سمعنا من ماركس انه أرجع الشكل الواسع لهذه الصناعة إلى الشكل المنظم للانتاج الرأسمالي.
وقال فيما قال أيضا:
"إن التقسيم المانيفاكتوري للعمل يقتضي سلطة الرأسمالي المطلقة على ناس جرى تحويلهم إلى مجرد أعضاء من جهاز يملكه الرأسمالي.
إن التقسيم الاجتماعي للعمل يصنع المنتجـين المستقلين، بعضهم إزاء البعض الآخر، أولئك الذين لا يعترفون في الواقع بسلطة غيرسلطة المزاحمة، ولا بقوة غيرقوة الضغط الذي تفرضه عليهم مصالحهم.
... وهذا الوعي البرجوازي الذي يمجد تمجيدا متحمسا التقسيم المانيفاكتوري للعمل والحكم مدى الحياة على الشغيل بعملية تفصيلية وتبعيته السلبية للرأسمالي..."[[215]].
"إن الازدياد التدريجي لرأس المال الادنى الضروري للرأسمالي... هو إذن قانون يفرضه الطابع التكنيكي للمانيوفاكتورة.
إن جسم العمل الذي يعمل في المانيفاكتورة تتألف أعضاؤه من عمال تفصيليين هو ملك الرأسمالي. انه ليس إلا شكلا من أشكال وجود رأس المال...
إن المانيفاكتورة، بالمعنى الدقيق للكلمة، لا تخضع فقط العامل لأوامر رأس المال ونظامه الصارم... إنها تشل العامل وتجعل منه شيئا مسيخا باذكاء النمو الاصطناعي لبراعته التفصيلية... بل الفرد نفسه يجزَّأ ويحوَّل إلى لولب آلي لعملية واحدة لا يعدوها"[[216]].
"إن المعارف والذكاء والارادة التي يبذلها الفلاح المستقل والحرفي المستقل، على نطاق ضيق... لا تطلب بعد الآن إلا لمجموع العمل، إن القوى الذهنية للانتاج تنمو من جانب واحد، ذلك لانها تزول من جميع الجوانب الأخرى. وما يفقده العمال الجزئيون يتمركز إزاءهم في رأس المال"[[217]].
إن القيمة الزائدة التي يعتقد ماركس وجودها في الانتاج الرأسمالي عموما، موجودة في المصنع التعاوني. لانه عمل مأجور، وهو مستحق - في رأيه - للعامل نفسه. فإذا استولى عليه صاحب العمل، فقد استولى على حق العامل بلا مبرر.
ومن جملة الشواهد على ذلك في كلام ماركس، قوله:
"إن نقصان القيمة النسبية لقوة العمل، ذلك النقصان الناتج عن نقص تكاليف المرآن أو زوالها، يستتبع فورا، بالنسبة إلى رأس المال زيادة القيمة الزائدة، ذلك لان كل ما يُنقِص الوقت الضروري لانتاج قوة العمل، يزيد - من هذه الطريق نفسها - نطاق العمل الزائد"[[218]].
-9-
وما دامت المانيوفاكتورة قد وجدت، فقد وجد النظام الرأسمالي، بشكله الساذج الأولي، منبثقا من احشاء النظام الاقطاعي بما كان يحمله من تناقضات وما يتضمنه من صراع، طبقا للقوانين الديالكتيكية الماركسية.
-10-
ومن هنا نعرف أنه لماذا تجعل المادية التاريخية، النظام الحرفي والنظام المانيوفاكتوري، فقرة مستقلة من فقراتها، إلى جانب الاقطاع والرأسمالية، وذلك لان وجودها الاجتماعي لم يكن يناسب ذلك.
فالحرف كانت موجودة ومواكبة لعصر الاقطاع، وإن كانت تمثل في عين الوقت الطبقة التقدمية التي تقف إلى جانب الشكل الجديد لوسائل الانتاج، ومن هنا كتب لها الانتصار، وكتب على الاقطاع الفناء، باعتباره مناصرا مصلحيا مع الشكل القديم لهذه الوسائل.
ولم ينتصر الحرفيون، بصفتهم هذه، وإنما انتصروا على الاقطاع، بعد تحولهم التدريجي إلى رأسماليين، عن طريق مرورهم بالنظام المانيوفاكتوري فـما يليه من أشكال الرأسمالية التي أجهزت على الاقطاع.
واما عدم اعتبار النظام المانيوفاكتوري نظاما مستقلا فهو - بكل بساطة - نظام رأسمالي، فيكون لفظ الرأسمالية شاملا له. فإذا قيل ان النظام الذي يأتي بعد الاقطاع هو الرأسمالية، كان شاملا للمانيوفاكتورة. إلا أن أقسام الرأسمالية تصبح أربعة، وليست ثلاثة، كـما تريد الماركسية أن تقول.
هذا كله انطلاقا من تسلسل التفكير الماركسي.

المناقشة
ينبغي ان ننطلق إلى المناقشة من التسليم بوجود النظام المانيوفاكتوري في أوروبا.
"الذي استمر - تقريبا - منذ منتصف القرن السادس عشر حتى الثلث الأخير من القرن الثامن عشر"[[219]].
كما لا معنى للمناقشة في تفاصيل التنظيم الداخلي لهذا المصنع التعاوني. كما لا حاجة إلى المناقشة في أفضلية هذا المصنع على الصناعة الحرفية المستقلة، فان هذه الأفضلية، واضحة، مهما كانت مبرراتها.
كـما لا نريد ان نناقش الأساس الرأسمالي الذي تقوم عليه الرأسمالية عموما، في رأي الماركسيين، وهو القيمة الفائضة، فاننا نتعرض لذلك في مرحلة مقبلة من البحث.
وإنما ينبغي أن تنطلق المناقشة، من زاوية إنطباق النظام الحرفي والمانيوفاكتوري على القواعد المعطاة من قبل المادية التاريخية، تلك القواعد التي نستهدفها في هذا القسم من البحث استهدافا مباشرا.
النقطة الأولى: إن الصناعة الحرفية والمانيوفاكتورية معا، موجودتان قبل عصر الاقطاع.
اما وجود الحرفيين، فهو أوضح من أن يذكر... ويكفي ان نتذكر انه الاسلوب الوحيد لمعيشة عدد كبير من الناس، وسد كثيرا من الحاجات على مرّ العصور... بما فيه عصر الرق والاقطاع والرأسمالية، والاشتراكية أيضا. وسوف يبقى موجودا ما لم تعزم الماركسية على إلغائه في الطور الشيوعي الأعلى.
واما المانيوفاكتورة، فمن الطريف ان تعترف الماركسية بكل وضوح، بوجودها خلال عصر الرق.
قال انجلز:
"لقد قضى نظام الرق زمنه، ولم يعد يعطي بعد ذلك أية فائدة تستحق الذكر، لا في الريف، حيث الزراعة الكبرى ولا في [مانيفاكتورات المدن]، واختفى سوق منتجاته"[[220]].
وإذا كان النظام الحرفي والمانيوفاكتوري، وخاصة الأخير، موجودا في زمن الرق... فهل يكون هذا نظاما رأسماليا قبل وجود الرأسمالية... بل قبلها بعصرين. ولماذا لم تؤثر في ايجاد النظام الرأسمالي مباشرة بعد عصر الرق؟، ولماذا لم تشارك مشاركة ما في تغيير النظام، على حين أثرت في عصر الاقطاع في تغييره.
كل هذه أسئلة تكون الماركسية مسؤولة عن الجواب عليها.
النقطة الثانية: إن المصنع المانيوفاكتوري، إنما هو إسلوب من أساليب الانتاج ليس إلا. ويمكن وجوده حتى في العصر الاشتراكي. كل ما في الأمر، ان المشرف على هذا المصنع في العصر الرأسمالي هو فرد واحد متمول، وفي الطور الاشتراكي الأول هو الحكومة العمالية، وفي الطور الاشتراكي الأعلى هو المجالس النقابية، ونحوها. إذن، لا يتعين أن يكون هذا النظام التعاوني، رأسماليا، كما قال كارل ماركس.
ومن الطريف: ان هذا النظام يستبطن نفس العيوب التي ذكرها ماركس -لو صحت- وإن أسست من قبل النظام الاشتراكي، كما هو واضح فراجعها. كـما انه يملك نفس المحاسن التي ذكرها، إلى حد قد لا يستغني عنه حتى في الصناعات الآلية الثقيلة... وخاصة الشكل الأول للمانيوفاكتورة مما ذكره ماركس.
النقطة الثالثة: إن الأسباب التي أنتجت النـظامـين الحـرفي والمانيوفاكتوري، معلومة معينة، وليست هي تطور وسائل الانتاج. وقد نتج عنها بشكل سلس لا بشكل ديالكتيكي.
ولعل أهم ما يبرهن به على ذلك، هو ما عرفناه من كونها مناسبة مع كل العهود، وغير خاصة بالعصر الرأسمالي... إذ لو كان تطور معين أو مستوى خاص لوسائل الانتاج هو الذي أوجد أحد هذين النظامين، لكان لا بد ان لا يوجدا قبل هذا المستوى لا محالة... وإلا لأمكن وجود الرأسمالية قبل نظام الرق!!؟...
ولو كان مربوطا بهذا المستوى أو ذاك، للزم زواله عند وجود طور آخر أرقى لوسائل الانتاج، كيف وقد أوجب الطور الجديد تغيير سائر خصائص المجتمع - كـما ترى الماركسية -، فلماذا لم يوجب تغيير هذا النظام. مع العلم ان الماركسية اعترفت والواقع التاريخي يشهد بوجود النظامين الحرفي والتعاوني في عصر الرق والاقطاع والرأسمالية... بل والاشتراكية أيضا... ولم يوجب تغير النظام الاجتماعي تغييرهما... إذن فهما غير ناتجين من تطور وسائل الانتاج.
وإنما هما ناتجان من أسباب أخرى سلسة، فالحرفة ناتجة من أمرين: أحدهما: الخبرة الخاصة بعمل معين. والآخر: الشعور بالحاجة إلى استغلال هذه الخبرة في سبيل العيش. والمصنع التعاوني، ناتج من الشعور بضرورة تحسين النتاج من ناحية، وحصول كل حرفي على ما لدى الآخرين من خبرات وآلات من ناحية ثانية... وحصول المنتوج النهائي من مجموع الأعمال والاختصاصات، في نهاية المطاف.
ومن هنا يمكن أن لا يكون المصنع التعاوني ناتجا من إرادة رأسمال معين، بل من تعاون الحرفيين أنفسهم بإسهام كل منهم بماله وخبرته وعمله في المشروع، وأخذ كل منهم حصته من الربح. وبذلك ينال محاسن هذا الوضع الجديد... من دون أن يكون باذلا لمجهود زائد.
ومن هنا، لا يمكن ان يصح كلام ماركس من أن هذا المصنع وجد في ابتدائه، عفويا وبدون وعي. وإنما وجد لأجل شعور الحرفيين بالأهداف المشار إليها. نعم إنهم لم يكونوا يفهمون: ان هذا الوضع الجديد سيستغل استغلالا رأسماليا، ويساء فيه التصرف والتحكم. لان نتائج المستقبل مما يصعب على الفرد العادي استشفافها عادة. إلا ان هذا غير العفوية واللا وعي.
وهناك بعض المناقشات فيما ذكره ماركس من محاسن المانيوفاكتورة وعيوبها، ينبغي ان نعرض عنها صفحا في هذا البحث، لانه - بالنسبة إلى مهمتنا هنا - تطويل بلا طائل.
وينبغي ان نلتفت في هذا الصدد، أن التجريد الماركسي كلما يقترب من العهود التاريخية القديمة إلى العصر الحاضر، كلما يبدو تطبيقيا أكثر فأكثر. فبينما نشعر بوضوح ان كلام [سيغال] حول النظامين الحرفي والمانيوفاكتوري تجريدي الاتجاه. إلا أن كلام ماركس أقرب إلى التطبيقية بكثير. فانه يتحدث عن هذا المصنع التعاوني حديث مشاهد، باعتبار ما عاصره فعلا من هذا النظام في أوروبا، التي قلنا مكررا انها هي محط أنظار المفكرين الماركسيين دائما.
وإذا انحصر الكلام في حيّز التطبيق صعب أن يقتنص منه قاعدة عامة. فان مرو ر أوروبا بعصر شاعت فيه المصانع التعاونية، لا يعني مرور كل البلدان بذلك، خلال تاريخها الطويل.
بل حتى لو سلمنا بمنطق المادية التاريخية، وان الاقطاع بالضرورة يتحول إلى رأسمالية... لم يكن الاسلوب الوحيد لتحوله إليها، هو وجود المصانع التعاونية، بل قد تكون هناك أساليب كثيرة تختلف باختلاف البلدان. وقد سبق أن سمعنا من لينين المفهوم القائل: بأن هذه النظرية تعطي توجيهات عامة تنطبق في هذا البلد بشكل مغاير عن انطباقه في ذاك البلد.
إذن، فكل ما يمكن ان تقوله الماركسية، هو: أن الاسلوب الأوروبي في الانتقال من الاقطاع إلى الرأسمالية، كان هو المرور بعهد المصنع التعاوني. وبتعبير أكثر تحديدا: ان العهد المانيوفاكتوري هو العهد الذي مرت به بعض البلدان الأوروبية خلال انتقالها من الاقطاع إلى الرأسمالية. ان القيمة التاريخية لهذه الصناعة، ليست أكثر من ذلك، على أي حال.
وأما البلدان التي انتقلت من الاقطاع إلى الاشتراكية، مباشرة، بما فيها الاتحاد السوفييتي والصين... فلا نعلم رأي الضرورة الماركسية في حذف العهد المانيوفاكتوري من الوسط واسقاطه!؟، وإذا كان موجودا فلماذا لم يكن سببا للوجود الرأسمالي؟!...
الرأسمالية
والحديث عن الرأسمالية، ماركسيا، حديث ذو شجون، من حيث كونها العدو الرسمي اللدود لها.
ومن هنا أسهب الماركسيون في نقد الرأسمالية أكثر من أي شيء آخر... سواء في ذلك مفكروهم الأولون أو المعاصرون. بل قدموا إلى جانب الجهد الفكري والنظري ضد الرأسمالية، الجهد الاجتماعي الحي ضدها، وبذلوا مختلف التضحيات في سبيل الاجهاز عليها والقضاء على سلطانها، ولم يفلحوا إلى الآن بشكل كامل.
والسر في ذلك ناشئ من عدة أمور:
الأمر الأول: أن الماركسية نظريا تؤمن نظريا، بأن الرأسمالية هي المرحلة الأخيرة التي تسبق الوضع الاشتراكي الذي تميل الماركسية إلى تطبيقه وانجازه ومن الطبيعي انه لا يمكن الوصول إلى العهد المفضل، إلا بعد الاجهاز على العهد السابق عليه.
الأمر الثاني: ان الرأسمالية هي أكبر قوة عالمية واجهتها الماركسية منذ ولادتها... فكان من المنطقي أن تستهدف القوة الكبرى بشكل رئيسي، وتدع النزاعات الأخرى إلى الحقول الجانبية.
الأمر الثالث: ان مفكري الرأسمالية وقادتهم، عموما، قاموا بنشاطات تكفكف من غلواء الهجوم الماركسي. منها النقد العلمي للنظريات الماركسية، ومنها الحملات الدعائية الواسعة النطاق. ومنها: التخفيف من الظلم الرأسمالي على العمال وأمثالهم، إلى حدّ لم تعد تشعر هذه الطبقة بالحاجة إلى الثورة الاشتراكية.
وكل هذه النشاطات، مما يثير الماركسيين، فيزدادون شرحا لأقوالهم وصقلا لنظرياتهم... ويستمرون بحملات دعائية معاكسة. وهذا مما يزيد الكتب الماركسية عددا، ونشاط الأحزاب الشيوعيـة في العالم حماسا واندفاعا.
وقد مرّ الفكر الماركسي تجاه الرأسمالية بتطور ملحوظ، نظرا لاختلاف مستوى الفكر العالمي عموما، وأشكال تطبيقات الرأسمالية خصوصا. ونحن أشرنا في مقدمة البحث إلى هذا التطور، وقلنا اننا نعتبر الكتّاب الماركسيين التقليدين هم الممثلون الحقيقيون للماركسية.
وإذا أردنا أن نتحدث عن وجهة النظر الماركسية التقليدية إلى الرأسمالية، مع التركيز والاختصار، وإلغاء كل ما لا يمت إلى مهنتنا الأصلية بصلة... إذن، لا بد لنا أن نسير في ثلاث مراحل، كـما يلي:
المرحلة الأولى: كيفية نشوء الرأسمالية تجريديا وتطبيقيا من عهد الاقطاع، مع إعطاء الأوصاف الأساسية لهذه الرأسمالية الناشئة، وما قد يقوم به الرأسماليون من نشاط وتصرفات.
المرحلة الثانية: إعطاء القيمة الأساسية الاجمالية للرأسمالية عموما، في نظر الماركسية، بغض النظر عن تقسيمها الآتي.
المرحلة الثالثة: الالماع إلى تقسيمها إلى أقسامها الثلاثة الرئيسية التي ذكرناها سابقا، مع النظر إلى أن القيمة الأساسية التي ذكرها ماركس والماركسيون، هل تنطبق على الأقسام الثلاثة جميعا، أو تخص بعضها دون بعض.
وسيكون البحث في المرحلة الأولى، موازيا في الشكل للبحث في العهود السابقة للمادية التاريخية، من حيث إسلوبه العام، كما سنرى. على حين سيكون الحديث في المرحلتين الآتيتين حديثا اقتصاديا، وهو وإن كان جانبيا بالنسبة إلى غرضنا الأهم، إلا اننا قد نستفيد منه حيث نبحث الجانب الاقتصادي لليوم الموعود، في القسم الثالث من هذا الكتاب.
هذا، وستكون المناقشات ملحقة بكل مرحلة على حدة.

المرحلة الأولى
نشوء الرأسمالية وصفاتها الأساسية

-1-
تقول المادية التاريخية، بما تعطي من قواعد عامة، في تفسير زوال أي مرحلة تاريخية ووجود المرحلة الجديدة على انقاضها:
إن وسائل الانتاج التي كانت تقتضي علاقات الانتاج الاقطاعية، استمرت بالنمو والتصاعد، حتى وجدت وسائل جديدة تنسجم مصالحها مع هذه الوسائل الجديدة. وبقي الاقطاعيون طبقة تناصر الوسائل القديمة للانتاج وتنسجم مصالحها معها. ومن هنا يقع النضال بين هاتين الطبقتين، ويكتسب تدريجا صيغة النضال السياسي.
وحيث أن الماركسية تفترض ان النصر دائما يكون في جانب الوسائل الجديدة للانتاج... فمن الطبيعي ان يصل ذلك اليوم الذي يقع فيه التضاد بين الوسائل الجديدة والعلاقات القديمة القائمة في المجتمع الاقطاعي، إلى حد تعجز الوسائل القديمة عن مواكبة حاجات المجتمع... فتفرض الطبقة الجديدة ارادتها في تعميم علاقات الانتاج الجديدة على المجتمع وإلغاء العلاقات القديمة، وتكون العلاقات الجديدة عبارة عن الرأسمالية، ويزول الاقطاع، وبتطور وسائل الانتاج، ووجود علاقات الانتاج الرأسمالية، يتبدل بشكل عفوي خارج عن ارادة الناس، كل خصائص المجتمع: الاقتصادية والأخلاقية والعلمية والدينية والقانونية... إلخ.
وقد سميت الطبقة المعادية للاقطاع بالبرجوازية، وقد كانت في بادىء الأمر ذات ملكيات صغيرة نسبيا[[221]]، حتى ما إذا اتسعت وسـائـل الانتاج، اتسعت أطماعهم باتساعها، فأصبح الانتاج ضخما، وأصبح التسويق عالميا، وأصبح الرأسماليون في حاجة إلى مواد خام تستورد من خارج بلادهم، إلى أسواق للتصدير، في خارج بلادهم أيضا... فطبقوا ذلك بشكل عسكري على البلدان الضعيفة، فـوجد الاستعمار.
-2-
ولتسمية هذه الطبقة بالبرجوازية قصة: روينا ملخصا منها في كتابنا [نظرات إسلامية في إعلان حقوق الانسان]. وزبدتها:
إن المدينة قد تقظِ على طريق بري أو نهري أو بحري، أو غير ذلك من أشكال الأهمية، فتنفتح فرصة ثمينة لأهلها المكونين - عادة - من حرفيين وصغار التجار والفلاحين الهاربين من حكم الاقطاعيين... إلى التوسع وزيادة الأرباح، ومن ثم يكتسبون قوة اجتماعية وأهمية وأموالا، فيستطيعون أن يشتروا مدينتهم من الاقطاعي الحاكم، لقاء أموال يدفعونها إليه، ويأخذون منه وثيقة تسمى [Charter] هي وثيقة تحرر المدينة، وتسمى المدينة المتحررة، بيرك [Burg]، وتسمى الطبقة المتمولة التي تشتري المدينة بالبرجوازيين. ولفظها مشتق من لفظ المدينة نفسه... وهي الطبقة التي كتب لها ان تكون رأسمالية تدريجا. ولا زالت جملة من المدن الاوربية ينتهي إسمها بلفظ [بيرك] في مختلف الدول الاوربية، مثل هامبورك ولوكسمبورك وادنبرة أي ادنبورك في الأصل... وغيرها فهي مدن مشتراة في تاريخها من الاقطاعيين.
وهذه القصة، وإن لم نجدها في المصادر الماركسية مروية بوضوح، إلا أنها تصلح أن تكون فكرة ماركسية، لو أخذت من زاوية [تجريدية] تقول بلزوم مرور كل المجتمعات المنتقلة إلى الرأسمالية من الاقطاع بمثل هذا الدور، فتدخل هذه القصة كحلقة في المادية التاريخية العامة.
ولكن الفكر غير الماركسي يمكنه قبولها من زاوية [تطبيقية] أي كواقع تاريخي مرت به أوروبا في فترة من عمرها... دون أن يكون لها قيمة القانون العام.
-3-
هذا، وقد رأينا ما لوجود المصنع التعاوني [المانيوفاكتورة] من أثر في إيجاد الرأسمالية في نظر الماركسية... فلا موجب للتكرار.
-4-
وتستمر الماركسية شارحة ظروف حدوث الرأسمالية، بشكل يختلط فيه التجريد بالتطبيق، فتقول:
"ولهذه القوة الانتاجية الجديدة - يعني المانيوفاكتورة - علاقات انتاجية جديدة تتناسب معها. فلم يكن الرأسمال من قبل موجودا إلا بشكل رأسمال ربائي تجاري. وكان التاجر والمرابي يستثمران صغار المنتجـين الذين يبيعون منتجاتهم الخاصة.
اما منذ ظهور المانيوفاكتورة، فلم يعد العامل يبيع منتجاته، بل صار يبيع قوة عمله. الرأسمال هو الذي يملك وسائل الانتاج، ويملك البضائع التي يصنعها العامل، ولا يتلقى العامل أجرة تعادل ما ينفقه من قوة عمله بينما هو ينتج القيمة الزائدة للرأسمالي، إن العامل مستَثمر من قبل الرأسمالي وإسلوب الانتاج صار بهذا الشكل إسلوبا رأسماليا، وأخذت علاقات انتاج جديدة، علاقات رأسمالية، تظهر وتتطور مع نمو القوى المنتجة.
ولكن النظام الاقطاعي، كان يعوق التطور التالي لهذه القوى المنتجة الجديدة، ولعلاقات الانتاج المقابلة لها. وكان الذي يعوق هذا التطور هو النظام الحرفي في المدن، الجزء المتمم للنظام الاقطاعي. غير أن العلاقات الاقطاعية في القرية لم تكن أقل اعاقة لتطور الانتاج الرأسمالي، فان ارتباط الأقنان بالأرض، كان يحرم الرأسماليين من يد عاملة رخيصة، وهكذا نرى الاقطاعية التي كانت متناسبة عند نشأتها مع مستوى القوى المنتجة في المجتمع، صارت متناقضة مع القوى المنتجة المتزايدة، وصار الغاؤها ضرورة تاريخية.
فلما ازدادت حدة اضطهاد الدولة الاقطاعية للفلاحين والجماهير البرجوازية الصغيرة والعاملة في المدن انفجرت الثورات البرجوازية الرامية إلى هدم النظام الاقطاعي وفسح المجال أمام تطور الرأسمالية. وقد حدثت هذه الثورات في إنكلترا في القرن السابع عشر، وفي فرنسا في أوآخر القرن الثامن عشر"[[222]].
-5-
وتعطي الماركسية أوصاف المجتمع الرأسمالي، من زاوية نقاط قوته على المجتمع الاقطاعي من ناحية، ومن زاوية نقاط ضعفه التي تستوجب الاجهاز عليه من ناحية أخرى... تعطي هذه الأوصاف، كما يلي:
"في النظام الرأسمالي، تؤلف الملكية الرأسمالية لوسائل الانتاج أساس علاقات الانتاج، اما امتلاك المنتجين أي العمال المأجورين، فليس له وجود، ولا يستطيع الرأسمالي قتلهم ولا بيعهم، لانهم محررون من كل تبعية شخصية، غير أنهم محرومون من وسائل الانتاج. وهم مضطرون - لكي لا يموتوا جوعا - أن يبيعوا قوة عملهم للرأسمالي وأن يعانوا نير الاستعمار.
وهنالك، إلى جانب الملكية الرأسمالية لوسائل الانتاج، ملكية الفلاح والحرفي الخاصة لوسائل الانتاج بعد أن حرروا من القنانة. فقد كانت هذه الملكية المؤسسة على العمل الشخصي منتشرة انتشارا واسعا في بادىء الأمر وحلت الفبارك والمعامل العظيمة المجهزة بالآلات, محل ورشات الحرفيين والمانيفاكتورات. كـما ان الاستثمارات الرأسمالية الكبيرة التي تدار على أساس العلم الزراعي والمجهزة بالآلات الزراعية، حلت محل أملاك النبلاء التي كانت تزرع بواسطة أدوات الفلاحين الابتدائية.
وهذه القوى المنتجة الجديدة، تتطلب من الشغيلين أن يكونوا أكثر ثقافة وذكاء من الأقنان الجاهلين البلداء وأن تكون لديهم الكفاءة اللازمة لفهم الآلة، وأن يجيدوا استعمالها كـما ينبغي، ولهذا يفضل الرأسماليون أن يتعاملوا مع عمال مأجورين محررين من قيود الرق، وحائزين على ثقافة كافية تساعدهم على استعمال الآلات استعمالا لائقا"[[223]].
"إن حلول علاقات الانتاج الرأسمالية محل علاقات الانتاج الاقطاعية يستتبع تحويل البناء الفوقي بحيث يتطابق مع البناء التحتي الجديد كما يستتبع تغيير سيماء المجتمع كله.
وفي معمعان الثورات البرجوازية تنهار الحواجز الطبقية المراتبية الاقطاعية، ومحل الملكية تحل الملكية الدستورية أو الجمهورية البرلمانية.
إن الديمقراطية البرجوازية، تنادي بمبدأ الفردية، مصورة إياه بصورة حرية الفرد الحقيقية وتنادي بمساواة الجميع أمام القانون ولكن هذه المساواة تتسم بطابع شكلي صرف، لان اللا مساواة بين الناس حيال وسائل الانتاج، اللا مساواة الاقتصادية تظل أساس المجتمع. وان الآيديولوجية البرجوازية تبذر بذور الاوهام فيما يتعلق بكنه العلاقات الرأسمالية الفعلي"[[224]].
"كذلك تُطور الرأسمالية التوسع الخارجي. فان البلدان الرئيسية أخذت تستولي على الجديد والجديد من الأراضي وتنشىء الامبراطوريات الاستعمارية جاذبة العالم كله إلى سبيل التطور الرأسمالي.
... وللمرة الأولى في التاريخ تنشىء الرأسمالية نظاما عالميا موحدا للاقتصاد، سوقا عالمية واحدة. وفي ظل الرأسمالية يصبح التاريخ عالميا بكل معنى الكلمة، لان العزلة السابقة بين مختلف المناطق ومختلف الشعوب تزول.
وفي ظل الرأسمالية تتعاظم كثيرا وسائل التطور الاقتصادي والاجتماعي ففي حقبة تاريخية قصيرة نسبيا تجوّز التشكيلة الرأسمالية في تطورها ثلاث مراحل. من مرحلة التراكم الرأسمالي إلى مرحلة نظام المشروع الحر، ومنها إلى مرحلة الرأسمالية الاحتكارية.
... إن التقسيم الواسع للعمل لا داخل المصانع والمعامل فحسب، بل أيضا بين مختلف فروع الانتاج يربط الاقتصاد الوطني بخيوط الانتاج في نظام واحد موحد. ويفرض تبعية عضوية متبادلة بين مختلف فروع الانتاج وأصنافه.
وحالة القوى المنتجة هذه لا تطابقها الملكية الخاصة للوسائل، بل الملكية العامة الاجتماعية. فان الملكية الخاصة تتحول من شكل لتطور القوى إلى قيود لها. إذ الحفاظ على الملكية الرأسمالية الخاصة يكبح تطور القوى المنتجة والمجتمع كله. ويؤزم نضال البروليتاريا الطبقي ضد البرجوازية، بوصفه تعبيرا عن تناقض الرأسمالية الأساسي.
ان تناقضات الرأسمالية تستفحل إلى الحد الأقصى، في المرحلة العليا في تطورها، أي في مرحلة الامبريالية التي دخلتها الرأسمالية، على تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين"[[225]].
"إن الامبريالية إنما هي آخر مراحل الرأسمالية، المرحلة التي تختتم وجود التشكيلة الاجتماعية الرأسمالية"[[226]].
-6-
وهنا لا بد من كلمة أخيرة عن البروليتاريا، التي تعتبرها الماركسية الطبقة الرئيسية المعارضة للبرجوازية الرأسمالية، والتي تَعقد عليها الامال في انجاز المجتمع الاشتراكي.
ولعل أفضل مصدر يوضح ذلك، هو البيان الشيوعي، حيث نجده يقول:
"تبعا لتطور البرجوازية، أي لتطور الرأسمال، طبقة العمال العصريين الذين لا يعيشون إلا إذا وجدوا عملا، ولا يجدونه إلا إذا كان عملهم هذا ينمي الرأسمال. وهؤلاء العمال المجبرون على بيع أنفسهم بالمفرّق هم بضاعة، هم مادة تجارية كغيرها، يعانون كل تقلبات المزاحمة وكل تموجات السوق.
ونتيجة لاتساع استعمال الآلات ولتقسيم العمل، فقد... أصبح العامل عبارة عن ملحق بسيط للآلة لا يطلب منه إلا القيام بعملية رتيبة سهلة التلقين...
إذن، كلما أصبح العمل باعثا على الاشمئزاز هبطت الأجور... وكلما قل تَطلّب العمل اليدوي للمهارة والقوة، أي كلما تَرقّت الصناعة الحديثة، استعيض عن عمل الرجل بعمل النساء والأولاد ولا تبقى للفروق في الجنس أو السن أهمية اجتماعية بالنسبة للطبقة العاملة فليس ثمة سوى أدوات للعمل تتغير كلفتها حسب العمر والجنس.
ومتى انتهى العامل من مقاساة استثمار صاحب المعمل وحسبت له أجرته، أصبح فريسة لعناصر أخرى من البرجوازية: مالك البيت والبائع بالمفرّق والمرابي...
أما صغار الصناعيين والتجار وأصحاب الايرادات والحرفيون والفلاحون، أي الدرجات السفلى من الطبقة المتوسطة، فيتدهورون إلى صفوف البروليتاريا. وذلك لان رساميلهم الضعيفة لا تسمح لهم باستعمال أساليب الصناعة الكبرى. فيندحرون ويهلكون في مزاحمتهم لكبار الرأسماليين. ولان مهارتهم الفنية تفقد قيمتها وأهميتها تجاه أساليب الانتاج الجديدة، وعلى هذه الصورة تتجند البروليتاريا من كل طبقات السكان"[[227]].
ثم يبدأ البيان الشيوعي بتصوير نضال هذه الطبقة المحرومة ضد الرأسمالية، وضروب التفرق التي تمنى به خلال عملها، وموقف الآخرين منها، وكيف يكون لها النصر في نهاية المطاف، وانها هي الأمل الرئيسي في الاجهاز على الرأسمالية.
ولأجل هذا الاعتقاد صاح البيان الشيوعي صيحته المعهودة: يا عمال العالم اتحدوا. وأكد المفكرون الماركسيون بكل وضوح أن الماركسية فكرة طبقية وحزبية، مناصرة للبروليتاريا نفسها. وقد سمعنا ذلك ويأتي تفصيله بعد هذا.

المناقشة

-1-
ينبغي التسليم بالواقع التاريخي للرأسمالية، كـما ينبغي التسليم بكونها نظاما غير صالح، ترتبت عليه الويلات الكثيرة والمشاكل الضخمة والجروح العميقة، للبشرية كلها. وانها قائمة على امتصاص خيرات الآخرين والاستفادة مما تحله بهم من خراب ودمار.
فهذا ما نتفق فيه مع الماركسية ولعلها من أقدم من التفت إلى مساوىء الرأسمالية الأوروبية.
إلا أن بيت القصيد إنما هو في إمكان اقتناص القانون العام، من هذا الواقع التاريخي، كـما أرادته الماركسية... فانها جعلت الرأسمالية حلقة ضرورية الوجود في ماديتها التاريخية.
إذن، فلا بد من محاولة تطبيق هذا الواقع التاريخي، بخصائصه الثابتة تاريخيا، على التجريد المادي الماركسي... لنرى انه هل هو منطبق عليه، وانه منتج له بالضرورة، أو لا. ومن هنا ينفتح مجال المناقشة.
-2-
تقول المادية التاريخية بوضوح، ان الاقطاع والرأسمالية والاشتراكية عهود متفاصلة ومتتابعة ومتعادية فيما بينها، لا يمكن ان ينسجم اثنان منها في المصالح والعواطف بأي حال. وأي انسجام يحدث من هذا القبيل، يعني أن وسائل الانتاج لم تؤثر أثرها القهري الضروري في انتاج النتائج المطلوبة للمادية التاريخية.
مع اننا نجد الفكر الماركسي يؤكد على تعاصر الاقطاع والرأسمالية ردحا طويلا من الزمن. يكفينا ما سمعناه من ان الانتاج المانيفاكتوري إنما هو انتاج رأسمالي في نظر الماركسية، ولكنه بقي معاصرا مع الاقطاع عددا طويلا من السنين.
فقد سمعنا من ماركس تحديد وجود المانيوفاكتورة، من منتصف القرن السادس عشر حتى الثلث الأخير من القرن الثامن عشر. فإذا علمنا أن الثورة الفرنسية التي هي أول الوجود الرأسمالي، حصلت في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر نفسه [1789]... نعلم أن الوجود المانيوفاكتوري كله حاصل في زمن الاقطاع ومعاصر له، مدة تزيد على القرنين من الزمن. بل من الطريف انه انتهى بانتهاء عهد الاقطاع.
-3-
قال سيغال:
"وفي البلاد التي تطورت فيها الرأسمالية فيما بعد [أي بعد الثورة الفرنسية]، وجرت الثورة البرجوازية فيها بعد ان تكونت طبقة البروليتاريا الصناعية، كما كانت الحال في ألمانيا سنة [1848] وخصوصا في روسيا سنة [1950] تفاهمت البرجوازية مع الدولة الاقطاعية وتواطأت معها"[[228]].
وهذا الكلام يدلنا على أمرين:
الأمر الأول: إن الاقطاع والبرجوازية والاشتراكية، قد اجتمعت في زمان واحد في روسيا عام [1950]. اما وجود البرجوازية والاقطاعية، فهو المصرح به في هذا الكلام نفسه. واما وجود الاشتراكية، فلأننا نعلم أن الثورة الاشتراكية الحمراء حدثت عام [1929]، فهي كانت عام [1950] قد مضى عليها إحدى وعشرون سنة. وهو زمان كاف لافتراض أول النجاح للتجربة الاشتراكية، أي كون المجتمع إشتراكيا. إذن فتكون العهود الثلاث قد اجتمعت في مكان وزمان واحد، وهو على خلاف قوانين المادية التاريخية، وخاصة في اجتماع الاقطاع مع الاشتراكية التي يفصلها عهد الرأسمالية بالضرورة.
الأمر الثاني: ان البرجوازية عدوة الاقطاع اللدود في منطق المادية التاريخية أصبح من الممكن - باعتراف سيغال - ان تكون صديقتها الحميمة. فأين ذهب تأثير تطور وسائل الانتاج الذي يحتم المنافرة والنضال المرير بين هاتين الطبقتين؟، وهل في الامكان وجود تطور جديد يعيد الصداقة إليهما؟، وإذا أمكن ذلك فهل في الامكان افتراض تطورات أخرى في وسائل الانتاج تنتج أمورا أخرى ليست في حسبان المادية التاريخية؟!...
-4-
من الملفت للنظر أن المصادر الماركسية، بالرغم من ان المفروض بها أنها تؤمن بالمادية التاريخية التي تقول بضرورة مرور كل مجتمع بالعهود الخمسة المعروفة. غير أننا نجد ظاهرتين تنافيان هذا الاتجاه.
الظاهرة الأولى: إن المصادر الماركسية تمثل لعهد الرق ببعض المجتمعات [كالدولة الرومانية واليونانية] وتمثل لعهد الرأسمالية بمجتمعات أخرى [كفرنسا وإنكلترا وألمانيا] وتمثل لعهد الاشتراكية بمجتمعات غيرها [كروسيا والصين]. فما تفسير ذلك؟!...
ولو كانت كل هذه المجتمعات قد مرت بكل هذه العهود، لصح التمثيل بكل واحد منها على غير تعيين... ولكن حين تجد الماركسية ان مواصفات عهد معين، كالرق مثلا غير متوفر، كما ينبغي في مجتمع معين، كالرق في فرنسا أو الرأسمالية في روسيا أو الاشتراكية في إيطاليا - مثلا -... فانها تهمل التمثيل بها اهمالا... وهلمّ جرّا!!...
ولم يتفق للماركسية ان مثلت لعهدين متتابعين في مجتمع معين غير عهدي الاقطاع والرأسمالية اللذان مرا على التتابع في أوروبا الغربية، كفرنسا وألمانيا وانكلترا.
الظاهرة الثانية: إن المصادر الماركسية، وبخاصة المتأخرة منها، تعترف بوضوح بعدم مرور بعض المجتمعات ببعض العهود الخمسة بالمرة.
قال كوفالسون:
"إن اليونان وروما القديمة هما ذلك [الموديل] لمجتمع العبودية الذين يحكمون بموجبه أحيانا على كامل مرحلة الازمنة الغابرة. ولكن هذا الموقف غير دقيق تاريخيا. ففي مصر والهند والصين، سار التطور في الازمنة الغابرة بأشكال مختلفة بعض الشيء، فان العبودية لم تتطور هناك بمثل ذلك الاتساع الذي تطورت به في اليونان وروما"[[229]].
إذن فمصر والهند والصين، لم تمر بعصر الرق، بالشكل الذي مرت به روما واليونان. ولا يصح جعل هذين نموذجا عاما، كما فعل الماركسيون الاقدمون بما فيهم انجلز نفسه.
وقال مصدر آخر:
"أما في البلدان الاشتراكية الأخرى [غير الاتحاد السوفياتي] فقد جرى التصنيع في ظروف أكثر ملائمة. ولم يتطلب التصنيع هناك توترا وشدة في العمل، كـما كان الأمر في الاتحاد السوفيتي، ولم يكن التطويق الرأسمالي موجودا. وذلك لانه كانت قد تشكلت المنظومة الاشتراكية العالمية للاقتصاد وكان الصراع الطبقي قد جرى بأشكال أقل حدة"[[230]].
وقال لينين:
"لقد طُرحت المسألة بالشكل التالي: هل يمكننا أن نعتبر أن التأكيد القائل بأن المرحلة الرأسمالية في تطور الاقتصاد الوطني محتومة بالنسبة للشعوب المتأخرة التي تتحرر الآن، والتي نلاحظ في أوساطها بعد الحرب حركة في اتجاه التقدم، هو تأكيد صحيح. وقد كان جوابنا على هذا السؤال سلبيا. فإذا ما قامت البروليتاريا الثورية الظافرة بدعاية منتظمة، بين هذه الشعوب، وإذا ما ساعدتها الحكومات السوفيياتية بجميع الوسائل الموجودة تحت تصرفها، عندئذ يصبح من غير الصحيح التأكيد بأن مرحلة التطور الرأسمالي هي مرحلة محتومة بالنسبة للأقوام المتأخرة"[[231]].
وعلق المصدر السابق المشار إليه، على كلام لينين هذا، قائلا:
"وأثبت التطبيق التاريخي صحة تعاليم لينين بشأن امكانية انتقال البلدان المتخلفة إلى الاشتراكية دون المرور بمرحلة الرأسمالية المتطورة. ففي الاتحاد السوفييتي - مثلا - انتقلت شعوب جمهوريات آسيا الوسطى وأقصى الشمال إلى الاشتراكية بالاعتماد على مساعدة الطبقة العاملة الروسية وبدون المرور بالرأسمالية. وقطعت منغوليا هذا الطريق نفسه"[[232]].
وذكر - أيضا - بعض الأمثلة الأخرى.
ولم يشعر الماركسيون أن هذا التطبيق التاريخي في الواقع، قد أثبت كذب المادية التاريخية وقوانينها العامة، وتجريداتها التفصيلية، التي تؤكد بكل وضوح على ضرورة مرور كل مجتمع بالعهود الخمسة كاملة... وتعطي لذلك مبرراتها الكاملة التي عرفناها.
ولئن أمكن تخلف بعض العهود عن بعض المجتمعات، وتخلف تطور وسائل الانتاج عن التأثير، أمكن أيضا، تخلف العهد الاشتراكي عن الوجود أيضا. فلا يكون وجوده ضروريا، كـما أكدت عليه المادية التاريخية.
وهل يمكن للماركسية أن تقول: ان نقيض الاقطاع في فرنسا هو الرأسمالية وفي منغوليا هو الاشتراكية؟!...
إن عددا من البلدان مرت بظروف خارجية، لا تمت إلى تطور وسائل الانتاج الداخلية فيها بصلة... فغيرت من انظمتها العامة، كتطور المجتمع الروماني من الرق إلى الاقطاع نتيجة للفتح الجرماني، كـما سمعنا، وكمنغوليا وكوريا الشمالية وفيتنام الشمالية في تحولها بدون المرور بعهد الرأسمالية، نتيجة للتدخل السوفييتي الخارجي.
إن هذا التدخل سبب [سلس] غير ديالكتيكي، يقلب المجتمع من أي عهد إلى أي عهد، كـما شاء له الهوى، أو كـما شاء الغزاة والمتدخلون. فكما يمكن ان يتغير المجتمع نتيجة له، من الاقطاع إلى الاشتراكية، كذلك يمكن تغييره من الرق إلى الاشتراكية، كما قد يكون هو الحال في كوريا وفيتنام... فتنخرم تشكيلتان أو عهدان للمادية التاريخية.
ويمكن لمنطق القوة أن يعكس الأمر، رغما على تطور وسائل الانتاج فيعود المجتمع من الاشتراكية إلى الرأسمالية، كـما حدث في عدد من [الثورات المضادة] في اصطلاح الاشتراكيين.
-5-
وإذا نظرنا إلى الرأسمالية الأوروبية نجد عدة ظواهر مخالفة لما قالته الفكرة التجريدية الماركسية، يحسن ان نستعرض المهم منها فيما يلي:
الظاهرة الأولى: إن وجود الرأسمالية لأول مرة، لم يكن مستندا بشكل كامل إلى المانيوفاكتورات، كـما يقول التجريد الماركسي، بل هناك أمور أخرى وطبقات غيرها ساعدت على ذلك أيضا.
قال ستالين:
"وهناك إلى جانب الملكية الخاصة لأدوات الانتاج، ملكية الفلاح والحرفي الخاصة لأدوات الانتاج بعد أن حُرروا من القنانة. فقد كانت هذه الملكية المؤسسة على العمل الشخصي منتشرة انتشارا واسعا في بادىء الأمر. وحلت الفبارك والمعامل العظيمة المجهزة بالآلات محل ورشات الحرفيين والمانيوفاكتورات"[[233]].
وكل هذه الأمور التي عددها ستالين، كان لها قسط من المشاركة في زوال الاقطاع.
الظاهرة الثانية: ان التجريد الماركسي يميل إلى القول: بأن الرأسمالية الصغيرة التي وجدت على اطلال الاقطاع، كالمانيوفاكتورات، قد تحولت إلى رأسماليات واسعة نتيجة لتطور وسائل الانتاج.
وبذلك يكون التجريد الماركسي قد أهمل عنصرا مهما، هو ظرف التقدم العلمي والفكري الذي مرت به أوروبا، وهو الذي أوجد المعامل العظيمة والمصانع الكبرى، واكتشف الكهرباء والذرة والقوة الالكترونية... ولولا هذا الفكر العملي لبقيت المانيوفاكتورات الحرفية على حالها إلى العصر الحاضر.
وهذا التطور الفكري لا يتعين مرور كل المجتمعات به، بل من المظنون جدا، ان أغلب المجتمعات لا تتمكن من المرور به، إذن، فشكل حدوث الرأسمالية وتطورها في أوروبا سوف يختلف اختلافا جوهريا ضخما عن سائر المجتمعات، خلافا للتجريد الماركسي التقليدي.
الظاهرة الثالثة: ان التجريد الماركسي يميل إلى اقتران الاستعمار بالرأسمالية على طول الخط، فهل هذا صحيح؟...
إن الاستعمار وجد في أوروبا قبل حصول الرأسمالية بعدة قرون، متمثلا بالحروب الصليبية، التي وجدت أبان عصر الاقطاع، والتي غزت بها أوروبا الشرق الاسلامي بكل ثقلها.
كـما ان بلدانا رأسمالية عديدة لم تفكر بالاستعمار، كالهند وإيران وتركيا [بعد العثمانيين]. فانها لم تفكر بغزو العالم للتسويق ولا لأي غرض آخر، وإنما تسوق منتجاتها عن طريق العلاقات الحرة بين الدول.
إن الاستعمار نتيجة لظروف معينة فكرية وعسكرية واقتصادية للبلد الفاعل للاستعمار، وهذه الظروف قد لا تتوفر في البلد الرأسمالي بصفته رأسماليا، فلا يفكر في الاستعمار.
كما ان الاستعمار غير خاص بالعهد الرأسمالي، بل هو شامل للعهد الاشتراكي أيضا. وقد سمعنا من لينين قبل قليل قوله:
"فإذا ما قامت البروليتاريا الثورية الظافرة بدعاية منتظمة بين هذه الشعوب وإذا ما ساعدتها الحكومات السوفيياتية بجميع الوسائل الموجودة تحت تصرفها... إلخ".
إن هذه المساعدة الضخمة نوع من أنواع الاستعمار أيضا، وله نفس المبررات الرأسمالية!، وهو التسويق العالمي، مضافا إلى التأثير العقائدي والعاطفي أيضا، أي الاستعمار الفكري إلى جانب الاستعمار الاقتصادي، وهو جانب تفقده الرأسمالية، وقد استطاعت الدول الاشتراكية أن تضيفه إلى ذلك.
ولا زلنا نرى في العالم دولا إشتراكية تميل للاتحاد السوفيياتي، ودولا إشتراكية تميل للصين، فما السر في ذلك غير المساعدة الاستعمارية المستترة.
الظاهرة الرابعة: ان التجريد الماركسي يميل إلى الاعتقاد إلى أن استمرار الرأسمالية يكون كابحا ومانعا عن تطور وسائل الانتاج، وان الأطوار الجديدة لهذه الوسائل لا تكون في مصلحة الرأسماليين بل في مصلحة الاشتراكيين المتمثلين بالبروليتاريا أول الأمر. ومن ثم يكون زوال الرأسمالية محتوما طبقا لقواعد المادية التاريخية.
وقد سمعنا كوفالسون يقول:
"إن الحفاظ على الملكية الرأسمالية الخاصة يكبح تطور القوى المنتجة والمجتمع كله، ويؤزم نضال البروليتاريا الطبقي ضد البرجوازية، بوصفه تعبيرا عن تناقض الرأسمالية الأساسي"[[234]].
إلا ان الواقع التاريخي المعاصر، مخالف لهذا الكلام. فان وسائل الانتاج انتقلت في عهد الرأسمالية الأوروبية التي صار لها ثلاثة قرون من الآلة البخارية إلى الكهربائية إلى الذرية والالكترونية، واستعملت في سبيل الانتاج طرق علمية فيزيائية وكيميائية وغيرها مما لا يحصى. ومع ذلك حافظت الرأسمالية على وجودها وازدهارها.
ان الرأسماليين هم الذين يواصلون اختراع هذه الآلات وتطويرها. ولم يكن في وضعهم الاجتماعي أو الاقتصادى كابح أو مانع عن ذلك. كـما ان الآلة الجديدة لم تصبح في مصلحة البروليتاريا أكثر من غيرها، ولا يتعين عليها ان تعيش في مجتمع إشتراكي. انها تحتاج إلى من يديرها، سواء كان رأسماليا أو إشتراكيا أو أي شيء آخر. ان الخبرة العلمية هي المناط في ذلك دون الفكر العقائدي. ومن هنا ترى ان الدول الرأسمالية والاشتراكية معا تطور وسائل انتاجها، ولها في هذا التطور مستوى متشابه تقريبا[[235]].
وكلاهما بالرغم من تطورهما لم يتحولا عما هما عليه، فلا الدول الرأسمالية أصبحت إشتراكية، ولا الدول الاشتراكية أصبحت شيوعية [أعني الطور الأعلى] وبقي الحال، خلافا لقواعد المادية التاريخية.
واما حديث تأزم النضال مع البروليتاريا، فهو واضح المجافات للواقع، إذ بغض النظر عن الدعاية الشيوعية في البلدان الرأسمالية، والأموال والجهود التي تبذل عليها... فان البلدان الرأسمالية قد كفلت حياة الضعفاء إلى درجة معقولة، وان لم تكن كاملة... متمثلا بالنقابات والضمان الاجتماعي وحق الاضراب وحق المطالبة برفع الأجور وتحسين ظروف العمل وتمثيل العمال بالمجالس النيابية، وغير ذلك. ولا يمكن للرأي العام ان يؤكد ان ضمان العمال في الدول الاشتراكية أكبر منه في الدول الرأسمالية.
ومن الواضح، أن هذه الضمانات الموجودة للعمال في الدول الرأسمالية تكون موجبة لتخفيف التأزم في النضال لا لشدته، بالرغم من تطور وسائل الانتاج.

المرحلة الثانية
القيمة الأساسية للرأسمالية ماركسيا

-1-
لماذا يعتبر ماركس والماركسيون الرأسمالية نظاما غير صحيح، يجب تغييره والاجهاز عليه.
قد يقول القائل: ان الماركسية، طبقا لقواعد ماديتها التاريخية، تعتبر الرأسمالية [عهدا] أو تشكيلة موقوفة على تطور وسائل الانتاج، والطبقة المرتبطة اقتصاديا بالوسائل المتطورة، وسوف يأتي الوقت الذي تبلغ به وسائل الانتاج مستوى معينا يوجب تغيير المجتمع الرأسمالي إلى الاشتراكية... بواسطة النضال الطبقي المرير!!...
إن الماركسية يمكنها أن تكتفي بهذه الفكرة، كـما اكتفت بها - بشكل عام - في العهود السابقة، إلا أن ماركس نفسه لا يريد الاكتفاء بذلك، فان وضع الرأسمالية أوسع وأعمق من ذلك، والعواطف التي يراد توجيهها ضدها لا بد أن تكون كبيرة جدا تستغرق القلب والعقل معا. والاشتراكية التي يراد بناؤها عالميا على أنقاض الرأسمالية، لا بد أن تكون عميقة ومدعمة بالادلة الدامغة الواضحة على صحتها وأصالتها.
ومن ثم حاول ماركس في كتابه [رأس المال] أن يبرهن رياضيا على وجود عيب أساسي في الرأسمالية، يجعلها غير صالحة للبقاء، ويؤزم النضال بينها وبين طبقة العمال البروليتاريين. ولا يكـون هذا العيب مـوجودا في الاشتراكية... ومن هنا ينبغي ان يكون لها وراثة المجتمع.
-2-
وهذا العيب الأساسي هو ان الرأسمالية مبتنية على وجود فائض القيمة أو القيمة الزائدة، من حيث كونها معبرة عن الربح الذي يسرقه صاحب العمل من العامل وبه تتكون الرأسمالية وبدونه لا توجد رأسمالية.
وهو يعرضها في كتابه مرارا وبأساليب مختلفة، ويعرض كثيرا من خصائصها برأيه... إلى حد يمكن القول ان هذا الكتاب على ضخامته، مكرس لايضاح هذه النظرية بالذات.
إن ماركس بعد أن يؤسس رأيه في ان العامل يبيع لصاحب المال قوة عمله، المتمثلة بكيانه الجسمي القادر على إيجاد العمل المطلوب. ويصرف في العمل مقدارا من الطاقة ما يوازي مقدار الأجر [الذي يوازي في العادة مقدار حاجته إلى استرجاع الطاقة التي بذلها في العمل] بحيث يعود في اليوم الآتي وقد استرجع كل قوته المصروفة، ليستأنف العمل من جديد.
... يقول ماركس فيما يقول:
"إن القيمة اليومية لقوة العمل تساوي 3 شلنات. ذلك لانه يلزم نصف نهار من العمل لإنتاج هذه القوة يوميا. يعني ان وسائل المعيشة الضرورية لحفظ العامل يوميا نصف نهار من العمل... إن تكاليف القوة تعين قيمتها التبادلية، اما انفاق القوة، فيؤلف قيمتها الاستعمالية. فإذا كان نصف نهار من العمل يكفي لإعالة العامل خلال أربع وعشرين ساعة، فلا يترتب على هذا انه لا يستطيع ان يعمل نهارا كاملا.
إن القيمة التي تملكها قوة العمل والقوة التي تستطيع ان توجدها، تختلفان - إذن - من حيث القياس. وهذا الاختلاف في القيمة هو الذي كان الرأسمالي يضعه نصب عينيه حين اشترى قوة العمل.
... إن الرجل صاحـب الدنانير قد دفع ثمن القيمة اليومية لقوة العمل، فهو يملك - إذن - استخدامها خلال نهار، يعني عمل نهار كامل. اما كون الحفظ اليومي لهذه القوة لا يكلف إلا نصف نهار من العمل، على الرغم من انها تستطيع ان تعمل خلال النهار بكامله. يعني أن القيمة التي يوجدها استخدمها خلال نهار واحد هو ضعف قيمتها الخاصة. فهذا حظ سعيد، بصورة خاصة، بالنسبة إلى المشتري [الرأسمالي]، ولكنه لا يمس في شيء حق البائع [العامل].
لقد أدرك صاحبنا الرأسمالي هذا الأمر قبل وقوعه، وهذا ما يضحكه. والعامل لا يجد - إذن - في المعمل وسائل الانتاج الضرورية لنهار عمل مؤلف من ست ساعات، وإنما من اثنتي عشرة ساعة.
وبما ان 10 ليبرات من القطن قد امتصت 6 ساعات من العمل وتحولت إلى 10 ليبرات من خيوط الغزل، فان 20 ليبرة من القطن سوف تمتص اثنتي عشرة ساعة من العمل وتتحول إلى 20 ليبرة من خيوط الغزل. فلنفحص الآن منتوج العمل الممتد: ان الـ 20 ليبرة من خيوط الغزل تتضمن خمسة نهارات من العمل، منها أربعة نهارات تجسدت في القطن وفي المغازل المستهلكة وواحد امتصه القطن أثناء عملية الغزل ومن المعلوم ان التعبير النقدي عن خمسة نهارات من العمل هو 30 شلنا. هذا هو - إذن - ثمن الـ 20 ليبرة من خيوط الغزل. ان ليبرة خيوط الغزل تكلف أولا وأخيرا شلنا واحدا وستة دراهم. ولكن مجموع قيمة البضائع المستخدمة في العملية لم تكن تتجاوز 27 شلنا، وقيمة خيوط الغزل تبلغ 30 شلنا. ان قيمة المنتوج قد ازدادت 91 من القيمة المدفوعة لإنتاجه. لقد ولّدت قيمة زائدة مقدارها 3 شلنات. لقد تمت الدورة، لقد تحول المال إلى رأس مال"[[236]].
"إن وقت الاستثمار [العمل] يقسم إلى فقرتين: وفي خلال إحداهما لا ينتج شغل قوة العمل إلا معا، ولا لثمنها. وفي خلال الأخرى يكون شغل العامل مجانيا، ويدر على الرأسمالي، بالتالي، قيمة لم يقدم لقاءها أي معادل قيمة لا تكلفه شيئا. وبهذا المعنى يمكن ان يسمى العمل الزائد الذي يستمد منه القيمة الزائدة عملا لم يدفع ثمنه.
... إن كل قيمة زائدة، مهما كان شكلها الخاص: - الربح، الفائدة، الدخل، إلخ - هي، بصورة جوهرية، تحويل عمل غير مدفوع ثمنه إلى مادة.
إن سر قوة رأس المال السياسية كله قائم في هذا الواقع البسيط، وهو ان رأس المال يتصرف بكمية معينة من عمل الآخرين لم يدفع ثمنه"[[237]].
"لقد اشتغل العامل - إذن - نصف النهار لنفسه، والنصف الآخر للرأسمالي"[[238]].
هذا أوضح ما يقوله ماركس عن نظريته.
ثم يحاول ماركس أن يبين ان القيمة الزائدة قد تتضاعف تحت ظروف معينة كثير منها اعتيادي، كزيادة عدد العمال، وزيادة الانتاج، وزيادة ساعات العمل، وغير ذلك. ولا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها.







مناقشة
القيمة الزائدة

-1-
تتضمن هذه النظرية عدة أسس موضوعية، لا بد من الفراغ من صحتها من أجل تصحيح النظرية. وقد فرغ ماركس فعلا مما التفت إليه من الأسس ولكننا لا بد ان نعرضها جميعا ونفحصها مليا لنتأكد من صحتها قبل التسليم بصحة النظرية... ويكفي في تزييف النظرية البرهنة على عدم صحة أساس واحد منها، فضلا عن أكثر من واحد. بل يكفي مجرد الشك في صحة أي منها وعدم ثبوته بالدليل، للشك في صحة أصل النظرية.
-2-
الأساس الأول: إن العمل هو أساس القيمة التبادلية للأشياء عموما، وبدونه لا يكتسب الشيء أية قيمة، كالأراضي البوار والمعادن غير المستخرجة والغابات الطبيعية ونحو ذلك.
وهذه نظرية تبناها ماركس، وحاول البرهنة عليها في الفصل الأول من كتابه [رأس المال] ومنه صارت إلى الماركسيين عموما وبها تصبح نتيجة العمل للعامل، فيكون استيلاء صاحب المال عليه بدون استحقاق.
إلا ان هذه النظرية تواجه عدة مصاعب تمنع من الأخذ بها، لانها تعجز عن تفسير عدة أمور:
أولا: تفسير ارتفاع قيمة المخطوطات النادرة، مع كون العمل على كتابتها لا يمثل إلا جزءا ضئيلا جدا من قيمتها.
ثانيا: تفسير ارتفاع التحف القديمة والمجوهرات وأمثالها، مما يكون قيمتها التبادلية أضعاف العمل المبذول فيها. فان العمل في الاحجار الكريمة موكول إلى الطبيعة نفسها، وليس للانسان تجاهها إلا العمل الضئيل، الذي لا يمكن أن يمثل قيمتها التبادليه بحال...
ثالثا: تفسير اختلاف القيمة الاستعمالية باختلاف الحاجة إلى الشيء، تتناسب معها تناسبا طرديا. فالماء الواحد المبذول عليه عمل واحد، يكتسب إلى جانب عين الماء قيمة غير القيمة التي يكتسبها وهو في الصحراء. إن هذا الفرق الكبير لا يعود إلى العمل، كما هو معلوم.
رابعا: تفسير الفرق بين العمل الفني الجيد والعمل الردئ، إذا كان مساويا له في الزمن وفي الطاقة أو قوة العمل المبذولة. فان لهما بحسب منطوق النظرية قيمة واحدة، فإذا استهلك العمل الرديء قوة أكثر كان أعلى قيمة من العمل الجيد... وهذا مما لا يمكن ان يكون صحيحا بأي حال.
إلى غير ذلك، مما يطول بنا المقام في تفصيله، فليرجع القارىء إلى المصادر المفصلة لذلك.
إن البديل عن العمل في الموردين الأولين هو الندرة النسبية [بالمعنى المطلق]. وفي المورد الثالث هو الندرة الشخصية... وفي المورد الرابع هو الأهمية، وهي ترجع بمعنى آخر إلى الندرة.
وليست الندرة بمجردها كافية في زيادة القيمة، وإنما تعطي الندرة جواً نفسيا خاصا للمشترين، بحيث يكونون على استعداد لدفع القيمة الأعلى، ومع استعداد المشتري للدفع، يكون البائع مستعدا نفسيا للقبض بل راغبا به وطالبا له لا محالة... فهذا الجو النفسي هو السبب الحقيقي المشترك بين هذه الموارد.
وهو يتوفر في مورد ندرة البضاعة، ومورد تضخم النقد، ومورد زيادة الحاجة، الشخصية والعامة [كالحاجة إلى الدواء أيام الوباء]، وهو أمر لا يختلف فيه [العروض] عن [النقد] عن [العمل] عن [قوة العمل]. فانها جميعا تكون أغلى مع وجود الجو النفسي المشار إليه وتكون ارخص [في إحدى القيمتين التبادلية أو الاستعمالية] مع ضآلته... على تفصيل لا يسعه المقام.
-3-
الأساس الثاني: إن الشيء الذي يملكه العامل، هو قوة العمل لا العمل نفسه. وهو ما رآه كارل ماركس واكده في كتابه، وحاول شرحه في أحد فصول الجزء الثاني منه[[239]].
قال:
"ويجب أن نفهم من هذا الاسم مجموع الخصائص الجسمانية والذهنية الموجودة في جسم إنسان من الناس في شخصيته الحية، والتي عليه أن يحركها لينتج أشياء نافعة... ان مالك النقد ومالك قوة العمل يلتقيان في السوق ويدخلان في علاقة مع بعض، مبادلين لهما الصفة نفسها. وهما لا يختلفان إلا في هذا: أن أحدهما يشتري والآخر يبيع، وكلاهما - لهذا السبب نفسه - شخصان متساويان حقوقيا"[[240]].
ومن الطريف اننا نجد ان ماركس يأخذ هذا الأمر افتراضا مسلما من دون ان يحاول البرهنة عليه... وكأنه يحيل البرهان عليه أو القناعة به إلى ذمة القارئ. وهو إسلوب لا يكفي للاثبات، كما هو معلوم. إن كل شيء لا دليل عليه فهو مرفوض في أي علم.
ونجد - أيضا - من الماركسية التأكيد على العمل بوصفه شيئا ذا قيمة وقابلا بغض النظر عن قوة العمل.
انظر مثلا قول انجلز:
"إن العمل سلعة مثل غيرها، وسعرها - بالتالي - إنما يتحدد بالضبط وفق القوانين ذاتها التي يتحدد بها سعر كل سلعة أخرى"[[241]].
وقد رتب انجلز على رأيه هذا نفس النتائج التي يريدها ماركس، إذ أضاف:
"وسعر سلعة في ظل سيادة الصناعة الكبيرة أو المنافسة الحرة... مساوٍ وسيطا على الدوام لكلفة إنتاج هذه السلعة، وإذن، فان سعر العمل مساوٍ هو أيضا لكلفة إنتاج العمل. ولكن كلفة إنتاج العمل تتألف بالضبط من كمية وسائل الرزق الضرورية لجعل العامل في حالة تمكنه من متابعة العمل وتحاشي موت الطبقة العاملة"[[242]].
فقد جعل وسائل الرزق الضرورية رصيدا للعمل نفسه مباشرة، بلا حاجة إلى توسيط القوة. وهذا هو الأقرب إلى الفهم الطبيعي على أي حال. ومن هذا الرصيد يمكن الانطلاق إلى فهم القيمة الزائدة، لو سرنا حسب تسلسل تفكير ماركس.
على أن هذه النظرية لا تصمد للنقد، ولا تخلو من المصاعب، نذكر طرفا منها فيما يلي:
الصعوبة الأولى: إن على هذه النظرية بيان الفرق بين العمل الفني وغيره، إذا كان زمنهما واحدا، فان القوة المبذولة فيهما واحدة، وقيمتهما مختلفة.
الصعوبة الثانية: إن القوة المبذولة في العمل المتشابه مضمونا ووقتا، قد لا تكون متساوية، بل تختلف - بالضرورة - بين إنسان وإنسان، من حيث الصحة والمرض ومن حيث العمر [كالشباب والشيخوخة] ومن حيث اتصاف الفرد بالتعب أو انشغال الذهن ونحو ذلك، فإذا كانت القيمة عائدة إلى القوة لا إلى العمل، كان اللازم الاختلاف هنا في القيمة مع انه خلاف الوجدان.
الصعوبة الثالثة: إن القوة البدنية تنقص بالعمل وتحتاج إلى تعويض بمقدارعشرة شلنات في اليوم ليعود العامل نشيطا في اليوم التالي، على ما قال ماركس، واما الخبرة العلمية أو القوة الذهنية، فلا معنى لنقصانها، فهل تكون مجانية مع أنها الجزء الأساسي للعمل، وتختلف قيمته بزيادة الخبرة بطبيعة الحال.
الصعوبة الرابعة: إن قوة العمل المتمثلة بشخص العامل لا معنى لبيعها، وينبغي أن يعترف ماركس أنه لا يصبح صاحب المال مالكا لجزء من الشخصية الحية للعامل. كل ما في الأمر أنه نتيجة للمعاقدة يصبح صاحب المال مستحقا لعمل يوم واحد مثلا، وتعود قوة العمل كرصيد له مرة أخرى.
-4-
الأساس الثالث: إن ماركس يفترض أن قيمة قوة العمل هو المقدار من الطعام الذي يكفل للعامل ارجاع القوة بعد صرفها... وهو عشرة شلنات في اليوم في مثال ماركس. وهو يتمثل بالأجر الذي يأخذه العامل يوميا من الرأسمالي. ويترتب على ذلك: أن العامل يصرف من القوة في اليوم ضعف ما يأخذ من الأجر، فيكون قد عمل نصف النهار بالأجر ونصف النهار مجانا.
ومعنى ذلك ان الرأسمالي لا يدفع إلى العامل إلا ما يقوته يوميا، وإلا فانه لو ضاعف له الأجر لكان على ماركس أن يعترف أنه ادى له ما يقابل عمله اليومي تماما.
وهذه الحقيقة، وهي أن صاحب المال لا يدفع إلا مقدار ما يقوته يوميا... قد تكون منطبقة على الرأسمالية الأولى بوجودها التاريخي السابق، حين كان يستخدم العامل أكبر مقدار ممكن من الوقت في أقل مقدار ممكن من الأجر، ولكنها غير منطبقة على الوضع الحالي إلا حين أسست نقابات العمال وأعطوا حق المطالبة برفع الأجور وممارسة الاضراب والضغط على الشركات والسلطات بمختلف الأساليب.
ولولا سوء التصرف والجشع المسيطر على السوق، لما بقي - بعد هذه الضمانات - إلا كسر قليل من الربح تنازل عنه العامل بمحض حريته لصاحب العمل. فان صحت نظرية ماركس في كون العامل مالكا، فانها لا تستطيع أن تمنعه عن التنازل عن بعض ما يملك بإرادته.
ومن الطريف الذي لا يمكن للماركسية أن تلتفت إليه إلا بصوت خاص، هو أن هذه الحقيقة الرأسمالية، وهي الاقتصار على دفع القوت اليومي للعامل، منطبقة على القاعدة التي قالت الماركسية بتطبيقها في الطور الشيوعي الأعلى: وهي: من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته. فان معنى ذلك بكل وضوح هو استخدام العامل أكبر مقدار ممكن، بمقدار كل طاقته، واعطاؤه ما يقوته ويلم بحاجته فقط، إذا فهمنا من الحاجة ما كان من الضروريات دون الكماليات، على ما سيأتي عند الحديث عن الطور الأعلى.
ومعه تكون نظرية القيمة الفائضة منطبقة على الطور الشيوعي الأعلى، كانطباقها على الرأسمالية. وكل الفرق ما بينهما، هو اختلاف صاحب المال ليس إلا... وأما من حيث كون العامل يعطى أكثر مما يأخذ، فسواء بينهما.
-5-
الأساس الرابع: التسليم بالمفهوم المطلق للظلم.
فان ماركس حين يعترض على الرأسمالي أخذ القيمة الفائضة ويعتبرها شيئا غير صحيح وغير مشروع... وان النظام الرأسمالي القائم على هذا الأساس نظام فاسد، فمن حقنا أن نسأله: إن هذا الفساد وعدم المشروعية، من أين جاء، وبأي منطق تسجّل؟!...
فانه لو كان عندنا مفهوم مطلق للظلم والعدل والصحة والفساد والمشروعية وعدم المشروعية. لقلنا عن الرأسمالية انها ظالمة وفاسدة وغير مشروعة كـما هي تستحق له فعلا. ولكن الماركسية لا تعترف بذلك، انها - كـما عرفنا - تعتبر القيم الأخلاقية قيما مرحلية مرتبطة بما يرتبط به المجتمع على وجه العموم من تطور وسائل الانتاج وعلاقاته. وان هذه المفاهيم مهما بدت بعيدة الارتباط بالجانب الاقتصادي، فانها لا بد صائرة إليه وراجعة عليه، لانه المحرك الأساسي للتاريخ البشري.
ينتج من ذلك: ان كل مرحلة تاريخية تشيع فيها تقييمات ومفاهيم معينة، تتغير بالضرورة عند ارتفاع تلك المرحلة وتبدلها بالقانون الماركسي العام. فما يكون فاسدا وغير مشروع في مرحلة، قد يصبح صالحا ومشروعا وعادلا في مرحلة أخرى، وبالعكس.
إذن، يمكن القول من هذه الزاوية، بكل وضوح، ان أخذ القيمة الزائدة، هي في عصر الرأسمالية شيء صالح ومشروع وفي عهد الاشتراكية شيء غير مشروع، والرأسمالي حين يأخذ هذه القيمة من العامل، فانه يعمل شيئا مشروعا وصحيحا في حدود مرحلته ونظامه العام، ولا يهتم الرأسمالي، بل لا يمكنه أن يهتم - من وجهة نظر ماركسية - بالتقييم الاشتراكي لعمله.
وإذا كان هذا أمرا صحيحا ومشروعا في عصر الرأسمالية، فـما على الفرد إن كان عليه متبعا له. فان المسؤولية الكبرى على الفرد هي أن يتبع كل ما هو مشروع وصحيح، والمفروض ان أخذ القيمة الزائدة أمر مشروع وصحيح، فلماذا يستحق الرأسمالي الانتقام؟.
وقد عرفنا من الماركسية انها نفت وجود التفكير الموضوعي المجرد، وأثبتت ان كل الأفكار والاراء طبقية وحزبية وتابعة لتطور وسائل الانتاج... وهذا شامل للتفكير الرأسمالي والاشتراكي معا. فكما ان الفرد الرأسمالي يكون متحيزا عند أخذ القيمة الزائدة وإدراكه صحة ما يعمل. فكذلك الاشتراكي يكون متحيزا حـين يطعن بهذه القيمة ويدرك عدم مشروعيتها، بما فيهم كارل ماركس نفسه، ومن الواضح أن فرض الفكر المتحيز على الآخرين وأخذهم به أمر غير مشروع وغير صحيح.
-6-
إن كارل ماركس يفترض 20 ليبرة من القطن الخام تساوي اثنتي عشرة ساعة من العمل. ولا بد ان ذلك باعتبار جنيه وتصفيته ونحو ذلك من الأعمال المسبقة. فإذا غزل هذا القطن استهلك خمسة ايام من العمل هي: اليوم المشار إليه في القطن الخام، مع يوم كامل للغزل وثلاثة باعتبار استهلاك الآلات وغير ذلك من الأعمال الثانوية. فإذا كانت الأجرة المستحقة في اليوم هي 6 شلنات كانت قيمة ليبرة القطن المغزول 30 شلنا.
ولكن الرأسمالي يدفع للعامل 3 شلنات في اليوم هي قيمة نصف نهار وهذه الشلنات الثلاث هي قيمة قوة عمله المصروفة في اليوم، لان ما يعيّن له قوته على العمل في اليوم الآتي، هو ما يساوي 3 شلنات من الطعام.
إن ماركس يفترض عدد ساعات معينة من العمل تقابل كل [مادة] من مواد الانتاج: القطن، الغزل، المغازل المستهلكة، قوة العمل، طعام العامل،... وهذا أمر قد يصح افتراضه رياضيا، ولكنه من الناحية الواقعية بعيد عن الصحة.
لنأخذ القطن الخام أولا، الذي يفترض ماركس أن 20 ليبرة منه تساوي اثنتي عشرة ساعة من العمل. فهل هذا صحيح. وأما ما سبق ذلك من العمليات قطفه وزرعه وسقيه ثم قبل ذلك حرث الأرض وتسميدها والبذر، ثم قبل ذلك حفظ البذر من التلف إلى حين الموسم. إن هذا يساوي عدة اشهر من مختلف الأعمال، وكلها أعمال ذات قيمة، فلو حفظ لك شخص بذور قطنك لكان مستحقا عليك أجرا، فضلا عما إذا حرث لك أرضك أو زرعها. وأما الكبس والتحميل ونحوه مما هو متأخر عن التصفية، فكأننا ينبغي ان نسقطه عن نظر الاعتبار وإلا زادت ساعات العمل.
بل يمكننا أن نسير خطوة أكبر لنرى أن بذرة القطن التي استفدنا من قطنها وغزلناه، كانت في شجرة سابقة عاشت عدة اشهر وبذلت عليها أعمال كثيرة. وهي أيضا نتيجة بذرة سابقة، وهكذا.
إذن، فالقطن يمثل تاريخا طويلا من الأعمال ممتدا بامتداد تاريخ البشرية. فكيف ندعي انه يمثل اثنتي عشرة ساعة من العمل. وكيف يمكن أن نقبل هذا الافتراض الرياضي من ماركس.
ويمكننا أن نلاحظ نفس الشيء في طعام العامل الذي يعيد له القوة والنشاط فانه يمثل في زراعته وجنيه أكثر من ست ساعات بكثير. فضلا عن تاريخ بذوره الممتدة بامتداد البشرية.
وقوة العمل نفسها، مستندة في وجودها إلى مثل هذا التاريخ... مضافا إلى تاريخ آخر وهو ان قوة العمل موجودة في جسم العامل، وجسمه له تاريخ بشري ممتد في آبائه واجداده طويل جدا.
وقل نفس الشيء بالنسبة إلى المغازل المستهلكة. وهكذا غيرها. فكيف يمكن لماركس أن يفترض انها تمثل ساعات محددة من العمل.
ولو كانت ساعات العمل هي المقياس للقيمة التبادلية للشيء، إذن، ينبغي ان تكون قيمة هذه الأمور مرتفعة جدا، بمقدار ساعات لعدة اشهر أو عدة سنين، إن اسقطنا مجموع التاريخ البشري عن نظر الاعتبار. وهو ما لا يمكن أن يلتزم به أحد.
-7-
يوضح ماركس أن قيمة القطن المغزول منوط تعيينها بمقدار الساعات التي بذلت في صنعه، وقيمة هذه الساعات تتحدد بقيمة قوة العمل التي بذلت خلالها. وقيمة العمل تتحدد بقيمة قوة العمل أيضا، وكل الخصائص، تعود عادة إلى قوة العمل. وقيمة قوة العمل تتحدد بمقدار ما يرجعها صاحبها إلى جسمه من الطعام.
وقيمة قوة العمل هذه، أو - بتعبير آخر -: ما ينبغي أن يتقاضاه العامل بإزاء كل ساعة من قوة العمل أو كل يوم... لا يمكن الرجوع في تحديدها إلى نتيجتها، وهو القطن المغزول، لاننا نكون قد بدأنا من حيث انتهينا. لاننا نكون قد حددنا قيمة القطن بقيمة القوة وقيمة القوة بقيمة القطن، فلم نصل إلى شيء.
إن ماركس يجيب على ذلك: ان قيمة القوة لا تتحدد بقيمة القطن، بل بقيمة الطعام الذي يحتاجه الفرد لرجوع قوة عمله بعد نفادها. ومن الطريف هنا ان يعتقد ماركس ان هذا الطعام يمثل نفس مقدار الساعات التي استهلكت بالعمل المقبوض أجرته. فلو كان العامل قد قبض أجرة ست ساعات، كان الطعام ممثلا لعمل ست ساعات.
وهذا الافتراض لطيف من الناحية الرياضية، إذ تكون قوة العمل والطعام والست ساعات والقطن، كلها متوازية ومتساوية في قيمتها. إلا أنه من الناحية الواقعية غير ممكن أو بعيد الوقوع، إذ قد يشتري العامل طعاما ممثلا لعدد أقل من ساعات أو أكثر، والأطعمة تختلف في الساعات التي تحتاج لإنتاجها مع العلم أنه قد يكون ما يرجع قوة العمل في هذا اليوم ممثلا لأربع ساعات، وما يرجعها في اليوم التالي ممثلا لعشر ساعات.
-8-
نعرف من تسلسل الفكرة في الفقرة السابقة: ان قيمة الناتج محددة بقيمة قوة العمل، وقيمة قوة العمل، محددة بقيمة ما يكون سببا لرجوعهـا من الاغذية، فمن حقنا أن نسأل، ما إذا كانت هذه الاغذية ممثلة لقوة عمل بدورها أو لا؟، إن ماركس سوف يجيب بالايجاب. فما الذي يحدد قوة العمل تلك؟. يجيب ماركس: إنها هي الاغذية التي تعيدها إلى حالها الأولى أيضا.
وهذه الاغذية ممثلة لقوة عمل أخرى، وهي بدورها ترجع عن طريق اغذية أخرى وهكذا، ولا نستطيع ان نصل إلى قعر هذه السلسلة.
إن كل هذه السلسلة من منتوج وقوة عمل، تمثل ساعات محددة متماثلة كستّ ساعات مثلا - بغض النظر عن الاعتراضات السابقة -. ولكن ما هي القيمة التبادلية لهذه الساعات؟... إنها تتحدد - مرة أخرى - بقيمة الطعام الذي يرجع القوة إلى صاحبها، وقيمة الطعام تتحدد مرة أخرى بقوة العمل. وهكذا نعود إلى نفس السلسلة.
وإذا عدنا إلى السلسلة لم نستطع ان نحدد قيمة شيء بالمرة، لا الساعات ولا قوة العمل ولا الطعام، في أي فقرة من فقرات هذه السلسلة.
إن ماركس يفترض ان للطعام في السوق قيمة ناجزة، هي التي تحدد قيمة العمل التي تحدد بدورها قيمة المنتوج. وهذا التحديد إنما يصح من زاوية غير ماركسية، حين تتحدد قيمة الطعام بشيء خارج هذه السلسلة، كالندرة النسبية أو الحاجة الاجتماعية أو الجو النفسي الذي ذكرناه.
وتبدو هذه المشكلة بشكل أصرح، فيما إذا افترضنا ان أناسا كوّنوا مجتمعا جديدا، وبذلوا قواهم لإنتاج قماش مثلا، ثم اكلوا طعاما مما حصلوا عليه طبيعيا، حتى استعادوا قواهم المبذولة في إنتاج القماش.
إننا نستطيع أن نجزم - طبقا لقانون ماركس - أن القماش وقوة إنتاجه والطعام الذي اكلوه، ذو قيمة واحدة، هي بدورها قيمة الساعات التي بذلت في الانتاج. ولكن كم هي هذه القيمة؟، هنا يستحيل إعطاء أي تحديد للقيمة، ما لم نرجع إلى مقياس آخر غير ماركسي.


المرحلة الثالثة
أقسام الرأسمالية

تنقسم الرأسمالية، في رأي الماركسيين إلى أقسام ثلاثة متسلسلة يمهد أحدهـا للآخر، هي:
مرحلة التراكم الأولي لرأس المال.
ومرحلة الرأسمالية التنافسية.
ومرحلة الرأسمالية الاحتكارية، وهي الامبريالية.
... لا بد من ذكرها على التوالي مع التأكيد على قيمتها الماركسية، ومناقشتها.
القسم الأول
مرحلة التراكم الأولى
لرأس المال

-1-
يريد كارل ماركس بالتراكم الأولي لرأس المال، تجمع الأموال لدى الرأسماليين منذ أول عهد تولدهم، فصاعدا، ما داموا لم يدخلوا في مرحلة ذات خصائص جديدة، وهذا واضح.
وإنما المهم... ان ماركس يحاول ان يعطي لذلك قانونه العام، ويفحص نتائجه بما يملك من دقة. اسمعه يقول:
"والواقع ان جزءا من القيمة الزائدة، هذه الثمرة السنوية، يأتي سنويا لينضم إلى الرأسمال المكتسب، ثم تكبر هذه الزيادة السنوية هي نفسها كلما ازداد تضخما الرأسمال العامل. وأخيرا فان الشهوة العنيفة إلى الربح، إذا جاءت ظروف ملائمة بصورة استثنائية - كفتح أسواق جديدة في الخارج وميادين جديدة لتوظيف الرساميل في الداخل، إلخ - فحرضت هذه الشهوة، فانها سوف تلقى فجأة أعظم اجزاء المنتوج الصافي في رأسمال تجديد الانتاج، وذلك لكي توسع نطاقه أيضا.
ينتج عن هذا كله، أن كل سنة سوف تقدم لعدد من العمال الأجراء، يكون أكبر من العدد الذي نال شغلا في العام السابق... ان تجديد إنتاج الرأسمال ينطوي على تجديد إنتاج أداته الكبرى التي تثمن من استثماره، وهي قوة العمل. فتراكم الرأسمال هو - إذن - في الوقت نفسه، ازدياد الطبقة العاملة"[[243]].
ويعيد كارل ماركس إلى الذهن عصر تولد الرأسمالية بعد الاقطاع، الذي هو عصر هذا التراكم، فيقول:
"لقد خرج النظام الاقتصادي الرأسمالي من أحشاء النظام الاقتصادي الاقطاعي. وانحلال أحدهما أدى إلى انبثاق العناصر التكوينية للثاني.
... إن الحركة التاريخية التي تحول المنتجين إلى مأجورين، تظهر - أذن - بوصفها تحريرا لهم من القنانة، ومن التسلسل الصناعي التدريجي. ومن الجهة الأخرى، فهؤلاء المحررون لا يصبحون بائعين لاشخاصهم إلا بعد أن يصير تجريدهم من جميع وسائل الانتاج التي كانت بين أيديهم، ومن جميع ضمانات الحياة التي كان يقدمها لهم النظام القديم.
... وفي تاريخ التراكم البدائي، تؤلف جميع الثورات التي تخدم بمثابة رافعة التقدم للطبقة الرأسمالية الآخذة في التكون، تؤلف جميع هذه الثورات أحداثا بارزة كبرى، وخصوصا تلك التي بتجريدها جماهير واسعة من وسائلها الانتاجية والوسائل التقليدية لمعيشتها، تلقيها بغتة في سوق العمل. ولكن أساس هذا التحول كله، هو نزع ملكية الزارعين"[[244]].
كما يعيد ماركس إلى الذهن، ارتباط التراكم الأولي، بالنظام المانيوفاكتوري التعاوني، الذي كان هو الشكل الرئيسي للانتاج الرأسمالي في أول عهده... حيث يقول:
"إن التعاون والتقسيم المانيوفاكتوري، والنظام الآلي، إلخ... وبكلمة موجزة الطرائق الكفيلة باطلاق قوى العمل الجماعي، لا تستطيع الدخول إلا من حيث بدأ تنفيذ الانتاج على نطاق واسع عظيم إلى حد ما. وكلما اتسع هذا تطورت تلك ونمت. وعلى أساس العمل بالأجرة تكون سلم العمليات في الدرجة الأولى، رهنا بقياس الرساميل المتراكمة بين أيدي أصحاب المشروعات الخاصة"[[245]].
ويعطي ماركس رأيه النهائي في قيمة هذا التراكم، باعتباره رأسماليا يتصف بكل ما تتصف به الرأسمالية من آلام وشرور.
"إن تراكم الثروة عند قطب، هو كذلك الفقر والآلام والجهل والتبلد والانحطاط المعنوي والعبودية، عند القطب المقابل، من ناحية الطبقة التي تنتج الرأسمال نفسه"[[246]].
"وهكذا - إذن - فالذي يكمن في أعماق التراكم الأولي للرأسمال، في أعماق عملية نشوئه التاريخية، إنما هو نزع ملكية المنتج المباشر، وانحلال الملكية المؤسسة على العمل الشخصي لمالكها.
... إن نزع ملكية المنتجين المباشرين يتم عن طريق بربرية لا ترحم تشحذها أحقر الدوافع وأسفلها، وأقذر الأهواء وأجدرها بالمقت في دناءتها"[[247]].
-2-
ويحاول ماركس أن يربط وجود الرأسمالية المتمثلة بالتراكم الأولي بقانون الديالكتيك الذي أسسه هو نفسه للكون كله.
وهنا - بالضبط - نسمعه يقول عبارته المشهورة:
"إن الاستملاك الرأسمالي المطابق لنمط الانتاج الرأسمالي، يشكل النفي الأول لهذه الملكية الخاصة التي ليست إلا تابعا للعمل المستقل والفردي. ولكن الانتاج الرأسمالي ينسل هو ذاته نفيه بالحتمية ذاتها التي تخضع لها تطورات الطبيعة، انه نفي المنفي، وهو يعيد ليس ملكية الشغيل الخاصة، بل ملكيته الفردية المؤسسة على مقتنيات ومكاسب العصر الرأسمالي، وعلى التعاون والملكية المشتركة لجميع وسائل الانتاج بما فيها الأرض"[[248]].
وقد اكتسبت هذه العبارة أهمية بصفتها التعرض الوحيد للديالكتيك، الذي كتبه ماركس في رأس المال، بالرغم من أهميته في نظره.
-3-
بعد هذا الايضاح المختصر، للمرحلة الأولى من الرأسمالية، نصل إلى نهاياتها، حيث لا بد لها تدريجيا ان تتحول إلى المرحلة الثانية.
وهنا نجد كلام كارل ماركس مختصرا ومجملا إلى حد كبير، ان ماركس قد عاصر التراكم الأولي للرأسمالية، ولم يكتب له البقاء بعده، ومن هنا اعتبر الوضع الرأسمالي الذي عاصره هو الرأسمالية بقول مطلق. ولم يتصور تطوره إلى مراحل أعلى إلا لماما.
ومن هنا نرى ماركس قد حمل المرحلة الأولى للرأسمالية، كل المسؤوليات التي صبها على الرأسمالية المطلقة، وقد سمعنا طرفا من ذلك. وكان تعرضه إلى المراحل المتأخرة مختصرا ومن دون تدقيق، في ان هذه المراحل هل تنطوي على كل المسؤوليات أيضا أو لا؟.
بل اننا نستطيع ان نلمس عدم التحديد في اعطاء الصيغة الكاملة للمرحلة التي تلي مرحلة التراكم الأولي. فتارة يوضح ماركس بغموض ان هذه المرحلة هي مرحلة التزاحم الحر أو المزاحمة.
"وكلما ازدهر التراكم الرأسمالي والانتاج الرأسمالي فان المزاحمة والقرض وهما أقوى عاملين من عوامل التمركز ينطلقان... كـما ان نمو إسلوب الانتاج الرأسمالي يخلق أيضا، مع الحاجة الاجتماعية، التسهيلات التكنيكية لهذه المشروعات الهائلة الضخمة، التي يقتضي تشغيلها مركزية مسبقة للرأسمال"[[249]].
نرى إلى جانب ذلك أيضا، ان ماركس يرى أن المرحلة اللاحقة للتراكم هي الاحتكار الذي عده المفكرون الآخرون مرحلة متأخرة من الرأسمالية تأتي بعد المزاحمة الحرة.
فبينما نسمع ماركس يتحدث عن نزع الملكية الذي يحدث في العصر الرأسمالي الأولي، نراه ينتقل مباشرة إلى الاحتكار.
قال:
"ونزع الملكية هذا إنما يُتم حركة القوانين الملازمة للانتاج الرأسمالي التي تؤدي إلى تمركز رؤوس الأموال. بصورة مرتبطة ارتباطا متبادلا مع هذا التمركز، ونزع ملكية العدد الأكبر من الرأسماليين من قبل الأقلية.
... وكلما تدنى عدد سلاطين الرأسمال الذين يغتصبون جميع فوائد مرحلة التحول الاجتماعي هذه ويحتكرونها يتزايد ناميا متعاظما البؤس والاضطهاد والاستعباد والاسترقاق والانحطاط والاستثمار، ولكن تتزايد أيضا مقاومة الطبقة العاملة، هذه المقاومة المتعاظمة دوما،... ويصبح احتكار رأس المال عقبة وعائقا بالنسبة إلى نمط الانتاج الذي نما وازدهر معه وتحت رعايته"[[250]].
ويفهم من هذه العبارة التراكم الرأسمالي الأولي، يعقبه عملية تجريد يقوم به الرأسماليون الكبار ضد الصغار منهم، وبذلك تتحول الرأسمالية إلى احتكار بيد هؤلاء الطغمة القليلة. وحيث يتزايد البؤس في المجتمع يكون ذلك ايذانا بزوال الرأسماليين، ومن ثم الرأسمالية نفسها طبقا لمفاهيم المادية التاريخية التي أسسها ماركس نفسه. إذن فالمرحلة الاحتكارية - طبقا للعبارة الأخيرة - كـما هي المرحلة الثانية للرأسمالية، هي المرحلة الأخيرة لها، ولا تكون قابلة للبقاء بعدها. إذن فالرأسمالية لا تنقسم إلى أكثر من هاتين المرحلتين.
وستأتي الصورة الأخرى التي يعطيها المفكرون الماركسيون الآخرون عن الرأسمالية، لدى الحديث عن المرحلتين الأخيرتن منها.

مناقشة
مرحلة التراكم الأولي

يمكن ان ننطلق إلى المناقشة حول هذه المرحلة من عدة نقاط:
النقطة الأولى: اننا بينما نرى ماركس يرى التراكم الأولي تراكما رأسماليا بل هو الرأسمالية نفسها، نراه في عين الوقت يرى التراكم الأولي سابقا على التراكم الرأسمالي.
اسمعه يقول:
"ولكن التراكم الرأسمالى يفترض مسبقا وجود القيمة الزائدة، وهذه تفترض مسبقا ان يكون ثمة إنتاج رأسمالي. وهو لا يدخل الساحة بدوره، إلا في اللحظة التي تكون قد تراكمت فيها كتلات من الرساميل والقوى العمالية تبلغ حدا معينا من الضخامة، بين أيدي المنتجين البضاعين"[[251]].
فالتراكم الرأسمالي يسبقه إنتاج رأسمالي، وبدون هذا الانتاج لا معنى لهذا التراكم. كما ان الانتاج الرأسمالي لا معنى له، ما لم تسبقه تراكمات سابقة ذات حد معين من الضخامة... هي عبارة أخرى عن التراكمات الأولية التي نتحدث عنها. وهذا يعيّن ان التراكم الرأسمالي متأخر بالضرورة عن التراكم الأولي بمرحلتين أو أكثر: إذن فالتراكم الأولي ليس تراكما رأسماليا، وإنما هو أحد أسبابه ليس إلا.إذ لا معنى لان يكون التراكم الرأسمالي مقدمة وسببا للتراكم الرأسمالي نفسه.
وإذا اعتبرنا التراكم الأولي تراكـما رأسماليا متحققا في المجتمع، إذن فهو سابق على الانتاج الرأسمالي، فلا حاجة إلى جعل هذا الانتاج من أسباب وجود هذا الانتاج، كما دلّت عليه عبارة ماركس. بل لا بد حينئذ من التسليم بأن الانتاج البضاعي كافٍ في إيجاد التراكم.
النقطة الثانية: بينما نرى ماركس يعطي صيغة القانون [التجريدي] العام للتراكم الأولي لرأس المال... وهذا يعني ان كل مجتمع خرج من عهد الاقطاع لا بد له ان يمر به بصفته المرحلة الأولى من الرأسمالية.
إلا اننا حين نرد مع ماركس إلى مرحلة [التطبيق] نجده لا يجد مثالا لذلك إلا المجتمع الانكليزي في قطعة معينة من تاريخه، هما القرنين السابع والثامن عشر.
فبينما يملأ كتابه بالشواهد من ذلك المجتمع، نجده يقول بصراحة:
"وهذا لم يتحقق بعد تحققا تاما جذريا إلا في إنكلترة... ولكن جميع بلدان أوروبا الغربية الأخرى تجتاز الحركة نفسها، ولكن اللون المحلي لهذه الحركة يتغير تبعا لكل بيئة، أو ان هذه الحركة تنضغط في دائرة أضيق أو تعرض أقل بروزا ووضوحا أو تتبع ترتيبا مختلفا"[[252]].
ينتج من كلامه هذا، أن ما مر به المجتمع الانكليزي من التحولات، ليس بالضرورة أن يمر به أي مجتمع آخر، بل يمكن أن يتبع ترتيبا مختلفا بقليل أو بكثير، إذن، فما حسبه كارل ماركس قانونا عاما، ليس - باعترافه - قانونا عاما. وإنما هو تعميم كبير، من مجتمع واحد ليس إلا.
وهذا ما التفت إليه المؤلفون الماركسيون المتأخرون، إذ نسمع كوفالسون يقول:
"إن كتاب [رأس المال] المؤلف الأساسي بين مؤلفات ماركس جميعها، يتناول تحليل القوانين الاقتصادية والاجتماعية لعمل وتطور تشكيلة اجتماعية واحدة هي التشكيلة الرأسمالية.
وبما أن بريطانيا في القرن التاسع عشر، أي في وقت وضع هذا البحث، بلد الرأسمالية الكلاسيكي، فقد دعم ماركس موضوعات كتابه النظرية بمواد من حياة هذا البلد، ولكن اتجاهات التطور التي كشفها في الرأسمالية بوصفها نظاما اجتماعيا اقتصاديا، لا تصح بالنسبة لبريطانيا وحسب بل أيضا بالنسبة لأي بلد كان"[[253]].
ولكن هذا الاعتذار عن ماركس، بتصحيح تعميمه، لا يقره ماركس نفسه، حيث يرى ان كل بلد يمر في شكل مختلف، ويتبع ترتيبا مختلفا عن الآخر. ولعل من جملة أشكال الاختلاف انه لا يمر في الطور الأول للرأسمالية، أو لا يمر بعهد الرأسمالية عموما، كـما سبق ان سمعنا.
النقطة الثالثة: لا بد لنا ان نلاحظ مقدار انطباق قانون الديالكتيك الماركسي على المرحلة الأولى للرأسمالية، ذلك الانطباق الذي رآه ماركس في عبارته السابقة المشهورة[[254]] كليا وتاما... على حين قد نجد ان وجود هذه المرحلة من سابقتها وجود [سلس] غير ديالكتيكي.
إن أحسن فهم أو تفسير يمكن ان نعطيه لتلك العبارة، هو: إن ملكية العمال لوسائل الانتاج في العصر الحرفي، هي [الاطروحـة] في نظام الديالكتيك. الاستملاك الرأسمالي لهذه الوسائل وتجريد العمال منها هو النفي الأول لها... [الطباق]... والانتاج الرأسمالي هو [التركيب]. وهذا الانتاج لا يعيد الاطروحة نفسها أو ملكية العامل لوسائل الانتاج بطبيعة الحال، بل ينتج - لا محالة - الملكية المعترف بها رأسماليا والمؤسسة على معطيات المجتمع ا لرأسمالي.
وطبقا لذلك، يكون ماركس قد أهمل المراحل السابقة على هذا العهد، والمراحل اللاحقة له، ولاحظه كانه وحده الموجود في الكون... لتكون ملكية العمال إطروحة، وما بعدها طباقا وتركيبا. وإلا لو لاحظنا ما سبق ذلك من العهود أمكن أن نبدأ بالاطروحة من حيث نشاء!!! ونعتبر ما بعده طباقا وتركيبا. فمثلا: نعتبر عهد الاقطاع إطروحة، والملكية الحرفية طباقا والتجريد الرأسمالي تركيبا. أو بأي شكل آخر. وكذلك لو لاحظنا العهود اللاحقة.
ويكون ماركس أيضا قد تغافل عن التراكم الأولي الـذي اعتبره فيما سبق من مقدمات التراكم الرأسمالي. إذ لو أدخلناه في الحساب لكانت الفقرات أربعة، فإذا كانت الملكية الحرفية إطروحة، كان التجريد عن وسائل الانتاج طباقا وكان التراكم الأولي تركيبا. وهذا التركيب بدوره يكون إطروحة، ويكون الانتاج الرأسمالي طباقه والتراكم الرأسمالي تركيبه.
... فقد اختلفت الصورة إذن، وإذا لاحظنا العهود السابقة على هذه الفترة، أو اللاحقة لها، أمكن أن تختلف الصورة على أشكال متعددة.
وهذا التشويش في الافتراض، وإمكان توزيع العهود التاريخية على [الثالوث] الديالكتيكي، بأشكال مختلفة في عين الوقت، إن دلّ على شيء فإنما يدل على ضعف أساسي في هذا الثالوث، أو انه لم يعطِ المفاهيم تحديدها الكامل. ان هناك أسباب أخرى للحوادث لا يستطيع الديالكتيك أن يستوعبها.
ولئن كان بين ملكية الحرفيين لوسائل الانتاج وبين تجريدهم منها، شكل من أشكال المضادة أو المنافات... فانه ليس بين هذا التجريد والانتاج الرأسمالي والتراكم بكلا قسميه، أي تنافٍ. بل هي أمور متعاضدة متعاونة [سلسة] الاتجاه في بناء المجتمع الرأسمالي. ولا يمكن ان يكون بعضها نفيا لبعض، كـما يريد القانون الماركسي ان يقول.
النقطة الرابعة: إن البيان الشيوعي الذي شارك ماركس نفسه بتأليفه، على اسقاط مرحلة التراكم الأولي بالمرة، حيث نجده تعرض للاقطاع واتبعه مباشرة بعهد المزاحمة الحرة وهي المرحلة الثانية الآتية، مسقطا للتراكم الأولي عن نظر الاعتبار.
اسمعه يقول:
"وهكذا تبين لنا ان وسائل الانتاج والتبادل التي قامت البرجوازية على أساسها، نشأت داخل المجتمع الاقطاعي. ثم لما بلغت هذه الوسائل حدا معينا من التقدم والرقي، لم تعد الظروف التي كان المجتمع الاقطاعي ينتج ويبادل ضمنها... يتفق مع القوى المنتجة في ملك تقدمها، بل أصبح يعرقل الانتاج عوضا عن تطويره. ثم تحول إلى قيود تكبله، وأصبح من الواجب تحطيم هذه القيود، فتحطمت.
وحلت محلها المزاحمة الحرة، يرافقها نظام اجتماعي وسياسي يناسبها"[[255]].
إذن، ينبغي أن نبقى جاهلين ما إذا كانت الماركسية ترى حقا وجود عهد التراكم الأولي، أو لا ترى وجوده بل، تعتبر المزاحمة الحرة هي العهد الأول للرأسمالية.

القسم الثاني
عهد التنافس الحر

أو المزاحمة الحرة، أو التزاحم في السوق الحرة، أو نظامه المشروع الحر، على اختلاف التعابير، وقد سمعنا في عبارة ماركس إشارة إليها، بصفتها أحد الاحتمالين، للمرحلة اللاحقة للتراكم الأولي[[256]]. كما سمعنا الاشارة إليها قبل قليل من [البيان الشيوعي] على أساس كونها المرحلة الأولى للرأسمالية.
-1-
وتعني هذه المرحلة، تكافوء الفرص للجميع في التجارة والبيع والشراء، بدون تدخل خارجي... وفي سوق حرة ديموقراطية، من وجهة نظر الرأسماليين. ويعتقد هؤلاء أن أساس السوق الرأسمالية والأرباح الرأسمالية قائم على ذلك، وهذا هو مجدهم الرئيسي!!...
-2-
ونرى بالتتبع في المصادر الماركسيه المتوفرة، قديمها وحديثها، للاشارة المقتضبة جدا إلى هذه المرحلة.
فبالرغم من انها مرحلة معترف بها ماركسيا، كما سمعناه من البيان الشيوعي، ووجدناه في حديث كوفالسون حيث يقول:
"وفي ظل الرأسمالية، تتعاظم كثيرا وتائر التطور الاقتصادي والاجتماعي. ففي حقبة تاريخية قصيرة نسبيا تجوّز التشكيلة الرأسمالية في تطورها ثلاث مراحل: من مرحلة التراكم الرأسمالي البدائي إلى مرحلة نظام المشروع الحر، ومنها إلى مرحلة الرأسمالية الاحتكارية"[[257]].
ويريد بالمشروع الحر، ما سماه ماركس بالمزاحمة الحرة، وهي المرحلة الثانية.
وأشار لينين إلى هذه المرحلة مختصرا أيضا حيث قال:
"كان تصدير البضائع الحالة النموذجية في الرأسمالية القديمة، حيث كانت السيادة التامة للمزاحمة الحرة"[[258]].
إلا أن هذه اللمحات لا تكفي لعرض الخصائص التامة، ولا تعدل ما ذكرته الماركسية عن المرحلة الأولى والأخيرة الآتية.
-3-
ويمكن أن يفسر هذا الاعراض الماركسي عن هذه المرحلة بعدة تفاسير:
التفسير الأول: إن هذه المرحلة ملغاة، لا تعترف بها الماركسية، وإنما ترى انقسام الرأسمالية إلى مرحلتين فقط، هرب التراكم الأولي والاحتكار.
وهذا التفسير باطل، باعتبار ما سمعناه من تصريحات الماركسيين بوجود هذه المرحلة.
التفسير الثاني: إن الماركسية تعتبر السوق الحرة، صفة عامة للرأسمالية، كما يرى الرأسماليون أنفسهم، وليست صفة مرحلة للرأسمالية.
وهذا التفسير، مضافا إلى أنه خلاف التصريحات السابقة للماركسيين. فانه - أيضا - منافٍ لتصريحهم وتأكيدهم على زوال هذه الحرية في عصر الاحتكار الرأسمالي، على ما سنسمع بعد قليل. كـما انه مناف لنقد ماركس لهذه الحرية، ذلك النقد الذي يفهمنا بوضوح: انها غير موجودة بالمرة، إلا في خيال الرأسماليين، لانها من زاوية واقعية لا يمكن أن يكون لها أي تطبيق... على ما سنسمع أيضا.
التفسير الثالث: إن الماركسية في كل بحوثها تقرن المفهوم النظري بالزخم العاطفي وقد ترتبت على هذا الاتجاه العام نتائج تربو على حدّ الاحصاء.
وإذا طبقناها على ما نحن بصدده، نجد نتيجتين هامتين:
النتيجة الأولى: اختصار الكلام في مرحلة السوق الحرة، إلى درجة كبيرة، لان الكلام عن الحرية الرأسمالية، قد يصبح من الناحية العاطفية، في مصلحة الرأسماليين الذين تريد الماركسية الاجهاز عليهم.
النتيجة الثانية: التركيز الشديد على المرحلة الثالثة، الاحتكار الرأسمالي، باعتبار ان هذا التركيز يكون من الناحية العاطفية هدما للرأسمالية، وبعثا للقوى الاشتراكية ضدها.
-4-
نقد ماركس هذه الحرية التي تتمجد بها الرأسمالية، نقدا لاذعا في كتابه [رأس المال]. وقرن بينها وبين القيمة الزائدة... ولم يعتبر هذا المجد شافعا ضد الربح الرأسمالي الحرام!!...
ونجد لذلك النقد عدة نماذج، نقتصر منه على بعضه فيما يلي:
فمن ذلك قوله:
"إن تحويل النقد إلى رأس مال، يقتضي - إذن - أن يجد مالك النقد في السوق [وهو الرأسمالي] الشغيل الحر. والحر من وجهة نظر مزدوجة:
أولا: يجب على الشغيل أن يكون شخصا حرا يتصرف وفق مشيئته بقوة عمله، بوصفها بضاعته الخاصة به.
ثانيا: يجب أن يكون ولا بضاعة أخرى لديه لكي يبيعها. ان يكون - اذا صح التعبير - حرا من كل شيء محروما تماما من الأشياء الضرورية لتحقيق قوة عمله"[[259]].
وقد اعتبرت الماركسية هذه الحرية الرأسمالية، حرية شكلية ثابتة تطبيقيا للرأسماليين فقط، وغير شاملة لعمالهم بأي حال.
قال كوفالسون:
"إن الآيديولوجيين البرجوازيين يصورون النظام الرأسمالي بصورة مثالية. ويزعمون انها أقامت التناسق والتناغم بين الفرد والمجتمع، وانها وجدت العلاقة والنسبة الصحيحتين بين حرية الفرد، ومصالح المجتمع.
وبالفعل، من الخطأ، كـما سبق وقلنا، أن نطرح جانبا مكاسب الديمقراطية البرجوازية. ولكنه واضح تماما أن الحرية الشكلية غير المرفقة بتأمين الظروف المادية لتطور جميع أفراد المجتمع، لا تقضي على التفاوت الاجتماعي، ولا على التناحر بين الفرد والمجتمع.
إن حرية الفرد في المجتمع البرجوازي إنما هي حرية الفرد البرجوازي. أما البروليتاريا [العمال] والجماهير المظلومة فقلَّ ما يمكنها الاستفادة من هذه الحرية"[[260]].
إن هذه الفقرة الأخيرة من كلام كوفالسون، صحيحة نتفق فيها مع الماركسية، وهي من أهم نقاط الضعف في النظام الرأسمالي، إلى جانب نقاط أخرى لا تقل عنها أهمية. ولكن هل للديموقراطية البرجوازية مكاسب لا يمكن ان نتغاضى عنها، كما ذهب إليه كوفالسون؟... إن هذا أمر مبالغ فيه جدا، ولا مجال لنا الآن لاستعراض تفاصيله. وإنما يكفينا أن نعرف أن التقدم العلمي والصناعي الذي أحرزته أوروبا، ناتج من جوّ ومستوى عقلي ونفسي وثقافي خاص، ومرتفع، ولا ربط له بالرأسمالية ذاتها. ان أية آيديولوجية أخرى إذا توفر لها ما يشبه ذلك الجو، فانها تستطيع ان تنتج نفس النتائج.
وإنما ينبغي أن ننظر إلى الرأسمالية من حيث نتائجها الخاصة بها، من دون أن نخلط بين الأمور. وسوف لن نجد حينئذ أي نتيجة صالحة أو إنسانية، سوى المظالم الاجتماعية، والتهديد بالحرب العالمية.
-6-
بعد التسليم - مع الماركسية - بوجود الحرية الشكلية في المجتمع الرأسمالي، والتسليم بنقدها الذي ذكرناه.
لا يبقى لنا في مقام المناقشة مع الماركسية، إلا التساؤل عن أن هذا المجال الحر، هل هو صفة عامة للرأسمالية، أو لفترة معينة منها.
إن أكثر المصادر الماركسية تتفق على مرحلية هذه الحرية، كما انها تكاد تسلم بارتفاع هذه الحرية في عصر الاحتكار الذي هو المرحلة الثالثة للرأسمالية.
ولكن هل يصح هذا تماما، بمعنى أن مرحلة التراكم الرأسمالي خالية من الحرية الشكلية، كـما ان عصر الاحتكار خال منها أيضا. عندئذ ستكون الحرية مرحلة معينة. واما إذا كانت هذه الحرية موجودة في أحد العهدين الأخيرين أو كليهما، فمعنى ذلك ان هذه الحرية معنى عام وليس مرحلة معينة.
ان هذه الحرية من الناحية النظرية هي وجود الفرص المتكافئة للحصول على الربح بالنسبة إلى الجميع. ومن ناحية التطبيق يختص بملوك المال، ويحرم منه المتمولون الصغار وكل العمال والحرفيون وغيرهم.
إن هذا المعنى المزدوج للحرية، هو الذي يفرق الرأسمالية عن الاقطاع والاشتراكية، من حيث أن العامل والحرفي في العهد الاقطاعي محروم من الحرية النظرية، على حين أن الفرد في المجتمع الاشتراكي، يفترض فيه انه حاصل على المستوى النظري والتطبيقي معا. وستأتي مناقشة ذلك. فالنظام الذي يحافظ على المستوى النظري، ويرفع اليد عن التطبيق هو الرأسمالية.
إذن، فالرأسماليون، حين يعتبرون هذه الحرية صفة عامة للرأسمالية على حق.
وهذه الصفة موجودة، في عصر التراكم الأولي أيضا، كـما هي موجودة في عصر الاحتكار، وإنما الفرق الأساسي بين العصور الأولى للرأسمالية والعصور المتأخرة لها، هي مقدار حصول الرأسماليين على مقادير الأموال الضخمة، فهي قليلة في أول عهدها نسبيا وكبيرة جدا في آخرها. كما ان تمركز الاحتكار من الصفات المتأخرة للرأسمالية، ومن المعلوم أن تضخم المال وإحتكار المشاريع يجعل تطبيق هذه الحرية أشد غموضا. إلى حد يبقى المستوى النظري نظريا تماما. ومن هنا قد يبدو عدم وجود الحرية بالمرة.
-7-
ومن هذه الزاوية تماما نستطيع ان نفهم الاضطراب الموجود في كلام الماركسيين في تحديد أقسام الرأسمالية.
فاننا نستطيع أن نجد أربعة آراء ماركسية، بهذا الصدد:
الرأي الأول: انقسام الرأسمالية إلى أقسامها الثلاثة. وهو الرأي الذي يصرح به كوفالسون، كما سمعناه في عبارته السابقة.
الرأي الثاني: انقسام الرأسمالية إلى التراكم الأولي والمزاحمة الحرة، مع إسقاط الاحتكار. وهو الذي مال إليه ماركس في رأس المال، حسب ما فهمناه فيما سبق.
الرأي الثالث: اقتصار الرأسمالية على المزاحمة فقط، مع إسقاط التراكم الأولي والاحتكار.
وهو الرأي الذي سمعناه من [البيان الشيوعي]، حـين ذكر عصر الاقطاع أولا، ثم أعقبه بالقول:
"وحلت محلها المزاحمة الحرة، يرافقها نظام اجتماعي وسياسي يناسبها"[[261]].
فهو - إذن - يسقط التراكم الأولي والاحتكار عن نظر الاعتبار، بحيث لا يبدو للرأسمالية إلا شكل واحد.
الرأي الرابع: انقسام الرأسمالية إلى المزاحمة الحرة والاحتكار... مع إسقاط التراكم الأولي.
وهذا هو الرأي الذي يعرضه لينين، في رسالة [الامبريالية أعلى درجات الرأسمالية]. ولعل أوضح عبارة له تبين ذلك قوله:
"إن النتائج الأساسية لتاريخ الاحتكارات، هي إذن الآتية:
1- سنوات العقدين السابع والثامن من القرن الماضي، هي قمة ذروة تطور المزاحمة الحرة. لم تكن الاحتكارات إلا حالات جنينية بالكاد تلاحظ.
2- بعد أزمة سنة [1873] أتت مرحلة تطورت فيها الكارتيلات بصورة واسعة، ولكنها ظلت. مع ذلك حالات نادرة...
3- نهضت أوآخر القرن التاسع عشر، وأزمة سنوات [1900- 1903]تصبح الكارتيلات أساسا من أسس الحياة الاقتصادية بأكملها، صارت الرأسمالية إلى إمبريالية"[[262]].
إذن، فلينين يبدأ من أول الرأسمالية بالمزاحمة الحرة، مع إسقاط التراكم الأولي، ثم يعقب ذلك بالاحتكار.
فهذه الآراء الأربعة، نستطيع ان نستوعبها فهما، طبقا لما سبق ان قلناه.
أما الرأي الذي يعرب عنه [البيان الشيوعي] فهو يعني ان المزاحمة الحرة، هي الصفة الرئيسية للرأسمالية، ترافقها متى وجدت. وبهذا يتفق مع الرأسماليين أنفسهم.
واما رأي ماركس الذي يسقط الاحتكار، فهو باعتبار عدم معاصرته للعصر الاحتكاري.
واما رأي لينين، فلان المزاحمة الحرة. كما عرفنا، وجدت بوجود الرأسمالية نفسها، ومن هنا اعتبرها لينين أول مراحلها. وهو معنى لا ينافي صفة التراكم الأولي الذي يراد به قلة الأرباح بالنسبة إلى العصور المتأخرة للرأسمالية، ان قد يكون الربح قليلا نسبيا والحرية موجودة نظريا.
وهذه الحرية تنتهي - في رأي لينين - بدءا بعصر الاحتكار، باعتبار ما قلناه من انها تنعدم عندئذ على صعيد التطبيق، ويبقى لها وجود نظري [طوبائي] ليس له أي أثر.
واما رأي كوفالسون بتقسيم الرأسمالية إلى الأقسام الثلاثة، فهو باعتبار ملاحظة جهتي الحرية وكمية الأرباح. فحين كانت الأرباح قليلة نسبيا سمي العصر بعصر التراكم الأولي، وإن كانت الحرية الشكلية سارية المفعول فيه. ثم حين زادت الأرباح زيادة ضخمة جدا، ولم يكن للاحتكار وضوح كان عصر التراكم الأولي قد انتهى وعصر الاحتكار غير موجود، والحرية الشكلية ذات وجود تطبيقي إلى حد ما، فسمي بعصر المزاحمة الحرة. وحين بدأ الاحتكار الرأسمالي كان هو الصفة الرئيسية المسيطرة على صفة الحرية، فسمي بعصر الاحتكار.
إذن، فقد صححنا تشويش كلمات الماركسيين... ولكن هل يقر الماركسيون تصحيحنا هذا؟!...

القسم الثالث
عهد الاحتكار

-1-
لعل لينين هو أفضل ماركسي كتب عن هذه المرحلة مفصلا، كما نجده في رسالته عن الامبريالية.
قال في تعريف المزاحمة والاحتكار:
"فالمزاحمة الحرة هي أخص خصائص الرأسمالية والانتاج البضاعي بشكل عام. والاحتكار هو نقيض المزاحمة الحرة المباشر. ولكن هذه الأخيرة أخذت تتحول أمام أعيننا إلى احتكار، منشأة الانتاج الضخم ومزيحة الانتاج الصغير، مُحلة الأضخم محل الضخم، دافعة تركز الانتاج، والرأسمال إلى درجة نشأت وتنشأ عنها الاحتكارات: الكارتيلات والسيندكات والتروستات، دامجة فيها رأسمال نحو عشرة من البنوك تتصرف بالمليارات.
وفي الوقت نفسه لا تزيل الاحتكارات المزاحمة الحرة التي نشأت عنها، بل تعيش فوقها وإلى جانبها، مولدة على هذا الشكل جملة من التناقضات والاحتكاكات والنزاعات في منتهى الشدة والقوة. فالاحتكار هو انتقال من الرأسمالية إلى نظام أعلى"[[263]].
وأود قبل الدخول في فقرة جديدة ان أعلق على هذا الكلام بعدة تعليقات:
أولا: إن الاحتكار إذا كان نقيضا للمزاحمة الحرة، فمعنى ذلك أنه بديلها ومزيلها والحال محلها. ومعه لا معنى لبقائها في عصر الاحتكار، كما تصرح به الفقرة الأخيرة من هذا الكلام.
ثانيا: إن المزاحمة الحرة، كيف تعيش مع الاحتكار، مع انها عنصر نظري ليس له أي تطبيق. وسنسمع تصريحات الماركسيين أن هذه الحرية هي حرية رجال المال دون غيرهم في المجتمع الرأسمالي.
ثالثا: ان قوله: فالاحتكار هو انتقال من الرأسمالية إلى نظام أعلى، يعطينا ان الاحتكار عصر جديد غير عصر الرأسمالية. وهو أمر غريب ماركسيا. فان الحرية إن كانت هي العنصر الأساسي للرأسمالية، وكانت متوفرة في عصر الاحتكار، كما سمعنا من لينين، إذن فالعنصر الأساسي للرأسمالية موجود فيه، فلماذا لا يكون عصرا رأسماليا.
مضافا إلى ما سنسمعه من لينين نفسه مكررا من ان الامبريالية الاحتكارية هي أعلى مراحل الرأسمالية، فان معناه أن عصر الاحتكار رأسمالي بطبعه، فكيف يفترض هنا انه عصر متأخر عن الرأسمالية.
على أن لينين يعتقد بطبيعة الحال، بوجود النقص الأساسي الماركسي - نسبة إلى شخص ماركس - للرأسمالية، في عصر الاحتكار، وهو الحصول على القيمة الزائدة. بل هو في عصر الاحتكار أجلى وأوضح، إذن فيكون هذا العصر رأسماليا.
-2-
ويعطينا لينين أفكارا واسعة مدعمة بالأمثلة عن خصائص الاحتكار وصفاته الأساسية وغير الأساسية. ونحن ننقل هنا المضمون النظري، مع حذف الأمثلة، توخيا للاختصار.
قال:
"إن الرأسمال المالي المتركز في أيدٍ قليلة والذي يمارس الاحتكار فعلا، أرباحا طائلة تتزايد باستمرار من تأسيس الشركات وإصدار الاوراق المالية، ومنح القروض للدولة، إلخ، موطدا بذلك سيطرة الطغمة المالية وفارضا على المجتمع بأكمله جـزية لمصلحة المحتكرين"[[264]].
"إن الخاصة الأساسية في الرأسمالية الحديثة هي سيطرة الاتحادات الاحتكارية التي يؤسسها كبار أصحاب الأعمال. وهذه الاحتكارات هي أوطد ما تكون حين تنفرد بوضع يدها على جميع مصادر الخامات...
وحيازة المستعمرات هي وحدها، ما يعطي الاحتكارات الضمانة التامة للنجاح ضد كل طوارئ الصراع مع المنافس حتى في حالة ما إذا رغب المنافـس في الدفاع عن نفسه باستصدار قانون عن إقامة إحتكار للدولة.
فكلما تقدمت الرأسمالية في تطورها، وكلما بدأ بصورة أوضح نقص الخامات، وكلما استعرت المزاحمة، واشتد الركض وراء مصادر الخامات في العالم كله، احتدم الصراع من أجل حيازة المستعمرات"[[265]].
"إن إتحادات الرأسماليين الاحتكارية، الكارتيلات، السينديكات التروستات، تقتسم فيما بينها، بادئ ذي بدء، السـوق الداخلية، مؤمنة لنفسها السيطرة على الانتاج في بلاد معينة بصورة مطلقة ما أمكن. ولكن لا مناص للسوق الداخلية في عهد الرأسمالية من أن ترتبط بالسوق الخارجية. وقد انشأت الرأسمالية السوق العالمية من أمد بعيد.
وكلما كان يزداد تصدير الرأسمال وتتسع شتى أنواع العلاقات بالخارج وبالمستعمرات، وتتسع [مناطق نفوذ] الاتحادات الاحتكارية الضخمة كانت الأمور تسير [بصورة طبيعية] في الاتجاه العالمي بين هذه الاتحادات، في اتجاه تشكل الكارتيلات العالمية.
وهذه درجة جديدة في تمركز الرأسمال والانتاج في النطاق العالمي ودرجة أعلى من السابقة إلى ما لا قياس له"[[266]].
-3-
ويعطي لينين أربع خصائص للرأسمالية الاحتكارية، هي أقرب للجانب التطبيقي من الجانب النظري أو [التجريدي]، يحسن بنا أن نحمل عنها فكرة، بصددنا هذا:
قال:
"وينبغي أن نشير بوجه خاص إلى أنواع الاحتكار الرئيسية الأربعة، أو إلى أربعة مظاهر رئيسية للرأسمالية الاحتكارية تميز العهد الذي نحن بصدده.
أولا: نشأ الاحتكار عن تمركز الانتاج البالغ درجة عالية في تطوره. وهو إتحادات الرأسماليين الاحتكارية: الكرتيلات، السنديكات والتروستات وقد رأينا الدور الجسيم الذي تلعبه في الحياة الاقتصادية الراهنة...
ثانيا: ساقت الاحتكارات إلى تسريع الاستيلاء على أهم مصادر الخامات ولا سيما خامات الصناعات الرئيسية في المجتمع الرأسمالي، والتي بلغ فيها تنظيم الكارتيلات حده الأقصى، كصناعات الفحم الحجري وتكييف الحديد.
واحتكار حيازة أهم مصادر المواد الخام قد زادت سلطة الرأسمال الضخم لدرجة هائلة، وأزم التناقضات بين الصناعة المنظمة في الكارتيلات وغير المنظمة في الكارتيلات.
ثالثا: نشأ الاحتكار عن البنوك وقد تحولت البنوك من مؤسسات وسيطة متواضعة إلى محتكر للرأسمال المالي. فثمة ثلاثة أو خمسة بنوك ضخمة لأية أمة من الأمم الرأسمالية الراقية، قد حققت [الاتحاد الشخصي] بين الرأسمالي الصناعي والرأسمالي البنكي، وركزت في أيديها التصرف بالمليارات العديدة التي تؤلف القسم الأكبر من الرساميل والمداخيل القدرة في بلاد بأكملها...
رابعا: نشأ الاحتكار عن سياسة حيازة المستعمرات. فالرأسمال المالي قد أضاف إلى بواعث السياسة الامبريالية، إلى البواعث - القديمة العديدة - الصراع من أجل الخامات من أجل تصدير الرساميل، من أجل [مناطق نفوذ]... وأخيرا من أجل الأقاليم الاقتصادية بوجه عام... ولكن عندما تمّ الاستيلاء على تسعة اعشار أفريقيا [حوالي سنة 1900]، عندما تمّ اقتسام العالم برمته، حلّ بالضرورة عهد احتكار حيازة المستعمرات، وبالتالي عهد احتدام أشد الصراع من أجل إقتسام العالم وإعادة إقتسامه"[[267]].
-4-
ونصل أخيرا إلى الامبريالية التي هي أهم خصائص المجتمع الرأسمالي في عصره الثالث.
يعرف لينين الامبريالية بعدة تعاريف:
فمرة نسمعه يقول:
"ولئن كانت هناك ضرورة لتعريف الامبريالية تعريفا في غاية الايجاز، ينبغي أن يقال: الامبريالية هي الرأسمالية في مرحلة الاحتكار ومثل هذا التعريف يضم الأمر الرئيسي"[[268]].
وأخرى نسمعه يعرفها:
"ان الامبريالية هي تراكـم هائل للرأسمال النقدي في عدد قليل من البلدان، يبلغ كـما سبق ورأينا 10 - 150 مليار فرنك من الاوراق المالية"[[269]].
وثالثة يقول:
"الامبريالية مرحلة خاصة من الرأسمالية"[[270]].
ويستمر بالقول:
"لقد نشأت الامبريالية باعتبارها تطورا واستمرارا مباشرا لما فطرت عليه الرأسمالية بوجه عام من خصائص أساسية ولكن الرأسمالية لم تصبح امبريالية رأسمالية، إلا عند ما بلغت في تطورها درجة معينة عالية جدا عندما أخذ يتحول إلى نقيضه بعض من أخص خصائص الرأسمالية [يقصد بها المزاحمة الحرة]!"[[271]].
وهذه التعاريف، مهما اختلفت فانها تتشابه في المضمون المهم. فان المراد من المرحلة الخاصة في التعريف الثالث هي مرحلة الاحتكار في التعريف الأول، وهذه المرحلة مقترنة بتراكم هائل - ليس أوليا - للرأسمال النقدي، في التعريف الثاني. وإن كان هذا التعريف الثاني يعطي للامبريالية رقما اقتصاديا معينا... فكأن هذا هو الامبريالية، أو انها هو... وهو مطلب غريب.
وقال لينين عن بعض خصائص الامبريالية:
"تنزع الامبريالية إلى أن تبرز بين العمال فئات مميزة، وإلى فصلها عن الجماهير البروليتارية الغفيرة"[[272]].
وأضاف:
"وينبغي ان نشير إلى أن نزوع الامبريالية إلى تقسيم العمال وإلى تقوية الانتهازية بينهم وإلى إفساد حركة العمال موقتا، قد ظهر في إنكلترا قبل أوآخر القرن التاسع عشر وبدء القرن العشرين، بزمن طويل. ذلك لان سمتين أساسيتين من السمات المميزة للامبريالية قد بدتا في إنكلترا منذ منتصف القرن التاسع عشر: المستعمرات الشاسعة والوضع الاحتكاري في السوق العالمية"[[273]].
وقال:
"والامبريالية، عصر الرأسمال البنكي، عصر الاحتكارات الرأسمالية العملاقة، عصر صيرورة الرأسمالية الاحتكارية إلى رأسمالية الدولة الاحتكارية، تظهر بوضوح كبير تعزز [آلة الدولة] لحد خارق، واتساع جهازها الدواويني والعسكري اتساعا منقطع النظير من جراء تشديد القمع الموجه ضد البروليتاريا"[[274]].
وأضاف:
"ان التاريخ العالمي يدفع الآن، دون شك، في نطاق أوسع بما لا يقاس من سنة [1852] إلى تركيز جميع قوى الثورة البرولتارية لكي [تهدم] آلة الدولة"[[275]].
وقال بخصوص الدولة الرأسمالية:
"في ظل الرأسمالية، نرى الدولة، بمعنى الكلمة الخاص، بمعنى آلة خاصة تقمع بها طبقة أخرى، تقمع بها الأقلية الأكثرية. وبديهي ان هذا الأمر... يتطلب لنجاحه منتهى الفظاعة ومنتهى الوحشية في القمع، يتطلب بحارا من الدماء تجتازها البشرية في قرون العبودية والقنانة والعمل المأجور"[[276]].
-5-
وبخصوص الحرية الرأسمالية، قال كوفالسون:
"إن الحرية الشكلية غير المرفقة بتأمين الظروف المادية لتطور جميع أفراد المجتمع، لا تقضي لا على التفاوت الاجتماعي ولا على التناحر بين الفرد والمجتمع.
إن حرية الفرد في المجتمع البرجوازي، إنما هي حرية الفرد البرجوازي. اما البروليتاريا والجماهـير المظلومة، فقل ما يمكنها الاستفادة من هذه الحرية"[[277]].
وقال لينين بهذا الخصوص:
"إن الاحتكارات والطغمة المالية والنزوع إلى السيطرة بدلا من النزوع إلى الحرية، واستثمار عدد متزايد من الأمم الصغيرة أو الضعيفة من قبل قبضة صغيرة من الأمم الغنية أو القوية، كل ذلك قد خلق السمات المميزة للامبريالية والتي تحمل على وصفها بأنها الرأسمالية الطفيلية أو المتقيحة"[[278]].

المناقشة
ينبغي أن نسلّم مع الماركسية، بعيوب الرأسمالية عموما، بصفتها [تطبيقا] أو واقعا تاريخيا ناجزا، وتجربة عالمية فشلت فيها الرأسمالية وسقطت عن كونها النظام الأفضل في أعين الناس.
وإنما تنحصر المناقشات في الجوانب النظرية أو بطريقة فهم الماركسية الواقع. وسندخل في المناقشات مع حفظ ما قلناه خلال العرض السابق من المناقشات.
وتتلخص في عدة نقاط:
النقطة الأولى: ان ترتب مراحل الرأسمالية بعضها على بعض، ليس تناقضا ديالكتيكيا، وإنما هو سلس متناسب متعاضد. وأوضح شاهد على ذلك هو أن الرأسمالية في واقعها في تزايد مستمر وفي ترسخ مستمر. وليست المرحلة اللاحقة نافية للمرحلة الأولى، بل مناسبة معها ومؤكدة لها.
وليس الفرق بينها كالفرق بين الاقطاع والرأسمالية أو بين الرأسمالية والاشتراكية، ولا تحتاج وجود كل مرحلة إلى ثورة أو طفرة.
كما لا ينبغى ان تعتبر المرحلة تغيرا كيفيا بالنسبة إلى سابقتها لوضوح أنها تزايد كمي صرف في رأس المال والمؤسسات، وغير ذلك. ومعه كيف يمكق تطبيق القانون الديالكتيكي العام - في رأي الماركسية - على هذه المراحل.
النقطة الثانية: إن من أهم فقرات قوانين المادية التاريخية، هو لزوم تغير كل صفات المجتمع بتغير المرحلة. كـما سبق أن عرضناه مفصلا... فهل ينطبق ذلك في هذا المجال.
إن المجتمع الأوروبي بخصائصه العامة، بقي على وضعه، بكل وضوح تاريخي، خلال عصر الرأسمالية كله... ولم يتغير منه شيء إلا التدقيق العلمي، وبعض الآيديولوجيات الجانبية. ولا تستطيع الماركسية أن تذكر أمورا أساسية اقترن وجودها بأي واحدة من هذه المراحل. فضلا عن أن تكون كل مرحلة قد غيرت كل المجتمع أو الصبغة العامة له.
ولعل من أهم الأمور التي لم تتغير، باعتراف الماركسية، هي صفة [الحرية الشكلية] التي قالت بها الماركسية كصفة شاملة حتى لعصر الاحتكار. وصفة [القيمة الزائدة] التي هي في تزايد مستمر، لا في تغير وتبدل.
وقد تقول الماركسية: ان المراحل الخمسة الرئيسية للمادية التاريخية، هي التي تغـير المجتمع، واما المراحل أو العهود [الداخلية] لكل مرحلة، فلا تكون مغيرة للمجتمع، بل يبقى المجتمع على نفس الصفات خلال كل العهود الداخلية للمرحلة الواحدة.
وجواب ذلك: إن تغير العهود في منطق المادية التاريخية وقانون الديالكتيك لا يختلف فيه الشأن، من زاوية أسبابها ومسبباتها. فكما ان الاقطاع وجد بطريقة [ماركسية] معينة وأوجد أمورا محددة، فكذلك مرحلة التراكم الأولي وجدت بطريقة [ماركسية] معينة وأوجدت أمورا محددة، وهكذا مرحلة المزاحمة الحرة، وما بعدها من المراحل. ان كل مرحلة هي فقرة مستقلة بطبعها من المادية التاريخية خاصة ومن الديالكتيك عامة... فينبغي أن تنطبق عليها قوانينها، مع اننا نراها غير منطبقة، كـما رأينا.
النقطة الثالثة: هل ان مرحلة الامبريالية، محتوية على الخصيصة الرئيسة للرأسمالية، وهي الحرية الشكلية أو لا؟!...
نسمع من لينين عبارة تجيب على هذا السؤال بالايجاب وعبارة تجيب بالنفي!!. أما العبارة التي تجيب بالايجاب فهي قوله:
"لقد نشأت الامبريالية باعتبارها تطورا واستمرارا لما فطرت عليه الرأسمالية بوجه عام من خصائص أساسية"[[279]].
يقصد بها الحرية الشكلية أو المزاحمة الحرة.
وأما العبارة التي تجيب بالنفي، فهي قوله:
"ولكن الرأسمالية لم تصبح إمبرليالية رأسمالية، إلا عند ما بلغت في تطورها درجة معينة عالية جدا، عند ما أخذ يتحول إلى نقيضه بعض من أخص خصائص الرأسمالية"[[280]].
يقصد بها المزاحمة الحرة. وتحوله إلى نقيضه بمعنى تحول الحرية إلى السيطرة والكبت: فيكون المراد من هذه العبارة عدم توفر الحرية خلال عصر الامبريالية. مع ان مقتضى العبارة الأولى توفرها فيها. وهذا من التهافت الصريح في الكلام.
وقد سمعنا فيما سبق كلتا العبارتين، وعلمنا أيضا انهما متتابعتان في سياق واحد وصفحة واحدة. فيكون تهافتا في الفكرة بشكل أغرب وأعجب.
النقطة الرابعة: اننا نتساءل: ما الذي حدا بالرأسماليين الاستزادة من الأرباح؟!...
وهذا السؤال تغفله الماركسية خلال حديثها الطويل عن الرأسمالية، مع سؤال جوهري في غاية الأهمية، باعتباره مرتبطا بالتكوين الأساسي للرأسمالية.
غير أن الماركسية - على أي حال - تستطيع أن تجيب من وجهة نظرها، بأن الرغبة في الربح المتزايد، ناشئ من الوجود الطبقي أو الصراع الطبقي في المجتمع.
إلا أن هذا الجواب لا يمكن أن يكون صحيحا، مع الأسف. لان معناه: ان الطبقة الرأسمالية تحتاج في صراعها مع البروليتاريا إلى هذه الزيادة الضخمة في الأرباح. ولكن هذا غير محتمل لوضوح ممارسة الكبت على العمال من قبل أي جهاز حاكم، أو أي مؤسسة كبيرة، وإن لم يكن الأفراد من ملوك المال. فالمقدار الزائد من المال ليس له تأثير في كبت العمال والسيطرة عليهم.
مضافا إلى ما قالته الماركسية من تزايد أهمية البروليتاريا وقوتها بتقدم عصر الرأسمالية. وهذا يعنى ضعف وجودها السابق، بشكل لا يحتاج معه إلى التوسع الرأسمالي المتزايد من أجل كبته والضغط عليه. على أن الرأسماليين، قد حصلوا على ضد ما أرادوه، فلم توجب زيادة الربح منفعة لهم.
ولعل الماركسية تقول: ان وعي العمال، مما لا يلتفت إليه الرأسماليون. إلا ان هذا غير صحيح لعدة اعتبارات:
أولها: ان الرأسماليين ان لم يلتفتوا إلى ذلك، في أول أمرهم، فانهم لا محالة، يلتفتون إليه من خلال التجارب ومرور الزمن. وإذا كان وعي العمال مقترنا بالتوسع المالي الكبير، فقد يكون من مصالح الرأسماليين - طبقيا - التقليل من أرباحهم لتجنب هذا الوعي!!...
ثانيها: ان وعي العمال غير ناشئ من تضخم المال بمجرده، بل ناشئ من المستوى الثقافي العام للمجتمع الذي يبنيه الرأسماليون أنفسهم ويدافعون عنه، إذن فهم قد شاركوا ضمنا في إيجاد هذا الوعي. إذن فقد عملوا شيئا على خلاف مصالحهم الطبقية...
وإذا لم يصح الجواب الماركسي عن سبب رغبة الربح، يبقى هذا السؤال مفتوحا إلى حـين عرض الرأي الصحيح، من خلال التخطيط الالهي العام.
النقطة الخامسة: إن ما قالته الماركسية من ان تضخم الرأسمالية أو الامبريالية يوجب قوة البروليتاريا وأهميتها... غير صحيح، بعد الالتفات إلى عدة أمور:
الأمر الأول: إن الدولة على أي حال، أقوى من العمال العزل مهما كان حالهم، وتستطيع ان تتصرف في أحوالهم ومصائرهم كيفما تريد.
الأمر الثاني: إن الدولة تستطيع أن تُربي الفرد على الثقافة التي تهواها، بما فيها النزوع إلى تمجيد النظام الرأسمالي، وإذا تربى الفرد على هذه المفاهيم فمن الصعب ان يتخلى عنها بعد ذلك.
الأمر الثالث: إن قيام الدولة بإعطاء الحرية لهم في التعبير عن ارائهم ومشاعرهم من ناحية، وضمان مستوى معاشي أحسن لهم، يرفع - لا محالة - ما في صدورهم من غلّ إلى حدّ كبير، تجاه الدولة والنظام الرأسمالي، ويهدئ من تصرفاتهم وتمرداتهم.
وهذا كله صحيح، لولا نقطة واحدة، هي الزخم العقائدي والمد على مختلف المستويات، الذي تبذله الدول الاشتراكية، لأجل تحويل العمال إلى مذهبها، والشعور بالتمرد والسخط على المجتمع الذي يعيشون فيه... إذن فما تدعيه الماركسية، من ان هذا يحدث تلقائيا وطبقا للقوانين الموضوعية، لا يمكن ان يصح وسنسمع عند [نقد التلقائية] ماركسيا - بعد قليل - ما يلقي ضوءا في هذا المجال.

نهاية الرأسمالية

-1-
طبقا لمفاهيم الديالكتيك الكوني والمادية التاريخية، لا بد للرأسمالية من نهاية، ليحل محلها النظام الأفضل في نظر الماركسية: الاشتراكية. وهو المرحلة الأخيرة من سلسلتها التاريخية.
ومجمل تطبيق هذه المفاهيم على الرأسمالية:
إنه من زاوية الديالكتيك تعتبر الطبقة البرجوازيـة أو الرأسمالية [إطروحة] والطبقة البروليتارية [طباقا] أو نفيا أول للمجتمع الرأسمالي، والمجتمع الاشتراكي [تركيبا] أو نفي النفي، والتركيب دائما يكون أكمل من كل من الاطروحة والطباق... وكذلك المجتمع الاشتراكي يكون أكمل من سوابقه.
واما من زاوية المادية التاريخية، فان الطبقة البرجوازية الرأسمالية، بعد ان كانت طبقة تقدمية بالنسبة إلى الاقطاع ومرتبطة مصلحيا بالشكل الجديد من وسائل الانتاج، وما تستلزمه من علاقات إنتاج... تصبح هذه الطبقة تدريجا [قديمة]، لان وسائل الانتاج تستمر في النمو، فيحدث الجديد منها تلو الجديد، فتبقى هذه الطبقة مرتبطة مصلحيا بالنوع الذي كانت مرتبطة به أولا، ولا يمكنها تغيير علاقات إنتاجها... وتحدث في نفس الوقت، طبقة جديدة مرتبطة مصلحيا بالوسائل الجديدة للانتاج، تفضل العلاقات الانتاجية التي تقررها وتفرضها هذه الوسائل. وهذه الطبقة الجديدة هي البروليتاريا.
وحيث ان قانون المادية التاريخية يقتضي انتصار الوسائل الجديدة والجماعة المرتبطة بها بالضرورة، إذن، فلا بد للبروليتاريا - بالضرورة - أن تنتصر وتُجهز على علاقات الانتاج الرأسمالية، وتبدلها بالعلاقات التي تفضلها هي - أي البروليتاريا - وهي العلاقات التي تقررها الآلة الجديدة، وهي علاقات الانتاج الاشتراكية.
إذن، فبالضرورة سوف يتحقق المجتمع الاشتراكي مولودا من أحشاء المجتمع الرأسمالي، كـما ولد المجتمع الرأسمالي بالضرورة من أحشاء المجتمع الاقطاعي.
هذا هو [التجريد] الماركسي، طبقا للقوانين الماركسية العامة.
-2-
وبالرغم من ان هذا البيان أو التسلسل الفكري صحيح ماركسيا، ومطابق مع قواعد الماركسية... إلا أنها لم تؤكد عليه في هذه المرحلة، كـما أكدت على تطبيقه في المراحل السابقة. بل لم تذكره المصادر الماركسية إلا لماما، كـما هو واضح لمن راجعها.
بل ذكرت ما يخالف ذلك إلى حد كبير، من زاوية ان قانون المادية التاريخية، قانون تلقائي صارم وضروري الانتاج في نظر الماركسية. وهذا معناه إلغاء الوعي البشري في تبديل عهد إلى عهد، بما فيه تبديل عهد الرأسمالية إلى الاشتراكية. وهذا ما تبنته وصرحت به الماركسية في المراحل السابقة، انها لم ترغب به في هذه المرحلة. لان فيه إلغاءا للجهود [الواعية] التي تبذلها الأحزاب الشيوعية في العالم لمناهضة الرأسمالية.
ومن هنا اكدت الماركسية، بكل وضوح، على ما سنسمع بعد قليل على عنصر الوعي البشري والعمل الاختياري في تبديل هذه المرحلة، وشجبت التلقائية بالرغم من أنها هي الناتج الضروري من قانونها الديالكتيكي والمادية التاريخية.
-3-
وقد ربطت الماركسية بين نمو الانتاج ووسائله في عصر الرأسمالية، وبين نمو البروليتاريا من ناحية، التناقض بـين الرأسمالية ووسائل الانتاج من ناحية أخرى.
وهذه النقطة من كـلام الماركسيـين، أقرب الأساليب لقـانون المادية التاريخية، من حيث انطباقه على هذا الحقل.
قال ماركس:
"ولكن الرأسمالية، بسبب تنميتها القوى المنتجة بنسبة هائلة، وقعت في تناقضات لا تستطيع حلها. فهي بإنتاجها كميات كبيرة من البضائع وبإنقاصها أسعار هذه البضائع، تزيد المزاحمة تفاقما واشتدادا، وترمي جاهير الملاكين الفرديين الصغار والمتوسطين في الخراب، والدمار، وتجعلهم في حالة البروليتاريين، وتخفض مقدرتهم الشرائية، وتكون النتيجة ان تصريف البضائع المصنوعة يضحى مستحيلا.
إن الرأسمالية بتوسيعها الانتاج، وبجمعها ملايين العمال في فبارك ومعامل عظيمة، تطبع عملية الانتاج بطابع اجتماعي، وبذلك تنخر قاعدتها بنفسها، لان الطابع الاجتماعي لعملية الانتاج يتطلب ملكية اجتماعية لوسائل الانتاج ولكن ملكية وسائل الانتاج تبقى ملكية خاصة رأسمالية، غير متلائمة مع الطابع الاجتماعي لعملية الانتاج.
... ومعنى هذا، ان علاقات الانتاج الرأسمالية، لم تعد مطابقة لحالة القوى المنتجة، بل دخلت معها في تناقض لا يحل.
معنى هذا، أن الرأسمالية تحل في صلبها ثورة مدعوة إلى إحلال الملكية الاشتراكية في مكان الملكية الرأسمالية الحالية لوسائل الانتاج"[[281]].
"وهكذا يُنتزع تقدم الصناعة الكبرى من تحت أقدام البرجوازية نفس الأسس التي شادت عليها نظام إنتاجها وتملكها. ان البرجوازية تنتج قبل كل شيء حفاري قبورها، فسقوطها وانتصار البروليتاريا، كلاهما أمر محتوم لا مناص منه"[[282]].
-4-
ومن هنا تنبثق في نظر الماركسية أهمية عمل البروليتاريا، في تقويض الرأسمالية، وتوجيه الحزب الشيوعي نحو وعيها وثورتها.
ولعل أوضح من عرض ذلك هو بوليتزر، حيث نسمعه يقول - فيم قال -:
"نستطيع الآن إدراك مهمة نضال البروليتاريا الطبقي التاريخية. وسنرى بأن هذه المهمة هي حلّ التناقض الذي ظهر بين علاقات الانتاج الرأسمالية وبين قوى الانتاج.
كانت البرجوازية تنمي البروليتاريا في نفس الوقت الذي كانت تنمي فيه قوى جديدة للانتاج، حسبما تقتضيه طبيعة علاقات الانتاج الرأسمالية... وكلما تجمعت وسائل الانتاج بين يدي البرجوازية، كلما ازداد عدد البروليتاريا وقوتها.
... غير انه لا يمكن للعمال البروليتاريين ان يؤمِّنوا معيشتهم، كـما نعلم، إلا بالنضال المستمر ضد الطبقة التي تستغلهم. وهكذا ولدت البرجوازية بتوليدها نقيضها [البروليتاريا المستغلة] جيشا من الاعداء يقومون بنضال طبقي ضد المستغلين"[[283]].
وأضاف:
"حتى ما إذا تسرب علم المجتمعات الذي أسسه ماركس وانجلز[[284]]، بين صفوف البروليتاريا، ارتفع مستوى النضال الطبقي بفضل الحزب الثوري[[285]]. لان مهمة هذا الحزب الذي يضم تحت لوائه عناصر البروليتاريا الناهضة، أن يدخل الوعي الاشتراكي في الطبقة العاملة وأن يقودها هي وجميع الطبقات الكادحة المتضامنة معها، إلى دكّ صرح الرأسمالية. فهو يناضل من أجل مطالب العمال العاجلة. غير أنه لا يكتفي بذلك، بل يشرح لهم، بصورة علمية، مصدر الاستغلال"[[286]].
"ولا يستطيع نضال البروليتاريا في هذه المرحلة إزالة الاستغلال الرأسمالي بل يحد من تأثيره. حتى إذا لم تعد علاقات الانتاج الرأسمالية مناسبة لقوى الانتاج، بسبب ازدهار هذه القوى، أي حين تدخل الرأسمالية في نزاع مع قانون الترابط الضروري بين الانتاج وعلاقات الانتاج، تتوفر حينئذ الشروط الموضوعية الجديدة لنضال البروليتاريا... وهكذا يسير نضال البروليتاريا الثوري في اتجاه التاريخ، ولهذا كان واثقا من المستقبل، لان النضال يسير حسب قانون المجتمعات الأساسي"[[287]].
يعني قانون المادية التاريخية. وقال:
"ويعود الفضل إلى ماركس وانجلز بأنهما اكتشفا الوسيلة الوحيدة التي تستطيع حلّ التناقض بين طابع قوى الانتاج الاجتماعي وبين الملكية الخاصة، هو نضال الطبقة العاملة الثوري"[[288]].
"وهكذا يحل نشاط الـناس الواعي محل سير التطور العفوي، ويحل الانقلاب العنيف محل التطور السلمي، وتحل الثورة محل التطور التدريجي.
يقول ماركس: البروليتاريا، في نضالها ضد البرجوازية، تتكون حتما في طبقة، وتنصب نفسها بالثورة طبقة سائدة، وبصفتها طبقة سائدة، تحطم بالعنف نظام الانتاج القديم"[[289]].
"إن حزب البروليتاريا السياسي، هو صاحب الدور القائد والموجه في نضالها الطبقي وبدون الحزب المسلح بالنظرية العلمية والمرتبطة ارتباطا وثيقا بالجماهير، لا يمكن للبروليتاريا أن تحقق النجاح في نضالها ضد أعدائها الطبقيين"[[290]].
وقال لينين متهكما:
"دع [اليساريين] يمتحنون أنفسهم في العمل في النطاق الوطني والدولي. دعهم يحاولون التمهيد لديكتاتورية البروليتاريا [ثم تحقيقها] بدون حزب ذي مركزية قوية وطاعة حديدية"[[291]].
-5-
ومن هذه الزاوية، بالضبط، زاوية التركيز النظري على أهمية الحزب مضافا إلى التركيز العملي... ومن زاوية الشعور بالواقع - على ما سنرى - أكدت الماركسية على نقد التلقائية.
قال بوليتزر:
"وضرورة مثل هذا الحزب، معطى أساسي من معطيات الاشتراكية العلمية، وهو يتفق مع تعاليم النزعة المادية الجدلية والتاريخية. فلماذا؟، لانه إذا صح ان البروليتاريا التي تستغلها البرجوازية مضطرة ماديا للنضال ضدها، فلا يعني ذلك قط ان وعيها الاشتراكي تلقائي. لان نظرية التلقائية معارضة للماركـسية، والنظرية الثورية علم وليس هناك من علم تلقائي. ولقد قام لينين في كتابه [ما العمل؟] بنقد كلاسيكي للتلقائية...
ويلاحظ لينين ان حركة البروليتاريا التلقائية، لا يمكن أن تؤدي بالبروليتاري إلى أبعد من مرحلة تأليف النقابات التي تضم العمال من مختلف المعتقدات السياسية وتهدف للنضال من أجل رفع مستوى الحياة والأجور. ولكن ليس هناك من نقابة - بصفتها هذه - أن تحمل للعمال ما يحمله الحزب السياسي الماركسي، إلا وهو أمل الثورة والعلم الثوري.
... مصلحة البروليتاريا الثورية تأمرها بالدفاع عن الحزب الشيوعي ضد أي هجوم وتقويته، لان وجوده ضروري لانتصارها. اما نظرية التلقائية فهي تضع البروليتاريا تحت حماية البرجوازية.
لان نظرية التلقائية هي الأساس المنطقي لكل نزعة إنتهازية!"[[292]].
إن التلقائية تجعل العامل محطا للتركيز الفكري البرجوازي الذي يبعده من الاقتناع بضرورة الثورة الاشتراكية التي تستهدفقا الماركسية، والأحزاب الشيوعية.
"لان النظرية الفكرية التي تعرض تلقائيا للبروليتاريا في النظام الرأسمالي، هي النظرية الفكرية البرجوازية، كالدين - مثلا - والأخلاق اللذين يلقَّنان في المدرسة، ويدعوان البروليتاريا إلى [التذرع بالصبر] لانه لا بد من [ثواب الفضيلة].
ولا تعتمد النظرية الفكرية البرجوازية على قوة التقاليد فقط، بل تعتمد على الوسائل المادية الضخمة التي تمتلكها البرجوازية الحاكمة"[[293]].
-6-
وبانتهاء العصر الرأسمالي، ينتهي عصر أهم وأطول، هو عصر الوجود الطبقي الذي عانته البشرية منذ نهاية المشاعية الأولى ودخولها في عصر القنانة، إلى نهاية الرأسمالية الامبريالية.
قال كوفالسون:
"تختتم الرأسمالية عهدا هائلا من تاريخ البشرية هو عهد المجتمع التناحري"[[294]].
يعني التناحر الطبقي. ويدخل المجتمع في عصر الوئام الاجتماعي الذي لا تتعدد فيه الطبقات، بفضل الاشتراكية التي تسود المجتمع الجديد.
وسوف يكون للبروليتاريا شرف القيام بهذه المهمة العظيمة.
قال بوليتزر:
"ذلك لان نهاية النضال الطبقي، وانقسام الانسانية على نفسها، يستطيع إعادة الانسجام إلى الانسان وحلول عهد الوعي السعيد. غير ان إزالة النضال الطبقي لا يمكن أن تتم إلا بالاستمرار في النضال الطبقي حتى النهاية. ذلك: لان الثورة البروليتارية، ولا شيء غيرها، هي التي تعيد إلى الانسانية وحدتها التي تتمثل في البروليتاريا والجماهير الشعبية. إذ يستعيد البروليتاريون وحلفاؤهم، في نضالهم الظافر ضد ظلم الطبقات المستغلة وانحطاطها، الانسانية من أجلهم، ويحققون بذلك غاية الانسان"[[295]].

المناقشة
ينبغي أن نتفق مع الماركسية، في أن الرأسمالية، ليست قدرا أبديا على البشرية، بل هي- لا محالة - صائرة إلى زوال، مع ما تحمل من بلايا ودمار.
كـما ينبغي أن نتفق معها، بأن المجتمع المتلائم العناصر، والأخوي في داخله هو الهدف الأساسي للبشرية. وهو الذي يختتم أتعاب البشرية التي عانتها خلال عمرها الطويل. وهذا هو أحد العناصر الرئيسية التي تتفق فيها الماركسية مع [التخطيط الالهي العام] كـما ذكرنا في أول الكتاب.
كـما ينبغي ان نتفق معها أيضا على [نقد التلقائية] وان ذلك اليوم السعيد لا يسود البشرية عفويا، بل يحتاج إلى عمل واسع عظيم من أجل إيجاده. ولكننا سنسمع الآن أن نقد التلقائية غير منسجم مع القواعد الماركسية، بالرغم من تأكيدها عليه.
ومن هنا ينبغي أن تنطلق المناقشات من زاوية إنطباق المفهوم الماركسي التاريخي، على ما أرادت أن تقوله في هذا الحقل بالذات. وذلك ضمن نقاط:
النقطة الأولى: ان قوانين المادية التاريخية، التي تعتقد الماركسية بضرورة إنتاجها، تقتضي [التلقائية] بالضرورة... سواء على مستوى قانون [نفي النفي] أو قانون [تطور وسائل الانتاج]. ومن الواضح انه لا يمكن للحزب الشيوعي [الثوري] ولا لأي فرد أو جماعة ان يغير القوانين الكونية القهرية أو يقف في وجهها.
وهنا قد تقول الماركسية: انها أكدت على جانب الوعي إلى جانب الضرورة كـما سبق أن سمعنا. ومعنى ذلك، انفتاح الفرصة المؤاتية التي يمكن أن تستغل الثورة خلال تلك القوانين الضرورية.
إلا ان هذا الكلام لا يمكن ان يكون صادقا، لعدة أجوبة:
الجواب الأول: إن هذا التركيب بين الضرورة والحرية، قد سبق أن ذكرنا بطلانه وعدم إمكان التسليم بصحته.
الجواب الثاني: اننا نسأل عن أن القوانين الضرورية وحدها، هل هي منتجة لانتقال المجتمع من الرأسمالية إلى الاشتراكية أو لا!؟...ان لم تكن وحدها مؤثرة، فقد فشلت تلك القوانين بعد أن كانـت قد نجحت في المراحل السابقة، مستقلة عن الوعي، وإن كانت تعمل عملها مستقلة عن الوعي، كـما عملت في المراحل السابقة. إذن، فإنتاجها تلقائي بالضرورة، ولا حاجة إلى أعمال الأحزاب الشيوعية بالمرة.
الجواب الثالث: ان الوعي ليس ضروري الانتاج، كـما هو الحال في القوانين الكونية العامة. لانه يعني الحرية وهي تنافي الضرورة، حتى بالفهم الماركسي.
فان كان المجتمع لا ينتقل إلى الاشتراكية إلا بواسطة أعمال الوعي، وليس بالقوانين الضرورية فقط [كما صرحت الماركسية في هذه المرحلة من تفكيرها]... إذن، تصبح مرحلة الاشتراكية غير ضرورية الوجود، باعتبار ان أحد أسبابها، وهو الوعي، ليس ضروري الوجود لإنتاجها.
إلى أجوبة أخرى غير هذه...
ومعه يتعين القول بالتلقائية، طبقا للقوانين المادية الماركسية. ولا معنى لنفيها أو نقدها ماركسيا. وهذا إلى جانب كونه [تقديسا] لهذه القوانين فانه يحتوي إلغاء مهمة الأحزاب الشيوعية. وهذا هو التهافت الذي وقعت فيه الماركسية بين عمل قوانينها وعمل أحزابها. ومنه يتضح بجلاء منافاة وجود الأحزاب الشيوعية مع القوانين الماركسية، وإن اكدت الماركسية على مطابقتها معها.
النقطة الثانية: إن ما سمعناه من الماركسية، قبل قليل، من ان زوال المجتمع الرأسمالي ينتج زوال الطبقية ووجود المجتمع الأفضل الذي هو الهدف الانساني الأعلى... هذا لا يمكن ان يكون صحيحا من زاوية ماركسية.
لان ما يحدث بعد زوال الماركسية ليس هو [الطور الأعلى] للمجتمع الاشتراكي بل هو مرحلة [دكتارتورية البروليتاريا]. وسنسمع عند الحديث عنه بعد قليل، ان الماركسية تصرح بوجود الطبقية والنضال الطبقي فيه... غير أن الأكثرية هي التي تكوّن الطبقة السائدة يومئذ. إذن فالطبقية لن تزول بزوال المجتمع الرأسمالي بل تبقى بعده خلافا لما أرادت الماركسية أن تقول.
النقطة الثالثة: ان الحزب الشيوعي لو انعقد في البلد الرأسمالي انعقادا [تلقائيا] ليقود جماهير البروليتاريا إلى المستقبل الاشتراكي... لكان هذا أمرا معقولا، لو إستطعنا التنزل عن الاعتراضات السابقة. والمفهوم ان هذه هي الفكرة التي حاولت الماركسية [تجريديا] إعطاءها. إلا أن هذا التجريد، لا يصح من الناحية التطبيقية لعدة أسباب:
أولا: ان الأحزاب الشيوعية في العالم لم تنعقد بعد الثورة الحمراء في روسيا من تلقاء نفسها، بل بتدخل وتخطيط من قبل الاتحاد السوفيتي، أولا، والصين الشعبية الماوية ثانيا. ولم يصادف في أي بلد ان وجد الحزب الشيوعي تلقائيا وبدون هذا التدخل بعد الثورة الروسية.
ثانيا: ان هناك عددا من البلدان لا تتصف بالرأسمالية بالمرة، ومع ذلك وجد الحزب الشيوعي فيها. والواقع المعاش أوضح دليل على ذلك في أكثر الدول النامية في العالم. فإذا كانت وظيفة هذا الحزب قيادة البروليتاريا وإذا كانت البروليتاريا لا توجد إلا في مجتمع رأسمالي. فما هي وظيفة الحزب في البلدان غير الرأسمالية؟!...
لعل وظيفته هو نقل البلد إلى الشيوعية قبل المرور بالعصر الرأسمالي، كما سمعنا تصريح لينين بذلك، وان ذلك أمر ممكن بتدخل من الاتحاد السوفييتي، والقوى الشيوعية العالمية. إذن، فوظيفة الحزب الشيوعي سوف تكون هي عصيان قوانين المادية التاريخية الضرورية، وليس تطبيقها، كـما تريد الماركسية أن تقول.
ولكن هذا التدخل مخالف لما اتفق عليه الرأي العام العالمي والقانون الدولي، من [حق تقرير المصير] للشعوب، الذي وافق الماركسيون على صحته.
قال لينين:
"إن حق الأمم في تقرير مصيرها يعني بوجه الحصر، حق الأمم في الاستقلال بالمعنى السياسي"[[296]].
ومحاولة الماركسية لتفسير هذا الحق، بأنه انطلاق من نير الاضطهاد الرأسمالي بالخصوص، كـما يقول لينين عنه:
إن الحق "في حرية الانفصال السياسي عن الأمة المتسلطة المضطهدة"[[297]].
وهي الأمة الرأسمالية بالخصوص في رأيه.
... هذه المحاولة لا يمكن ان تكون ناجحة، فان الرأي العام العالمي إنما رغب بهذا الحق، والقانون الدولي، إنما اعترف به، باعتباره معبرا عن اختيار الشعب لنظامه وحكامه بمحض رغبته واختياره، حسب مستواه الفكري والعقائدي والمدني الخاص. سواء كان مستواه واطئا أم عاليا.
وهذا المعنى، كما ينافي التدخل العسكري لغرض فرض وضع معين على شعب ما، كذلك ينافي التدخل الفكري والعقائدي الذي تحاوله الأحزاب الشيوعية في العالم اليوم... فضلا عن ما تفكر به هذه الأحزاب من الثورة حين تعتقد بضرورتها في مجتمع معين. فان كل ذلك مما ينافي حق تقرير المصير، بالمعنى الثابت قانونيا والمرغوب به عالميا.
وعلى أي حال، فمع وجود نقاط الاعتراض هذه، يصبح تفسير الماركسية لزوال الرأسمالية غير صحيح. ولو بعد التجاوز عن اعتراضاتنا السابقة على قانون الديالكتيك وقانون تطور وسائل الانتاج.
بل ستزول الرأسمالية، لا محالة، بأسباب أخرى، سنعرف أهم تفاصيلها عند الحديث عن التخطيط الالهي لليوم الموعود.





الاشتراكية

تنقسم الاشتراكية، كـما تنقسم الرأسمالية إلى ثلاث مراحل: تتضمن أولاها: دكتاتورية البروليتاريا. وتتضمن الثانية: عهد الاشتراكية الأول الممهد للطور الأعلى. وأما الثالثة: فهي المجتمع الشيوعي الكامل أو الطور الأعلى للاشتراكية، الذي به تتحقق آمال البشرية [الماركسية] في إيجاد المجتمع الأمثل الذي تتحقق به السعادة التامة الكاملة للبشر أجمعين.
يشير إلى ذلك كوفالسون قائلا:
"إن العملية الطبيعية التاريخية لقيام وتطور التشكيلة الشيوعية تشكل ثلاث درجات معروفة تتعاقب بصورة محتمة طبيعية، هي المرحلة الانتقالية التي ترسي الثورة الاشتراكية بدايتها، ومرحلة الاشتراكية، أي الطور الادنى من التشكيلة الشيـوعية، ومرحلة الشيوعية"[[298]].
وسوف تكون القاعدة الاقتصادية الرئيسية فيما قبل المجتمع الأخير، أو بالأخص في المرحلة الثانية، هو المبدأ التالي: [على كل فرد ان يؤدي حسب طاقاته وأن ينال حسب عمله]. على حين تكون القاعدة الرئيسية في المجتمع الأخير هو المبدأ التالي: [على كل فرد أن يؤدي حسب طاقاته، وأن ينال حسب حاجاته] على ما سنسمع[[299]].
وكـما ان الماركسية قد أكثرت الكلام في نقد الرأسمالية، كذلك أكثرت الكلام في وصف الاشتراكية، وذلك لعدة أسباب، كلها مفهومة من زاويتها:
1- إتمام نظريتها: المادية التاريخية، وبنائها الفكري بشكل متكامل واضح.
2- الدعوة العالمية إلى مبدئها والترغيب بأهدافها.
3-تمييز إشتراكيتها عن الاشتراكيات الأخرى، وهي عديدة في العالم. ومن هنا اصطلحت الماركسية على إشتراكيتها بالاشتراكية العلمية. نظرا إلى انها ناتجة عن مبدأ عام لفهم التاريخ، هو المادية التاريخية. وأما الاشتراكيات الأخرى فليست كذلك.
4- اعطاء المبررات النظرية الكافية لتصرفات الحكومات الاشتراكية باعتبار اقتران هذه الأفعال مع التطورات الحتمية للاشتراكية، باعتقاد الماركسية.
وعلى أي حال، فالماركسية هي أولى بمبرراتها. وإنما المهم في هذا الصدد اننا ينبغي أن نبذل جهدا في تلخيص الفكرة الماركسية عن الأطوار الاشتراكية، سواء من جهة [تاريخية] أو من جهة [اقتصادية]، متوخين في ذلك الاختصار مع الايضاح.
ويحسن بنا فيما يلي ان نمشي مع هذه المراحل الثلاث، طبقا للتسلسل الفكري الماركسي.

المرحلة الاشتراكية الأولى
دكتاتورية البروليتاريا

-1-
أكدت الماركسية بوضوح على ضرورة مرور المجتمع بهذه المرحلة، لأجل الانتقال من العهد الرأسمالي إلى العهد الاشتراكي والشيوعي.
قال ماركس:
"بين المجتمع الرأسمالي والمجتمع الشيوعي تقع مرحلة تحول المجتمع الرأسمالي تحولا ثوريا إلى المجتمع الشيوعي. وتناسبها مرحلة انتقالية سياسية لا يمكن ان تكون الدولة فيها سوى الدكتاتورية الثورية للبروليتاريا"[[300]].
وقال لينين:
"إن الانتقال من المجتمع الرأسمالي بسبيل التطور نحو الشيوعية، إلى المجتمع الشيوعي، يستحيل بدون [مرحلة انتقال سياسية] ولا يمكن لدولة هذه المرحلة ان تكون غير الدكتاتورية الثورية للبروليتاريا"[[301]].
-2-
وتتصف هذه المرحلة بوجود الطبقات، كـما كانت عليه في العهود السابقة عليها. ولكن بينما كانت الطبقة القليلة المتنفذة هي المسيطرة والمضطهدة للأكثرية، يكون الآن الأمر بالعكس، فان الأكثرية البروليتارية، هي التي تضطهد الأقلية الرأسمالية ومؤيديها، بل انها تقمعهم قمعا، وتبيدهم عن الوجود في خلال صراع مرير.
قال لينين:
"في مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية يظل القمع أمرا ضروريا، ولكنه يغدو قمعا للأقلية المستثمرة من جانب الأكثرية"[[302]].
وقال ماركس:
"ولكن قبل أن يكون بالامكان تحقيق هذا التغيير، فلا بد من دكتاتورية البروليتاريا، وشرطها الأول هو جيش للبروليتاريا. ان الطبقة الكادحة يجب أن تحصل على الحق في تحررها في ساحة القتال"[[303]].
وقال لينين أيضا:
"إن دكتاتورية البروليتاريا هي الحرب الأكثر بطولة والأشد قسوة، التي تخوضها الطبقة الجديدة ضد عدو أقوى، ضد البرجوازية التي تتضاعف مقاومتها من جراء سقوطها بالضبط... فان دكتاتورية البروليتاريا لا غنى عنها. وانه لمن المستحيل التغلب على البرجوازية دون حرب طويلة عنيدة مستميتة..."[[304]].

-3-
ومن أجل أمرين مقترنين، لا بد من وجود الدولة خلال هذه المرحلة:
أولا: من أجل وجود الطبقات. وقد أفهمتنا الماركسية ان الدولة أداة طبقية للقمع. وما دامت الطبقات موجودة، فلا بد ان تكون الدولة موجودة.
ثانيا: من أجل الحاجة الملحة إلى هذا القمع، خلال هذه المرحلة:
قال انجلز:
"إن البروليتاريا بحاجة إلى الدولة لا من أجل الحرية، بل من أجل قمع خصومها"[[305]].
وقال لينين:
"ويبقى الجهاز الخاص، الآلة الخاصة للقمع [الدولة] أمرا ضروريا"[[306]].
-4-
وسيكون الحزب الشيوعي القائد للطبقة البروليتارية ودولتها.
قال كوفالسون:
"وبدون الحزب، بوصفه القوة القائدة، يستحيل تطبيق ديكتاتورية البروليتاريا"[[307]].
-5-
وستكون الدولة في هذه المرحلة انتقالية، تبعا لانتقالية المرحلة ذاتها. وستكون من نوع جديد يختلف عن شكل الدولة الرأسمالية السابقة عليها، لانها ستكون في طريق الفناء.
قال لينين:
"ولكنها تغدو دولة انتقالية، تكف عن أن تكون الدولة بمعنى الكلمة الخاص"[[308]].
"أولا: إنه لا يلزم البروليتاريا، في رأي ماركس، سوى دولة في سبيل الفناء، يعني مشكّلة بحيث تأخذ في الاضمحلال على الفور، ولا يمكن إلا أن تضمحل.
ثانيا: إن الشغيلة يحتاجون إلى [دولة] هي البروليتاريا المنظمة في طبقة سائدة"[[309]].
-6-
وسيكون للديمقراطية وجود خلال المرحلة البروليتارية، ولكن لن يكون معناها هو المفهوم الرأسمالي البرجوازي... بل معناها جلب أكثرية الشعب إلى جانب البروليتاريا، وصهرهم في بوتقة ثورتهم ضد البرجوازية.
قال لينين:
"وعلى ذلك، نرى ان الديمقراطية في المجتمع الرأسمالي هي ديمقراطية بتراء حقيرة زائفة، هي ديمقراطية للأغنياء وحدهم، للأقلية. أما ديكتاتورية البروليتاريا، مرحلة الانتقال إلى الشيوعية فهي تعطي لأول مرة الديمقراطية للشعب، للأكثرية، بمحاذاة القمع الضروري للأقلية للمستثمرين"[[310]].
وقال أيضا:
"الديمقراطية من أجل الغالبية العظمى من الشعب، والقمع بالقوة يعني حرمان المستثمرين ومضطهدي الشعب من الديمقراطية. ذلك هو التبدل الذي تمر به الديمقراطية عند الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية"[[311]].
وقال كوفالسون:
"إن دكتاتورية البروليتاريا لا تقتصر على جهاز سلطة الدولة، جهاز الحكم. فهي معدة لأجل اشراك الجماهير في البناء الاشتراكي، لأجل اجتذاب الكادحين إلى إدارة البلد. وهي عبارة عن نظام كامل من منظمات جماهيرية [السوفيات، النقابات، التعاون، إتحاد الشباب، وإلخ] يقودها الحزب الشيوعي"[[312]].

-7-
وبالرغم من الاجراءات القمعية ضد البرجوازية الرأسمالية، فان آثارها سوف تبقى خلال هذه المرحلة كلها، فان الناس لا يمكن ان يتغيروا فجأة بالاتجاه الذي تريده لهم الماركسية، وتقتضيه قوانين المادية التاريخية.
قال كوفالسون:
"إن عدد أولئك الذين بوسعهم أن يحطموا ويفسدوا ويبددوا الأموال العامة، لمجرد أنها ليست لهم بل حكومية، يقل أكثر فأكثر في البلدان الاشتراكية. ولكن هذا لا يعني أن جميع أفراد المجتمع قد تعودوا هنا على العمل بوعي وإدراك من أجل الخير العام. فحتى في عشية ثورة إكتوبر أشار لينين قائلا: إن المرء إذا لم ينسق مع الخيال لا يمكنه أن يفكر بأن الناس بعد إسقاط الرأسمالية، يتعلمون على الفور، العمل للمجتمع بدون أية أحكام حقوقية. ناهيك عن أن إلغاء الرأسمالية لا يعطي فورا ممهدات اقتصادية لمثل هذا التغير"[[313]].
وقال لينين:
"إن تحويل الزارع الصغير، تحويل كل ذهنيته وعاداته، هو عمل أجيال كاملة. وان القاعدة المادية والتقنية والاستخدام الكثيف للحارثات والآلات في الزراعة، والكهربة على نطاق واسع، تستطيع وحدها أن تحل هذه القضية وان تصلح ذهنيته نوعا ما، هذا ما يمكن أن يحول رأسا على عقب بسرعة هائلة الزارع الصغير.
وحين أقول: انه لا بد لذاك من أجيال، فهذا لا يعني قرونا. وانكم لتفهمون جيدا انه في سبيل الحصول على حارثات وآلات، وفي سبيل كهربة بلد شاسع الابعاد، لا بد على الأقل، مهما تكن الحال، من عشرات السنين، ذلك هو الوضع الموضوعي"[[314]].
وقال أيضا:
"وعلى ذلك فان المرحلة الأولى من الشيوعية لا يمكنها ان تعطي العدالة والمساواة. تبقى فروق في الثورة، وهي فروق مجحفة ولكن استثمار الانسان للانسان يصبح مستحيلا. لانه يصبح من غير الممكن للمرء أن يستولي كملكية خاصة على وسائل الانتاج، على المعامل والماكينات والأرض وغير ذلك"[[315]].
واستطرد قائلا:
"وعلى هذه الصورة، فان [الحق البرجوازي] في الطور الأول من المجتمع [الشيوعي] الذي يسمى عادة بالاشتراكية يلغي لا بصورة تامة، بل بصورة جزئية، فقط بالمقدار الذي بلغه الانقلاب الاقتصادي، أي فقط حيال وسائل الانتاج"[[316]].
إن لينين يقصد بالطورالأول من المجتمع الشيوعي ما نعتبره في تقسيمنا السابق بالمرحلة الثانية للاشتراكية، على ما سيأتي. وإذا كان هذا صحيحا في المرحلة الثانية، فأخلَق بصحته في المرحلة الأولى.
-8-
وستبدأ الدولة البروليتارية بزمام المبادرة إلى إيجاد تشريعات وتطبيقات إشتراكية. ومن هنا اندرجت هذه المرحلة في العهد الاشتراكي، بالرغم من أن الماركسية اعتبرتها مجرد مرحلة انتقالية.
ونسمع من انجلز قائمة من التعاليم التي يجدر بهذه الدولة تطبيقها، حيث يقول:
"انها [يعني ثورة البروليتاريا] ستقيم بادىء ذي بدء دستورا ديمقراطيا وعن هذا الطريق، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، السيطرة السياسية للبروليتاريا.
ولن تكون الديمقراطية ذات نفع للبروليتاريا، إذا لم تستخدمها من فورها لإتخاذ تدابير تتضمن طعنة مباشرة للملكية الخاصة، وتضمن وجود البروليتاريا، وان أهم هذه التدابير، كـما هي مبينة منذ الآن على أنها مترتبة بالضرورة على الوضع هي التالية:
1- انقاص الملكية الخاصة بواسطة الضرائب التصاعدية والضرائب المرتفعة على الارث. وإلغاء حق الميراث في خط جانبي [الأخوة، أبناء الأخوة،... إلخ] والقروض الاجبارية... إلخ.
2- الاغتصاب التدريجي للملاكين العقاريين والصناعيين وأصحاب السكك الحديدية، وأحواض السفن. اما بواسطة منافسة صناعة الدولة، واما مباشرة، لقاء التعويض بسندات.
3- مصادرة جميع أملاك المغتربين والمتمردين على غالبية الشعب.
4- تنظيم العمل واستخدام العمال في الميادين والمصانع والورشات الوطنية، مع إلغاء منافسة العمال فيما بينهم، وإجبار الصناعيين الموجودين بعد، على دفع نفس الأجر المرتفع الذي تدفعه الدولة.
5- إلزام العمل بالنسبة إلى جميع أفراد المجتمع، حتى القضاء التام على الملكية الفردية. تشكيل جيوش صناعية، وبصورة خاصة من أجل الزراعة.
6- مركزة نظام الائتمان وتجارة المال في أيدي الدولة، وذلك بواسطة تشكيل مصرف وطني برأسمال دولي، وإلغاء جميع المصارف الخاصة.
7- مضاعفة المصانع الوطنية، والورشات، والخطوط الحديدية والسفن واستصلاح جميع الأراضي المزروعة من قبل، بصورة مطردة مع زيادة الرساميل والقوى العاملة التي تملكها البلاد.
8- تربية جميع الأولاد، منذ اللحظة التي يمكن فيها ابعادهم عن الاحضان الأمومية، في مؤسسات وطنية، وعلى نفقة الأمة، [تربية وإنتاج مُصنّع].
9- بناء قصور كبيرة على الأراضي الوطنية التي تكون مسكنا لجماعات من المواطنين المشتغلين في الصناعة والزراعة. وتكون جامعة لمحسنات الحياة المدينية والريفية دون أن يكون لها مساوئها.
10- تدمير جميع المساكن والأحياء غير الصحية والسيئة البناء.
11- حق الميراث المتساوي للأبناء الشرعين وغير الشرعيين.
12- مركزة جميع وسائط النقل بين أيدي الدولة..."[[317]].
-9-
وأخيرا فان البروليتاريا تمارس عملها كدولة، ضمن المجالس السوفييتية. وهنا يتحول الكلام الماركسي إلى [التطبيق] بعد أن كان تجريديا.
ان تطبيق المجالس السوفييتية، واقع معاش في الدولة الاتحادية الشيوعية المسماة باسمها... حيث تدعى بالاتحاد السوفييتي أو [إتحاد جمهوريات روسيا السوفييتية]. وفيه دلالة ضمنية على أن الواقع التطبيقي هناك يمثل العصر الذي نتحدث عنه، وهو مرحلة دكتاتورية البروليتاريا، ولم تصل بعد إلى المرحلة الاشتراكية الثانية أو الطور الشيوعي الأول. وسننظر في ذلك فيما بعد.
المهم الآن، أن نفهم ان هذه المجالس هي النظام الجديد الذي تفتقت عنه أذهان الماركسيين، وأكدوا عليه في مصادرهم تأكيدا كبيرا.
قال لينين:
"ان الدكتاتورية تمارس من قبل البروليتاريا المنظمة في المجالس السوفييتية والموجهة من قبل الحزب الشيوعي البلشفي"[[318]].
"ان المجالس السوفييتية هي التنظيم المباشر للجماهير الكادحة والمستثمرة الذي يسهل لها امكانية أن تنظم هي نفسها الدولة وأن تحكمها بجميع الوسائل... ان التنظيم السوفييتي يسهل بصورة آلية إتحاد جميع الشغيلة المستثمرين حول طليعتهم، التي هي البروليتاريا"[[319]].
إلى أن يقول:
"ان الديمقراطية البروليتارية، هي مليون مرة أكثر ديمقراطية من أي ديمقراطية برجوازية. وان سلطة المجالس السوفييتة هي مليون مرة أكثر ديمقراطية من أكثر الجمهوريات البرجوازية ديمقراطية"[[320]].
"ان المجالس السوفييتية العمالية والفلاحية، تشكل نمطا جديدا للدولة، نمطا جديدا وأعلى للديمقراطية. انها الشكل الذي ترتديه دكتاتورية البروليتاريا وسيلة لادارة الدولة بدون البرجوازية وضد البرجوازية. للمرة الأولى تقوم الديمقراطية هنا في خدمة الشغيلة، لقد كفت عن كونها ديمقراطية من أجل الأغنياء"[[321]].
"إن سلطة المجالس السوفيتية من أجل الشغيلة ضد المضاربين والملاكين والرأسماليين وأصحاب الأراضي الكبار.
هنا تستقيم قوة المجالس السوفييتية وصمودها وجبروتها في العالم أجمع"[[322]].
ومن هنا نفهم، أن الشكل الجديد للدولة والديمقراطية، الذي بشرت به الماركسية [تجريديا]، في هذه المرحلة... يتمثل [تطبيقيا] فقط في المجالس السوفييتية بشكل رئيسي. وبها تتمثل دكتاتورية البروليتاريا المتوقعة ماركسيا. وبالرغم من أنها مطبقة فعلا في بعض الدول الاشتراكية، غير أن الماركسيين يتوقعون وجودها وانتشارها في العالم أجمع.
ولا يخفى كون فكرة المجالس السوفييتية، متأخرة عن ماركس وانجلز، ومن هنا لن نتوقع أن نجد لها في كلامهما أي أثر. لانها إنما وجدت على أثر الثورة الروسية الحمراء بقيادة لينين وجماعته.
وبالرغم من ان الماركسيين أكثروا الكلام عن هذه المرحلة بشكل موسع جدا، باعتبارها مرحلتهم المعاشة ضد الرأسمالية، فان ما ذكرناه خلاصة كافية عن ذلك.

مناقشة
دكتاتورية البروليتاريا

يمكن أن ننطلق إلى المناقشة في هذه المرحلة من عدة نقاط:
النقطة الأولى: إننا نتساءل عن مدى انطباق قانون الديالكتيك الماركسي الكوني على هذه المرحلة، ومدى مشاركته في ايجادها، بعد التسليم - جدلا - بصحته.
اننا إذ نواجه هذا السؤال، نواجه إجمالا وغموضا في إمكان هذا التطبيق. إذ توجد عدة إطروحات أو إحتمالات للجواب على هذا السؤال!:
الاطروحة الأولى: ان يكون الشيء في ذاته أو [الاطروحة] هو الوضع الرأسمالي، ويكون [الطباق] هو البروليتاريا المتنافسية ضمن هذا الوضع ويكون [التركيب] هو الوضع الجديد لدكتاتورية البروليتاريا.
وهذه الاطروحة الأولى، هي المناسبة - على ما يبدو - مع الفهم الماركسي العام... إلا أنها تواجه عدة أسئلة تكون الماركسية مسؤولة عن الجواب عليها، من خلال ذلك:
السؤال الأول: ان طبقة البروليتاريا كانت تنمو خلال عهد الرأسمالية كلها، كما تذكر الماركسية، فإذا كانت عهود الرأسمالية عهودا متفاصلة ودوائر متخارجة، كـما فهمنا من الماركسية سابقا، فكيف يمكن لطباق واحد ان ينمو في عدة إطروحات؟!. ومن الطريف انه لا يؤثر إلا في إفناء الأخيرة[[323]]!!...
السؤال الثاني: إن هذا الطباق غريب الأطوار، لانه بقي بعد زوال الاطروحة أعني الرأسمالية، له وجود واضح. فكيف كان ذلك؟، مع العلم ان الاطروحة والطباق يزول وجودهما المتميز بعد حدوث التركيب، طبقا للقانون الماركسي.
السؤال الثالث: إن التركيب - كـما تقول الماركسية - يتكون من عناصر الاطروحة والطباق، ليكوّن شيئا ثالثا. فهل ان عهد الاشتراكية الأول من الرأسمالية والبروليتاريا معا. مع العلم أن الرأسمالية زالت بحدوث هذا العهد.
الاطروحه الثانية: ان تكون الاطروحة هي العهد الرأسمالي والطباق هو العهد الذي نتحدث عنه، والتركيب هو عهد الاشتراكية أو الطور الشيوعي الأول.
وأهم ما يواجه هذه الاطروحة - بعد غض النظر عن التفاصيل -: ان هذا الثالوث الديالكتيكي سوف يستوفي حاجته بعهد الاشتراكية... وسيكون العهد الشيوعي الأعلى بدوره إطروحة تحتاح إلى طباق وتركيب، فما هو طباقها وتركيبها، وهل يعني ذلك زوال ذلك العهد، مع العلم ان الماركسية أكدت على بقائه واعتبرته التاريخ النهائي للبشرية.
الاطروحة الثالثة: أن تكون الاطروحة هي العهد الاشتراكي الأول، والطباق هو عهدها الثاني، والتركيب هو عهدها الأعلى.
وهذه الاطروحة لطيفة الشكل، من زاوية ماركسية، لان الثالوث الماركسي يكون قد انتهى بعهد الشيوعية الأعلى. إلا أنها على أي حال تواجه سؤالين مهمين:
السؤال الأول: إن هذا الثالوث، وإن كان قد استوفى غرضه، إلا ان قانون نفي النفي يبقى ساري المفعول في الكون... فإذا صح ذلك، احتاج الأمر إلى ثالوث جديد بعد عصر الشيوعية، فمن أين يبدأ وإلى أين ينتهي؟!...
السؤال الثاني: إن عهود الاشتراكية الثلاثة متوافقة ومتصادقة، وليست متنافرة ومتنافية... يعتبر أحدها تأكيدا وترسيخا لسابقه وليس نافيا له... كما وجدنا ذلك - أيضا - في عصور الرأسمالية الثلاث. ومعه فلا يمكن أن يكون الأول إطروحة والآخر طباقا ليكون الثالث تركيبا.
وهناك إطروحات أخرى محتملة لتطبيق قانون الديالكتيك على هذه المرحلة، لا حاجة إلى استقصائها. وقد سبق ان قلنا في مناقشة عصر الرأسمالية، أن تعدد الاطروحات على هذا الشكل، بحيث ان الانسان يستطيع - كما يشتهي! - ان يجعل أي شيء إطروحة وشيئا آخر طباقا وشيئا ثالثا تركيبا... إن هذا التعدد إن دلّ على شيء، فإنما يدل على ضحالة الفكرة من أساسها، وعدم قيامها على أساس منطلق مفهوم.
النقطة الثانية: إن ما سمعناه من الماركسية من أن طبقة البرجوازية تكون موجودة خلال عصر دكتاتورية البروليتاريا... غير صحيح ماركسيا:
أولا: إن تطور وسائل الانتاج يبدو هنا ضعيف التأثير، فبينما كان هذا التطور في عهد الرق يقضي على الأرقاء والمالكين، وفي عهد الاقطاع يقضي على الأقنان والاقطاعييـن... لم يستطع الآن هذا التطور أن يقضي على البرجوازيين. مع أنه - طبقا لسوابقه - يجب ان يقضي على البروليتاريين والبرجوازيين!!... انه الآن ضعيف التأثير، فقد استطاعت قوة البروليتاريا أن تغير من سير القانون الماركسي العام!!...
ثانيا: إن وجود هذه الطبقة خلال عهد البروليتاريا، يعني أمرين لا مناص من أحدهما: فان الماركسية هل تقول ان وجود البرجوازية مع البروليتاريين وجود منسجم، أو تقول بأنه متنافر ومتنافي؟!...
فان قالت أن وجودها منسجم!. إذن، فقد اجتمع الرأسماليون والبروليتاريون في عصر واحد، وهذا بعينه ما كان حاصلا في عصر الرأسمالية. فلم يحصل أي تغيير طبقي، بالرغم من تطور وسائل الانتاج وتغير نظام المجتمع!!...
وإن قالت الماركسية - كـما هو الأوفق بتفكيرها - ان وجود البرجوازية في العصر البروليتاري، وجود متنافر. إذن، فسيكون هذا العهد [إطروحة]، ويكون وجود الرأسماليين يومئذ طباقا. وقد افهمتنا الماركسية ضمنا بأن [التركيب] يكون أنسب بالطباق منه بالاطروحة، كـما هو الحال - مثلا - في الوضع الرأسمالي بالنسبة إلى برجوازي عصر الاقطاع، حيث استطاعوا وهم [الطباق] أن يجعلوا [التركيب]، وهو العصر الرأسمالي إلى جانبهم... والقانون لا يمكن ان يتغير. إذن فالرأسماليون في عصر البروليتاريا طباق، وسيكون التركيب مناسبا معهم... ومعناه ان العصر اللاحق لذلك هو الرأسمالية بشكل أو آخر، وليس هو الاشتراكية على أي حال.
النقطة الثالثة: نتساءل من هم البروليتاريا التي أناطت بهم الماركسية القضاء على الرأسماليين، واقامة دولة على أنقاضهم؟!...
تجيب الماركسية، بـأنهم العمال العصريون، كـما عرفهم البيان الشيوعي[[324]].
وقال لينين:
"إن طبقة معينة، ألا وهي عمال المدن، وعلى العموم عمال المصانع، العمال الصناعيون، تستطيع وحدها أن تقود كتلة الشغيلة والمستثمَرين في الصراع من أجل الاطاحة بنير الرأسمال"[[325]].
وإذا صح ذلك ترتبت عليه عدة نتائج:
النتيجة الأولى: إن هؤلاء البروليتاريا، بصفتهم هذه، مهما كانوا مظلومين ومستثمَرين، بل مهما كانت قيادتهم موجهة من قبل الأحزاب الشيوعية والدول الاشتراكية، لا يستطيعون بأي حال أن يحصلوا على فهم كاف لطرق القيادة السياسية، ما لم يكرس الفرد نفسه لهذا العمل، فلا يكون من البروليتاريا يومئذ. وإنما تكون الأفكارالسياسية في أذهان القادة المشار إليهم فقط... وقد سمعنا من لينين التصريح بأنه لولا وجود الحزب القيادي لا يمكن لوعي البروليتاريا أن يصل إلى أكثر من تكوين النقابات، لا غير.
النتيجة الثانية: إن الأحزاب الشيوعية التي تتكفل قيادة الركب ضد الرأسمالية، ليست من البروليتاريا أساسا... ابتداءا من انجلز وماركس ومرورا بستالين ولينين وانتهاءا بمن جاء بعدهما إلى مركز القيادة. ليس واحد منهم ممن يصح وصفه بهذا الوصف.
إن الأحزاب الشيوعية تقبل في صفوفها، كل مخلص لفلسفتها وسياستها بغض النظر عن طبقته بالمرة، كـما هو معلوم. بل ان أحزابا شيوعية كثيرة تأسست في بلدان كثيرة ليس فيها بروليتاريا - بالمعنى المصطلح ماركسيا - على الاطلاق. اما لكون البلد إقطاعيا، ولا معنى - في رأي الماركسية - لوجود البروليتاريا في غير العصر الرأسمالي، أو قبله - بتعبير خاص -. واما لكون البلد، مهما كان نظامه الاجتماعي، خاليا من المعامل والمصانع الكبرى تماما، كـما هو الحال في الدول النامية عموما. ومع عدم المعامل لا معنى للبروليتاريا. ومع ذلك فان الأحزاب الشيوعية في هذه البلدان موجودة ولها درجة مهمة من النفوذ.
النتيجة الثالثة: إن هؤلاء البروليتاريين، ليسوا أكثرية حيثما وجدوا على أي حال، بل هم أقلية لا يبلغون نصف السكان في أرقى المدن صناعة. نعم، قد يكون العمال بالمعنى العام يشكلون أكثرية مطلقة في مثل هذه المدن. إلا ان العمال البروليتاريين ليسوا كل العمال ولا أكثريتهم. ومن هنا لا يمكن ان يكونوا الأكثرية بأي حال من الاحوال.
وإذا لم يكونوا الأكثرية، كانت ثورتهم ضد الرأسماليين، ثورة فئة أقلية ضد فئة أخرى. فكيف يتسنى للماركسية أن تدعي أن دكتاتورية البروليتاريا هي ديكتاتورية الأكثرية ضد الأقلية.
واما التحاق سائر العمال والمستثمرين وانصاف البروليتاريين وصغار البرجوازيين وغيرهم، وجلبهم إلى صفوفهم، كـما تتوقع الماركسية، فهذا:
أولا: غير مضمون النجاح، وخاصة في ظروف معينة، كارتباطهم مصلحيا ضد الحزب الشيوعي. أو انهم وجدوا مبدأ وعقيدة أهلٍ وأعلى لديهم من الشيوعية، أو لمجرد أن الفرد منهم لا يريد ان يحمل مبدأ معينا أو ان يعمل عملا سياسيا. كـما هو الحال في الكثيرين.
ثانيا: انه لا ينتج شيئا في مصلحتهم، من زاوية النظرية الماركسية، من حيث انهم ليسوا بروليتاريين، وقد أناطت الماركسية المهمة كلها بالبروليتاريا وحدهم.
النقطة الرابعة: عرفنا ان الماركسية اعترفت بإمكان تطبيق الاشتراكية بعد الاقطاع مباشرة من دون مرور بعصر الرأسمالية بالمرة، أو مع وجود برجوازية صغيرة فقط. وقد أكد لينين على إمكان ذلك.
فإذا صح ذلك، وعرفنا إلى جانبه: ان البروليتاريا لا يمكن أن توجد في عصر الاقطاع، بل لا توجد ولا يمكن ان توجد إلا في عصر الرأسمالية، وكان لتطور وسائل الانتاج إلى الحد الرأسمالي، أثر كبير في وجودها.
قال انجلز:
"أفلم يكن في جميع الازمنة بروليتاريا؟، كلا!. لقد كانت توجد على الدوام طبقات فقيرة وكادحة... ولكن لم يكن يوجد دائما فقراء وعمال يعيشون على الظروف التي سبق إليها، أي بروليتاريون... لقد ظهرت البروليتاريا عقيب الثورة الصناعية التي حدثت في إنكلترا أثناء النصف الثاني من القرن الماضي [يعني القرن الثامن عشر] وتكررت بعد ذلك في جميع أنحاء العالم المتمدنة. وهذه الثورة الصناعية قد استدعاها اختراع الآلة البخارية ومختلف آلات الغزل، ونول النسيج الآلي، وجملة كاملة من الاجهزة الآلية الأخرى... إلخ"[[326]].
فإذا ضممنا هاتين القضيتين إلى بعضهما، وهما: إمكان وجود الاشتراكية عقيب الاقطاع، وعدم إمكان وجود البروليتاريا في عصر الاقطاع، وانحصار وجودها في عصر الرأسمالية. نتج من ذلك بكل وضوح أن العصر الاشتراكي الذي يوجد عقيب الاقطاع سوف لن يكون بقيادة البروليتاريا بأي حال. ومعه يكون على الفكر الماركسي أن يتنازل عن أحد أمرين: اما ان يتنازل عن إمكان حدوث الاشتراكية عقب الاقطاع، باعتبار أن عصر الاشتراكية منحصر بفعل البروليتاريين، وحيث لا يكون لهم وجود يكون عصر الاشتراكية متعذرا. واما ان يتنازل عن انحصار حدوث عصر الاشتراكية بفعل البروليتاريا ومن ثم عن عصر ديكتاتورية البروليتاريا جملة وتفصيلا. إذ لا معنى لدكتاتورية البروليتاريا بدون البروليتاريا. انها مخيرة في التنازل عن أحد هذين الأمرين!!.
النقطة الخامسة: حول مفهوم الديمقراطية التي أكدت الماركسية على وجوده، خلال عصر دكتاتورية البروليتاريا.
إن الديمقراطية حسب الفهم القانوني العام هي ان يكون لكل فرد من الامة أو الشعب حق الاختيار في شكل الحكم وأشخاص الحاكمين والاشراف على أعمالهم عن كثب بحرية تامة... ليكون بالتالي مفهوم [حكم الشعب لنفسه] متحققا بدرجة كافية، وان لم يكن بشكله المطلق ممكنا.
وهذا المفهوم، وإن كان لنا بعض المناقشات حوله، ليس هنا محل سردها، ولكن الماركسية - على أي حال - اعتبرته مفهوما صحيحا، طبقا للرأي العام الذي يستهويه هذا المفهوم استهواءا كاملا، وحاولت إدخاله في عهودها المعترف بها من ماديتها التاريخية.
إن الماركسية لم تناقش إلا في تطبيق هذا المفهوم في العصر الرأسمالي، من زاوية انه تطبيق زائف، لا يتضمن إلا ديمقراطية وحرية الأغنياء والرأسماليين، دون غيرهم. وهذا صحيح، لا نختلف فيه مع الماركسية.
ولكن هل يكون تطبيق الديمقراطية في عصر ديكتاتورية البروليتاريا، تطبيقا حقيقيا غير زائف؟!...
إن الماركسية التي ترى ذلك، مسؤولة عن الجواب بالايجاب عن الأسئلة التالية:
1- هل سوف تفسح مجالا للبرجوازيين في اختيار ممثليهم بأنفسهم؟.
2- هل ستكون سيطرة الحكام على الحكم، نتيجة للإنتخاب الشعبي الحر؟.
3- هل يكون تأييد الشعب غير البروليتاري للدولة البروليتارية عن اقتناع وطيب خاطر... أو نتيجة للخوف تارة، وللطمع أخرى، وللمصلحة الشخصية ثالثة؟!...
4- هل يكون للأفراد حرية النقد السياسي والاجتماعي خلال هذه الفترة؟...
إن الحرب العنيدة والمستميتة التي سمعنا لينين يبشر بها خلال دكتاتورية البروليتاريا، والتي طبقت فعلا في الاتحاد السوفييتي بعد ثورة إكتوبر الحمراء، تجيب عن هذه الأسئلة بالنفي، ومعه لا يبقى للديمقراطية بالمعنى القانوني وجود، كـما سنوضح الآن.
أما السؤال الأول عن حرية البرجوازيين، فهو واضح النفي، لان الحرب العنيدة ضدهم مباشرة، فلا معنى للحديث عن حريتهم.
وأما السؤال الثاني: فهو أيضا واضح النفي، فان البروليتاريا، أو قادتها بالأخص، إنما يستولون على السلطة لا من خلال أي انتخاب، بل من خلال هذه الحرب العنيدة نفسها. وهذا هو الأنسب بالفكر الماركسي من ناحيتن:
أولا: من أجل النفرة من الرأسماليين، وإلغاء حقهم بالوجود.
ثانيا: من أجل أن هذه الثورة تعبر عن التغير الكيفي الذي يلي التغيرات الكمية طبقا للقانون الماركسي، الذي قال بضرورة [الطفرة] فيه، كـما سبق ان سمعنا، وفسرت هذه الطفرة اجتماعيا بالثورة. وحصول الانتخاب الحر لا يمثل [طفرة] على أي حال.
واما الجواب عن السؤاليين الثالث والرابع، فسيكون بالنفي أيضا، فان الشعب حين يرى تلك الحرب العنيدة المستميتة الطويلة الامد، لا يكون له مناص من الناحية النفسية إلا إبداء الموافقة على آراء الحكام الماركسيين وفلسفتهم والسكوت عن معارضتهم. فان الفرد أو الأكثر، إن أبدى شيئا من المعارضة، فانه سيتهم بالبرجوازية والرجعية وإرجاع عقارب الساعة إلى الوراء، وسيلحق بالرجوازيين، مهما كان مصيرهم.
وهذا هو الاسلوب الذي طبقه ستالين لمدة ربع قرن من الزمن، ولا زال مطبقا بشكل مخفف أيضا، حيث لا يسمح في البلدان الاشتراكية بأي رأي مخالف فضلا عن المعارض، ولا بأي اضراب أو مظاهرة استنكار.
ولعمري ان هذا الاسلوب هو الأنسب بمعنى الدكتاتورية التي تتبناها البروليتاريا الماركسية، لكن يبقى الفكر الماركسي مسؤولا عن كيفية الجمع بين الدكتاتورية والديمقراطية في مجتمع واحد، بالرغم من تنافيهما الواضح في المصطلح القانوني العام.
النقطة السادسة: ان المجالس البروليتارية المسماة بالسوفييت، هل ترى الماركسية ضرورة وجودها خلال هذا العهد الذي نتحدث عنه... بمعنى ان كل مجتمع يمر بهذا العهد، فلا مناص له من أن يعقد هذه المجالس. ومعنى ذلك اندراجها في الاسلوب [التجريدي] العام للمادية التاريخية، ذلك الاسلوب الذي تفترض الماركسية شموله لكل مجتمع على الاطلاق.
وفهم هذه المجالس بهذا الشكل، هو المفهوم عن عبارة لينين السابقة، حيث يقول:
"ان الدكتاتورية تمارس من قبل البروليتاريا المنظمة في المجالس السوفيتية"[[327]].
بحيث يكون حديثه عنها، كالحديث عن سائر فقرات المادية التاريخية الضرورية الحدوث، وخاصة وهو يرى لزوم انتشار هذه المجالس في العالم أجمع عند حدوث عصرها.
... أم ترى الماركسية، ان وجود هذه المجالس ليس ضروريا، وإنما هي الاسلوب الأفضل لممارسة البروليتاريا الحكم خلال عصر دكتاتوريتها.
وهذا الفهم هو الذي يعرب عنه لينين أيضا حين يقول في عبارة سابقة - أيضا -:
"ان المجالس السوفيتية هي التنظيم المباشر للجماهير الكادحة والمستثمرة الذي يسهل لها إمكانية ان تنظم هي نفسها الدولة... ان التنظيم السوفييتي يسهل بصورة آلية إتحاد جميع الشغيلة... إلخ"[[328]].
إذن، فالمسألة لا تعدو السهولة في الحصول على النتائج المتوخاة...
اننا نجهل بعد ان تهافت كلام لينين، ما الذي يمكن ان يختاره الماركسيون من هذين الرأيين، أو يختارون رأيا ثالثا وهو اختيار شكل آخر من التنظيم غير الذي اختاره لينين قائدهم ومفكرهم.
وعلى أي حال، فهناك ما ينافي رأي هذا المفكر، على كلا احتماليه، من زاويتين:
الزاوية الأولى: إن نظام مجالس السوفييت غير عام في جميع الدول الاشتراكية، بل يختص ببعضها.
قال كوفالسون:
"وفي روسيا صارت السوفييتات شكل ديكتاتورية البروليتاريا. وبعد الحرب العالمية الثانية انبثق شكل الديمقراطية الشعبية للانتقال إلى الاشتراكية"[[329]].
ومعه فلا دليل على أن هذا النظام مطبق في غير الاتحاد السوفييتي نفسه. ومن الواضح من زاوية ماركسية، انه لا يمكن القول بان النظام الاشتراكي الموجود في الدول غير المطبقة لهذا النظام، هي غير ناجحة في إشتراكيتها، أو انها خارقة للضرورة التاريخية.
الزاوية الثانية: قال كوفالسون:
"لقد أشار لينين إلى ان مسألة أشكال الدولة تحل حسب الظروف الملموسة. فان الماركسية لم تضع يوما نصب عينيها مهمة [كشف] أشكال المستقبل السياسية. وانه لمن الخطأ والخرافة التقيد بتحديد صارم لهذه الأشكال. ففي وسع النظرية أن تتنبئ بجوهر التطور، ولكن يستحيل التنبؤ بأشكاله. ولا يمكن اكتشافها إلا في مجرى الحياة بالذات. وبما ان نضال الطبقة العاملة في سبيل الاشتراكية يجري في أوضاع تاريخية متنوعة، فان النظرية تتنبأ بأن هذه الأشكال متنوعة جدا"[[330]].
وإذا كان هذا صحيحا، كان القول بالضرورة التاريخية لمجالس السوفييت واضح الانتفاء، كما ان الالتزام بكونها أفضل أشكال الحكم وأسهلها حصولا على النتائج، أيضا مما لا معنى له، فان الأفضل هو الذي يعينه مجرى الحياة بالذات، وليس للنظرية ان تقول أية كلمة بهذا الصدد.
النقطة السابعة: لقد سمعنا التركيز الشديد من ماركس ولينين، على ضرورة الحرب العنيدة المستمرة في استئصال الوجود الرأسمالي من المجتمع. ومع ذلك نسمع كوفالسون يقول:
"ان مسألة أشكال الانتقال إلى الاشتراكية مرتبط بالظروف الملموسة لتطور الثورة الاشتراكية، وبحدة النضال الطبقي، وبالقدر الذي يمكن به في الظروف المعينة، الانتقال إلى الاشتراكية مع اللجوء أو عدم اللجوء إلى العنف المسلح.
ان الماركسية، كـما سبق وقلنا، لا تنفي البتة، من حيث المبدأ، إمكانية الانتقال السلمي إلى الاشتراكية، إذا توفرت الظروف الملائمة، ففي [مباديء الشيوعية] [عام 1847] أجاب انجلز عن السؤال التالي: "هل يمكن القضاء على الملكية الخاصة بالسبيل السلمي؟. فقال: من الممكن أن نتمنى لو تسير الأمور على هذا النحو، وان الشيوعيين سيكونون - بالطبع - آخر من يعترض على هذا"[[331]].
إن كلام انجلز غير واضح بالموافقة، فان إمكان التمني بعيد عن التمني نفسه، والتمني بعيد عن الواقع نفسه... ذلك الواقع الذي تتحدث عنه الماركسية دائما. ان كلام انجلز عن ذلك كلام يائس، وكلام لينين وماركس واضح بضرورة اللجوء إلى العنف المسلح... وهو الأنسب بالتغير الكيفي أو الطفرة التي تؤمن بها الماركسية. ومع ذلك أباح كوفالسون لنفسه أن يؤكد على عدم اللجوء إلى العنف المسلح.
النقطة الثامنة: بالنسبة إلى التعاليم الاشتراكية التي أعطاها انجلز لهذه الفترة من عصور الماركسية.
إن هذه التعاليم أمور تشريعية لا تمت إلى تفسير التاريخ بصلة، ولا حاجة إلى الايمان بدخلها الضروري في المادية التاريخية. كل ما في الأمر ان انجلز يرى ان هذه التشريعات هي أصلح للمجتمع خلال هذه المرحلة من تشريعات الرأسماليين البرجوازيين.
فهل يصح هذا الرأي منه تماما، أو ان بعض هذه التعاليم على غير صواب... هذا ينبغي ان نؤجله إلى حين الحديث عن المذهب الاقتصادي في مجتمع [اليوم الموعود] من زاوية التخطيط الالهي، في القسم الثالث من هذا الكتاب.
إن بعض هذه التعاليم ستكون صحيحة، كمضاعفة المصانع الوطنية واستصلاح الأراضي وبناء بيوت للعمال. كـما سيكون بعضها خاطئا تماما كإلغاء الملكية الخاصة والتصرف في قانون الارث. واما تفاصيل ذلك فستأتي هناك.

المرحلة الاشتراكية الثانية
الطور الشيوعي الأول
المسمى بالاشتراكية

-1-
تدل بعض كلمات الماركسيين، على أن طور الاشتراكية هذا هو المرحلة الأولى التي توجد بعد الرأسمالية مباشرة.
قال ماركس:
"ان ما نواجه هنا، إنما هو مجتمع شيوعي لا كـما تطور على أسسه الخاصة بل بالعكس، كـما يخرج لتوه من المجتمع الرأسمالي"[[332]].
وأضاف لينين على ذلك موضحا:
"إن هذا المجتمع الشيوعي المنبثق لتوه من أحشاء الرأسمالية، والذي يحمل من جميع النواحي طابع المجتمع القديم، يسميه ماركس بالطور الأول أو الأسفل من المجتمع الشيوعي"[[333]].
وهذا ينافي بكل وضوح التأكيدات السابقة التي سمعناها بأن المرحلة الأولى اللاحقة للرأسمالية، والتي لها القسط الأوفى في الاجهاز عليها، إنما هي دكتاتورية البروليتاريا... بعد العلم بأن طور الاشتراكية الذي نتحدث عنه، ليس هو طور دكتاتورية البروليتاريا، بل ان بينهما بعض الفروق، كـما سنسمع بعد قليل من المصادر الماركسية.
إن ذلك يمكن ان يفسر بأحد شكلين:
الشكل الأول: إن مرحلة دكتاتورية البروليتاريا، مرحلة اعدادية أو انتقالية، لا ينبغي الالتفات إليها أو التركيز عليها عند الحديث عن الاشتراكية. بل ينبغي الدخول في ما هو المهم رأسا، وهو الطور الأول ثم الثاني للاشتراكية.
إن أجابت الماركسية بهذا الشكل، قلنا انه غير صحيح، لان دكتاتورية البروليتاريا قد تطول زمانا كبيرا، بحيث لا يمكن غض النظر عنها بأي حال. على ان الاشتراكية نفسها مدينة لهذه الدكتاتورية بالوجود، فمن الغبن إهدار دورها في ذلك. على أن الماركسية لم تغض النظر عن ذلك بل ركزت عليه وأكدت، ولم تهمله إلا في هذه المرحلة من تفكيرها.
الشكل الثاني: إنه ليس هناك حدود حقيقية ملموسة بين المرحلة الأولى والثانية، فلا يمكن أن يقول القائل: كنا بالامس [يوم الجمعة] في المرحلة الأولى ونحن اليوم [يوم السبت] في المرحلة الثانية. إذن، فيمكن بمجرد دخول عصر دكتاتورية البروليتاريا ومنذ أول الثورة العمالية، يمكن أن نقول: إنه دخل عصر الاشتراكية.
أقول: إن انعدام الحدود الحقيقية بين المرحلتين، قد يكون أمرا صحيحا، إلا ان ذلك لا يعني الخلط بين المرحلتين... فان التشريعات الاشتراكية تكون دائما مسبوقة بالاجهاز على الدولة الرأسمالية وسيطرة رأس المال وعزل الرأسماليين اجتماعيا، إن بقوا على قيد الحياة. وهذه المرحلة من دكتاتورية البروليتاريا، تكون خالية عن التشريعات الاشتراكية وعن إمكان تطبيقها.
إذن، فمهما بولِغ في دمج المرحلتين وتوحيدهما، فان لدكتاتورية البروليتاريا في أولها، فترة [غير إشتراكية] ريثما يتم الاجهاز على العصر السابق عليها، وهذه الفترة لا يمكن أن تكون من أطوار الاشتراكية، بعد افتراض انها ليست إشتراكية، وهي الفترة الرئيسية التي تنفّذ فيها البروليتاريا مهمتها.
ومعه لا يمكن للدمج بين المرحلتين ان يكون صحيحا... كـما لا يمكن أن يكون القول: بان عصر دكتاتورية البروليتاريا كله إشتراكي... صحيحا.
ومما يدعم ذلك، ما سنسمعه من توقف وجود الاشتراكية على شرائط منها: زيادة الانتاج الصناعي زيادة هائلة. ومن الواضح ان مثل هذه الشرائط لا يمكن ان توجد في أول عصر دكتاتورية البروليتاريا. وإنما تعمل البروليتاريا على إيجادها تدريجا.
ومن الطريف ان ماركس ولينين، وخاصة الأخير، قد أكدا على دكتاتورية البروليتاريا تأكيدا كبيرا. ومع ذلك أسقطاها من مراحل التاريخ!!...
-2-
تتفق المرحلة الثانية مع المرحلة الأولى بأربع صفات، منها نقطتا ضعف ونقطتا قوة، من وجهة نظر ماركسية.
النقطة الأولى: وهي نقطة قوة، وهي استمرار سيطرة البروليتاريا على المجتمع. بعد ان تم قيامها بمهام المرحلة السابقة... وهي تصفية الوجود الرئيسي للمجتمع الرأسمالي، وتنفيذ بعض التشريعات الاشتراكية، التي من أهمها ما اقترحه انجلز فيما سبق، وجلب أكبر عدد ممكن من الطبقات التي كانت مستثمرة [بالفتح] إلى جانبها.
النقطة الثانية: وهي نقطة قوة أيضا، وهي ارتفاع الاستغلال الرأسمالي بشكل آكد وأشد مما كان عليه في مرحلة دكتاتورية البروليتاريا. وهذا هو المفروض كلما تم تقليص آثار الرأسمالية وترسيخ الاشتراكية تدريجا.
النقطة الثالثة: هي نقطة ضعف، وهي ان آثار الرأسمالية مهما تقلصت ولا زالت تتقلص باستمرار، إلا انها موجودة على أي حال، وبهذا نطقت المصادر الماركسية.
قال بوليتزر:
"ولهذا تظل طريقة الانتاج الرأسمالية لفترة معينة، جانبا من الاقتصاد"[[334]].
وقال:
"ولا يزال في المجتمع الاشتراكي شيء من التفاوت في الممتلكات، غير انه لا يوجد في المجتمع الاشتراكي قط بطالة ولا استغلال ولا اضطهاد للقوميات"[[335]].
وقال ماركس:
"ان المرء إذا لم ينسق مع الخيال، لا يمكنه ان يفكر بأن الناس، بعد إسقاط الرأسمالية يتعلمون على الفور العمل للمجتمع بدون أية أحكام حقوقية. ناهيك عن إلغاء الرأسمالية لا يعطي فورا ممهدات اقتصادية لمثل هذا التغيير"[[336]].
وقد سمعنا خلال الحديث عن المرحلة السابقة، ما قاله لينين عن هذه المرحلة التي بأيدينا، وكان من ذلك قوله:
"فان المرحلة الأولى من الشيوعية لا يمكنها أن تعطي العدالة والمساواة. تبقى الفروق مجحفة. ولكن استثمار الانسان للانسان يصبح مستحيلا"[[337]].
وعرفنا أن المراد بالمرحلة الأولى من الشيوعية: المرحلة الثانية التي نتحدث عنها من الاشتراكية.
النقطة الرابعة: وهي نقطة ضعف من وجهة نظر ماركسية، وهي بقاء الدولة، وإن كانت في طريقها إلى الاضمحلال، فانها لا تضمحل إلا عند وجود المرحلة الثالثة العليا للمجتمع الشيوعي.
قال لينين:
"ولكن الدولة لا تضمحل بعد بصورة تامة، لانه تبقى صيانة [للحق البرجوازي] الذي يكرس اللا مساواة الفعلية. ولا اضمحلال الدولة، يقتضي الأمر الشيوعية الكاملة"[[338]].
-3-
ولوجود الطور الأول للشيوعية عدة شرائط تتلخص في أمور:
الأمر الأول: الانتاج الضخم الواسع النطاق، بشكل لم تكن تحلم به الرأسمالية بكل قواها.
قال بوليتزر:
"لا إشتراكيـة - إذن - بدون زيادة الانتاج بصورة هائلة، لا يمكن تخيلها في النظام الرأسمالي وهذه ضرورة موضوعية"[[339]].
الأمر الثاني: انه لأجل وجود مثل هذا الانتاج الضخم، لا بد من وجود صناعة تكنيكية عالية، ووسائل إنتاج ضخمة.
قال بوليتزر، بعد كلامه الأخير:
"بيْد أنه كي نستطيع إنتاج سلع للاستهلاك بكميات كبيرة وزيادة حجمها باستمرار، لا بد من البدء بإنتاج وسائل الانتاج بكميات كافية، والعمل على تبديلها وازدهارها. ولهذا وجب أن يبدأ إرتفاع الانتاج بازدياد إنتاج وسائل الانتاج. وهذا يعني أن أحد شروط الاشتراكية الموضوعية هو إيجاد صناعة ثقيلة"[[340]].
الأمر الثالث: انه لأجل وجود هذا النمو الصناعي الضخم، لا بد من إيجاد أيدي عمالية صانعة له ومدبرة لشؤونه.
قال بوليتزر:
"ويتطلب هذا النمو التقني، ان يبلغ تخصص العمال وثقافتهم درجة أسمى من الدرجة التي بلغوها في الرأسمالية، التي تحرم الجماهير من الثقافة والعلم"[[341]].
فيكون الأمر الثالث من شروط وجود الاشتراكية وجود العامل الكفؤ فكريا وثقافيا وعلميا بكمية كافية ووافرة في العالم.
هذا مضافا إلى الشرط المهم الآخر، وهو:
الأمر الرابع: وهو وجود دكتاتورية البروليتاريا، التي لا يمكن بدونها تحقيق أي إشتراكية... كـما سمعنا من لينين يقول:
"لكن الاشتراكية لا يمكن أن تتحقق بطريق آخر إلا من خلال دكتاتورية البروليتاريا، التي تشارك العنف ضد البرجوازية... إلخ"[[342]].
-4-
ينتهي بالقضاء على الثقل المهم للبرجوازية، وظيفة دكتاتورية البروليتاريا ومعه تبقى دكتاتوريتهم ونضالهم ضد الطبقات الأخرى بلا معنى. وهنا تكف البروليتاريا عن النضال.
قال كوفالسون:
"أما في مرحلة الاشتراكية، فان الطبقة العاملة لا تبقى بحاجة إلى النضال من أجل الفلاحيـن. لان التحولات الاشتراكية في الزراعة قد غيرت من طبيعة الفلاحيـن الاجتماعية، ولان البرجوازية قد صُفيت. ولهذا لا تبقى الطبقة العاملة في مرحلة الاشتراكية، بحاجة إلى ديكتاتورية البروليتاريا"[[343]].
وإذا ارتفعت دولة دكتاتورية البروليتاريا، بقيت الدولة موجودة بقيادة الحزب الشيوعي.
قال كوفالسون:
"ان دور الطبقة العاملة في المجتمع الاشتراكي يتجلى عبر قيادة الحزب الشيوعي أو العمالي"[[344]].
فبعد ان كانت هناك اثنينية بين الدولة والحزب، ولو من الناحية الشكلية، خلال عصر دكتاتورية البروليتاريا. لا يبقى لهذه الاثنينية وجود خلال عصر الاشتراكية وإنما تتمحض الدولة في دولة الحزب الشيوعي وقيادته. وسنتحدث بعد قليل عن سر الاثنينية الشكلية الموجودة يومئذ وارتفاعها بعد ذلك. وستكون هذه الدولة شعبية تشارك كل الجماهير فيها!.
قال كوفالسون:
"ان تطور الدولة الاشتراكية يعني إشتراك الجماهير على نطاق أوسع فأوسع في إدارة الدولة، وتطوير الديمقراطية الاشتراكية على نطاق أوسع"[[345]].
-5-
وقد تلخصت مما سبق الفروق الآتية بين عهدي الاشتراكية: الأول والثاني.
أولا: زوال الثقل المهم للبرجوازية في العهد الاشتراكي الثاني، بعد أن قضت عليه البروليتاريا. بينما كان موجودا في عهد دكتاتوريتهم.
ثانيا: زوال دكتاتورية البروليتاريا التي أصبحت بعد زوال البرجوازية غير ذات معنى كـما عرفنا.
ثالثا: اتصاف الدولة في العهد الثاني بصفة تختلف بها عما سبقها من الدول فهي دولة في طريقها إلى الفناء، ولا يمكن إلا ان تكون كذلك، كـما سمعنا من الماركسيين. بينما كانت في العهود السابقة بما فيه عصر دكتاتورية البروليتاريا تبدو وكأنها ذات استمرار وبقاء.
رابعا: تركيز التعاليم الاشتراكية أكثر من العصر السابق، وتطبيقها في مختلف الميادين، وخاصة بعد أن نجحت البروليتاريا في مهمتها وأزالت البرجوازية.
-6-
ولا بد لنا - في هذا الصدد - أن نحيط علما بالفهم الماركسي للاشتراكية وأهم تطبيقاتها خلال هذه الفترة.
ونحن - أولا - ينبغي أن نطلع على التعريف الماركسي للاشتراكية، وخاصة تعاريف إشتراكية الطور الأول الذي نتحدث عنه.
قال انجلز:
"الشيوعية هي تعليم شروط تحرر البروليتاريا"[[346]].
وقال كوفالسون:
"الشيوعية هي نظام اجتماعي لا طبقي تقوم فيه الملكية الواحدة للشعب بأسره على وسائل الانتاج"[[347]].
وقال لينين:
"ان الاشتراكية هي إلغاء الطبقات"[[348]].
وقال:
"ان الاشتراكية تتميز بالملكية الاجتماعية العامة لوسائل الانتاج وبعلاقات التعاون الرفاقي بين أناس أحرار من الاستثمار سواء في الانتاج أم في سائر ميادين النشاط الاجتماعي"[[349]].
وقال بوليتزر:
"الاشتراكية - كـما تحددها الماركسية علميا - هي القضاء على استغلال الانسان لأخيه الانسان، والقضاء في نفس الوقت على طبقات المجتمع المتناحرة"[[350]].
وقال أيضا:
"الاشتراكية هي - حقا - حكم الجماهير الشعبية وملايين الناس الذين كانوا ضحايا الاضطهاد، وحرموا - بواسطة الاستغلال - من كل نمو إنساني"[[351]].
وقال أفاناسييف:
"الشيوعية هي المستقبل المشرق للانسانية جمعاء. ان الشيوعية هي حلم الانسانية طيلة قرون"[[352]].
وقال لينين بصدد التفريق بين الاشتراكية والشيوعية:
"بيْد ان الفرق العلمي بين الاشتراكية والشيوعية واضح. فما يدعونه بالمعتاد بالاشتراكية، قد سماه ماركس بالطور الأول أو الأسفل من المجتمع الشيوعي. فبمقدار ما تصبح وسائل الانتاج ملكا عاما يمكن تطبيق كلمة الشيوعية على هذا الطور أيضا، شريطة إلا ينسى المرء أن هذه الكلمة ليست بالشيوعية الكاملة.
ثم قال:
"فالشيوعية في طورها الأول، في درجتها الأولى لا يمكن أن تكون ناضجة تماما من الناحية الاقتصادية، لا يمكن ان تكون خالية تماما من تقاليد أو آثار الرأسمالية"[[353]].
وسنعرض لتمحيص هذه التعاريف، وملاحظة الفروق بينها، بعد ذلك.
اما كارل ماركس، فلا نجد له تعريفا واضحا للاشتراكية أو الشيوعية. ولعل له العذر من ذلك فيما ذكره لينين عن الفرق بين طوري الشيوعية حيث قال:
"أغلب الظن أن الفرق السياسي بين الطور الأول أو الأسفل والطور الأعلى من الشيوعية سيصبح مع الزمن كبيرا. ولكن من المضحك الاهتمام به في الوقت الحاضر، في الرأسمالية، ولا يمكن لأحد أن يضعه في المقام الأول، اللهم إلا بعض الفوضويين"[[354]].
وحيث يكون ماركس خلال العصر الرأسمالي، وليس من الفوضويين أيضا. إذن، فلا ينبغي ان يتورط فيما هو المضحك من الاهتمام بتعريف الاشتراكية أو الشيوعية، أو إيجاد الفرق بينهما... لو كان منفذا لنصيحة لينين...
-7-
وأهم خطوة يتخذها الماركسيون في سبيل توطيد الاشتراكية هو التصرف في الملكيات الخاصة عموما وملكية وسائل الانتاج خصوصا. ويكون إلغاء ملكية وسائل الانتاج لأجل رفع التناحر الطبقي في المجتمع، الذي كان ناتجا من تلك الملكية، حسب رأي الماركسية. واما رفع الملكية الخاصة عموما، فباعتبار التوصل إلى إلغائها الكلي في الطور الأخير.
قال لينين:
"فان وسائل الانتاج لا تبقى ملكا خاصا لأفراد. ان وسائل الانتاج تخص المجتمع كله. وكل عضو من أعضاء المجتمع يقوم بقسط معين من العمل الضروري اجتماعيا، وينال من المجتمع بمقدار كمية العمل الذي قام به"[[355]].
وأعطى كوفالسون من جملة خصائص المجتمع الاشتراكي في طوره الأول:
"تصفية الملكية الرأسمالية واقامة الملكية الاجتماعية العامة لوسائل الانتاج الأساسية، تحويل الزراعة تدريجا على أسس إشتراكية"[[356]].
وقد سمعنا من جملة فقرات تعاليم انجلز خلال عصر دكتاتوريـة البروليتاريا: لزوم انقاص الملكية الخاصة، والاغتصاب التدريجي للملاكين العقاريين والصناعيين وأصحاب السكك الحديدية وأصحاب السفن ومصادرة جميع أملاك المغتربين والمتمردين على غالبية الشعب: ومركزة نظام الائتمان ووسائط النقل بيد الدولة[[357]]. والمفروض خلال العهد اللاحق لدكتاتورية البروليتاريا، إن هذا كله أصبح ناجزا تماما، نتيجة جهود البروليتاريا الماركسية في توطيد أسس الاشتراكية.
وقال آخرون:
"ان سيطرة الملكية الاشتراكية الجماعية لوسائل الانتاج بلا منازع هي الخاصة الأساسية والسمة الرئيسية المميزة الاشتراكية"[[358]].

-8-
إن الملكية العامة أو الاجتماعية خلال عصر الاشتراكية تنقسم إلى قسمين هما: ملكية الدولة والملكية التعاونية.
قال أفاناسييف:
"والملكية الاجتماعية توجد على شكلين: ملكية الدولة أي ملكية الشعب كله في شخص الدولة الاشتراكية والملكية الكولخوزية التعاونية أي ملكية كولخوزات معينة أو إتحادات تعاونية. وشكلا الملكية هذان شكلان إشتراكيان للملكية يضـمان حل مهمات بناء الشيوعية. ان الشكل الأساسي والغالب للملكية في المجتمع الاشتراكي هو ملكية الدولة"[[359]].
وأضاف آخرون:
"ولم يظهر هذان الشكلان من الملكية الاشتراكية بالصدفة، فان وجودهما ضروري موضوعيا.
وبهذا ربطت الماركسية بين أشكال الملكية والضرورة المادية التاريخية التي تؤمن بها، كـما ربطت بين وجود المجتمع الاشتراكي وتطور وسائل الانتاج.
"تشمل ملكية الدولة جميع الأراضي [في الاتحاد السـوفييتي وجمهورية منغوليا الشعبية] وباطن الأرض والمياه والغابات والمصانع والمناجم واستثمارات الدولة والسوفخوزات في الزراعة والنقليات الحديدية وغيرها من النقليات ووسائل المواصلات والمؤسسات التجارية والتخزينية الحكومية والقسم الأساسي من المباني السكنية في المدن والمراكز الصناعية وشبكة المؤسسات العلمية والثقافية"[[360]].
"وتشمل الملكية التعاونية الكولخوزية قسما من الأراضي في البلدان الاشتراكية [ما عدا الاتحاد السوفييتي وجمهورية منغوليا الشعبية] والآلات الزراعية والأبنية والماشية التعاونية، والمؤسسات المساعدة لتحويل المواد الأولية الزراعية والمحاصيل المنتجة في التعاونيات. وفضلا عن ذلك تشمل الملكية التعاونية شبكة المؤسسات التجارية التابعة لتعاونيات الاستهلاك، مع احتياطياتها البضاعية، وكذلك التعاونيات الحرفية مع مالها من المنتوج والتجهيزات"[[361]].
"ويعتبر كلا شكلي الملكية الاشتراكية... وحيدي الطراز من حيث طبيعتهما الاجتماعية - الاقتصادية، إذ أنهما يعبران عن الطابع الاجتماعي لتملك نتائج العمل ويرفضان استثمار الانسان للانسان ويشترطان علاقات التعاون والتعاضد ويتطلبان المبدأ الاشتراكي للتوزيع، ويتطوران تطورا منهاجيا.
ومع ذلك توجد فروق معينة بين ملكية الدولة والملكية التعاونية الكولخوزية. والفرق الأساسي هو في درجة تشريك وسائل الانتاج. فملكية الدولة هي ملكية الشعب بأسره... والملكية التعاونية الكولخوزية هي ملك جماعات منفردة من الكادحين، وهي لذلك ملكية جماعية.
... ثم ان قسما من وسائل الانتاج يبقى في حوزة الملكية الشخصية لاعضاء التعاونيات في الاستثمارات الشخصية للكولخوزيين.
وينجم عن هذا أن ملكية الدولة... بالمقارنة مع الملكية التعاونية الكولخوزية، الشكل الأكثر كمالا للملكية الاشتراكية، وهي تجسد مستوى أعلى لتشريك الانتاج"[[362]].
-9-
يكون الاسلوب الاقتصادي الأساسي خلال هذه الفترة للعمل المأجور قائما على القاعدة القائلة: من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله. وهو من الفوارق الكبيرة عن الطور الأعلى حيث يكون لكل عامل حسب حاجته لا حسب عمله.
ولعل أفضل من شرح هذه القاعدة من زاوية ماركسية وذكر مميزاتها، واعتبرها مميزات مرحلية تمثل مرحلة ما بعد الرأسمالية وما قبل الشيوعية. هو بوليتزر حيث نجده يقول:
"لا شك ان العثرة الرئيسية التي تحول دون ان ينال كل فرد حسب حاجاته في العالم الحديث، هي الاستغلال الرأسمالي التي يبذّر ثروات العمل الانساني. والنتيجة الأولى لإزالة استغلال الانسان لأخيه الانسان هي أن العامل يستطيع أن ينال حسب عمله الذي يؤديه دون أن يسلب جزءا من الثروة التي أنتجها"[[363]].
وبذلك تلافت الماركسية ما تورطت به الرأسمالية في نظرها من سرقة أرباح العامل وغمط أجرة عمله، متمثلة في [القيمة الزائدة] التي يأخذها الرأسمالي من العامل قهرا. وهو العنصر الذي تكونت منه الرأسمالية أساسا في رأي كارل ماركس، كما سبق ان عرفنا مفصلا.
فان العامل في هذه المرحلة الاشتراكية سيعطى بمقدار عمله، وسوف لن يغمط من أجرة عمله شيئا، كـما كان عليه الحال في المرحلة الرأسمالية.
وفي نفس الوقت، حيث يختلف العمل يختلف الأجر، وبذلك يتفاوت العمال في مقادير دخلهم. والى ذلك أشار بوليتزر قائلا:
"ولهذا كانت المساواة في المجتمع، هي في ان تعطي كل فرد حسب عمله أي بصورة غير متساوية بين الأفراد، بعد أن يؤَمن كل فرد أسباب معيشته [بفضل إزالة الاستغلال] ولهذا لا يجب مساواة الاشتراكية بنزعة خيالية للمساواة بين الناس.
كتب موريس توريمز يقول: اما فيما يتعلق بنزعة المساواة التي تقوم على قياس الناس بنفس المقياس، فهي استحالة اجتماعية، لان هناك تفاوتا طبيعيا بين الناس، سببه كفاءاتهم البيولوجية والنفسية. أما التفاوت الذي يسعى الشيوعيون لإزالته فهو التفاوت الذي ينشأ عن وجود الطبقات"[[364]].
-10-
وتلحق بهذه القاعدة، قاعدة أخرى هي: [ان من لا يعمل لا يأكل] ذلك أن الماركسية تستهدف في المجتمع الاشتراكي أن تحول المجتمع كله إلى شغيلة، أو عمال يعيشون بأجور عملهم، بالرغم من أن ذلك مهمة صعبة وطويلة الامد.
قال لينين:
"وفي سبيل القضاء على الطبقات يجب ثانيا: القضاء على الفارق بين العامل والفلاح، وتحويل المجتمع كله إلى شغيلة. ولا يمكن القيام بذلك دفعة واحدة. تلك مهمة أصعب بما لا يقاس، وبالتأكيد مهمة طويلة الامد"[[365]].
وإذا تم ذلك، يكون من الطبيعي أن [من لا يعمل لا يأكل]، لانه غريب على المجتمع، إن هذه القاعدة أساسية في بناء الاشتراكية الماركسية. وقد أكد عليها لينين أكثر من مرة.
قال مرة:
"ان ذلك الذي لا يعمل يجب أن لا يأكل"[[366]].
وقال مرة أخرى:
"من لا يعمل لا ينبغي أن يأكل"[[367]].
وبذلك تلافت الماركسية تارة أخرى، بعض نقائص الرأسمالية، من زاوية ان الرأسماليين لم يكونوا يعملون، ومع ذلك فهم [يأكلون] بل يعيشون أرغد عيش، أما الآن، فليس هناك رأسماليون، بل كلهم عمال، وليس هناك من يأكل بدون عمل، بل كلهم يعيشون على ما يؤدونه من أعمال.
-11-
ولا بد، خلال الحديث عن هذه المرحلة، من أن نحمل فكرة كافية عن ربطها الماركسي بتطور وسائل الانتاج... بصفتها حلقة من حلقاتـه الضرورية، من زاوية المادية التاريخية.
قال كوفالسون:
"وكـما في جميع التشكيلات السابقة، تنبثق التناقضات في ظل الاشتراكية أيضا، بين القوى المنتجة وعلاقات الانتاج، من جراء تطور القوى المنتجة. ولكن طابع هذه التناقضات وأشكال تطورها وأساليب حلها، تختلف في ظل الاشتراكية اختلافا مبدئيا عنها في ظل التشكيلات السابقة"[[368]].
وقد وجدت الماركسية نفسها مسؤولة عن الجمع بين فكرتين لتطور وسائل الانتاج.
الفكرة الأولى: التطور الضروري الذي آمنت به من خلال المادية التاريخية. ذلك التطور الذي أوجد كل ظواهر التاريخ، فهو موجد بالضرورة هذه المرحلة منه أيضا.
الفكرة الثانية: التطوير الواعي لوسائل الانتاج الذي تقوم به البروليتاريا خلال عصر دكتاتوريتها تطويرا هائلا يكون ممهدا لزيادة الانتاج الممهدة لتطبيق المجتمع الشيوعي.
يمثل الفكرة الأولى قول بوليتزر:
"تستحيل الاشتراكية بدون شروط موضوعية مرتبطة بمرحلة تاريخية معينة. ففي بلد، لم تنمُ فيه الصناعة نموا كبيرا، كالصين مثلا، لا تستطيع البروليتاريا، وقد أصبحت في الحكم، أن تفكر في إقامة الاشتراكية قبل إيجاد الأسس التي تقوم عليها، أي إيجاد صناعة قومية كبرى"[[369]].
وكذلك يمثل الفكرة الأولى كلام ستالين، حين يتحدث عن الاتحاد الـسوفييتي فيقول:
"استخدمت الطبقة العاملة قانون الترابط الضروري بين الانتاج وبين طابع قوى الانتاج، ولم تستطع القيام بهذا بفضل مواهبها الخاصة. بل لان ذلك كان مهما بالنسبة إليها"[[370]].
ويمثل الفكرة الثانية، قول كوفالسون:
"إن مفعول قانون التطابق في ظل الاشتراكية، يتميز بخاصة رئيسية قوامها انه تتوفر للمجتمع في ظل الاشتراكية إمكانية إتخاذ الاجراءات في الوقت المناسب لجعل علاقات الانتاج تتطابق مع القوى المنتجة النامية، أي إمكانية حل التناقضات الناشئة بينهما حلا واعيا.
إن علاقات الانتاج الاشتراكية تخلق الامكانيات لإنماء القوى المنتجة وتطويرها وحافزا للتقدم التكنيكي، وتربية الموقف الشيوعي من العملة وإنما إنتاجية العمل بسرعة.
ولكن هذه الامكانيات لا تتحول من تلقاء ذاتها إلى واقع ولا تتحقق أوتوماتيكيا. ولهذا كان تطوير نشاط الشعب في ميدان العمل - أي نشاط العمال والفلاحيـن التعاونيين والمثقفين - أهم شرط في ظل الاشتراكية لتطوير الانتاج وللحد الأقصى من تعجيل التقدم العلمي والتكنيكي"[[371]].
وهذا، وأما إمكان الجمع بـين هاتين الفكرتين، أو عدم إمكانه، فهو ما سنتعرض له خلال المناقشة.
-12-
وتسرد المصادر الماركسية عدة خصائص متوخاة، لا بد من تحقيقها خلال عصر الاشتراكية. وأهم هذه الصفات، إيجاد مستوى ثقافي عال جدا، وخاصة الثقافة الصناعية التي تيسر زيادة الانتاج بشكل خاص.
قال بوليتزر:
"تهتم الدولة نفسها بالثورة الثقافية وإذاعة الأفكار والعلم التقدمي بين الشعب، وانتصار الأفكار الاشتراكية على الأفكار البرجوازية. وذلك حسب تعاليم المادية الجدلية حوك مهمة الأفكار في الحياة الاجتماعية... ومهمة الدولة هي التوفيق، بقدر الامكان، بين وعي الجماهير وبين الظروف الجديدة الموضوعية، الاشتراكية، وأن تسرع في العملية التي تساعد على ظهور صور جديدة من الوعي تتفق والمحتوى الجديد.
وكذلك يجب دفع الوعي الاشتراكي إلى الامام، في نفس الوقت، وذلك بفضل معرفة قوانين المجتمع، حتى تستطيع معرفة سير النمو والتعجيل في النمو الاقتصادي وذلك بتأثيرها بدورها في الشروط الموضوعية.
وهكذا نرى أن الشروط الموضوعية والشروط الذاتية، في المجتمع الاشتراكي لا تتناقض بل تؤثر تأثيرا متبادلا تدعم كل منهما الأخرى"[[372]].
"ومن ثم تعمل الاشتراكية، نتيجة لهذه القوانين الموضوعية، على تنمية العلم لا محالة، من علم الآلة [mecanique] الميكانيك، حتى علم الحمضيات [agronomic] بمقادير لم تعرفها البلاد الرأسمالية. وكذلك تتطلب الاشتراكية ارتفاع صفة العامل بحيث يتسرب الفكر شيئا فشيئا إلى العمل اليدوي في اتصاله بتقنية عليا"[[373]].
"وهكذا، ليست الاشتراكـية [مدنية تقنية] تتلهف للقيام بأعمال مادية رائعة، دون أن تعبأ بالانسان، كـما يدعي المفكرون البرجوازيون. ذلك لان الانسان في تمام تفتحه هو مركز الاشتراكية، وليس لجميع الأعمال المادية من هدف سوى سد حاجاته على أفضل وجه"[[374]].

مناقشة
الطور الاشتراكي الأول
ينبغي لنا قبل الدخول في تفاصيل المناقشات، أن نلتفت إلى عدة أفكار، نحدد بها موقفنا العام من هذه المرحلة.
الفكرة الأولى: إن بعض ما ذكرته الماركسية من التطبيقات خلال هذه المرحلة، لو لوحظ مستقلا عن غيره... فهو صحيح ومنتج اجتماعيا، لا ينبغي أن نختلف مع الماركسية في ذلك، كأخذ الدولة بزمام بعض التصرفات الاقتصادية، والاعتراف بملكيتها، والاهتمام بالمستوى الثقافي للشعب عموما، بحيث تنبثق كل تصرفات الناس وإهتماماتهم من زاوية علمية.
الفكرة الثانية: إن مناقشاتنا السابقة للأصول الموضوعية لوجود هذه المرحلة، أعني الديالكتيك والمادية التاريخية، تقتضي بكل وضوح عدم صحة هذه الاستنتاجات الماركسية جميعا، لوضوح انه لا مجال للنتيجة مع بطلان المقدمات.
غير اننا في مناقشاتنا الآتية لهذه المرحلة، سنغض النظر موقتا عن الطعن بالأصول الموضوعية، لنرى بعين مستقلة صحة الموقف الاجتماعي الماركسي في هذه المرحلة وعدمه.
الفكرة الثالثة: إن ما ذكرته الماركسية من جميل الصنع في هذه المرحلة، مهما كان لطيفا ومعجبا، إنما يكون ملفتا للنظر، مع انحصار الأمر بهذا النظام بعد الاستغناء عن الرأسمالية والتخلص منها. واما مع وجود البديل الأصلح عن هذا النظام برمته، واليقين بما فيه من مميزات تفوق التعاليم الماركسية بكثير، فلا يبقى لكل هذا الصنع الجميل أي موضوع. وسنعطي فكرة كافية عن البديل عند التعرض لتفاصيل التخطيط الالهي لليوم الموعود.
وفي هذه المناقشات، سوف ننقد هذه المرحلة بغض النظر عن البديل، لنرى انها في نفسها وباستقلالها هي صالحة أم لا. وهل تترتب على الأفكار الماركسية المسبقة ترتبا ضروريا، كـما تريد الماركسية أن تقول، أم لا.
فإذا تمت هذه الأفكار الثلاثة، بدأنا المناقشة في عدة نقاط:
النقطة الأولى: ان ندرس مدى انطباق قوانين المادية التاريخية والديالكتيك الكوني على هذه المرحلة. وذلك ضمن عدة مستويات:
المستوى الأول: ان ترتب المرحلة الاشتراكية الثانية على المرحلة الأولى ليس ترتبا ديالكتيكيا تناقضيا، وإنما هو ترتب [سلس]. لانهما منسجمان يؤكد أحدهما الآخر، ويعاضده، وليس بينهما أي تناف أو تناقض.
وبكلمة أوضح: إن المرحلة الثانية هي ترسيخ وتأكيد للاشتراكية المتوخاة في المرحلة الأولى، وليست نافية لها، لكي يمكن تطبيق قانون الديالكتيك عليها.
المستوى الثاني: مستوى علاقة هذه المرحلة بتطور وسائل الانتاج. وتواجهنا بهذا الصدد الشرائط الماركسية التي ذكرناها في الفقرة الثالثة، مما سبق. وهذا ما سنعقد له نقطة مستقلة.
المستوى الثالث: إن إنتاج الاشتراكية من تطور وسائل الانتاج، لو سلمناه، ليس إنتاجا ضروريا بل هو أمر اختياري يعود إلى آراء المشرفين على دولة البروليتاريا، من ان هذا التشريع أو ذاك هو الأصلح للمجتمع دون غيره، وان هذا الاسلوب في الحكم هو الأكثر فاعلية دون سواه، وإن هذا المشروع أكثر إنتاجا من غيره، وهكذا. وهذه الآراء لم تنشأ عن تطور وسائل الانتاج، كـما هو معلوم.
نعم، للماركسية أن تقول: إن المستوى المعين الذي بلغته وسائل الانتاج، أوحى للقائمين بالحكم آراءهم، ليكون هذا الحكم منسجما مع قواعدها في المادية التاريخية.
إلا أنه قول غير صحيح، لان هذا الايحاء إن كان اختياريا، فهو ينافي عنصر الضرورة التي سارت عليه الماركسية في المادية التاريخية. وان كان اضطراريا، فهو ينافي عنصر الاختيار والوعي الذي أكدت عليه الماركسية في عهود الاشتراكية.
وبهذا يتضح عدم إمكان الجمع بين الفكرتين اللتين جمعت بينهما الماركسية وقد ذكرناهما في الفقرة الحادية عشرة من الحديث عن هذه المرحلة، فليرجع القارىء إلى هناك.
المستوى الرابع: إن الماركسية ذكرت في القواعد العامة لماديتها التاريخية، ان تطور وسائل الانتاج ينتج تغييرا، في كل ظواهر المجتمع وتياراته ومؤسساته. فهل تتوقع حصول هذا الانقلاب الشامل باستمرار:
أولا: بعد التحول من عهد الرأسمالية إلى عهد دكتاتورية البروليتاريا.
وثانيا: بعد التحول إلى عهد الاشتراكية.
وثالثا: بعد التحول إلى عهد الشيوعية.
وهل ظواهر المجتمع بهذه البساطة التي يمكن أن تتبع التغيير المستمر.
إن تغيير الاسلوب الزراعي إلى الاشتراكية أمر صعب[[375]]، كـما ان تحويل المجتمع كله إلى شغيلة أمر صعب أيضا[[376]]، كـما اعترف بكلا الأمرين لينين... ولم يكن يتحدث إلا عن بعض ظواهر التغير الأول من هذه الثلاثة. فكيف بكل الظواهر، وكيف بكل التغيرات في العهود الثلاثة وكيف بظواهر المجتمع الأكثر رسوخا وثباتا، كاللغة والدين وبعض واضحات الأخلاق.
إن الماركسية سلمت سلفا على ان هذا الوضع الاشتراكي ملازم مع ترك الدين ومواكب مـع العلمانية والالحاد. وهذا الأمر منسجم مع فهمها للكون والحياة. ولعله يكون صحيحا لو وجد هذا الوضع تحت قيادة الحزب الماركسي - اللينيني. ولكنه - بكل تأكيد - سوف لن يكون صحيحا لو لاحظنا أي مرحلة من مراحل تطور وسائل الانتاج. إن أي مرحلة منه، عالية كانت أو منخفضة، ليس لها أي مساس بتطوير الدين أو تغيير المعتقد، بغض النظر عن التوجيه الماركسي الالحادي.
المستوى الخامس: إن هذه المرحلة لم تأتِ عن طريق الطفرة التي آمنت بها الماركسية، أو التغير الكيفي الفجائي بعد التغيرات الكمية الكثيرة. لان هذه الطفرة تمثلها على صعيد المجتمع، الثورة. على حين ان هذه المرحلة لا تحصل عن طريق الثورة بالمرة. بل قد لا يتحدد أول زمن وجودها بزمن معين، وإنما هي تحصل حصولا تدريجيا، ولا نجد ثورة ولا تغيرا كيفيا بعد عصر دكتاتورية البروليتاريا.
النقطة الثانية: أن ننظر إلى الشروط التي ذكرتها الماركسية لوجود الاشتراكية، في مرحلتها الثانية... مما ذكرناه في الفقرة الثالثة من الحديث عنها. بعد التسليم أن معنى الشرط هو الملازمة والتوقف، بحيث لا يمكن أن يوجد الشيء بدونه شرطه. فكما أن عصر الاقطاع - مثلا - كان متوقفا على وجود الطاحونة الهوائية، ولا يمكن أن يكون له بدونها حظ من الوجود. فكذلك تحقق هذه المرحلة متوقف على هذه الشروط، ولا يمكن أن تتحقق بدونها. فهل هذا الأمر صادق بالنسبة إلى الاشتراكية أم لا؟!...
إننا نجد بعد استيعاب الشروط السابقة فهما، أنه ترد عليها الايرادات التالية:
الايراد الأول: إن الماركسية أفهمتنا في مجال آخر، إن هذا المستوى المطلوب في هذه الشروط، هو ما تقوم به الدولة الاشتراكية نفسها. فهي تقوم بتوسيع الانتاج والتثقيف العام على علم الآلة وعلم الحمضيات وغيرها. وهذا يعني ان الدولة الاشتراكية موجودة سلفا لتقوم بهذه الفعاليات.
في حين ان معنى الشرائط. ان الدولة الاشتراكية لا يمكن أن توجد بدون وجود ذلك المستوى. فلا بد أن يوجد هذا المستوى سلفا لتوجد تلك الدولة. فكيف نستطيع الجمع بين هاتين الفكرتين المتهافتتين.
فنحن سمعنا بوليتزر يقول:
"لا إشتراكية، إذن، بدون زيادة في الانتاج هائلة، لا يمكن تخيلها في النظام الرأسمالي، وهذه ضرورة موضوعية"[[377]].
ويقول:
"ويتطلب هذا النمو التقني أن يبلغ تخصص العمال وثقافتهم درجة أسمى من الدرجة التي بلغوها في الرأسمالية"[[378]].
هذا معناه ان كل ذلك مما يجب ان يحدث قبل أن تحدث الاشتراكية.
ومع ذلك يقول هو نفسه:
"وكذلك يجب دفع الوعي الاشتراكي، إلى الأمام في نفس الوقـت، وذلك بفضل معرفة قوانين المجتمع، حتى تستطيع معرفة سير النمو والتعجيل في النمو الاقتصادي وذلك بتأثيرها بدورها في الشروط الموضوعية"[[379]].
وهذا معناه، ان المجتمع الاشتراكي قد وجد فعلا وانه هو الذي يقوم بتحقيق المستوى المنشود. إن هاتين الفكرتين متناقضتان، فكيف جمع بوليتزر بينهما؟!...
الايراد الثاني: إن هذه الشرائط لو كانت صحيحة لما وجدت الاشتراكية إلا في الدول ذات المستوى العالي جدا من وسائل الانتاج. في حـين اننا نشاهد فعلا أن كثيرا من الدول النامية الفقيرة المتخلفة اقتصاديا وحضاريا قد أُعلنت فيها الاشتراكية وأخذت بالنمو. بل ان الاتحاد السوفييتي نفسه والصين أيضا، أُعلنت فيهما الاشتراكية ونمت قبل بلوغهما إلى هذا المستوى العالي الذي تشرحه الماركسية.
الايراد الثالث: إن هذا المستوى العالي لتطور وسائل الانتاج، متوفر فعلا في عدد من الدول الرأسمالية، ومع ذلك فان احتمال وجود الاشتراكية فيها ضعيف جدا ويكفي أن نلتفت إلى ان المستوى العلمي والانتاجي لدول المعسكر الاشتراكي ودول المعسكر الرأسمالي، متشابه إلى حد بعيد... ومع ذلك لم تحصل الاشتراكية، في الدول الرأسمالية، متمثلة في عصرها الأول فضلا عن عصرها الثاني.
النقطة الثالثة: ان ننظر إلى القاعدتين الاقتصاديتين الاشتراكيتين: [من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله]، و[من لا يعمل لا يأكل].
... فانهما بالرغم من نفعهما ضد الرأسمالية، كـما علمنا، غير انهما لا يصحان تماما، بل ترد عليهما الايرادات التالية.
الايراد الأول: إنه لا معنى للالزام بالعمل. كـما هو مؤدى كلا القاعدتين ومآلهما إذ لعل للفرد مالا موروثا أو مذخورا، أو انه يعيش على إيراده الشخصي غير المربوط بالدولة، كتوالد الأغنام أو صيد السمك أو بعض الحرف الأخرى.
وإنما الملزم بالعمل دائما هو حب الذات الذي يحث على ضمان إيراد معين يكفل اشباع الحاجات الضرورية على الأقل. ولا حاجة للقانون أو الدولة ان تجعل دافعا نفسيا أكثر من ذلك. وهذا الدافع الذي ذكرناه، إنما يؤثر في الحث على العمل عند عدم وجود دخل آخر لدى الفرد كـما هو واضح إذ مع ضمان المعيشة لا حاجة أو لا ضرورة - على الأقل - للعمل في ضمن برنامج الدولة. وهناك من الدخول ما تعترف به الماركسية، قبل زوال الملكية الخاصة، كالذي ذكرناه قبل لحظات.
الايراد الثاني: إن قاعدة [من لا يعمل لا يأكل]، ناتجة من المبدأ الاقتصادي الذي أسسه ماركس نفسه في كتابه [رأس المال] وهو توقف القيمة التبادلية على العمل. إذ من الطبيعي حينئذ أن من لا عمل له لا يكون له أي إيراد مالي. ولكننا سبق أن ناقشنا هذا المبدأ. ومعه فلا مجال لتلك القاعدة المستنتجة منه.
الايراد الثالث: ان قاعدة [من كل حسب طاقته] ينافي ما وافق عليه كارل ماركس من كون العمل ثمان ساعات في كل يوم. وقد أصبح مطبقا، في عالمنا اليوم حتى في الدول الاشتراكية... ينافيه من جهتين:
الجهة الأولى: إن طاقة الفرد قد تكون أقل من ثمان ساعات، بل قد لا يكون له طاقة للعمل على الاطلاق، أو لا تكفي لسد حاجاته الضرورية. فماذا تقول الماركسية لهذا الفرد. إن جوابها المطابق لمبادئها: انه سوف يموت جوعا. ولم تشر المصادر الماركسية المتوفرة إلى قانون الضمان الاجتماعي بالمرة.
الجهة الثانية: ان طاقة الفرد قد تكون أكثر من ثمان ساعات، فيكون، مقتضى هذه القاعدة الاقتصادية، استنزاف كل طاقة الفرد، وان زادت على ذلك بكثير. وهذا أوفق بزيادة الانتاج ورفع مستوى الشعب الاقتصادي!!، على حين لا يرضى ماركس عن ذلك من خلال اقتراحه، وهو إسلوب رأسمالي تحتج عليه الماركسية بطبيعة الحال.
على ان الفرد إذا كان له من الطاقة أكثر من ثمان ساعات، وأراد بذلها اختيارا من أجل غرض مفهوم كخدمة مجتمعه، أو حاجته إلى المال باعتبار زيادة أفراد أسرته، أو مروره بظروف اقتصادية استثنائية. فماذا تقول له الماركسية لو أراد ذلك؟!...
الايراد الرابع: انه ما دام الاختلاف بين طاقات الأفراد كبيرا جدا، باعتبار قواهم العقلية والجسمية والفكرية والثقافية، وغير ذلك، وما دام الأجر يتحدد بقدر العمل، إذن سيكون الاختلاف في الأجور ثابتا وكبيرا جدا.
وقد قال لينين بهذا الصدد:
"ان الاقتصاديين السطحيين، ومنهم الأساتيذ البرجوازيين،... يلومون الاشتراكيين على الدوام زاعمين أنهم ينسون أن الناس غير متساوين ويحلمون بإزالة هذه اللا مساواة. وهذا اللوم ان برهن على شيء فإنما يبرهن كـما نرى على أن السادة المفكرين البرجوازيين جهال جهلا مطبقا.
إن ماركـس، عدا انه يحسب الحساب بدقة لحتمية عدم المساواة بين الناس، يأخذ بعين الاعتبار كذلك أن مجرد انتقال وسائل الانتاج إلى ملكية عامة للمجتمع كله [الاشتر اكية بمعنى الكلمة المعتاد] لا يزيل نواقص التوزيع وعدم المساواة في الحق البرجوازي الذي يظل سائدا ما دامت المنتوجات توزع حسب العمل"[[380]].
ويؤسفنا أن نكون من هؤلاء الجهال جهلا مطبقا!!، فان جواب لينين في واقعه اعتراف بالإشكال وببقاء التفاوت بين الناس... ليس هذا فحسب، بل هو اعتراف بأن الاشتراكيين وماركس بالخصوص، لم يطلبوا المساواة بين الناس في هذه المرحلة من الاشتراكية، بل سلموا بالواقع على واقعه.
فان الفروق بين الناس، سوف لن تكون مجحفة فقط، كـما عبر لينين في عبارته التي سمعناها، بل سيكون الفرق قريبا جدا من الفرق بين طبقات المجتمع الرأسمالي. وسيبقى الصراع طبقا لذلك حادا وشديدا... ولن تكون العلاقات علاقات صفاء ومحبة، كـما تتوقع الماركسية[[381]]. وسنذكر في النقطة التالية ما يزيد هذا وضوحا.
النقطة الرابعة: إن سيطرة الدولة على وسائل الانتاج، وإن كان يعني نظريا ان هذه الوسائل أصبحت ملكا للشعب كله، إلا أنه من الناحية العملية ليس كذلك. بل تكون - عمليا - ملكا خاصا للحكام المسيطرين على الدولة. والفرد العادي مهما كان نزيها في حياته العادية، سوف لن يكون كذلك حـين يرى ملايين الدنانير تصب في حجره، ويتصرف بها برأيه. وهل الحكام - في واقعهم - إلا أفراد عاديون؟!، ان مظنة السيطرة على قسط مهم من هذه الأموال موجودة، ان لم يكن الأمر قطعيا وواضحا.
وقد تعرضت بعض المصادر الماركسية لهذا الإشكال، منسوبا إلى البرجوازيين. وأجابت عنه: بأن ملكية الدولة لوسائل الانتاج أمر ضروري تقتضيه الدرجة المعينة من تطور هذه الوسائل نفسها.
ولكن الحقيقة ان هذا وحده ليس جوابا كافيا. لان معنى ذلك أن هذه الدرجة من التطور أوجبت أن يصبح رجال الدولة مسيطرين على الملايين، تماما كـما أوجب ذلك التطور الآلي الذي أوجد عصر الرأسمالية، في رأي الماركسية،... مع اختلاف بسيط في صفة المالكين، وكيفية التوزيع.
فنقطة التخلص من هذا الإشكال هو ان يدعي المفكر الماركسي، ان حكام الدولة الاشتراكية، ليسوا أناسا عاديين، بل لهم درجة كافية من الصيانة و[العصمة] عن التلاعب بأموال الدولة!!، وان هذه [العصمة] مما تقتضيه الدرجة المعينة من تطور وسائل الانتاج. إلا أن الماركسية لم تفه بذلك، ولا يمكنها أن تفوه به بحال، بعد التجربة التي خاضتها بعد الثورة الحمراء في روسيا من ثبوت الخيانة والانحراف على كثيرين ممن شارك في الثورة وآزرها مؤازرة فعلية، بشكل لا حاجة إلى الدخول في تفاصيله حفظا للمستوى العاطفي لهذا البحث.
ومن هنا نفهم كيف تصبح الدولة الاشتراكية رأسمالية من الدرجة الأولى. ففي أعلى الهرم يستقر رجال الدولة المالكون - عمليا - لزمام التصرف في الملايين من الأموال والملايين من الناس. وفي أسفل الهرم يستقر هؤلاء البروليتاريون الذين تبنتهم الاشتراكية الماركسية، يؤخذ منهم العمل بمقدار طاقاتهم، ويعطون من الأجر بمقدار أعمالهم، التي لا تستطيع ان تسد حاجاتهم في عدد من الأحيان. وهل الرأسمالية والطبقية إلا ذلك!!...
النقطة الخامسة: في إستيضاح حقيقة شكلي الملكية العامة، اللذين ذكرناهما في الفقرة الثامنة مما سبق.
إن ملكية الدولة أمر مفهوم، بل وضروري أحيانا، ولسنا الآن بصدد الخوض في تفاصيله أكثر مما سبق. وإنما المهم هو التساؤل عما إذا كانت الملكية التعاونية الكولخوزية شكلا مختلفا عن ملكية الدولة، كـما تقول الماركسية، أو انه في واقعه شكل من أشكاله.
لا شك ان هناك فرقا قانونيا في الآثار التي تترتب على شكلي الملكية. فانه بينما يحق للحاكمين ان يستعملوا ممتلكات الدولة لمصلحة كل الشعب، كـما ترى الماركسية... لا يحق لهم ان يستعملوا الملكية التعاونية إلا في مصلحة الكولخوزات أو كولخوز معين.
ولكننا إذا دققنا النظر،وجدنا أن هذا الفارق فارق شكلي صرف لا يعود إلى تعدد شكلي الملكيه، فان الملكية التعاونية إن عادت إلى الاشخاص المشتركين في كولخوز معين - مثلا - بصفتهم الشخصية، كان ذلك فارقا بين الملكيتين. ولكن الماركسية لا ترى ذلك. بل ترى ان معنى الملكية التعاونية كون هذه الأموال محفوظة ومرصودة لمصلحة هذا الكولخوز. فلو تبدل شخص أو عدة أشخاص منه، كان الاشخاص الجدد هم المستحقين للاستفادة من هذه الأموال، دون الاشخاص القدماء.
ومعنى هذا أن هذه الأموال راجعة إلى الأمة نفسها، كـما هي صفة الأموال المملوكة للدولة تماما، لا فرق بينها من ناحية الملكية أو المالك. كل ما في الموضوع، هو أن الدولة تشترط شرطا قانونيا ثانويا، هو لزوم استخدام هذه الأموال في مصلحة الكولخوزات، واستخدام أموال أخرى في مصلحة الأمة ككل. وهذا لا يعني اختلافا في حقيقة الملكية بين الشكلين.
وهذا هو سر الاختلاف في التشريك بين الملكيتين، الأمر الذي رأته بعض المصادر الماركسية، كـما سمعنا. وإلا فان الشركاء في الملكية التعاونية، ليسوا هم اعضاء الكولخوز، بل كل أفراد الشعب، لكن بشرط قانوني ثانوي هو: ان يصبحوا كولخوزيين ليستفيدوا من هذه الملكية.
هذا، وينبغي ان نتجاوز هنا عن بعض النقاط الثانوية التى عرفناها في تلك الفقرة السابقة، والتي منها: اختلاف الدول الاشتراكية، في. ملكية الأرض. فبعضها تجعلها ملكا للدولة، وبعضها تجعلها ملكا للتعاونيات. وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على ان النظرية الماركسية خالية من [تعليم] معين في هذا الحقل المهم من حقول الاقتصاد والاجتماع.
ومنها: ما ذكره ذلك المصدر من بقاء بعض وسائل الانتاج ملكا شخصيا لاعضاء الكولخوزات، فان ذلك مخالف لتأكيد الماركسية على لزوم تأميم كل وسائل الانتاج. وقد سمعنا قول لينين:
"فان وسائل الانتاج لا تبقى ملكا خاصا للأفراد، ان وسائل الانتاج تخص المجتمع كله"[[382]].
ومنها: انها اعتبرت الآلات الزراعية ملكا تعاونيا، في حـين انها من وسائل الانتاج التي هي ملك للدولة في منطق الماركسية. وإن دل هذا الاتجاه على شيء، فإنما يدل على عدم وجود فارق حقيقي بين الملكيتين، بحيث صح للماركسية ان تقول: بأن الآلات الزراعية ملك تعاوني، ولكنها في عين الوقت ملك للدولة، بصفتها من وسائل الانتاج.
النقطة السادسة: في التعرض إلى نقد التعاريف التي ذكرتها المصادر الماركسية للاشتراكية.
إننا لو لاحظنا هذه التعاريف لوجدناها متعارضة ومختلفة ومرتبكة إلى حد بعيد. فان التعريف إنما يكون صحيحا فيما إذا حمل صفات مفهومية محددة غير قابلة للزيادة والنقص. وأما التطبيق والوقائع التي كانت أو يمكن ان تكون، فهذا ليس من وظيفة التعريف سرده. ومن الخطأ التعرض له خلاله.
فمثلا: تعريف الشيوعية بأنها نظام اجتماعي لا طبقي تقوم فيه الملكية الواحدة للشعب بأسره على وسائل الانتاج. حامل لصفات مفهومية... على حين أن تعريف الشيوعية بأنها: المستقبل المشرق للانسانية، أو انها حلم الانسانية، بعيد عن هذا المجال، ومن هنا يمكن اعتباره تعريفا خاطئا.
كما ان التعرض لزاوية واحدة من صفات الشيء الذي يراد تعريفه أو بعض زوايا محددة لا تستوعبه، يعتبر نقصا في التعريف، يخرجه عن كونه تعريفا صحيحا.
وهذا موجود في أكثر التعاريف السابقة: كتعريف انجلز الشيوعية بأنها: تعليم شروط تحرر البروليتاريا، وتعريف لينين الاشتراكية، بأنها: إلغاء الطبقات. أو تعريفها: بأنها حكم ملايين الناس من المضطهدين. أو تعريف الشيوعية، بأنها: الانسان وقد تحرر من أوصاب الملكية الخاصة، ومن عبودية الماضي الروحية[[383]]. فانها كلها تعاريف تعرضت إلى زوايا محدودة واهملت الزوايا المهمة الأخرى، كـما هو غير خفي على من دقق فيها.
هذا، ومن المعلوم ان التفريق بين الاشتراكية والشيوعية، أو ذكر مميزات الاشتراكية، وانها تتصف بالتعاون الرفاقي، أو انها غير ناضجة، ونحو ذلك، لا يمكن اعتبارها من التعريف البتة.
إذن، فلم يصفُ لنا من تعاريف الاشتراكية تعريف صحيح فنيا، وإنما هي عبارات تعرضت لخصائص مختلفة لهذا العهد، وكذلك تعاريف الشيوعية، غير أننا سندقق في تعاريف الشيوعية عند الحديث عن مرحلتها فيما يلي من البحث. وإنما ذكرناها مع تعاريف الاشتراكية، لنعطي فكرة كافية عن الاسلوب الماركسي في صياغة التعاريف.
وبمناسبة هذه التعاريف، يحسن بنا أن نتساءل عن المعاني الأصلية للاشتراكية والشيوعية في لغة العالم اليوم، بغض النظر عما تلقيه هذه التعاريف من ظلال.
أما الاشتراكية، فتحتمل عدة معان:
أولا: إشتراك جماعة في أمر معين كعمل واحد أو سكنى واحدة، أو [ملكية خاصة] واحدة لشيء ما.
ثانيا: تساوي أفراد المجتمع في الحقوق والواجبات وفرص الحياة، سواء من الناحية الاقتصادية أو غيرها.
ثالثا: تساوي أفراد المجتمع من زاوية اقتصادية، وتندرج في هذا المعنى كل المذاهب الاشتراكية بما فيها الماركسية.
رابعا: مذهب الاشتراكية العلمية الماركسي. وهذا يشمل العهود الثلاثة التي عرفناها.
خامسا: التطبيق الاشتراكي فيما بعد عهد البروليتاريا. ويشتمل على مرحلتي الاشتراكية والشيوعية.
سادسا: العهد الثاني من مراحل الاشتراكية، وهو الذي نتحدث عن مناقشته الآن. وهذا المعنى غير شامل للطور الأعلى.
والمعنيان الأوليان ليسا اقتصاديين بطبيعتهما... فلو قصدنا من الاشتراكية معنى اقتصاديا، كان الأمر منحصرا بالمعاني الأربعة الأخيرة، وهي تتدرج من الأعم إلى الأخص. وكلها معان مشهورة ومستعملة في لغة اليوم. ولا يمكن ترجيح أحدها على الآخر. ولا يخفى ما في إجمال معنى اللفظ وعدم تحديده من إمكان الدعاية له تارة والدعاية ضده أخرى، عن طريق صياغات لفظية معينة، وبالتالي يفقد الاصطلاح صفته العلمية.
وأما الشيوعية، فهي أيضا تحتمل عدة معان:
أولا: الاشاعة والتساوي الاباحي في الميادين البارزة في الحياة كالجنس والمال، وهذا معنى يشتمل على الماركسيه والمزدكية وغيرها من المذاهب الشيوعية.
ثانيا: التساوي الاباحي في الميدان الاقتصادي فقط، نتيجة لانكار الملكية الخاصة، وهو يشمل كل الآراء التي اعتبرت الملكية الخاصة مصدر الشر في العالم، وان ازالتها هي أول خطوة نحو الصواب، بما فيها الماركسية نفسها.
ثالثا: مرحلة الاشتراكية الماركسية بعهودها الثلاثة.
رابعا: مرحلتي الاشتراكية الثانية والثالثة، أو الطور الأول والطور الأعلى للمجتمع الشيوعي.
خامسا: الطور الأعلى للمجتمع الشيوعي فقط.
سادسا: الجناح السياسي من الماركسية أو الماركسيين. أما الماركسي الذي لا يعمل عملا سياسيا أو حزبيا فليس شيوعيا، كما يرى بعض الماركسيين أنفسهم.
وكل هذه المعاني مستعملة وموجودة في لغة العالم اليوم. ونقطة الضعف من عدم تحديد المعنى موجودة فيها أيضا، كما كان في لفظ الاشتراكية.
والمعنى الثالث للشيوعية يساوي تماما المعنى الرابع للاشتراكية، كـما ان المعنى الرابع لها يساوي المعنى الخامس للاشتراكيه... فتكون اللفظتان بكلا هذين المعنيين مترادفتين... على حين أنهما بالمعنى الأخير للاشتراكية وبالمقايسة إلى المعنيين الأخيرين للشيوعية، متباينان.
وإذا طبقنا هذه المعاني على التعاريف السابقة، وجدنـا الأمر العجيب!!... فقد استخدم عدم تحديد اللفظين إلى أبعد مداه. فبنحو النموذح يكون تعريف الشيوعية بأنها نظام اجتماعي لا طبقي وتعريف الاشتراكية بأنها إلغاء الطبقات، يشيران إلى المعنى الخامس للشيوعية أعني الطور الأعلى فقط. وان كان اطلاق لفظ الاشتراكية عليه ينبغي أن يكون مجازيا من زاوية ماركسية.
وتعريف الاشتراكية بأنها القضاء على الاستغلال أو الاضطهاد، يشير في إلأغلب إلى المعنى الثاني للاشتراكية، وربما يشمل المعنى الثالث لها أيضا، كما قد يشمل الثاني، أو هو والثالث من معاني الشيوعية، على غير تحديد.
وتعريف الشيوعية بأنها المستقبل المشرق وانها حلم الانسانية، مردد بين المعاني الثلاثة الأخيرة للاشتراكية، والمعاني: الثالث إلى الخامس للشيوعية. على غير تحديد. فان مراحل الاشتراكية الماركسية بأي شكل لاحظناها، كانت هي مستقبل البشرية وحلمها الذهبي الجميل، في رأي الماركسية.
النقطة السابعة: في محاولة فهم مكونات الدولة الاشتراكية، باعتبار ما ذكرناه في الفقرة الرابعة من الحديث عن هذه المرحلة.
إن قيادة الحزب الشيوعي، موجودة خلال العهود الاشتراكيه الثلاثة... لانه هو الذي يستطيع ان يقود هذه العهود قيادة [واعية] نشطة. فهو الذي يوجد ثورة البروليتاريا أو دكتاتوريتها، وسحق الرأسماليين، وهو الذي يقوم باختيار التشريعات والتطبيقات الاشتراكية في العهدين اللاحقين له. كل ما في الموضوع انه خلال عصر دكتاتورية البروليتاريا، يكون للدولة وجود بارز، كأنه مستقل عن الحزب، كما سبق ان أشرنا. وحين يبدأ وجود الدولة بالتضاؤل - في رأي الماركسية - تبرز قيادة الحزب أكثر فأكثر، إذ لا بد للنشاط الاشتراكي من قائد، وحيث لا تصلح الدولة لقيادته في العهدين، اما لضعفها أو لانعدامها في النهاية، لا يبقى من قائد سوى الحزب نفسه.
وواضح لمن استقرأ المصادر الماركسية، يجد ان التركيز على قيادة الحزب شديد في مرحلة الاشتراكية الوسطى، ولكنه في المرحلة الأولى مقرون بالتركيز على الدولة البروليتارية إلى جانبه. واضعف من هذا التركيز ما ذكرته المصادر من قيادة الحزب في الطور الشيوعي الأعلى... إلى حد لا تكاد تجد له ذكرا إلا قليلا. ولكل من هذه [الأوضاع] في المصادر الماركسية، تفسيران: نظري وعملي.
فالسر النظري من زاوية ماركسية على التركيز على قيادة الدولة في عهد دكتاتورية البروليتاريا، وضعف التركيز على الحزب، هو: وضوح وجود الدولة وقيامها ككيان طبقي يقمع بدكتاتورية البرجوازية الرأسمالية.
ولا يكفي الوجود الحزبي وحده للقيام بهذه المهمة.
والسر [العملي] أو السياسي لذلك، هو ان الحزب يريد أن يبدو أكثر إنسانية في تعامله مع المجتمع من دولة البروليتاريا الدكتاتورية ذات الحرب العنيدة المستميتة ضد البرجوازيين. فهو يعلن اعلانا ضمنيا: إذ ما يقع خلال هذا العهد من أعمال قمع صارمة تتحمل الدولة مسؤوليته دون الحزب. وبذلك يحفظ لنفسه درجة من الصفاء الاجتماعي تمكنه من البقاء بعد زوال الدولة البروليتارية.
واما استقلال الحزب بالقيادة خلال عصر الاشتراكية، دون الدولة... فالسر [النظري] الماركسي فيه: ان الدولة وان كانت موجودة، إلا انها في طريق الاضمحلال والفناء، فتكون قيادتها ضعيفة لا محالة، ويكون الوجود القيادي الأقوى والأهم للحزب بطبيعة الحال، الذي هو صاحب النظرية الماركسية الأساسية والمتكفل تطبيقها على طول الخط.
والسر [العملي] لاستقلال الحزب بالقيادة: هو ان الجزء المهم من التشريعات الاشتراكية، سوف تُسن ويبدأ تطبيقها خلال هذا العهد وهذا ما يريد الحزب [التشرف] بتحمل مسؤوليته الاجتماعية، التي هي مسؤوليته الكبرى وهدفه الأعلى من الأول. فمن غير المناسب أن يعمل هو ويعطي النظريات والتشريعات، على حين تنسب الأعمال إلى غيره.
واما في عصر الشيوعية الأعلى، فالمبرر [النظري] لقلة التأكيد على الحزب هو: انعدام معنى الحزبية بالشكل المعهود المعاصر، مع انعدام الطبقات. فان الأحزاب إنما توجد، في رأي الماركسية، في خضم النضال الطبقي، فإذا زالت الطبقات كان حريا بالأحزاب أن تزول أيضا. إلا أن هذا من الناحية العملية مطبق ماركسيا على كل الأحزاب إلا الحزب الشيوعي نفسه.
قال كوفالسون:
"ان سير المجتمع الاشتراكي نحو الشيوعية يتوقف بصورة حاسمة على صانعيه بالذات، على لحمتهم ووحدتهم وموهبتهم ونشاطهم ومبادراتهم ورجولتهم وشجاعتهم وتفانيهم وانضباطهم ومسؤوليتهم، ومعارفهم وخبرتهم ونضوجهم الأخلاقي وثقافتهم.
إن الحزب الشيوعي هو القوة القائدة والموجهة لكل العملية المتنوعة الجوانب لبناء المجتمع الجديد"[[384]].
إن الحزب سوف يبقى لا على أساس طبقي، بل على أساس بذل النشاط المنظم والمتواصل لتطبيق النظرية الماركسية التي وجد من أجلها. وبالجملة، فالحزب الشيوعي لم يستوف أغراضه حين يوجد الطور الأعلى، بل عليه ان يبقى ما دام هذا الطور موجودا.
ومع ذلك فالكلام عن قيادة الحزب في المصادر الماركسية خلال الطور الأعلى قليلة كما قلنا. والمبرر [العملي] لذلك هو الجهل بالوضع الحقيقي في ذلك أو الجهل بما سيحدث في المستقبل.
قال لينين:
"ولذا لا يحق لنا أن نتكلم إلا عن حتمية اضمحلال الدولة، مشيرين إلى ان هذا السير يستغرق وقتا طويلا، وإلى توقفه على مدى سرعة تطور الطور الأعلى من الشيوعية تاركين مسألة وقت هذا الاضمحلال أو أشكاله الملموسة معلقة، لانه لا توجد معلومات تسمح بحل هذه المسألة"[[385]].
وهذا الجهل قرين دائما مع عدم وضوح الرؤية في مقدار إمكانيات الحزب في ذلك الحين، الأمر الذي يزرع الشك في مدى صلاحيته للقيادة يومئذ.
هذا... وينبغي لنا أن نختم المناقشة مع الطور الادنى للاشتراكية، بعد أن اتضحت الخطوط العامة، محيلين المناقشات الأخرى إلى مجال آخر. وستتضح بعض المناقشات أيضا لدى خوض غمار المناقشات مع الطور الأعلى الذي سنشرحه فيما يلي.

المرحلة الاشتراكية الثالثة
الطور الشيوعي الأعلى

-1-
اطلعنا فيما سبق على بعض ما أعطته الماركسية من تعاريف للشيوعية أو الطور الشيوعي الأعلى.
قال انجلز:
"الشيوعية هي تعليم شروط تحرر البروليتاريا"[[386]].
وقال أفاناسييف:
"الشيوعية هي المستقبل المشرق للانسانية جمعاء. ان الشيوعية هي حلم الانسانية طيلة قرون"[[387]].
وقال أيضا:
"ان الشيوعية هي الهدف العظيم للحزب الشيوعي والشعب السوفييتي"[[388]].
وقال بوليتزر:
"الشيوعية هي الانسان وقد تحرر من أوصاب الملكية الخاصة ومن عبودية الماضي الروحية"[[389]].
وهناك تعريف رسمي مفصل للشيوعية في برنامج الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، يقول:
"الشيوعية هي نظام اجتماعي لا طبقي، تقوم فيه الملكية الواحدة للشعب بأسره على وسائل الانتاج، والمساواة الاجتماعية التامة بين جميع أعضاء المجتمع، حيث، إلى جانب تطور الناس من جميع النواحي، ستنمو أيضا القوى المنتجة على أساس العلم التكنيك المتطورين على الدوام، وتتدفق مصادر الثروة الاجتماعية سيلا كاملا، ويتحقق المبدأ العظيم [من كل حسب كفاءاته ولكل حسب حاجاته].
إن الشيوعية إنما هي مجتمع عالي التنظيم لكادحين أحرار وواعين سترسخ فيه الارادة الذاتية الاجتماعية، ويغدو فيه العمل لخير المجتمع الحاجة الحيوية الأولى في نظر الجميع، وأمرا يدركون ضرورته، وتطبق فيه كفاءات كل فرد بأفيد وجه في صالح الشعب"[[390]].
وقال كوفالسون:
"إن الشيوعية إنما هي تنظيم اجتماعي عاقل يعتمد على قاعدة تكنيكية عالية التطور، ويوحد الناس في إطار وحدة تضامنية من أجل اخضاع قوى الطبيعة باطراد، ويوطد سيادة الانسان على علاقاته الاجتماعية بالذات، ويوجه النظام الاجتماعي كله، والثقافة المادية والروحية كلها نحو تطوير الانسان، نحو تطوير الفرد تطويرا متناسقا متناغا.
إن الشيوعية إنما هي فض سر التاريخ، ودرجة عالية من التقدم الاجتماعي وظاهرة تاريخية عالمية. إن الشيوعية وحدها تدل البشرية على مخرج من تلك النزاعات الفاجعة التي تتخبط فيها. ولهذا لا بد أن تصل جميع الشعوب إلى الشيوعية عاجلا أم آجلا.
ولا مراء في ان التشكيلة الشيوعية ستكون عامة شاملة، وان جميع الشعوب ستبلغ في آخر المطاف مستوى واحدا، فيبدأ آنذاك تاريخ واحد لبشرية واحدة"[[391]].
وقال لينين:
"ان الشيوعية هي السلطة السوفييتية زائدة كهربة البلاد بأسرها"[[392]].
ولماركس تعريف للشيوعية أقرب إلى الاسلوب الفلسفي منه إلى الاسلوب الاجتماعي، يقول فيه:
"إن الشيوعية التي هي الالغاء الايجابي للملكية الخاصة [وهي نفسها ضياع إنساني للذات] وبالتالي تمَلّك فعلي للماهية الانسانية من قبل الانسان ومن أجل الانسان... إنها الحل الحقيقي للتضاد بين الانسان والطبيعة، بين الانسان والانسان، الحل الحقيقي للصراع بين الوجود والماهية بين الموضعة وتأكيد الذات، بين الحرية والضرورة، بين الفرد والجنس. انها اللغز المحلول للتاريخ، وهي تعرف ذاتها على انها هذا الحل"[[393]].
وهي من الكلمات القليلة لماركس، التي يبدو منها انها شرح للطور الأعلى نفسه.
-2-
وستزول الدولة في هذه المرحلة تماما، باعتبارها أداة طبقية للصراع الطبقي وبعد زوال الطبقات لا يبقى للدولة موضوع. وتتحدث الماركسية عن هذه الظاهرة بوضوح وتفصيل.
قال انجلز:
"وهكذا، فالدولة لم توجد منذ الازل. فقد وجدت مجتمعات كانت في غنى عن الدولة، ولم يكن لديها أية فكرة عن الدولة وسلطة الدولة. وعندما بلغ التطور الاقتصادي درجة معينة اقترنت - بالضرورة - بانقسام المجتمع إلى طبقات، غدت الدولة بحكم هذا الانقسام أمرا ضروريا.
ونحن نقترب الآن بخطوات سريعة من درجة في تطور الانتاج لا يكف عندها وجود هذه الطبقات عن ان يكون ضرورة وحسب، بل ويصبح عائقا مباشرا للانتاج. وستزول الطبقات بالضرورة كما نشأت في الماضي بالضرورة ومع زوال الطبقات ستزول الدولة بالضرورة، والمجتمع الذي ينظم الانتاج تنظيما جديدا على أساس إتحاد المنتجين بحرية وعلى قدم المساواة. سيرسل آلة الدولة بأكملها حيث ينبغي ان تكون حينذاك إلى متحف العاديات بجانب المغزل البدائي والفأس البرونزية"[[394]].
وقال لينين في خلال حديثه الطويل عن الدولة:
"وأخيرا، الشيوعية هي وحدها التي تجعل الدولة أمرا لا لزوم له البتة، لانه لا يبقى عندئذ أحد ينبغي قمعه، أحد بمعنى الطبقة، بمعنى النضال المنتظم ضد قسم معين من السكان".
وأضاف:
"نحن لسنا بخياليين، ونحن لا ننكر أبدا إمكانية وحتمية وقوع مخالفات من أفراد، كما لا ننكر ضرورة قمع هذه المخالفات. ولكن هذا الأمر لا يحتاج، أولا، إلى آلة خاصة للقمع، إلى جهاز خاص للقمع، فالشعب المسلح نفسه يقوم به ببساطة ويسر. كما تقوم كل جماعة من الناس المتمدنين حتى في المجتمع الراهن بتفريق متشاجرين، أو بالحيلولة دون الاعتداء على امرأة. وثانيا، نحن نعلم أن السبب الاجتماعي الجذري للمخالفات التي تتجلى في الاخلال بقواعد الحياة في المجتمع هو استثمار الجماهير وعوزها وبؤسها. وعند ما يزول هذا السبب الرئيسي تأخذ المخالفات لا محالة بالاضمحلال.
نحن لا نعلم، بأية سرعة وبأي تدرج؟، ولكننا نعلم انها ستضمحل. ومع اضمحلالها تضمحل الدولة أيضا"[[395]].
وقال:
"ان تعبير: الدولة تضمحل... هو تعبير أختير بتوفيق كبير، لانه يشير بوقـت معا إلى تدرج هذا السير والى عفويته"[[396]].
وقال:
"ان الأساس الاقتصادي لاضمحلال الدولة إضمحلالا تاما هو تطور الشيوعية تطورا كبيرا يزول معه التضاد بين العمل الفكري والعمل الجسدي، ويزول بالتالي ينبوع من أهم ينابيع اللا مساواة الاجتماعية الراهنة. مع العلم أنه ينبوع تستحيل إزالته استحالة تامة بمجرد تحويل وسائل الانتاج ملكا اجتماعيا، بمجرد مصادرة أملاك الرأسماليين".
وأضاف:
"ولذا لا يحق لنا أن نتكلم إلا عن حتمية إضمحلال الدولة، مشيرين إلى ان هذا السير يستغرق وقتا طويلا، وإلى توقفه على مدى سرعة تطور الطور الأعلى من الشيوعية، تاركين مسألة وقت هذا الاضمحلال أو أشكاله الملموسة معلقة، لانه لا توجد معلومات تسمح لحل هذه المسألة"[[397]].
وقال كوفالسون:
"ان اضمحلال الدولة إنما هو تصفية الجهاز الخاص للعنف وجميع الهيئات المرتبطة باداء وظائفها السياسية. اما هيئات الدولة المرتبطة باداء وظائفها الاقتصادية التنظيمية والثقافية التربوية فلا يمكن ان تزول.
ففي ظل الشيوعية لن تكون ثمة دولة ولكن هذا لا يعني ان المجتمع الشيوعي لن يحتاج إلى تخطيط الانتاج والاستهلاك، وحساب الحاجات، وتنظيم الأشكال الجماعية للحياة والنشاط وإلى أشياء كثيرة أخرى. وكل هذا يتطلب التنظيم الدقيق. ولكن هذا التنظيم سيقوم به أفراد المجتمع على مبدأ المبادرة. ومن هنا ينجم انه ستكون هناك في المجتمع الشيوعي هيئات للادارة الذاتية. وهذا يعني أن عملية اضمحلال الدولة تتلخص في تحول دولة الشعب بأسره إلى إدارة ذاتية اجتماعية شيوعية"[[398]].
وأخيرا، فان الماركسية لا توافق على فكرة إلغاء الدولة، بل إنما هي تضمحل من تلقاء نفسها، ولذا سمعنا من لينين ان التعبير بالاضمحلال موفق جدا،
وقال انجلز:
"فالدولة لم تلغ بل تضمحل"[[399]].
-3-
يرتفع القانون بارتفاع الدولة، وتكون الأخلاق الشيوعية العوض عنه.
قال كوفالسون:
"إن نمو دور الأخلاق مرتبط أيضا، بكون الانتقال إلى الشيوعية يفترض تلاشي القانون تدريجا، كمنظم للعلاقات بين الناس في المجتمع الشيوعي ليتعاظم دور الأخلاق وتحل محله.
يقول لينين: ففي المجتمع الشيوعي فقط، سوف يعتاد الناس تدريجا، على مراعاة قواعد الحياة الجوهرية، التي تكررت وعرفها الناس على مرّ القرون، على مراعاتها طوعا، ودون إلزام وارغام واضطرار، وبدون الجهاز الخاص الذي يلزم الناس بها، والذي يسمونه الدولة"[[400]].
-4-
ولكن ماذا يكون عوض الدولة الزائلة؟.
إن هذا مما يمكن استفادته من بعض كلمات الماركسيين!...
فقد أكد لينين على القيادة الجماعية، بحيث يظهر منه ان الجميع هم الذين يمارسون قيادة المجتمع، قال:
"ومذ يتعلم جميع أعضاء المجتمع أو - على الأقل - أكثريتهم الكبرى إدارة الدولة بأنفسهم، مذ يأخذون هذا الأمر بأيديهم ويرتبون الرقابة على أقلية الرأسماليين الضئيلة، على السادة الراغبين في الاحتفاظ بالعادات الرأسمالية، على العمال الذين أفسدتهم الرأسمالية حتى أعماقهم، تأخذ بالزوال إلى كل إدارة بوجه عام. وبمقدار ما تتكامل الديمقراطية يقترب وقت زوال الحاجة إليها...
ذلك لانه عند ما يتعلم الجميع الادارة ويديرون في الواقع بصورة مستقلة الانتاج الاجتماعي. ويحققون بصورة مستقلة الحساب ورقابة الطفيليين والافندية والمحتالين ومن على شاكلتهم من حفظة تقاليد الرأسمالية - عندئذ - يصبح التهرب من حساب الشعب ورقابته على التأكيد أمرا عسير المنال وأمرا نادرا جدا، يصحبه في أكبر الظن عقاب سريع وصارم، لان العمال المسلحين أناس عمليون، وليسوا من نوع المثقفين العاطفيين، ولا نحسب أنهم يطيقون المزاح من أحد. بحيث أن ضرورة مراعاة القواعد الأساسية البسيطة للحياة في كل مجتمع بشري ستتحول بسرعة كبيرة إلى عادة.
وعندئذ ينفتح على مصراعيه باب الانتقال من الطور الأول للمجتمع الشيوعي إلى طوره الأعلى، وفي الوقت نفسه إلى اضمحلال الدولة اضمحلالا تاما"[[401]].
وأشار كوفالسون إلى ان الذي يتسلم الزمام هو المنظمات الاجتماعية حين قال:
"وهذه العملية، مرتبطة بنهضة لا يعرف لها مثيل في نشاط الجماهير ومبادراتهم الخلاقة، وبالتحقيق الكامل للديمقراطية الاشتراكية وبتقوية دور المنظمات الاجتماعية التي سوف تتسلم كثيرا من مهام الدولة"[[402]].
وقد سمعنا من كوفالسون قبل قليل قوله:
"ومن هنا ينجم انه ستكون هناك في المجتمع الشيوعي هيئات للادارة الذاتية. وهذا يعني أن عملية اضمحلال الدولة تتلخص في تحول دولة الشعب بأسره إلى إدارة ذاتية اجتماعية شيوعية"[[403]].
وسنسمع قول ستالين في أوصاف الطور الأعلى، حين يقول:
"لن يكون هنـاك طبقات ولا سلطة دولة، بل سيكون هناك عمال في الصناعة والزراعة، يديرون أنفسهم بأنفسهم، اقتصاديا، كجمعية حرة للعمال"[[404]].
هذا مضافا إلى قيادة الحزب الشيوعي، كما سمعنا في الحديث عن الطور السابق وسنوضحه أيضا في بعض الفقرات التالية، والتي هي البديل الحقيقي عن الدولة.
والذي يبدو - ماركسيا - من كيفية اضمحلال الدولة، هو: أن دولة الطور الشيوعي الأول حين تؤسس المنظمات الاجتماعية العمالية، وتشعر بنضجها وصلاحيتها للقيادة تحت اشراف الحزب الشيوعي، تبدأ بالتنازل عن صلاحياتها لهذه المنظمات، تدريجا، حتى تتخلى تماما عن القيادة، وبذلك تضمحل الدولة اضمحلالا تاما. وبذلك يبدأ الطور الأعلى نفسه.
-5-
وستزول في هذا المجتمع الطبقات، وبذلك يزول الصراع الطبقي وتسود الحرية والديمقراطية الحقيقية.
قال لينين:
"في المجتمع الشيوعي فقط، عند ما تحطم مقاومة الرأسماليين بصورة نهائية عند ما يتلاشى الرأسماليون عند ما تنعدم الطبقات [أي عند ما ينعدم التباين بين اعضاء المجتمع من حيث علاقاتهم بوسائل الانتاج الاجتماعية] عندئذ فقط تزول الدولة، ويصبح بالامكان الحديث عن الحرية. عندئذ فقط يصبح في الامكان تحقق الديمقراطية الكاملة حقا، الديمقراطية الخالية حقا من كل قيد"[[405]].
وقال أيضا:
"وعلى ذلك نرى أن الديمقراطية في المجتمع الرأسمالي هي ديمقراطية بتراء حقيرة زائفة، هي ديمقراطية للأغنياء وحدهم، للأقلية. أما ديكتاتورية البروليتاريا، مرحلة الانتقال إلى الشيوعية، فهي تعطي لأول مرة الديمقراطية للشعب، للأكثرية بمحذاة القمع الضروري للأقلية للمستثمرين. والشيوعية وحدها هي التي تستطيع أن تعطي الديمقراطية كاملة حقا، وبمقدار ما تتكامل بمقدار ما تزول الحاجة إليها، فتضمحل من نفسها"[[406]].
وقال:
"فما بقيت الدولة، لا وجود للحرية، وعند ما توجد الحرية تنعدم الدولة"[[407]].
وأضاف:
"إن الأساس الاقتصادي لاضمحلال الدولة اضمحلالا تاما، هو تطور الـشيوعية تطورا كبيرا يزول معه التضاد بين العمل الفكري والعمل الجسدي ويزول - بالتالي - ينبوع من أهم ينابيع اللا مساواة الاجتماعية الراهنة"[[408]].
وقال كوفالسون:
"إن الانتقال إلى الشيوعية يفترض تصفية الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين المدينة والقرية، وإزالة الفوارق الجوهرية بين العمل الجسدي، وكذلك محو الحدود بين الطبقات والفئات الاجتماعية في المجتمع، إن تحقيق هذه المهام الاجتماعية الفائقة الشأن يعني بناء المجتمع الشيوعي اللا طبقي، واقامة المساواة الفعليه بين الناس، ويشكل مكسبا من أعظم مكاسب الشيوعية.
إن الانتقال إلى الشيوعية مرتبط باضمحلال الدولة، وبنمو ثروات المجتمع الروحية باطراد، وبازدهار العلم والثقافة، وبارتفاع مستوى الجماهير الثقافي التكنيكي ارتفاعا كبيرا جدا وتطور نشاطها ومبادراتها، وبتوطيد المبادئ والقواعد الجماعية والانسانية والمفاهيم الأخلاقية الشيوعية في العلاقات بين الناس"[[409]].
وقال لينين:
"عندما لن تكون طبقات في المجتمع الشيوعي، فلن يبقى إذن سوى منتجين عاملين، ولن يكون هناك عمال وفلاحون"[[410]].
-6-
وستكون القاعدة الاقتصادية الأساسية في الطور الأعلى، هي: [من كل حسب طاقته، ولكل حسب حاجته].
قال ماركس - كـما ينقل عنه لينين - وهو يتحدث عن هذا الطور الأعلى:
"حينذاك فقط يصبح بالامكان تجاوز الأفق الضيق للحق البرجوازي تجاوزا تاما، ويصبح بإمكان المجتمع أن يسجل على رايته: من كل حسب كفاءاته، ولكل حسب حاجاته"[[411]].
وقال لينين:
"ان الاشتراكية يجب أن تتحول بصورة حتمية شيئا فشيئا إلى الشيوعية التي كتب على رايتها: من كل حسب قدراته ولكل حسب حاجاته"[[412]].
وسمعنا من التعريف الرسمي للشيوعية انه قال: [ويتحقق المبدأ العظيم: من كل حسب كفاءاته، ولكل حسب حاجاته].
ومن الطريف أنه يظهر من بوليتزر ان لكل شخص حسب إرادته، لا حسب حاجاته فقط حيث قال بصدد حديثه عن الطور الأول:
"والنتيجة الأولى لإزالة استغلال الانسان لأخيه الانسان هي أن العامل يستطيع ان ينال حسب عمله الذي يؤديه دون أن يسلب جزءا من الثروة التي أنتجها. اما أن ينال كل فرد حسب إرادته وحاجاته، فيجب أن يصل المجتمع إلى إنتاج كمية كافية من وسائل الانتاج، تحقيق هدف الشيوعية"[[413]].
-7-
وسيكون العمل أهم حاجات الحياة للناس، ويكون مجانيا بدون أجرة.
قال ماركس - بنقل لينين عنه -:
"في الطور الأعلى من المجتمع الـشيوعي، بعد أن يزول خضوع الأفراد المذل لتقسيم العمل... وحين يصبح العمل. لا وسيلة للعيش وحسب، بل الحاجة الأولى للحياة أيضا"[[414]].
وقال لينين:
"إن الشيوعية هي المرحلة العليا للاشتراكية، حـث يعمل البشر لانهم واعون لضرورة العمل من أجل الخير العام"[[415]].
وقال أيضا:
"إن ما ندعوه بالشيوعية، هو النظام حيث يعتاد البشر على إنجاز واجباتهم الاجتماعية دون أجهزة خاصة للالزام، وحب العمل لا أجرة له، في سبيل الخير العام يصبح ظاهرة عامة"[[416]].
وقال أيضا:
"إن العمل الشيوعي بمعنى الكلمة الأضيق والأدق، هو عمل بلا أجرة في صالح المجتمع، وهو لا ينفذ لا بوصفه إعانة معينة ولا من أجل الحصول على الحق في بعض المنتجات، ولا وفقا لقواعد محددة مسبقا. انه عمل مقبول بملء الحرية، بصورة خارجة عن أية قاعدة، ومقدم دون توقع لأي مكافاة، وبلا أجرة متفق عليها"[[417]].
إذن، فالفرد يؤدي ما يستطيع من أعمال حسب كفاءاته وقدراته، مجانا بدون مقابل، سوى شعوره بالصالح العام، ويأخذ بإزاء ذلك، من الأموال ما يكفي حاجاته كلها، ولعله يأخذ بمقدار ما يريد من الأموال.
-8-
وإنما يصبح العمل حرا إلى هذه الدرجة، وحاجة من حاجات الحياة، فيما إذا توفرت شروط معينة.
قال بوليتزر:
"يتضح أنه، إذا لم يصبح الانسان عاملا نشيطا واعيا للنمو الاجتماعي، وإذا لم يكن حراً في اختيار عمله - فان الملكية - الاجتماعية لن تصبح قط عادة ولن يصبح العمل حاجة.
ماذا يجب كي نصل إلى هذه النتيجة؟، يجب تغييرات جدية في حالة العمل:
أ- تخفيض ساعات العمل اليومي إلى 6 ساعات على الأقل ثم إلى 5 ساعات. مما يسمح لكل فرد أن يكون له متسع من الوقت لتلقي ثقافة شاملة. غير انه يجب من أجل ذلك:
ب- جعل الثقافة البوليتكنيكية جبرية، كما تنبأ بها فورتييه وماركس...
ج- تحسين ظروف السكن بصورة جذرية. وأخيرا:
د- مضاعفة أجر العمال الحقيقي، وربما زيادته فوق ذلك، وذلك برفع الأجر مباشرة وتخفيض سعر السلع الكثيرة الاستهلاك"[[418]].
-9-
وسينال الفرد بمقدار حاجاته [الحكيمة]:
فان"الفوارق بين الادمغة والقدرات الذهنية على العموم - كما قال ماركس - لا تتطلب البتة فوارق بين المُعد والحاجات الحكيمة.
ويترتب على ذلك ان الحكمة المغلوطة، المرتكزة على قواعد المجتمع الحالي [لكل حسب قدراته] يجب أن تصبح بقدر ما تتعلق بالاستهلاك بمعنى هذه العبارة الضيق، هذه الحكمة الأخرى [لكل حسب حاجاته].
أو بكلام آخر: ان فارقا في النشـاط أو العمل لا يستتبع أي تفاوت أو أي امتياز على صعيد الملكية والاستهلاك"[[419]].
-10-
والملكية الخاصة ستزول تماما، فانها كانت - في رأي الماركسية - سبب الويلات في العالم، وستزول هذه الويلات بزوالها، ويسعد العالم كله.
قال كوفالسون:
"كذلك جان جاك روسو، الفيلسوف والكاتب الفرنسي من القرن الثامن عشر. قال بمرارة: ان الانسان يولد حرا ولكنه مقيد بالسلاسل. وهذه السلاسل إنما علاقات الملكية الخاصة هي التي تقيد بها الناس"[[420]].
وقال البيان الشيوعي:
"غير أن الملكية الخاصة في الوقت الحاضر، أي الملكية البرجوازيه، هي آخر وأكمل تعبير عن إسلوب الانتاج والملك المبني على تناقضات الطبقات واستثمار بعض الناس لبعضهم الآخر.
وعلى هذا فباستطاعة الشيوعيين أن يلخصوا نظريتهم بهذا الصدد في هذه الصيغة الوحيدة، وهي: القضاء على الملكية الخاصة"[[421]].
ثم يبدأ البيان الشيوعي بالدفاع عن هذه الفكرة ضد الايرادات التي ذكرت عليه.
وهذا هو الرأي الكلاسيكي الرسمي لدى الماركسية والماركسيين. وان كانت الماركسية قد ترى رأيا آخر أكثر هدوءا وانسجاما مع نظريتها العامة، وهي إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، فقط... ومن الطريف أن البيان الشيوعي يقول في نفس الصفحة:
"فليس الذي يميز الشيوعية ليس هو محو الملكية بصورة عامة، بل هو محو الملكية البرجوازية"[[422]].
وأكد كوفالسون طبقا للنظرية العامة للمادية التاريخية، ان ملكية وسائل الانتاج هي التي أدت إلى وجود العهود، وهي التي سببت الويلات التي أحدثتها هذه العهود. وبإلغاء ملكية وسائل الانتاج ترتفع تلك الويلات. وقد تكلم عن ذلك طويلا، نقتبس من ذلك قوله:
"إن التاريخ يعرف نماذج أساسية من الملكية الخاصة - الملكية العبودية [الملكية القائمة على الرق] والملكية الاقطاعية والملكية الرأسمالية، وثلاثة أشكال أساسية مناسبة لها لاستثمار الانسان من قبل الانسان"[[423]].
وقد تميزت هذه العهود الثلاثة، بعد المشاعية البدائية، بتطور ملكية وسائل الانتاج. وسترتفع بالتحول إلى المجتمع الشيوعي.
هذا، ولكن يبقى التساؤل عن الفرق بين مرحلة الاشتراكية ومرحلة الشيوعية من هذه الناحية. فان الاشتراكية - كـما عرفنا - تتميز بإلغاء ملكية وسائل الانتاج. فان كان الطور الأعلى له نفس هذه الصفة، لم يبق فرق بينهما، في هذه الجهة الأساسية ماركسيا، فينبغي أن يكون الوضع فيه هو الالغاء المطلق للملكية الخاصة، كما هو المفهوم [رسميا] من الماركسية.
-11-
وهناك تفاصيل مهمة في المصادر الماركسية، للمجتمع الشيوعي، يحسن الاطلاع عليها الان:
قال بوليتزر:
ولقد عدد ستالين، مستخلصا من تعاليم كتب ماركس وانجلز ولينين، ميزات المجتمع الشيوعي، كما يلي:
أ- لن يكون هناك ملكية خاصة لآلات الانتاج ووسائله، بل ستكون ملكية اجتماعية جماعية.
ب- لن تكون هناك طبقات ولا سلطة دولة، بل سيكون هناك عمال في الصناعة والزراعة يديرون أنفسهم بأنفسهم اقتصاديا، كجمعية حرة للعمال.
ج- سيعتمد الاقتصاد القومي، المنظم حسب مخطط موضوع، على تقنية عليا سواء في ميدان الصناعة أو ميدان الزراعة.
د- لن يوجد فرق بين المدينة والقرية، بين الصناعة والزراعة.
هـ- ستوزع المنتوجات حسب مبدأ الشيوعيين الفرنسيين القدماء، وعلى كل فرد أن يؤدي حسب طاقاته وأن ينال حسب حاجاته.
و- سيستفيد العلم والفنون من ظروف مواتية، كفاية لبلوغ تفتحها الكامل.
ز- سيصبح الفرد حرا حقا بعد أن تخلص من هم خبزه اليومي، ولن يحاول ارضاء [جباري هذا العالم]"[[424]].
وقال أفاناسييف:
إن "في الشيوعية، بدلا من شكلي الملكية الموجودين في الاشتراكية، ملكية الشعب بأسره، ملكية الدولة والملكية التعاونية الكولخوزية، ستوجد الملكية الشيوعية، ستقترب الملكية التعاونية الكولخوزية أكثر فأكثر، من ملكية الدولة، ومن ثم ستندمجان في الملكية الشيوعية الواحدة".
وأضاف:
"وسيصبح تبادل النشاط الانتاجي بين المدينة والقرية أوثق وأكثر تنوعا، وستتطور أكثر تعاون الانتاج بين المناطق الاقتصادية في البلاد، والروابط الاقتصادية بين المؤسسات في إطار المناطق نفسها، والمساعدة المتبادلة بين شغيلة المؤسسات المنفردة وبالتالي ستظهر أسرة شغيلة العمل الشيوعية الموحدة والعالية التنظيم"[[425]].
وقال أيضا:
"وسيكون لجميع أعضاء المجتمع الشيوعي علاقة واحدة بوسائل الانتاج، ولهذا سيكون لهم وضع متساوٍ وشروط متساوية في العمل والتوزيع، وسيشتركون بنشاط في تصريف الشؤون الاجتماعية، وسيتوطد انسجام العلاقات بين الفرد والمجتمع على أساس الوحدة المتينة للمصالح العامة والفردية.
وستحقق الثقافة في الشيوعية نهوضا لم يسبق له مثيل. ان الثقافة الشيوعية التي تَرث وتطور كل ما هو تقدمي، وأفضل ما خلقته الثقافة العالمية، ستكون مرحلة جديدة عليا في تطور الانسان الثقافي..."
وأضاف:
"إن الشيوعية تفترض إنسانا جديدا يتناسق فيه الغنى الروحي والنقاء الأخلاقي والكمال الجسماني. ان الوعي الشيوعي وحب العمل والانضباط والاخلاص لمصالح المجتمع، تلك هي الصفات المتكاملة لهذا الانسان وان التنظيم والدقة التي يتطلبها الانتاج الشيوعي سوف تتأمنان لا عن طريق الاكراه بل على أساس إدراك الواجب الاجتماعي إدراكا عميقا. وسيكون إنسان الشيوعية متناسقا ومتطورا من جميع النواحي، حيث ستتطور قابلياته ومواهبه، وتزدهر كليا، وتتجلى بوضوح أفضل خصاله الروحية والجسمانية"[[426]].
فهذه هي مميزات المجتمع الأمثل، والهدف الأعلى في رأي الماركسيين.
-12-
إنه وان كان تطور وسائل الانتاج، هو الذي يوصل الماركسية إلى هدفها الأعلى، طبقا لماديتها التاريخية، فانها في عين الوقت على عنصر الوعي والاختيار في الوصول إليه. وسيكون سيد الموقف هو الحزب الشيوعي نفسه.
قال كوفالسون:
"إن سير المجتمع الاشتراكي نحو الشيوعية، يتوقف بصورة حاسمة على صانعيه بالذات، على لحمتهم ووحدتهم وعقلهم وموهبتهم ونشاطهم ومبادراتهم ورجولتهم وشجاعتهم وتفانيهم وانضباطهم ومسؤوليتهم، ومعارفهم وخبرتهم ونضوجهم الأخلاقي وثقافتهم.
إن الحزب الشيوعي هو القوة القائدة والموجهة لكل العملية المتنوعة الجوانب لبناء المجتمع الجديد"[[427]].
-13-
وهناك إشكال رئيسي ومهم على وجود الطور الشيوعي الأعلى. وهو باختصار. إنه مجتمع طوبائي لا يمكن تحقيقه، ويستحيل إنجازه. وهو إشكال أخذته المصادر الماركسية عن اعدائها وحاولت الجواب عليه. وقد تعرض لهذا الإشكال لينين نفسه، في كتابه [الدولة والثورة]، حيث قال:
"من السهل، من وجهة النظر البرجوازية، إعلان مثل هذا النظام الاجتماعي [طوبوية محضا] والسخرية من الاشتراكيين لانهم يعدون كل مواطن سيحق له أن يأخذ من المجتمع بدون مراقبة لعمله أي مقدار من السكاكر أو السيارات أو أجهزة البيانو غير ذلك"[[428]].
فنرى لينين قد ساق الإشكال من زاوية القانون الشيوعي [لكل حسب حاجاته] فانه لو كان الأمر كذلك لأخذ الناس الأموال بلا حساب وبخاصة ان الدولة غير موجودة لتراقب وتحاسب.
ويجيب لينين على ذلك:
بأن ذلك نتيجة "الجهل، لانه لم يخطر لأي إشتراكي ببال ان يَعد بحلول الطور الأعلى من تطور الشيوعية. أما فيما يخص نبوءة الاشتراكيين بحلولها، فهي تفترض إنتاجية عمل غير إنتاجية العمل الحالية، وإنسانا غير الانسان الحالي التافه..."[[429]].
وأما بوليتزر، فقد ساق الإشكال من زاوية أخرى، هي أن التوزيع حسب الحاجات يجعل المداخل متقاربة، للعامل عملا قليلا والعامل عملا كبيرا. ومعه لا يبقى أي دافع لاداء العمل الكبير. وبذلك يخسر المجتمع أهم ما يمكن ان يحصل عليه من الأعمال الفنية والاختصاصية، والصعبة عموما. وقال بوليتزر:
"حجة البرجوازيين الرئيسية، فيما يتعلق بما تدعيه من استحالة تحقيق الشيوعية: المجتمع لن يستطيع أن يقدم لكل فرد [حسب حاجاته] أي مجانا، دون ان يحاول كل فرد، عندئذ، أن يعمل أقل ما يمكن، وهكذا يأتي الفقر بسرعة"[[430]].
وأجاب عنه بقوله:
"تعتقد البرجوازية ان الانسان وهو فريسة [الخطيئة الأصلية] كسول بطبيعته لا يعمل إلا إذا أجبر على العمل وحمل عليه، فيحاول الاستفادة إلى أقصى حد من عمل غيره... ذلك لان شروط استغلال الانسان لأخيه الانسان أوجدت منذ آلاف السنين كراهية العمل الشديد المرهق... إلى أن يقول: غير ان هذا الوضع ليس أبديا. فهو وليد ظروف مادية معينة، ولهذا يزول بواسطة ظروف مادية أخرى... ويعطينا النشاط العلمي والفني في المجتمع المتقسم إلى طبقات، صورة عما يمكن ان يكون عليه عمل كل إنسان في المجتمع الشيوعي، فهو ليس شاقا بل متعة وتفتحا... تمزج التقنية التقدمية، في المجتمع الشيوعي، العمل اليدوي بالعمل الفكري، كما انها تسمح بتخفيض ساعات العمل، فتتيح للعامل الفراغ لتحسين تخصصه، إذ تمكنه من أن لا يكون طيلة حياته أسير نفس المهمة"[[431]].
واما كوفالسون، فيذكر الإشكال، من زاوية استبعاد وجود اليوم الذي تسعد به البشرية وترتفع فيه آلامها، لمجرد كونه مثاليا أو [طوبائيا] وقد يصل هذا الاستبعاد في النفس إلى حد اليقين باستحالة ذلك وقد تكلم كوفالسون عن ذلك طويلا، ونحن نقتبس منه أهم كلامه:
"يبذل الآيديولوجيون البرجوازيون جهودهم لبذر الشك في إمكانية تحقيق المثل الأعلى الشيوعي، وينعتونه بالطوبوية، وبالحلم الذي يستحيل تحقيقه، إلخ. ولكن هل هكذا هو الحال في الواقع؟، ان فكرة مجتمع عاقل أو عادل قد انبثقت من قديم الزمان، وظلت بالفعل خلال آلاف السنين حلما طوبويا... ولقد كشفت الماركسية هذه الامكانيات وقدمت البرهان على إمكانية بناء الشيوعية حقا وفعلا".
ثم تساءل كوفالسون:
"البشرية المعاصرة التي خلقت قوى منتجة عصرية... هل هي عاجزة عن إنشاء تنظيم اجتماعي معقول عن التخلص من الجوع والفقر والحروب والتناحرات الاجتماعية، عن تأمين المساواة والرفاهية وإمكانيات التطور الروحي للمجتمع، وما إلى ذلك؟، وأي طوبوية هنا، وبمَ يمكن الاعتراض على هذا المثال الأعلى الذى لا ريب في إنسانيته".
إلى أن قال:
"ولكن الانسان لا يولد صالحا أو شريرا، بل يصبح كذلك في المجتمع. يقينا أن الانسان ليس ملاكا وانه لن يصير يوما ملاكا. ان حاجاته المادية ستتطلب دائما تلبيتها. ولكن لماذا يقال عنها انها مصدر الشر".
إلى ان قال:
"والمفتاح لحل هذه المعضلة، كـما برهنت الماركسية، إنما ينبغي البحث عنه لا في طبيعة الناس بل في نشاطهم ذاته، لان الانسان نفسه يتغير بتغير الواقع المحيط به. ولهذا، ليس ما يسمى بطبيعة الانسان عقبة يستحيل تذليلها لأجل بناء المجتمع الجديد".
وأضاف:
"وماذا أيضا؟، خطر القضاء على الحضارة في حرب حرارية نووية عالمية؟، هذا الخطر موجود فعلا، ولكن مصدره ليس الاشتراكية... ولهذا يتطابق اليوم النضال ضد الامبريالية ضد الاستثمار والاستعمار الجديد، من أجل السلام والاشتراكية..."[[432]].
وهكذا توصلت الماركسية، إلى أن مثالها الأعلى ممكن، وغير مستحيل.
-14-
وأخيرا، فان هناك إشكالا آخر على الماركسية يتضمن التساؤل عما سيحدث بعد الشيوعية، فان الماركسية وصلت بماديتها التاريخية إلى هذا الحد ووقفت. فبماذا يمكنها ان تجيب عن هذا الاشكال.
وجدنا أحد الماركسيين قد تعرض لهذا السؤال، وقال في جوابه - فيما قال -:
"إن نشوء الملكية الشيوعية لوسائل الانتاج تحل قضية الملكية عمليا أمام الانسانية، ثم لا تعود العملية التاريخية الطبيعية لتطور الانسانية تحمل طابع تغيير تشكيلة اجتماعية اقتصادية إلى أخرى تختلف عنها في شكل الملكية، وهذا يعني أن تقدم المجتمع سوف يتحقق على أساس الملكية الانسانية العامة. وبهذا المعنى سيكون تقدم المجتمع تطورا لا محدودا للتشكيلة الشيوعية... بيد أنه لا ينبغي ان نستنتج من هذا ان مجتمع المستقبل لن يمر في مراحل نوعية خاصة من تطوره. كل ما في الأمر هو ان هذه المراحل سوف لن تتميز عن بعضها بشكل الملكية وإنما بمقاييس موضوعية أخرى"[[433]].

مناقشة
الطور الشيوعي الأعلى
-1-
لا ينبغي أن نختلف مع الماركسية في وجود المستقبل السعيد للبشرية بأي اسم سميناه، فانه من القضايا القطعية التي لا يتطرق إليها شك، كما سوف نبرهن عليه. وقد سبق ان أعطينا عنه جملة من التفاصيل في الجزئين السابقين من هذه الموسوعة.
واتفاقنا مع الماركسية في ذلك، هو الذي حدا بنا إلى الدخول في تفاصيل نظريتها، لنرى ما إذا كانت الماركسية قد وفقت فعلا في استنتاجاتها والمقدمات التي أوصلتها إلى التركيز على هذه النتيجة.
وعلى أي حال، فقد قلنا في مقدمة هذا البحث، ان ذهابها إلى ذلك يعتبر احدى نقاط القوة في الفكر الماركسي وأشدها إغراءا لجلب العقول إلى جانبها، مضافا إلى محاولة الماركسية استيعاب الكون والحياة بفلسفة واحدة متعاضدة.
وسنثبت، غير بعيد، ان نظرية التخطيط الالهي العام تشتمل على كلا هاتين النقطتين من القوة، مع وجود نقاط قوة أخرى كثيرة. وعدم ورود أي ايراد من الايرادات التي ذكرناها ضد الماركسية على نظرية التخطيط الالهي.
ومن هنا تكون هذه النظرية قد توصلت إلى نفس النتيجة بمقدمات أصح وأمتن.
وقد عرفنا بأوضح شكل المناقشات التي تُمنى بها الماركسية، وان المقدمات العامة والخاصة والتفاصيل للفهم الاجتماعي الماركسي، كلها لا يمكن أن تكون صحيحة.
وهنا لا بد من الاشارة إلى الأفكار الثلاثة التي ذكرناها في أول مناقشة الطور الادنى، فانها واردة هنا، فليرجع القارىء إليها.
-2-
وقد ذكرت الماركسية، تفاصيل كثيرة من أوصاف الطور الأعلى [يوم سعادة البشرية] كأنها عاشتها فعلا، وشاهدتها مطبقة في عالم الحياة... مع العلم أنها تعترف أن أيا من دول ما يسمى بالمعسكر الاشتراكي، لم يصل إلى هذا الدور إلى حد الآن. ولا زالت هذه الدول تعطي العامل حسب عمله لا حسب حاجته، وتعترف بالملكية الخاصة في كثير من الميادين، والجهاز الحاكم [الدولة] لا زال موجودا فيها لم يضمحل.
المهم، أن هذه الأوصاف للطور الأعلى، أخذتها الماركسية من مصادر ثلاثة:
المصدر الأول: الوضوح العقلائي العام بأن صفات معينة تكون هي السبب في سعادة البشرية، أو أنها تشارك فيها مشاركة فعالة... كالمساواة الاقتصادية وارتفاع الخلافات والتناحرات بين الناس، وتعميم الثقافة في المجتمع... ونحو ذلك، فان من أراد أن يفكر - بدون جهد - في الأوصاف الموجبة لسعادة الناس، فانه لن يعدو مثل هذه الصفات.
المصدر الثاني: المادية التاريخية، بما لها من الخصائص والقواعد، حيث أصبحت تصل بثقلها إلى هذا الطور الأعلى، فتطبعه بطابعها في نظر الماركسية، وأهم الصفات التي وسمته بها: زوال الطبقات وزوال الدولة، وزوال الملكية الخاصة.
المصدر الثالث: آراء خاصة للماركسيين واجتهادات شخصية ملئوا بها الصحف والكتب في صفات الطور الأعلى. ورأوا ان المجتمع الذي تسعد به البشرية ينبغي ان يكون كذلك، وادعوا أنهم استنتجوا ذلك عن طريق الماديه التاريخية، وسنرى عن قريب أن هذه القواعد غير مربوطة بالمرة بهذه الصفات.
ومن أهم ما ذهب إليه الماركسيون نتيجة لهذا المصدر القاعدة الشيوعية [من كل حسب عمله ولكل حسب حاجته]، وكذلك الاسلوب البديل عن الدولة بعد زوالها.
أما المصدر الأول، فهو صحيح إلى حد بعيد، وان كان قد يقع الشك في ان قضية معينة مستنتجة منه فعلا أم لا.
وأما المصدر الثاني، فقد عرفنا من خلال هذا البحث بكل تفصيل عدم صحته، ومعه فتكون النتائج المتفرعة عليه غير صحيحة، بطبيعة الحال.
وأما المصدر الثالث، فهم الذين يتحملون مسؤوليته وحدهم، لان رأي أي فرد نافذ عليه، فقط، ولا يمكن أن يكون نافذا على غيره، إلا عن طريق الاقناع. وستكون لنا فرصة واسعة، نتيجة لقدسية الحرية في الاستنتاجات العلمية والفكرية أن نقتنع بما نشاء، أو أن نرفض ما نشاء حسب المقدمات التي يوصلنا إليها التخطيط الالهي لليوم الموعود.

-3-
ونحن وان لم نصل بعد إلى أوصاف اليوم الموعود، الذي رصدنا له القسم الثالث من الكتاب، إلا أنه يمكننا هنا أن نعطي بعض الفقرات المناسبة مع هذه المناقشات، محيلين البرهنة عليها على ما يأتي من البحث.
ان الماركسية أعطت ليومها الموعود وطورها الأعلى عددا من الأوصاف في التعاريف وغيرها، يمكن ان تنطبق على يومنا الموعود أعني الناتج عن التخطيط الالهي. وذلك: أما باعتبار كونها مستنتجة من المصدر الأول الذي ذكرناه، فتكون مشتركة وواضحة في ذهن كل من يخطط لسعادة البشرية. أو باعتبار أنها مستقاة من المصدر الثالث، وقد حصل التطابق - صدفة - بين بعض آراء الماركسيين واجتهاداتهم، وبين أوصاف اليوم الموعود.
انظر معي إلى العبارات التالية، وكلها مما سبق ان سمعناه:
"الشيوعية هي المستقبل المشرق للانسانية جمعاء".
بل اليوم الموعود هو المستقبل المشرق للانسانية جمعاء، وهو حلم الانسانية طيلة قرون.
إن اليوم الموعود ينطبق عليه تعريف كوفالسون تماما، وان لم يكن تعريفا إلا لبعض جوانبه.
فهو "تنظيم اجتماعي عاقل يعتمد على قاعدة تكنيكية عالية التطور، ويوحّد الناس في إطار وحدة تضامنية من أجل اخضاع قوى الطبيعة باطراد، ويوطد سيادة الانسان على علاقاته الاجتماعية بالذات، ويوحد النظام الاجتماعي كله والثقافة المادية والروحية كلها نحو تطوير الانسان، نحو تطوير الفرد تطويرا متناسقا متناغما".
هذا بشرط أن لا تنطبق الأساليب التي تقترحها الماركسية بالمصدر الثالث، للوصول إلى هذه النتائج الصحيحة، بل لليوم الموعود أساليبه الخاصة به ومفاهيمه مضافا إلى كل ما ذكر.
واليوم الموعود هو - أيضا -:
"فض سر التاريخ ودرجة عالية من التقدم الاجتماعي وظاهرة تاريخية عالمية وهو وحده الذي يدل البشرية على مخرج من تلك النزاعات الفاجعة التي تتخبط فيها. ولهذا لا بد أن تصل الشعوب إليه، عاجلا أم آجلا، ولا مراء أن تشكيلة [اليوم الموعود] ستكون عامة، وان جميع الشعوب ستبلغ في آخر المطاف مستوى واحدا، فيبدأ آنذاك تاريخ واحد لبشرية واحدة".
كذلك قال كوفالسون، وكذلك نقول.
اضف إلى ذلك صفات أخرى مما ذكره الماركسيون:
ففي اليوم الموعود "ستحقق الثقافة فيه نهوضا لم يسبق له مثيل. ان الثقافة [الموعودة] ترث وتطور كل ما هو تقدمي، وأفضل ما خلقته الثقافة العالمية ستكون مرحلة جديدة عليا من تطور الانسانية الثقافي.
إن اليوم الموعود يفترض [بل يصنع] إنسانا جديدا يتناسق فيه الغنى الروحي والنقاء الأخلاقي والكمال الجسماني. ان الوعي [الموعود] وحب العمل والانضباط والاخلاص لمصالح المجتمع، تلك هي الصفات المتكاملة لهذا الانسان. وسيكون إنسان ذلك العهد متناسقا ومتطورا من جميع النواحي حيث ستتطور قابلياته ومواهبه، وتزدهر كليا وتتجلى بوضوح أفضل خصاله الروحية والجسمانية".
وإذا كان الماركسيون قد انتهوا من أوصاف مجتمعهم السعيد، فان التخطيط الالهي يعتبر هذه الأوصاف بسيطة وقليلة بالنسبة إلى الوعي والتنظيم الفردي والاجتماعي الموجود في يومه الموعود. وسنوضح ذلك بكل تفصيل عند الحديث عن هذا التخطيط، وسنعرف أن هذه النظرية هي التي من حقها أن تتحدث عن هذه الأوصاف دون الماركسية.
-4-
وماذا بعد عن التعاريف، وهل تنطبق تماما على الطور الأعلى، طبقا لقواعد الماركسية العامة.
إن عددا من الخصائص التي وردت في تعريف [كارل ماركس] للشيوعية لا يمكن أن يكون صحيحا، فضلا عن ان يكون تعريفا كاملا من الناحية المنطقية. حيث قال عن الشيوعية - كما سمعنا -: "انها تَملك فعلي للماهية الانسانية من قبل الانسان".
إن استعمال لفظ التملك وهو المفهوم الذي تنفر منه الماركسية - متطرف هنا بالمجازية. ان ماركس يريد من ذلك سيطرة الانسان على شؤون نفسه. وهي ليست خصيصة للطور الأعلى بل تشمل كل نظام مادي منفصل عن تشريع السماء. ولكن تعبيره قاصر عن اداء ما يريده، فان الماهية الانسانية غير قابلة للتملك بالمعنى المفهوم من الماهية والتملك. وان أراد ملكية الانسان ملكية شخصية، عدنا - إذن - إلى عصر الرق. إن أراد سيطرة بعض الانسان على بعض، عدنا إلى عصر الدول التي تكون قد زالت يومئذ. وان أراد سيطرة جميع المجتمع على جميعه، كـما هي الصورة المثالية المتطرفة للديمقراطية فهذا مما لا يمكن تطبيقه بالضرورة، كـما سنقول بعد قليل عند مناقشة ارتفاع الدولة.
وقال ماركس عن الشيوعية أيضا: "انها الحل الحقيقي للتضاد بين الانسان والطبيعة". وهذا لا معنى له، لان التضاد لو كان موجودا فهو يعود إلى الوجود التكويني للانسان والطبيعة، ولا ربط له بالنظام الفكري والتشريعي للمجتمع. ومن الواضح أن الانسان كلما ذلل قسما من الطبيعة طمع في تذليل أقسام أخرى منها، وهي أعمق وأوسع من أن تنتهي.
وقال عنها: "انها الحل الحقيقي للتضاد بين الانسان والانسان، وسوف نبرهن خلال القسم الثالث، ان هذا إنما يكون ممكنا لو اتصف أفراد المجتمع [بالعصمة] كما هو هدف التخطيط الالهي العام. اما من دون ذلك، مع الالتفات إلى التركيز الاقتصادي للماركسية في تربية الأفراد، و إيلائه الأهمية الأولى في الحياة، فهذا التضاد لا يمكن ان يزول من الحياة.
وقال عنها: "انها الحل الحقيقي للتضاد بين الوجود والماهية بين الموضعة وتأكيد الذات". اما قصة الوجود والماهية، فالمعنى المفهوم منهما خال عن التضاد، بل هما متعاضدان في إيجاد أجزاء الكون ومن ثم الكون كله. وعلى افتراض وجود التضاد فهو تكويني الوجود لا ربط له بالنظام الاجتماعي، ولا معنى لارتفاعه والحديث عن الموضعة وتأكيد الذات، والمراد به حب الذات بما لها من نوازع وطموحات، والعالم الخارجي الموضوعي. ان الانسجام الكامل بينهما لا يكون إلا عند تطبيق العدل الكامل، ولا يكفي توفر الانتاج في ذلك، وإن كان يشارك فيه مشاركة كبيرة، وهذا ما سنحمل عنه فكرة في القسم الثالث من الكتاب.
وقال عنها: "انها الحل الحقيقي للتضاد بين الحرية والضرورة". وهذا واضح المجازية. لان المراد من هذين الاصطلاحين: الحرية والضرورة، وجودهما التكويني في خلقة الانسان ووجوده. وهذا أمر غير مربوط بالنظام الاجتماعي بالمرة. وقد سمعنا مفصلا كيف ان الماركسية فشلت في الجمع بين الضرورة والحرية، وكيف انها ركزت على الضرورة في العهود الأولى من ماديتها التاريخية، بينما ركزت على جانب الوعي والحرية في العهود الاشتراكية الأخيرة. وقد عرفنا فشل هذا المعنى أيضا، لان الانسان إن كان مضطرا إلى أفعاله، طبقا للقوى المادية التي تؤمن بها الماركسية، أو كان غير مضطر بالرغم من هذه القوى، فهي على أي حال صفة ثابتة للانسان لا تقوى العهود التاريخية على تغييره، شأنها في ذلك شأن الكثير من الصفات التي عجزت عن تغييره، كشكل الانسان ولغته وغيره مما سبق ان ذكرناه مفصلا.
ثم قال ماركس عن الشيوعية: "وهي تعرف ذاتها على انها هذا الحل". وهذا واضح المجازية... انه يتحدث عن الشيوعية كأنها فرد من أفراد الانسان... لعله لأجل كونها صديقته المفضلة!...
-5-
ولنتحدث الآن عن زوال الدولة.
إن الرئاسة المركزية التي تمثل الدولة القسم المتطور منها، وجدت في التاريخ البشري منذ وجدت المجتمعات متمثلة في الطوطمية والأبوة العليا والمشيخات وغيرها. حتى في المجتمعات البدائية، وقد عرفنا وبرهنا أنه لم يثبت انها كانت مجتمعات شيوعية في الانتاج والتوزيع، كما قالت الماركسية.
ثم تطورت هذه الرئاسة واتسعت، وازدادت أهميتها ومسؤولياتها تدريجا إلى أن وصلت إلى الشكل الحكومي الحديث.
والمهمة الرئيسية للدولة في الواقع، ليس هو القمع الطبقي، وان كانت كثير من الدول قد قامت بذلك فعلا... بل هو الحفاظ على مصالح المجموع، من حيث أن المجموع لا يمكنهم ان يجدوا مصالحهم أو ان يحافظوا عليها، باعتبار اختلافهم في المصالح والاراء والثقافات وغيرها، وتعذر اجتماعهم واتفاقهم على عمل أو رأي واحد. فلزم وجود حاكم أعلى أو مجموعة صغيرة نسبيا من الناس تحفظ لهم تلك المصالح العامة.
والدول تختلف، باعتبار اختلاف اشخاصها وظروفها، في إدراكها للمصالح العامة، وفي مقدار تدخلها في حياة الناس وفي مقدار إخلاصها للمجتمع وفي أساليب تطبيقها للمصالحة. وحيث ان الحكام - كأي إنسان - تسيطر عليهم الرغبات الشخصية والمصالح الخاصة أكثر بكثير من إخلاصهم للمجتمع ومصالحهم. فبهذا الاعتبار سوف يمارسون قمع المعارضين بالطرق [السلمية] تارة والدموية أخرى. ومن هنا فهمت الماركسية ان الدولة أداة طبقية للقمع.
وفي إمكاننا، إذن، ان نتصور درجة عليا من الاخلاص في الحكام المسيطرين على الدولة، بحيث يمارسون نكران الذات ويحفظون مصالح المجتمع بدرجة عليا، تماما كما افترضته الماركسية في كل أفراد الطور الأعلى أو أكثرهم على أقل تقدير. ومعه لا تكون الدولة طبقية، ولا تمارس أي قمع.
وقد اعترفت الماركسية ان الدولة أحيانا لا تكون ممثلة لطبقة معينة.
قال انجلز:
"فثمة، كحالات استثناثية، مراحل تبلغ فيها الطبقات المتناضلة درجة من توازن القوى، تنال فيها سلطة الدولة لفترة معينة نوعا من الاستقلال حيال الطبقتين، مظهر وسيط بينهما"[[434]].
وإذا أمكن هذا أحيانا، بالرغم من القوانين المادية للتاريخ، أمكن أيضا في كثير من الأحيان.
ان المجتمع البدائي، إنما كان فاقدا للدولة، لانه لم يكن يحتاجها لعدم وجود مصالح عامة بالمعنى الحقيقي تجب كفالتها وحفظها. وإنما كان الأفراد يمكنهم أن يحفظوا مصالحهم بأنفسهم. وهذا بخلاف المجتمع المعقد الواسع والعالي التنظيم، على الشكل الذي تتصوره الماركسية في الطور الأعلى، فانه يحتاج إلى تلك الهيئة المركزية التي تحفظ له مصالحه العامة، ويستحيل أن يعيش يوما واحدا بدونها.
ولو كانت الشيوعية في الانتاج والتوزيع، هي التي أغنت المجتمع البدائي عن الدولة، لكان من المنطقي ان المجتمع حين يعود إلى هذه الشيوعية تارة أخرى، أن يستغني أيضا عن الدولة، إلا ان الواقع ليس هو ذلك، بل ان المجتمع البدائي إنما استغنى عن الدولة لبدائيته وبساطته، وليس المجتمع الأخير بدائيا بطبيعة الحال. إذن، فوجود الدولة ضروري فيه.
إن الهيئات الاجتماعية والمنظمات العمالية التي تمارس التنظيم العام بدل الدولة، بدون أن يكون لها مجلس مشترك أو ممثلين عامين [وإلا رجعنا إلى فكرة الدولة]، هل تستطيع هذه الهيئات أن تجيب على مثل هذه الأسئلة؟؟.
ماذا تعمل لو حصل اعتداء خارجي على المجتمع، من قبل دولة رأسمالية مثلا. وماذا تعمل لو حصلت تمردات أو مشاغبات داخلية، وقد اعترف لينين بكونها ضرورية. وماذا تعمل لو اختلف فردان أو منظمتان في الآراء والتطبيقات، ومن هو الذي يؤسس المنظمة ويعين العضوية ويعزل العضو، ويتحكم في تصرفاته. ومن هو الذي يضمن اتجاه أعمال المنظمات كلها إلى هدف واحد.
إن الجيش والشرطة والقضاء بكل أشكاله، وقوانين العقوبات والسجون، بل كل القوانين وكل المجالس المتكفلة بتشريعها وتنفيذها، ستزول بزوال الدولة، لانها بدورها أداة طبقية، ان المجتمع عندئذ سيصبح لقمة سائغة لأول ضربة داخلية أو خارجية.
والحق أن الماركسية حين ألغت الدولة، أبدلتها بقوة مركزية أخرى، لكنها تعمل خلف الكواليس، لا تحت النور، وهو الحزب الشيوعي نفسه. وهو الذي يقوم بكل هذه المهام ويحفظ للمجتمع الشيوعي عقيدته الماركسية اللينينية، ويدرأ عنها كيد المناقشات والاعتراضات في النظرية والتطبيق.
وبدون ذلك، مهما حاولت الماركسية ان تصف من خصائص المجتمع وأفراده، في الوعي والثقافة وحب العمل، فان ذلك ما تستطيع البروليتاريا المنظمة، أن تخلقه لو استطاعت، في جيل واحد أو أكثر، واما ضمان بقاء هذا المستوى العالي طوال الأجيال الكثيرة، بدون توقع هبوط أو انحراف أو تمردات، أو اقتراحات في تغيير النظام، أو وجود فلسفات جديدة من نوابغ جدد، حين تكون الحرية محفوظة... إن ضمان ذلك بدون توجيه مركزي مستمر لفي عداد المستحيلات.
وقد يخطر في الذهن: ما سبق ان قلناه، من ان فكرة الحزبية، لدى الماركسية، فكرة طبقية، ولا معنى لوجود أي حزب بعد ارتفاع الصراع الطبقي في الطور الأعلى.
وجوابه: ما سبق أيضا، ان الحزب الشيوعي يبقى كمنظمة ذات كيان لا من أجل المشاركة في الصراع الطبقي، بل من أجل بناء المجتمع الجديد بناءا ماركسيا متينا، وكيف يمكنه التنازل عن مهمته بعد أن أوصل المجتمع إلى نهايته السعيدة، ولا بد أن ينال هو والآخرون نتائج هذه السعادة.
ولو خطونا إلى الوراء خطوة، في مقام الجدل، واعتبرنا الحزب الشيوعي، منحلا تماما في الطور الأعلى، فلا أقل من أن الماركسية تفترض وجود عدد مهم من الأفراد في المجتمع يحرصون على الماركسية فكريا وعمليا، ان هؤلاء هم الذين يكون لهم التوجيه والتنسيق باستمرار. وسيضطرون إلى عقد الاجتماعات لتنسيق الآراء وتوحيدها، وتطبيقها على المفاهيم الماركسية، وهذه العملية تجعل من هؤلاء القوة العليا في المجتمع، فيكون الحزب الشيوعي موجودا عوضا عن الدولة، بل هو الدولة بالذات.
-6-
واما حديث ارتفاع القانون في المجتمع الشيوعي وتعويضه بالأخلاق... فان أرادت الماركسية منه ارتفاع القانون بالمرة، فهذا يؤدي إلى تسيب المجتمع تسيبا كاملا وهو ما لا تريده الماركسية بطبيعة الحال. على أنه يوجب ارتفاع القوانين التي تسنها الماركسية لذلك المجتمع، كقانون [من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته] وقانون قيادة المجتمع بواسطة المنظمات دون الدولة، وكذلك الانظمة الداخلية لهذه المنظمات، والماركسية لا تريد ارتفاع هذه القوانين.
وإن أرادت الماركسية ارتفاع جنبة الالزام عن القوانـين، وان الفرد يطيعها تلقائيا، فهذا خيال طوبائي... فلئن كان أكثر الأفراد كذلك، فلن يكون الجميع هكذا. وان القانون لا يمكن ان يحفظ تطبيقه بدون إلزام وعقاب على المخالفة. وإذا أمكن للبعض ان يخالفوا، ولم يكن للآخرين أن يعاقبوهم، أمكن ذلك في الكثير بل الجميع. ومعه لا يكون للقوانـين الماركسية أي تأثير في ذلك المجتمع.
واما الأخلاق التي تريد الماركسية أن تعوض بها عن القانون، فلا ينبغي ان ننسى كلام انجلز عنها، الذي سمعناه عند عرض المفهوم الطبقي لدى الماركسية... إذ قال فيما قال:
"ولهذا فاننا نرفض كل طمع في ان تفرض علينا أية عقائد أخلاقية كقانون إضافي سرمدي نهائي،... إلى ان قال: ولن يصبح ممكنا وجود أخلاق إنسانية حقا موضوعة فوق التعارضات الطبقية وذكراها، إلا في مستوى للمجتمع لا يكون قد تم فيه فقط التغلب على التعارض الطبقي، بل قد نسي فيه أيضا، في ممارسة الحياة اليومية، ماذا كان هذا التعارض"[[435]].
ولئن ارتفعت الطبقات وزال التعارض الطبقي في الطور الأعلى، فان هذا التعارض لن تنسى حقيقته ودوافعه بأي حال، وخاصة في الجيل الأول الذي يكون طليعة الطور الأعلى ورائده، وهو الذي تريد الماركسية قيادته عن طريق الأخلاق. إن أخلاقه سوف تكون أخلاقا طبقية، كـما قال انجلز وهي لا تصلح للتعويض عن القانون، في نظر الماركسية، بطبيعة الحال.
وقال كوفالسون، بعد ان أعطى تعريفا للأخلاق:
"ولكن هذا لا يعني أن الادراك الأخلاقي أو الشعور الأخلاقي غريزيان فطريان، فان الأحكام الأخلاقية تصبح حافزا داخليا للانسان بنتيجة التربية واستيعاب التقاليد والأخلاق والعادات والاعراف القائمة في المجتمع"[[436]].
فإذا كانت الأخلاق ناشئة من الاعراف والتقاليد، إذن فالقانون السائد في الطور الأعلى، هو العرف والتقاليد ليس إلا.
ولكن هل تريد الماركسية من ذلك: مجرد العرف الساذج، إذن فستتورط - أولا - بعدم استمراره أكثر من جيل أو جيلين، فان الاعراف متغيرة باستمرار. كما انه سيكون - ثانيا - مختلطا بعقائد دينية تنفر منها الماركسية في الطور الأعلى تماما. على ان العرف والتقاليد - ثالثا - غير قابلة أساسا أن تكون قانونا كاملا للمجتمع بأي حال. فان فيها عادة نقائص عن قضايا مهمة لا يدركها ابن الشارع الذي يبني العرف والتقاليد، كما ان فيها زوائد ينبغي تهذيبها. ولئن افترضنا أن الماركسية استطاعت حذف الزوائد، فهي لا يمكنها ان تضمن إضافة النواقص والذهن العرفي الساذج الذي لا يدرك القضايا العميقة.
إذن، فالماركسية لا يمكنها ان تبقي العرف ساذجا، بل تعتمد اعتمادا كليا على قيادة الحزب الذي يعوض عن الدولة في الطور الأعلى، فهو الذي يتكفل ايجاد [العرف] المطلوب، إزالة العقائد [الرجعية] بالشكل المرغوب. فما رأي القارىء في ذلك. كل ما في الموضوع أن الماركسية تضمر ذلك، ولكنها تعرض في مصادرها شيئا آخر غيره.
-7-
أما بالنسبة إلى زوال الطبقات، فمن المسلم به أن البشرية لا يمكن ان تسعد في أي مجتمع إلا بزوال الضغط وأهمية الطبقات عموما، بحيث لا يكون لأي طبقة على طبقة أخرى أي حكم ونفوذ، ويكون الفرق المالي بين الأفراد قليلا جدا على أن يكون الدخل الفردي للجميع عاليا ومرفها. وهذا من صفات المجتمع العادل في اليوم الموعود على ما سنرى.
وأما الماركسية، فهل تستطيع إزالة الطبقات بشكل [تطبيقي] وحقيقي، وراء ما أعطته من نظريات تجريدية، ناتجة من الاعتقاد بتأثير تطور وسائل الانتاج على المجتمع، الأمر الذي سبق ان ناقشناه مفصلا.
وقد فهمنا الاطروحة الماركسية لذلك: ان البروليتاريا بدكتاتوريتها، سوف تزيل عن الوجود كل المتمولين في المجتمع، اما بقتلهم أو بتجريدهم عن أملاكهم، ويتكفل الطور الشيوعي الأول تربية هذه البروليتاريا ومؤيديها إلى الحد الذي تستطيع به حمل مسؤولية القيادة في الطور الأعلى، وتقرن ذلك بالقوانين التي تراها صالحة لسعادة المجتمع تدريجا، أو - في الحقيقة - تلك القوانين التي ترسخ في المجتمع الفكر الماركسي وقوة حزبها القائد.
فهل استطاعت وتستطيع الماركسية ان تنجح في ذلك. ان الايرادات التي يمكن ان تورد بهذا الصدد، عديدة:
الايراد الأول: عدم انطباق قانون الديالكتيك عليه، من ناحيتين:
الناحية الأولى: ان الطور الأعلى منسجم مع الطور الادنى، كل الانسجام لانه يعتبر تأكيدا وتركيزا لصفته الاشتراكية، وليس نافيا له، كـما هو المفترض في الديالكتيك. وليس الطور الأعلى موجودا بعد الرأسمالية لنقول: انه نافٍ لها.
الناحية الثانية: ان الطور الأعلى مهما افترضناه، سواء كان: إطروحة أو طباقا أو تركيبا، فانه يحتاج لقانون الديالكتيك إلى الفقرة اللاحقة. مع أن الماركسية إلى عهد قريب جدا، كانت تفترض تأييد هذا المجتمع الاشتراكي، ما دامت البشرية موجودة.
نعم، وجدنا في بعض المصادر الماركسية المتأخرة، التساؤل عما سوف يعقب المجتمع الشيوعي. وهو ما نقلناه في الفقرة الأخيرة من الحديث عن الطور الأعلى. وقد أجاب عنه المؤلف من زاوية المادية التاريخية أعني عامل تطور وسائل الانتاج، لا من زاوية الديالكتيك، كما هو واضح لمن راجعه.
إذن، فمن زاوية الديالكتيك تكون الماركسية مخيرة بين التنازل عن قانون الديالكتيك أو عن تأييد المجتمع الشيوعي. وهي لا شك فاعلة للثاني أعني التنازل عن تأييد المجتمع الشيوعي، لان قانون الديالكتيك لديها قانون كوني أعم وأشمل من المجتمع ومن كل قضاياه السياسية والاقتصادية.
إذن، فلتقل الماركسية من أول الأمر: أن البشرية سوف تمر لعدة سنوات - تطول أو تقصر - بفترة تعيش فيها العدالة أو الاشتراكية أو السعادة، ثم تعود مرة أخرى إلى المشاكل. ومعه يكون الأمر أهون من كل هذه التفاصيل، لا يستحق التقديم له بقوانين المادية التاريخية ومعرفة فلسفة التاريخ. مع العلم أن الماركسية إنما اكدت على كل ذلك، من أجل نتيجته الكبرى، الطور الأعلى.
والنتيجة العملية لذلك، هو ان كل هذه الارهاصات، ليس إلا لأجل ان يسيطر الشيوعيون على العالم بفكرهم فلسفيا واجتماعيا واقتصاديا - أولا - ويباشروا الحكم فيه - ثانيا - بدل الدول التي تتفتت أمام ضرباتهم المتلاحقة. ثم يحاولون أن تطول هذه المدة إلى أكبر قدر ممكن من عدد السنوات، مهما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
وإلا فمن الصعب أن نتصور ان البشرية عاشت آلافا طويلة من اعوام الظلم والمشاكل والحروب. لكي تكون النتيجة هي السعادة لمدة عدة سنوات أو عده عشرات من السنين فقط. بل ان ذلك لن يكون محسوسا خلال التاريخ البشري الطويل السابق عليه واللاحق له. ولا يعني ذلك تحقق شيء مهم سوى سيطرة الشيوعيين على الحكم لفترة من الزمن.
الايراد الثاني: عدم انطباق قانون التغير على الطور الأعلى. فان من واضحات هذا القانون الماركسي حدوث الطفرة بين التغيرات الكمية المتجمعة والتغير النوعي، كـما سبق أن عرفنا. في حين لم يحدث مثل ذلك عند أول إنجاز الطور الأعلى، فان الطفرة تتمثل على الصعيد الاجتماعي بالثورة أو نحوها من الأساليب الاجتماعية. ولكن المفروض ذوبان الدولة واضمحلالها تلقائيا، وبطريقة لا تكاد تكون محسوسة فضلا عن ان تكون ثورية، وكذلك الحال في زوال الطبقات والملكية الخاصة.
الايراد الثالث: إن من جملة الأساليب المهمة التي تتخذها الماركسية في طريق زوال الطبقات وتوحيد الدخل الفردي في المجتمع، هو القوانين الاقتصادية التي تسنها، كقانون: [من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته] ونحوه مما سنناقشه بعد قليل، وسيثبت عدم صحتها، وعدم إمكانها الوصول إلى هذه النتيجة المتوخاة، إذن، فهي عاجزة عن توحيد الطبقات أو إزالتها، كما تريد الماركسية.
الايراد الرابع: اننا لو غضضنا النظر عن الايرادات السابقة، وفرضنا أن المجتمع الشيوعي أصبح مطبقا، فماذا تقدم لنا الماركسية من ضمانات لاستمراره.
وغض النظر عما سبق، يقتضي غض النظر أيضا عن قيادة الحزب خلال هذا الطور الأمر الذي تحاول الماركسية باستمرار إخفاءه وراء الستار وابراز القضية كأنها طبيعية تماما.
ان القضية لو كانت طبيعية حقا، لم يكن أي ضمان لاستمرار الطور الأعلى عدة أعوام فضلا عن عدة أجيال... لأسباب عديدة أكثر من أن تحصى يضمنها جو الحرية والديمقراطية الحقيقية المفروض توفره في ذلك العصر. ان اختلاف الآراء لا محالة يبرز بوضوح في الفلسفة والاقتصاد، أعني الاختلاف مع الماركسية جملة وتفصيلا أو الاختلاف في تفسيرها أو الاختلاف في صحة الدين أو في معنى الأخلاق أو الاختلاف في المصالح الاقتصادية أو غير ذلك. والمفروض عدم وجود قيادة مركزية عليا تمسك بزمام الأمور، وتصحح ما قد تعتبره من الأخطاء.
إن هذه الاختلافات سوف تنتج التناحر بسرعة وسهولة، وهي أشبه شيء بالتناحر الطبقي، وسوف تقضي بنفس السرعة والسهولة على هذا الطور الأعلى، ولا يمكن أن يشفع لها زيادة الانتاج أو التقدم التكنيكي الهائل، أو توفر الأفراد على العمل وحبهم له.
وقيادة الحزب المركزية، لا يمكن أن تكون مجدية، لو التزمت حقا بما تقوله الماركسية من ارتفاع القانون وانتفاء الجيش والبوليس والعقوبات، ان هذه القيادة يومئذ سوف تتعب كثيرا لإنجاز أقل مهماتها فضلا عن أهمها، فضلا عن المحافظة على هذا المجتمع لمدة طويلة.
الايراد الخامس: ان الماركسية تعطي لهذا المجتمع صفتين متهافتتين: إحداهما: خلوه من الطبقات. والأخرى: وجود القيادات فيه على مراتب مختلفة.
فهناك النقابات والهيئات التي تحكم العمال وهناك رؤ ساء هذه المنظمات، الذين يحكمونها وينظمون شؤونها، وهناك الحزب الشيوعي الذي يحكم كل ذلك اقتصاديا وسياسيا. وهل الطبقية غير ذلك؟!... كل ما فعلته الماركسية أنها أبدلت بعض أشكال الطبقية بأشكال أخرى، وادعت انها رفعت الطبقية.
ان المجتمع الماركسي الذي تمحى فيه الطبقات، مليء بالطبقات!!...
-8-
فلنناقش الآن القانون الاقتصادي القائل: من كل حسب طاقته، ولكل حسب حاجته. بادئين بالفقرة الأولى منه.
وهنا لا بد ان نقف قليلا، ان الفقرة الأولى تنقل بعبارات مختلفة: [من كل حسب طاقته] و[من كل حسب قدراته] و[من كل حسب كفاءاته] مع انها عبارات مختلفة في عطائها اللغوي لا محالة. فأي منها تريد الماركسية؟، وهل يمكن أن تريدها جميعا، مع أنه ينافي الحدية والوضوح في صياغة القانون، هذا ما لم توضحه الماركسية.
ان الطاقة والقدرة، مهما اختلفتا لغويا، فان مؤداهما في هذا السياق واحد وهو ان على الفرد ان يؤدي كل ما يستطيعه من أعمال في زيادة الانتاج. يشمل ذلك: الخبرات وساعات العمل والمستوى النفسي والثقافي للفرد. ان عليه أن يجند أكبر ما يمكن من ذلك في سبيل هذا الهدف.
ان الماركسية، لو قصدت هذا المعنى فقد واجهت الايرادات التالية:
الوجه الأول: ان الالزام بعد ان رفعته الماركسية في ذلك المجتمع لا معنى لصياغة القانون بهذا الشكل. بل ينبغي - على ذلك - ان تقول: من كل حسب رغبته.
الوجه الثاني: انه بعد ارتفاع القوة المركزية المسيطرة [الدولة] كيف تضمن الماركسية ان الأفراد قد أعطوا كل ما يستطيعون من طاقات. ومجرد حب العمل وارتفاع صفة الكسل، لا يعني استنزاف كل طاقة الفرد اليومية، كما هو واضح، وكما هو ظاهر عبارة الفقرة الأولى من هذا القانون.
الوجه الثالث: انه لو أدى كل شخص كل طاقاته اليومية، لبدأ التفاوت في الأهمية واضحا بين الناس، لاختلاف قدراتهم وكفاءاتهم. ان القيمة الأساسية في تفضيل الفرد ستكون هي زيادة مشاركته في زيادة الانتاج. وبهذا يستطيع الشخص الأكفأ أن يبرز اجتماعيا أكثر من غيره، تماما كما برز مثيله في المجتمع الشيوعي البدائي، وأدى ذلك إلى وجود عصر الرق. ان ذلك سيكون - على الأقل - منافيا مع المساواة المطلوبة يومئذ.
الوجه الرابع: ان هذا المعطى للقانون، ينافي ما وافق عليه ماركس - كما سمعنا - من كون العمل ثمان ساعات، وما اقترحه بوليتزر - كما عرفنا - من كون العمل ست ساعات، ثم يخفض إلى خمس ساعات، يقضي الفرد باقي يومه حرا. إذن، فلم تأخذ من كل فرد كل طاقاته، وهو خلاف نص هذا القانون، وخلاف المصلحة العامة، وهي العمل في زيادة الانتاج. لانه ان استطاع ان يعمل في سبيل هذا الهدف ساعات أطول، ولا زالت قدرته موجودة، فلماذا يتقاعس عن ذلك؟.
واما لو كانت الفقرة الأولى من القانون تقول: من كل حسب كفاءاته، فهذا قد يعني القدرة والطاقة أيضا، لاندراجهما في مقدار الكفاءة، كما هو واضح، ومعه تكون الايرادات السابقة سارية المفعول.
إلا ان الظاهر من الكفاءة أمر مختلف، وهو الاختصاص بالدرجة الأولى، مع لحاظ المستوى الثقافي والنفسي والعقلي، وغض النظر عن مقدار القدرة الجسمية.
فان كان المراد من الفقرة الأولى من القانون، ذلك... كانت الايرادات التالية موجهة إليه:
الوجه الأول: هو الوجه الأول من الأربعة السابقة، فان الالزام بعد ان يكون قد ارتفع في ذلك المجتمع، لا معنى لقسر الفرد على تطبيق اختصاصه في عمله، لو أراد - لحاجة في نفسه - ان يعمل عملا آخر.
الوجه الثاني: ان التركيز على الاختصاص وغض النظر عن القوة الجسمية، يعني عزل القانون عن الكثرة الكاثرة من غير الاختصاصين، الذين ليس لديهم من الكفاءة غير القدرة الجسمية. ولا معنى لان يكون كل الناس اختصاصيين. كما هو واضح، بل ولا حاجة لذلك أصلا.
فان قالت الماركسية: ان الكفاءة في نص القانون، متضمنة للقدرة الجسمية أيضا، إذ لا ينبغي غض النظر عنها. قلنا في جوابها: ان هذا المعنى يُرجع معنى الكفاءة إلى معنى الطاقة والقدرة الذي سبق أن ناقشناه.
الوجه الثالث: ان القانون، طبقا لهذا المعنى، وهو غض النظر عن القدرة الجسمية، يصبح مهملا للجانب الأهم المشارك في زيادة الانتاج، وهو ساعات العمل. وهل ان على الفرد أن يبذل من قدراته ساعات أكثر في اليوم أو أقل؟. وهو نقص كبير على مستوى الاقتصاد الماركسي. وخاصة مع عدم وجود قوة مركزية تقوم بتحديد ذلك، كـما تفترض الماركسية.
فهذا ما يعود إلى الفقرة الأولى من القانون.
وأما الفقرة الثانية منه: [لكل فرد حسب حاجاته]، فيمكن أيضا مناقشته بعدة وجوه:
الوجه الأول: إن الحاجات غير محددة بين الناس، فانها تختلف من بلد إلى بلد ومن قطر إلى قطر ومن قارة إلى قارة، وان أذواق الناس واتجاهاتهم في فهم الحياة تختلف اختلافا كبيرا جدا، وتؤثر في اختلافهم في تشخيص الحاجات، وفي فهم الضرورية منها من الثانوية.
وحتى لو قيدنا الحاجات، بالحاجات الحكيمة - كـما فعل ماركس - فاننا لم نفعل شيئا مهما، فان تمييز الحكمة في الحاجة مما يختلف فيه الناس اختلافا كبيرا أيضا.
اللهم إلا أن يقال: ان الحاجة الحكيمة هي التي يميزها ماركس أو الحزب الماركسي. إذن فقد عدنا إلى القيادة الحزبية التي أخفتها المصادر الماركسية.
وان كان تعيين ذلك موكولا إلى رؤساء النقابات والهيئات الاجتماعية، كان ذلك شكلا من أشكال السلطة والطبقية، التي تنفيهما الماركسية عن الطور الأعلى. ولم يكن - مضافا إلى ذلك - أي ضمان لحسن تقديرهم، أولا، ولحيازة القسط الأوفى من النفع لأنفسهم، ثانيا.
الوجه الثاني: ماذا تقول الماركسية فيما لو زادت طاقة الفرد على حاجته، وقد أحب أن يعطي طاقته كلها، طبقا لحبه للعمل، أو طبقا لهذا القانون، لو كان نص الفقرة الأولى: من كل حسب طاقته. وهو بالطبع لا يأخذ إلا بمقدار حاجته انه سوف يحصل على أقل مما أعطى وضحّى، وسوف يبقى قسم من عمله بلا مقابل... تماما كـما كانت تفعل الرأسمالية في أخذ القيمة الزائدة، التي وصمتها بها الماركسية. كل الفرق ان العمل في الرأسمالية للرأسمالي، وهنا للمجتمع، أو بتعبير آخر: لقادته الماركسيين.
إن الماركسية في مثل ذلك، لا تستطيع ان تعطيه أكثر من حاجته، لانها تبدأ بإيجاد التفاضل بين الناس. كـما انها لا تستطيع ان تأخذ منه أقل من طاقته، لانه خلاف منطوق القانون، وخلاف مصلحة زيادة الانتاج. ومن هنا تقع في القيمة الزائدة.
الوجه الثالث: ماذا تقول الماركسية لو نقصت طاقة الفرد عن حاجته، أما باعتبار نقصان طاقة الفرد عن المقدار الطبيعي بشكل دائم أو بشكل عارض، أو باعتبار زيادة حاجة الفرد لعارض ما, كالمرض أو السفر، والمريض دائما تنقص طاقته عن حاجته، فانه بينما لا يستطيع العمل بمقدار الفرد الطبيعي من الساعات اليومية فان حاجته تزيد عليه باعتبار تداويه ومنهجه الغذائي وغيرهما.
إن نسبة مدخوله إلى عمله ستكون أعلى بكثير من الفرد الاعتيادي. فلعل من حسن حظ الفرد ان يكون مريضا دائميا يعمل قليلا ويأخذ كثيرا. إن هذه النسبة سوف توجد التفاضل بين الناس، وستغري عددا من الأفراد بعدم تجنب الأمراض التي لا تمنع عن مقدار من العمل، في سبيل كثرة الراحة وزيادة الدخل.
الوجه الرابع: ما سمعناه من لينين نفسه انه لو أخذ كل فرد بقدر حاجته بغير مراقبة، لأخذ الناس الأموال بلا حساب.
وقد أجاب عنه لينين بما حاصله: إننا نفترض في الطور الأعلى إنتاجية عمل غير إنتاجية العمل الحالي يعني تكفي لسد كل الأطماع، ونفترض إنسانا غير الانسان الحالي التافه، يعني إنسانا خاليا من الأطماع.
ولكن هذا الجواب غير صحيح على ما سنذكره بعد الوجه السادس. ومعه يكون هذا وجها صحيحا في الايراد على هذا القانون الاشتراكي.
واما لو قلنا بما قاله بوليتزر من ان لكل حسب إرادته، لما كان في أخذ الأموال بلا حساب، أي محذور، حتى لو تكدس المال صدفة عند البعض دون البعض، كالوضع الرأسمالي لم يكن ذلك مضرا... لان كل واحد قد أخذ حسب إرادته.
الوجه الخامس: ما ذكره بوليتزر: من ان المجتمع لن يستطيع ان يقدم لكل فرد [حسب حاجته] أي مجانا، دون أن يحاول كل فرد عندئذ، ان يعمل أقل ما يمكن، وهكذا يأتي الفقر بسرعة.
وأجاب عليه بما حاصله: أن طبيعة الكسل في الانسان ناتجة عن ظروف طارئة وليست أصيلة في النفس، فيمكن للفرد في المجتمع الذي يصبح به العمل متعة وتفتحا، أن يعمل بالمقدار المرغوب، لا أقل ما يمكن.
وهذا الجواب كسابقه الذي ذكره لينين، يتوقف على افتراض الانسان الخالي من الأطماع والمنكر لذاته في سبيل المجموع، فهل تستطيع الماركسية ان تقوم بذلك؟. هذا ما سنبحثه بعد الوجه السادس الآتي مباشرة.
الوجة السادس: انه لو أخذ الناس العاملون بمقدار الحاجات، لتساوى دخل الشخص الكفؤ وغير الكفؤ، والذكي وغير الذكي، والقوي وغير القوي، والاختصاصي والبسيط. بل لأمكن أن يقل دخل الرجل الأحسن والأكمل لقلة حاجاته بالنسبة إلى الآخر.
وهذا ينتج أن العامل الأحسن، سوف لن يكون له أي داع لكي يعمل بشكل أفضل من العامل الآخر. إن القوي سوف يعمل كـالضعيف والاختصاصي كالبسيط لانه - على أي حال - سوف يأخذ نفس المقدار من المال.
نعم، لو استطعنا ان نحصل أناسا أقوياء أو إختصاصيين منكرين لذاتهم ومتبرعين بأعمالهم، لكان لهذا الكلام نصيب من الصحة. فهل تستطيع الماركسية إيجاد هذا الانسان.
إنها لو كانت تستطيع إيجاد هذا النموذج، لما كان الوجه الثالث إلى السادس من الايرادات واردا على هذا القانون الماركسي. ولكن حيث لا تستطيع إيجاد ذلك تكون كل هذه الوجوه واردة كإشكالات على الماركسية.
إن الماركسية التي وزنت كل شيء بالميزان الاقتصادي وفلسفت التاريخ كله على أساس الاقتصاد، وان كلماتهم واضحة في ذلك...
قال ماركس:
"إن الناس أثناء إلانتاج الاجتماعي لمعيشتهم، يقيمون فيما بينهم علاقات ضرورية مستقلة عن إرادتهم... ومجموع علاقات الانتاج هذه يؤلف البناء الاقتصادي للمجتمع، أي الأساس الواقعي الذي يقوم عليه بناء فوقي حقوقي وسياسي، وتطابقه كذلك أشكال معينة من الوعي الاجتماعي. إن إسلوب إنتاج الحياة المادية يكيف تفاعل الحياة الاجتماعي والسياسي والفكري"[[437]].
وقال انجلز:
"إننا نرى للظروف الاقتصادية القول الفصل في تحديد التطور التاريخي. وعليه، فالأصل هو نفسه عامل اقتصادي"[[438]].
وقد سمعنا هذه الكلمات في أول البحث، وإنما نقلناها هنا تأكيدا... إن هذه الماركسية لا يمكنها أن تصنع من الانسان شخصا منكرا لذاته، ولأهمية العامل الاقتصادي، بحيث يعمل مجانا أحيانا ويستغني عن بعض دخله أحيانا أخرى، ويغض النظر عما يمكن ان يحصل عليه من أموال أحيانا أيضا. كما هو المستنتج من الوجوه السابقة المشار إليها"[[439]].
كيف، وان فلسفة المادية التاريخية كلها قائمة على أهمية العامل الاقتصادي إلى أقصى درجة. وهذه الفلسفة هي التي تريد الماركسية ترسيخها في ذهن المجتمع.
فما زلنا نسمع منها التركيز على وسائل الانتاج وعلاقات الانتاج، كسبب أساسي لنقل البشرية من عصر إلى عصر، وللتحكم في ظروف التاريخ، كما أن القيمة الأساسية لنقد المراحل السابقة على الاشتراكية، كالرق والاقطاع والرأسمالية، قائمة على قيمة اقتصادية محضة.ولا ينبغي أن ننسى أن [فائض القيمة] هو العيب الرئيسي في الرأسمالية لدى ماركس والماركسيين.
وما هو عمل البروليتاريا خلال عصر دكتاتوريتها؟، إنه عمل اقتصادي بطبيعته، ومهمة اقتصادية، وهو القضاء على أصحاب الأموال، والانتصار للعمال من زاوية معيشتهم الاقتصادية.
وما هو معنى الاشتراكية عموما، والشيوعية خصوصا، سوى مفهوم المساواة الاقتصادية بين الناس؟!...
وما هو سر سعادة الناس ورفاههم، باعتقاد الماركسية في الطور الأعلى سوى تنظيم اقتصادي معين يكفل ذلك؟!...
إن تربية الانسان على مثل هذا التركيز والترسيخ، يصنع منه إنموذجا يعتقد بانه خلق من أجل الاقتصاد ويعيش من أجله ويضحي من أجله ويموت من أجله، وليس للانسانية إلا المعنى الاقتصادي!!!. ومثل هذا الانموذج يستحيل ان يتعقل نكران الذات من الناحية الاقتصادية. وان إستحالة ذلك لأكبر وأوضح من ان يصبح الرأسمالي إشتراكيا أو البرجوازي بروليتاريا، على الرأي الماركسي.
ولكننا سوف نعرف بكل وضوح وتفصيل، أن هذا الانموذج من الانسان الكامل سوف يوجد في [اليوم الموعود] نتيجة للتخطيط الالهي لايجاده. وعلى أي حال، فالماركسية حيث لا تستطيع ان توجد مثل هذا النموذج الرفيع في الانسان، إذن، فكل الوجوه الأربعة الأخيرة من الايراد على تلك القاعدة الماركسية صحيحة وواردة، وكل ما سمعناه من دفاع الماركسيين عنها منطلق من توقع تغيير الماركسية للانسان نحو إيجاد هذا النموذج، وقد برهنا على بطلانه.
-9-
وينبغي لنا أيضا أن نعرض هذا القانون الماركسي: [من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته]... على القانون الماركسي الآخر وهو ان العمل أساس القيمة، وما يستنتجه ماركس من هذا القانون الأخير. فهل ينطبق الأول على الثاني الذي هو أعم منه وأشمل أو لا ينطبق، وماذا يكون العمل إذا لم يكن منطبقا؟...
إن ماركس يقول: ان العمل أساس القيمة، وان العامل يستحق ناتج عمله كله، أو يعطى الأجرة عوضه كاملة، وإنما كان الرأسمالي ظالما لانه لم يخطر له تنفيذ هذا القانون الماركسي. ويرى ماركس ان العامل إذا بذل طاقته الكاملة في يوم واحد، استحق بدلها ما يعيد له قوته على العمل من المواد الغذائية. وكأنه يرى - ضمنا - أن ناتج عمله سوف لن تزيد قيمته على مقدار ما يعيد له قوة العمل. وقد سبق ان بحثنا ذلك مفصلا. فهل ينطبق ذاك القانون الشيوعي على هذه القواعد الماركسية.
إن الانسان إما أن يعمل بمقدار طاقته، أو يعمل بمقدار أقل كخمس ساعات مثلا، كما اقترحه بوليتزر. كما انه تارة: يعطى قدر حاجاته الضرورية، وأخرى: قدر مجموع حاجاته، وثالثة: قدر إرادته، كـما ا قترحه بوليتزر. فهذه ست صور حاصلة من ضرب اثنين في ثلاثة.
الصورة الأولى: ان يعمل بمقدار طاقته، ويعطى قدر حاجاته الضرورية.
والغالب في الحاجات الضرورية أن تقل عن مقدار الطاقة من ناحيتين:
الناحية الأولى: ان ناتج العمل كثيرا ما يكون أثمن وأغزر مما يحتاجه الفرد في يوم واحد، أو من قوة عمل يوم واحد، خلافا لما تصوره ماركس من التساوي الدائم بينهما.
الناحية الثانية: ان ما يحتاجه الفرد قد لا يستبطن من وقت العمل بمقدار ما يبذله الفرد حين يعمل بمقدار كل طاقته.
وعلى كلا التقديرين، فقد أعطى عملا أكثر مما أخذ من المال. وهذا هو بعينه فائض القيمة التي عابها ماركس على الرأسمالية، كـما سبق أن أشرنا.
الصورة الثانية: أن يعمل بمقدار خمس ساعات في اليوم، ويعطى بإزاء كل حاجاته. وكذلك:
الصورة الثالثة: أن يعمل بمقدار خمس ساعات، ويعطى بمقدار ما يريد من الأموال، مهما كثرت.
وهاتان الصورتان، بعكس الصورة الأولى، تنتجان زيادة المال المقبوض للعامل على مقدار ما أداه من العمل. وهذا أمر في مصلحة العامل بلا إشكال. وهو أوضح صورة تتوخاها الماركسية لأجل اسعاد المجتمع وبث الرفاه فيه، وكذلك يتوخاها التخطيط الالهي في اليوم الموعود، كما سوف يأتي توضيحه.
ولكن هل هذا من الماركسية صحيح أو لا. بل هل هو ممكن التحقق أساسا أو لا؟.
أولا: إن هذا غير صحيح من الماركسية أو غير عادل.
لان خيرات البلاد مهما كثرت والانتاج مهما ازداد، فسوف لن يكون بوفرة الضوء والهواء وتنتفي الندرة النسبية تماما، بل يبقى النقص موجودا لا محالة. والبلدان تختلف في الدخل القومي وفيما تحتويه من الثروات الطبيعية. ففي الامكان القول بأن النقص يكون واضحا في أكثر بلدان العالم، وإن كان في بعضها الآخر غير واضح، ولكنه موجود.
فإذا كان ذلك صحيحا، فمن الواضح أن استيفاء كل الحاجات لكل إنسان أو اعطائه بمقدار ما يريد، غير ممكن لعدم سعة مجموع ثروات البلاد لذلك، حتى في الوضع العالمي، لو قسمت ثروات العالم على أهله. ومعنى ذلك أن اعطاء جملة من الأفراد بمقدار حاجاتهم جميعا، سوف يحرم الأفراد الآخرين من ان ينالوا نفس الشيء. إذن، فسيكون هذا الاعطاء الذي تتوخاه الماركسية غير صحيح أو غير عادل، لانه مجحف بحق الآخرين.
ثانيا: إن هذا غير ممكن، وليس فقط غير صحيح.
وذلك: لان ماركس والماركسيين يرون أن القيمة لا تكتسب إلا بالعمل، وأن المال لا يكون مالا إلا به. إذن، وبكل بساطة يكون ما يأخذه كل فرد إنما هو من الأموال التي تجسدت فيها أعمال سابقة، وبه يسد حاجاته الضرورية والثانوية وغيرها، لا انه يعطي شيئا غير مالي، وساقطا عن المنفعة، أو لم يجسد به أي عمل.
فإذا كان كذلك، إذن فمجموع الأموال في البلاد تساوي مجموع الأعمال المبذولة فيها... وكذلك، بالنسبة إلى مجموع العالم البشري. فلو فرضنا - للسهولة - أن البلد متكون من مائة شخص وعمل كل منهم خمس ساعات، فسوف يكون العمل خمسمائة ساعة يوميا، ويكون الانتاج بمقدار هذا العمل لا محالة. ولئن كانت الحاجات الضرورية لهؤلاء المائة يمكن ان تسد بهذا المقدار، بأن يأخذ كل فرد نتاج عمله فقط، طبقا لقواعد ماركس في [رأس المال]. فان الحاجات الثانوية لا يمكن أن تسد بهذا المقدار، كما هو واضح، فمن أين يأتي النتاج الأزيد من هذا المقدار الذي نستطيع به ان نسد الحاجات الثانوية لهؤلاء المائة.
إن الانتاج دائما يوازي مقدار العمل، فلو أخذ كل فرد أكثر من عمله، كان ذلك اما إجحافا بالآخرين، حيث يضطرون إلى ان يأخذوا أقل مما بذلوه من أعمال. أو نقع في إستحالة لا يمكن للماركسية الخروج منها. وكذلك المفروض عدم إمكان حصول الفرد على [مال] لم يتجسد به أي عمل بشري.
إذن، فإعطاء كل عامل في العالم، أو في المجتمع، أكثر من عمله مستحيل.إذن، فالصورتان الثانية والثالثة، وهما أفضل الصور في نظر الماركسية مستحيلتان.
الصورة الرابعة: ان يعمل الفرد بمقدار كل طاقته، ويعطى بمقدار كل حاجته، أعني حاجاته الأولية والثانوية معا.
الصورة الخامسة: أن يعمل الفرد بمقدار كل طاقته ويعطى بمقدار ما يريد.
إن التوازي بين ما يعطيه الفرد من أعمال في هاتين الصورتين، وما يأخذه من أموال، ممكن ومحتمل. إلا أنه بعيد ونادر. فان طاقة الفرد الاعتيادية لا توازي مقدار ما يريد من الحاجات والأموال، لان مطامع الفرد لا حد لها، وخاصة ذلك الفرد المكرس تكريسا اقتصاديا كاملا، كما تفعل التربية الماركسية، كـما سمعنا. إذن، فالصورة الخامسة متعذرة.
وتشبهها في ذلك الصورة الرابعة، إذا علمنا ان الحاجات الثانوية غير محددة المفهوم مما يجعلها تنطبق على عدد ضخم من المقتنيات والآلات الحديثة، وهي لا زالت في تزايد مستمر سريع. كما تنطبق على أساليب من الصعب على الماركسية الايمان بها كالاخدام وملكية الدور الفارهة والبساتين الغناء.
ولو تجاوزنا عن ذلك، وقصرنا الحاجات الثانوية على ما كان حاجة فعلية على مستوى أقل من الضروري، كان هذا المفهوم متفاوتا بين الناس باعتبار الصحة والمرض والحضر والسفر، والبيئة الجغرافية، وظروف الأوبئة والفيضانات وغير ذلك. وهو مفهوم أشد تفاوتا بين الناس من الحاجات الضرورية كما هو واضح. ومن هنا يكون توزيع الأموال طبقا للحاجات الثانوية موجبا للتمييز المجحف بينهم... وهو على خلاف ما تريده الماركسية في طورها الأعلى.
الصورة السادسة: أن يعمل الفرد بمقدار خمس ساعات ويأخذ بمقدار حاجاته الضرورية.
والتوازي هنا بين مقدار العمل، وهذه الحاجات ممكن في التصور، إلا أنه بعيد للغاية، وخاصة بعد الالتفات إلى الحقائق التالية:
الأولى: ان تخفيض ساعات العمل إلى الخمس في الطور الأعلى، نموذج صالح وراجح في نظر الماركسية.
الثانية: لا يمكن ان يوجد [مال] من دون عمل، في نظرها.
الثالثة: إن الحاجات الضرورية مختلفة ومتفاوتة بين الناس تفاوتا كبيرا.
إذن، فالشكل الصالح والراجح لساعات العمل سوف يحدث التفاوت بين الناس. على انه ليس من المفروض التسليم بالاقتصار على إعطاء الحاجات الضرورية فقط في الطور الأعلى. كما انه قد لا يستطيع الفرد تغطية حاجاته الضرورية بعمل خمس ساعات، أو نحوها، لبعض الظروف الصحية والنفسية، وستكون حاجاته الضرورية - في نفس الوقت - أكثر من المستوى الاعتيادي... فيلزم وجود التفريق المجحف بين الناس. كما سمعنا في بعض المناقشات السابقة.
إذن، فكل الصور المحتملة لهذا القانون الماركسي غير صيححة، إذن فلا يبقى للقانون معنى.
هذا، ولكن هذه الاستحالة غير موجودة بالنسبة إلى [اليوم الموعود]، حيث سوف يأخذ كل الأفراد أكثر من أعمالهم بكثير من دون إستحالة. وتذليل هذه الصعوبة ينطلق من أصول أسس وأصول موضوعية لا تؤمن بها الماركسية. وإنما توجد الصعوبة من زاوية الأسس الماركسية التي تبرهن تنافرها مع القانون الشيوعي، مع أن الماركسية تؤمن بهما معا!!!...
-10-
والآن، ينبغي أن نناقش الماركسية في إيمانها بزوال الملكية الخاصة في الطور الأعلى.
وقد عرفنا ان كلمات الماركسيين، مختلفة في ضرورة نفي الملكية الخاصة عن وسائل الانتاج فقط، أو ضرورة نفي الملكية الخاصة نفيا مطلقا، ونحن لا بد أن نتكلم على كلا التقديرين.
أما انتفاء الملكية الخاصة عن وسائل الانتاج، فهو - في بعض الحدود - قد يكون له قسط من الصحة، كما سوف يأتي عند الحديث عن [اليوم الموعود].
ولكننا الآن نريد أن نتكلم في إطار ماركسي، لنرى ان الماركسية في حدود مفاهيمها عن الكون والحياة، هل هي مصبيبة في كلامها هذا، أم لا.
إنه يمكن إيراد عدة مناقشات على ذلك:
المناقشة الأولى: ما سبق أن ذكرناه في مناقشة الطور الأول، من ان ذلك يعود إلى سيطرة كبراء المجتمع على وسائل الانتاج. كل الفرق: ان الدولة في الطور الأول كانت موجودة وكانت مطلقة اليد في وسائل الانتاج فتكون شبيهة بالملكية الرأسمالية، كما سبق. وأما في الطور الأعلى، فيوجد زعماء المجتمع من رؤساء الهيئات والنقابات وأعضاء الحزب القائد... فان بأيديهم يكون زمام التصرف في هذه المعامل، فيكون الحال شبيها أيضا بالملكية الرأسمالية. وقد عرفنا في تلك المناقشة انه يكون لهم فرصة تكديس الأموال إلى أكبر الحدود... وان لم يكن لهم شعور حقيقي بملكية نفس العامل.
المناقشة الثانية: ما هو سبب إنتقال ملكية وسائل الانتاج إلى الملكية العامة؟، إن الماركسية تتذبذب في الجواب عن ذلك بين الضرورة والاختيار.
فبينما نرى أن قواعد المادية التاريخية، في إناطة كل مجرى التاريخ بتطور وسائل الانتاج بالضرورة، تقتضي ان هذا الانتقال ضروري الحصول أيضا. فوسائل الانتاج إذا وصلت إلى حد معين في التطور، اقتضت ان تملك هي بالملكية العامة، وان تنفك عنها الملكية الخاصة... نرى إلى جانب ذلك ان الماركسية تؤكد على جانب الوعي والاختيار بتركيز شديد ابتداء من عهد دكتاتورية البروليتاريا فصاعدا، وكلما تقدم العهد، ازداد التركيز على الاختيار.
وقد سبق أن سمعنا كوفالسون يقول:
"إن سير المجتمع الاشتراكي نحو الشيوعية يتوقف على صانعيه بالذات، على لحمتهم ووحدتهم وعقلهم وموهبتهم ونشاطهم ومبادراتهم ورجولتهم... إلخ"[[440]].
إذن، فتأميم وسائل الانتاج جانب اختياري أيضا من جوانب المجتمع التي يصنعها هؤلاء الصانعون باختيارهم.
إن القول بضرورة إنتقال وسائل الانتاج إلى الملكية العامة، نتيجة لتطورها نفسها، يواجه عدة مشكلات، مضافا إلى المناقشة في الأساس العام وهو ان هذا التطور غير مرتبط بتطور التاريخ أصلا، كما سبق ان عرفنا في مقدمات المادية التاريخية.
وتتلخص هذه المشكلات في عدة أمور:
الأمر الأول: إن الماركسية قالت بتأثير وسائل الانتاج في كل ظواهر المجتمع، ابتداءا من علاقات الانتاج وانتهاءا بالأخلاق والفلسفة والدين. ولكن قد يكون من نتاج الصدفة!، ان تكون كل هذه الأمور هي غير وسائل الانتاج نفسها، إذن فوسائل الانتاج تؤثر في كل شيء غيرها، في رأي الماركسية.
واما تأثير وسائل الانتاج في نفسها، وصفاتها، فهذا ما لم يعهد به القول من الماركسية. ولا بد ان يكون ذلك من زاوية ان الشيء لا يمكن ان يؤثر في نفسه. فمثلا: لم تقل الماركسية بأن المرحلة السابقة لوسائل الانتاج هي التي تؤثر في وجود المرحلة اللاحقة، فالطاحونة الهوائية لم تنتج الطاحونة البخارية مثلا. كما لم تقل الماركسية أن المرحلة المعينة من وسائل الانتاج تنتج شكل الملكية لنفسها. فالطاحونة الهوائية انتجت الاقطاع، ولم تتحكم أو لم يهمها [!!] ان تؤثر في ملكية نفسها.
فكذلك الحال لو وصلنا إلى المجتمع الشيوعي، فان الماركسية لو قالت: ان وسائل الانتاج نفسها اقتضت - بالضرورة - ان تملك ملكية عامة، كما هو المفروض الذي نناقشه الآن، فان معنى ذلك أن وسائل الانتاج أثرت في ملكية نفسها... وهو ما لم يعهد عن الماركسية الالتزام به في الحالات المشابهة.
الأمر الثاني: اننا عرفنا في مناقشة الطور الأول: انه بالرغم من تماثل مستوى الانتاج اليوم بين الدول الرأسمالية والشيوعية، فان هذا المستوى لم يؤثر في نقل الدول الرأسمالية إلى الاشتراكية.
فإذا كان هذا المقدار من التطور، قد أوصل الدول الاشتراكية إلى الطور الأول، وسوف يوصلها - في رأي الماركسية - إلى الطور الثاني، فهل يقف التطور في الدول الرأسمالية؟. انه لا شك يستمر في نفس الشكل المتطور الذي تدخل فيه الدول الاشتراكية، أو المجتمعات الاشتراكية [إذا زالت حكوماتها!!] وعندئذ ماذا سوف يحدث في الدول الرأسمالية؟، انها سوف لن تطفر فجأة إلى الطور الأعلى تاركة مرحلتي الاشتراكية السابقة عليه. فان الماركسيين صرحوا بكل وضوح ان الأطوار الاشتراكية متوقفة تماما على الاجهاز على الرأسماليين عن طريق دكتاتورية البروليتاريا.
انها إما أن تبقى على وضعها الرأسمالي، كما هو المظنون جدا، أو إذا أطاعت ماركس، فانها تدخل مرحلة دكتاتورية البروليتاريا، ومعه يكون مستوى واحدا لوسائل الانتاج قد اقتضى الطور الأعلى في بعض المجتمعات، وفي بعض آخر الوضع الرأسمالي أو دكتاتورية البروليتاريا - على الأكثر - فهل يكون هذا معقولا في نظر الماركسية في قواعدها العامة.
الأمر الثالث: إن الماركسية ترى تأثير وسائل الانتاج في كل ظواهر المجتمع، كما سمعنا، لا يختلف في ذلك مجتمع عن مجتمع، حتى الطور الأعلى بطبيعة الحال، فالمرحلة العليا لتطور وسائل الانتاج التي أوجدت الطور الأعلى، توجد هي كل ظواهره وصفاته لا محالة... مع أخذ الوعي الذي اهتمت به الماركسية بنظر الاعتبار.
والاطروحة التي تعطيها الماركسية عادة لإسلوب تأثير هذا التطور في هذا التغيير، هي: ان كل مرحلة من وسائل الانتاج تربط الطبقة الموازية لها بعلاقات إنتاج معينة، لا يمكنها ان تتجاوزها، باعتبار ارتباطها المصلحي الحياتي بها... بحيث لا يمكن للفرد أن ينفك عن هذا الربط إلا إذا رضي ان يموت جوعا. ومن هنا يكون ضغط هذه الوسائل على الأفراد شديدا جدا، وعن طريقهم، بما لهم من علاقات إنتاج، يكون التأثير الضروري على المجتمع بكل ظواهره.
فهل في إمكان وسائل الانتاج في الطور الأعلى، إتخاذ هذا الاسلوب. ان علاقات الانتاج سوف تحدث في هذا الطور لا محالة. ولكنها ليست علاقات ضرورية تمليها مصلحة الفرد، كما كان عليه الحال في العهود السابقة، وإنما هي علاقات قانونية تمليها الماركسية. ان القوانين أو القواعد الاقتصادية الماركسية [الواعية] هي التي تتحكم في صياغة علاقات الانتاج، لا وسائل الانتاج. وليست هي علاقات مصلحية بأي حال... لان الفرد ينال بمقدار حاجته على كل حال، لا انه ينال معيشته من عمله المباشر من نتائج هذه الوسائل. إذن، لا يكون الفرد مربوطا بالآلة بنفس الارتباط الذي فرضته الماركسية سابقا، ومعه لا يمكن ان نتصور تأثير هذه الوسائل في حياة الفرد. وإنما يكون مربوطا بالماركسية وقوانينها ليس إلا، وهي قوانين اختيارية [واعية] غير اضطرارية، كما ترى الماركسية نفسها ذلك.
فإذا لم تكن العلاقات المباشرة مع الآلة، علاقات ضرورية، أو انها علاقات غير مثيرة للاهتمام الاقتصادي في حياة الفرد، إذن تكون الحلقة الرابطة بين الآلة والمجتمع وهي [علاقات الانتاج الضرورية] مفقودة. ومعه، تعجز الآلة عن بثّ تأثيرها في المجتمع، كما عجزت عن صنع علاقات إنتاج ضرورية.
فقد تبرهن أن المرحلة العليا من وسائل الانتاج، تلك التي توجد الطور الأعلى، لا تستطيع تغيير أي شيء من ظواهره.
إذن، فمن أجل هذه الأمور أو المناقشات الثلاث، يتبرهن ان تأثير وسائل الانتاج في هذا الطور ليس ضروريا، لا في إيجاد الملكية العامة ولا في إيجاد كل ظواهر المجتمع، بالرغم من أن قواعد المادية التاريخية تقتضي ذلك.
ومعه نكون قد اقتربنا من الرأي الماركسي الآخر، وهو ان كل ما يحدث في الطور الأعلى، هو شيء واعٍ واختياري للأفراد، وليس اضطراريا.
وهذا مخالف لقواعد المادية التاريخية. ومن الواضح ان هذه القواعد لا تصلح للاستثناء، لان الضرورة الكونية دائمة التأثير لا تعرف الاستثناء، كالسقوط من أعلى أو الاحتراق بالنار، ولا يكون الوعي والاختيار مؤثرا في تغيير تأثيرها، ما دام المجال القانوني لها متوفرا.
وإذا رجعت الملكية العامة لوسائل الانتاج إلى الوعي والاختيار، فمعنى ذلك: ان مفكرا معينا أو مجموعة معينة من المفكرين يرون أن هذا هو الأصلح للمجتمع عند وجود ظواهر معينة فيه، أو عند وصول وسائل الانتاج إلى مرحلة معينة من التطور العالي. وإذا عرضت الفكرة على هذا الشكل، كانت كأي فكرة منفردة قابلة للمناقشة من قبل المفكرين الآخرين في المجتمع، وفقدت هيبتها العلمية التي أرادتها لها الماركسية، حين ربطتها بفلسفة مجموع التاريخ البشري ربطا ضروريا.
فان قالت الماركسية: ان هذه الفكرة وجدت في ذهن المفكر الماركسي في الطور الأعلى، نتيجة للدرجة المعينة من تطور وسائل الانتاج. فعاد الأمر إلى تأثير هذا التطور، ولو بشكل غير مباشر.
قلنا في جوابه: يرد على ذلك عدة مناقشات:
أولا: ما أشرنا إليه من عجز وسائل الانتاج عن التأثير الضروري، بعد فقدانها للحلقة الوسيطة وهي علاقات الانتاج الضرورية. ومعه لا معنى لايجادها لهذه الفكرة المشار إليها.
ثانيا: ان ايجاد الفكرة في الذهن ان كان ضروريا كان ذلك منافيا لتأكيد الماركسية على الوعي في هذا الطور، وان كان اختياريا كاملا، كان منافيا لتأكيدها على تأثير تطور وسائل الانتاج، وان كان مركبا بين الضرورة والاختيار، فقد سبق ان عرفنا فشل الماركسية في الجمع بينهما.
ثالثا: ان وجود هذه الفكرة، أو أي فكرة في الذهن، نتيجة لوسائل الانتاج بالضرورة، يقتضي كون تطبيقها ضروريا، أو انها غير قابلة للمناقشة بالضرورة. فإذا كانت قابلة للمناقشة ولا يوجد ضمان حقيقي لتطبيقها، بعد تعويض الضرورة بالاختيار في هذا الطور، وعدم وجود دولة مسيطرة، إذن، فلا يمكن للماركسية ان تجزم بتحقق هذه الفكرة وهي: الملكية العامة لوسائل الانتاج.
إذن، يتحصل من مناقشتنا الثانية، ان كلا من الرأيين الماركسيين: الاضطرار والاختيار، في سببية إنتقال وسائل الانتاج إلى الملكية العامة، لا تخلو من مناقشة. ومعه، لا يبقى لهذا الانتقال سبب معقول.
المناقشة الثالثة: لإنتفاء الملكية الخاصة عن وسائل الانتاج.
صرحت الماركسية بأن أسباب البلاء الواقع على البشرية في مختلف عصورها وعهودها، هو الملكية الخاصة، وقد سبق ان سمعنا قول كوفالسون:
"وهذه السلاسل إنما هي علاقات الملكية الخاصة التي تقيد بها الناس".
وأضاف:
"فالناس يمسون عبيدا أو عمالا أجراء عند ما يدخلون في علاقات إنتاج معينة. ناهيك عن أنهم ليسوا أحرارا مخيرين في الدخول وفي عـدم الدخـول في هـذه العلاقات وليسوا أحرارا في اختيارهم، بل هم مكرهون على الدخول في علاقات الانتاج القائمة، في المجتمع"[[441]].
وإذا اقتصرنا على تأميم وسائل الانتاج وسلخ الملكية الخاصة عنها، بقيت ثلاث ظواهر مما ذكره كوفالسون من موجبات السوء والاستعباد موجودة:
الظاهرة الأولى: الملكية الخاصة بوجودها الواسع، التي على رأس القائمة من أسباب الشر في رأي الماركسية. والمفروض، الآن، انها تبقى سارية المفعول في الطور الأعلى.
الظاهرة الثانية: علاقات الانتاج. فان الناس لا محالة يكوّنون علاقات إنتاج معينة مع وسائل الانتاج المؤممة، كما قلنا، وان كانت ذات طابع جديد. ولكن المفروض هنا أن علاقات الانتاج بكل أشكالها، موجبة للاستعباد.
الظاهرة الثالثة: الالزام بالعمل، فان الناس - كما كانوا سابقا - لا زالوا غير مخيرين في الدخول أو عدم الدخول في هذه العلاقات وليسوا أحرارا في اختيارهم. بل هم مكرهون على الدخول في علاقات الانتاج القائمة في المجتمع - على حد تعبير كوفالسون - لانهم مكرهون على العمل في وسائل الانتاج المؤممة، لان قانون [من لا يعمل لا يأكل] لا زال ساري المفعول. فالفرد لا يعطى بمقدار حاجته أو بمقدار إرادته، ما لم يعمل قدر طاقته أو ان يعمل عملا ما - على الأقل -. كما كان لا يعطى في الطور الأول بقدر عمله، ما لم يؤد ذلك المقدار من العمل.
فبدلا من ان يكون الاكراه صادرا من الاقطاعي أو الرأسمالي، يكون صادرا من الزعماء الماركسيين للطور الأعلى، وليس الاكراه منحصرا بإنزال العقاب على الترك، بل هو متحقق في الحرمان من لقمة العيش بشكل أحق وألزم [[442]].
وإذا كانت كل هذه الظواهر من أسباب الشر والاستعباد موجودة، فأحرى بان تكون هذه النتائج لها موجودة أيضا.
فهذه هي المناقشات حول ما إذا قالت الماركسية: ان سلب الملكية الخاصة في الطور الأعلى، خاص بوسائل الانتاج، وغير عام لكل الأشياء.
***
واما إذا قالت الماركسية ان الملكية الخاصة، بكل أشكالها تزول من الطور الأعلى.
... فهذا ترد عليه المناقشات التالية:
المناقشة الأولى: ان الفقرة الثانية من قانون التوزيع الشيوعي!!!، [لكل حسب حاجته] يدل على ملكية ما يقبضه الفرد من الأموال. فاننا نقصد بالملكية عنصرا ذو صفتين مقترنتين:
الصفة الأولى: إن الفرد الحاصل على المال يستطيع ان يتصرف فيه تصرفا مطلقا ومتلفا... كما لو أكله مثلا...
الصفة الثانية: إن الآخرين ممنوعون قانونا أو عرفا من التصرف في هذا المال واتلافه، وإذا عملوا ذلك كانوا معاتبين... لا أقل من حصول رد فعل سيء لدى الفرد الحاصل على المال.
إن ما يأخذه الفرد من الأموال التي تفي بحاجته حائز على كلا الصفتن: أما الأولى فواضحة لان الفرد يستطيع أن يتصرف فيه ويستهلكه كما يشاء. وأما الثانية فهي واضحة أيضا، إذ يعتبر أخذ ما قبضه الفرد اعتداءا على حقه المشروع، ولا شك في وجود رد الفعل السيء في صاحب المال.
ولا يشفع لذلك وفرة الانتاج بشكل كبير: أولا: لعدم توفره كالماء والهواء كما أشرنا. وثانيا: انه حتى لو توفر بما يقارب ذلك، فان الجانب النفسي في الانزعاج من التطاول على [المواد الأولية] لمعيشة الانسان كطعامه ولباسه لا يحتمل زواله. وثالثا: ان توفـير الانتاج لو فرض إزالته للجانب النفسي، فانه لا يزيل فكرة الملكية، فان الاعتداء على أموال الفرد إنما يكون سيئا مع عدم رضاء صاحبه، وأما مع رضاه وعدم انزعاجه، فمعنى ذلك الاذن للفرد الآخر بالتصرف. وهذا يؤكد فكرة الملكية، لا انه يزيلها.
هذا، وإذا كان المطبق في الطور الأعلى هو أخذ الفرد بمقدار إرادته، فتكون فكرة الملكية أوضح، لان وجود الرد النفسي السيء عند استلاب ما يأخذه الفرد بإرادته، ضروري إلى حد كبير.
إذن، فالملكية الخاصة موجودة في الطور الأعلى، طبقا للقواعد الماركسية نفسها. فكيف يمكن للماركسية ان تقول - من زاوية أخرى - بانتفائها.
المناقشة الثانية: إن قواعد المادية التاريخية، لا تقتضي إنتفاء الملكية الخاصة إنتفاء مطلقا.
فان ما تقتضيه هذه القواعد التي تنيط التاريخ بتطور وسائل الانتاج، - لو أغمضنا عما سبق - هو سلب الملكية الخاصة عنها وإيجاد علاقات إنتاج شيوعية جديدة، وإيجاد إنتاج واسع النطاق جدا. وأما إزالة الملكية إزالة كاملة عن المجتمع، فهذا مما لا دليل عليه، فيبقى دعوى مجردة. وكل ما لا دليل عليه، فهو باطل.
فان قالت الماركسية: ان الملكية الخاصة ليست بدعا من الأشياء، وقد سبق أن أثرت وسائل الانتاج في كل ميادين المجتمع مهما كانت بعيدة عن المفهوم الاقتصادي فمن الحري بها أن تؤثر في الملكية الخاصة أيضا.
قلنا في الجواب: إننا لو انطلقنا من زاوية ماركسية، نقول: ان الظواهر التي تمّ تغييرها من قبل وسائل الانتاج، قد عرفناها وعرفنا تأثيرها فيها... فأصبح تغيرها الفعلي دليلا على هذا التأثير في رأي الماركسية. واما ان تغييرا معينا لم يكن معهودا فيما سبق، هل سوف يحدث أو لا؟. فهذا مما لا يمكن ادعاؤه، فانه منوط بالمستقبل إذ يكشف لنا الحس عن تغييره وعدمه. ولا يمكن لأحد أن يعين سلفا ويجزم بالتغيير، إذ لا دليل حسي عليه.
وخاصة لو التفتنا إلى ما سمعناه عن لينين من أن هذه النظرية تعطي توجيهات عامة، تختلف تطبيقاتها من بلد إلى بلد. إذ معه يكون من المتعذر التنبوء بحدوث ظاهرة معينة ما لم تحصل بالفعل في المجتمع، أو تقوم عليها الدلائل غير مجرد تطور وسائل الانتاج.
فكان من الأفضل للماركسية من ناحية موضوعية، لو كانت تؤمن بها وتطبقها!، أن تقول: قد يكون التطور الأعلى لوسائل الانتاج موجبا لارتفاع الملكية الخاصة، ارتفاعا كاملا اننا لا نعلم ذلك جزما، ولكنه محتمل على أي حال؟!...
المناقشة الثالثة: هل من الصالح إلغاء الملكية إلغاء مطلقا، أو لا؟.
وإذا كانت الملكية الخاصة هي أصل الشرور في العالم، كما تميل الماركسية إليه، فمن المناسب ان يكون زوالها سببا لاستتباب السعادة والرفاه.
إلا ان هذه الفكرة غير صحيحة، ويمكن أن ننطلق من زاوية غير ماركسية إلى القول: بأن انحرافات سلوكية وفكرية وعقائدية عند الناس، وبخاصة الحاكمين والمتنفذين اجتماعيا أو عسكريا، هو الذي يؤدي إلى هذه الشرور ويورط البشرية في البلايا. ولا يمكن ان يبدأ الاصلاح إلا من زاوية إزالة هذه الانحرافات.
إلا ان المهم الآن، هو البرهان من الزاوية الماركسية على صحة أو عدم صحة الرأي الماركسي. انها نسبت كل الشرور إلى الصراع الطبقي، ومن الواضح ماركسيا ان الطبقات من نتاج وسائل الانتاج، أو من ملكية وسائل الانتاج بشكلها السابق وشكلها اللاحق في كل [عهد] تاريخي. ولم تقل الماركسية بارتباط الطبقات بالملكية الخاصة بمفهومها الواسع. إذن، فالملكية الخاصة لغير وسائل الانتاج ليست سببا لوجود الشرور لا بالمباشرة ولا بتوسيط الوجود الطبقي والصراع الطبقي في المجتمع.
وإذا لم تكن الملكية الخاصة سببا للشرور، فلا معنى للقول بأن زوالها سبب لزوالها، كما هو واضح. إذن، فإزالة الملكية الخاصة، لا يمت إلى المصلحة العامة بصلة.
هذا، مضافا إلى وجود المفسدة في إزالتها اجتماعيا وفرديا. وذلك ان شعور الفرد بالملكية الخاصة لما يمت له بصلة، يعطيه اطمئنانا نفسيا واستغناءا عن معطيات الآخرين، واندفاعا نحو العمل، بخلاف سلبها عنه، فانه يعطيه الشعور بالذلة والاتكالية والتخاذل.
فإذا اضيف إلى ذلك ما أشرنا إليه من التركيز الماركسي على أهمية الجانب الاقتصادي في حياة الانسان، خرج الأمر حينئذ عن كونه مجرد عادة إلى حديث [علمي] يركز في نفس الفرد أهمية الاقتصاد، ومن ثم أهمية الملكية الخاصة، باعتبارها من أجلى أشكاله وتطبيقاته. و إذا كان الفرد كذلك، كان المجتمع كذلك، فانه متكون من هؤلاء الأفراد أنفسهم.
وزيادة الانتاج بشكل واسع جدا، لا يدفع هذا الشعور الذي أشرنا إليه، فان هذا الشعور إن كان مضمونه عدم الارتياح لأجل احتمال عدم حصول الفرد ما يسد حاجاته الأولية أو الثانوية، فان هذا المضمون يزول بزيادة الانتاج، لا محالة إلا أن الشعور الذي أشرنا إليه ليس هو ذلك... إن المالك يشعر بدرجة من الاطمئنان والركون و[التعاطف] مع ما يملك، باعتبار أنه مشارك في سد حاجاته أولا، وفي تكوين شخصيته الاجتماعية ثانيا، والاستغناء عن توقع خيرات الآخرين ثالثا. وهو بالتالي مشارك في تقليص الشعور [بالاغتراب] والانفراد في هذا العالم.
خذ إليك مثلا، وجود الأصدقاء، أو الأبوين بالنسبة إلى الصغير، أو الزوجة أو الزوج، فانهم جميعا يشاركون بشكل وآخر في تقليص الشعور بالاغتراب لا محالة. ويقابل ذلك حالة الفرد الفاقد لهؤلاء أو لبعضهم، فان شعوره بالاغتراب يكون متزايدا. فكذلك صفة المال بشكل وآخر، حين يشعر الفرد انه مالك له ومسيطر عليه، ويقابله حالة الفرد الفاقد للملكية بالمرة، فان شعوره بالاغتراب يكون متزايدا، والشعور بكونه عيالا في قضاء أخص حاجاته، على أولئك الآخرين الذين يقسمون الأموال العامة المتوفرة... يكون في نفسه واضحا. ومع وجود هذا الشعور توجد العقد النفسية وردود الفعل السلوكية السيئة، وتصعب التربية الصالحة للفرد إلى حد كبير. إذن، فيجب تجنب إلغاء الملكية، لأجل تجنب هذه النتيجة.
-11-
هذا، وقد انفتح لنا من المناقشة الثانية لزوال الملكية الخاصة، في الفقرة السابقة، دليل واسع في مناقشة كثير من الظواهر التي يفترض وجودها في الطور الأعلى مما سردته المصادر الماركسية، كأنها قد أحسته وعاشته، كما تعيش أي شيء في الحياة. وهو إنما يستنتج من المصدر الثالث الذي ذكرناه في الفقرة الثانية من هذه المناقشات، وهو اجتهاد الرأي والاستنتاج الشخصي ليس إلا.
إننا إذا قسنا المجتمع إلى تطور وسائل الانتاج من زاوية ماركسية، وجدناها على قسمين:
القسم الأول: ما شاهدنا وعرفنا حسيا تغيره في العهود التي مرت علينا من التاريخ البشري بتطور وسائل الانتاج، كالظواهر السياسية والعقائد الاجتماعية والمستويات الثقافية، وغيرها، مما تعتقد الماركسية بتغيرها بتطور وسائل الانتاج.
إن مثل هذه الظواهر، يمكن التنبوء بتغيرها بتطور جديد من تطورات وسائل الانتاج في المستقبل، قياسا له على الماضي.
القسم الثاني: ظواهر لم تمر علينا في التاريخ البشري السابق، وإنما يتوقع وجودها في المستقبل في الطور الأعلى فقط... وهو لم يحدث إلى الآن ولم يصبح حسيا ولا تجريبيا.
فمثل هذه الظواهر، لا يمكن ان نتنبأ بتغيرها أو بشكل تغيرها في ذلك الحين نتيجة لتطور وسائل الانتاج. فاننا لا نملك دليلا حسيا على ذلك، وما لم يكن محسوسا لم يكن موجودا، لو لم يكن الاستدلال على وجوده والجزم بتحققه، كما يرى الماديون عامة، والماركسيون خاصة.
وأوضح مثال على ذلك ما عرفناه من زوال الملكية الخاصة، زوالا كاملا. ومن ذلك أيضا: زوال الفرق بين المدينة والقرية وبين الصناعة والزراعة، وتوثق النشاط الانتاجي بينهما. وانه ستتطور أشكال تعاون الانتاج بين المناطق الاقتصادية في البلاد، والروابط الاقتصادية بين المؤسسات في إطار المناطق نفسها، والمساعدة المتبادلة بين شغيلة المؤسسات المنفردة، وبالتالي ستظهر شغيلة العمل الشيوعية الموحدة والعالية التنظيم - كما سمعنا - كل ذلك من أفاناسييف[[443]]
وقال أيضا:
"فعلى أساس من التطور المتواصل للقوى المنتجة للكولخوزات سيرتفع تدريجا مستوى اتساع الانتاج الكولخوزي بالطابع الاجتماعي... وسيتخذ مقاييس أوسع فأوسع بناء المراكز الكهربائية ومؤسسات تصنيع المنتجات الزراعية... ومع تطور كهربة القرية وإشاعة المكننة والاتمتة في إنتاج المنتجات الزراعية ستتحد وسائل الانتاج الكولخوزية أكثر فأكثر، مع وسائل الشعب بأسره، ومع تطور الاقتصاد الاجتماعي"[[444]].
إلى آخر ما يسرده أفاناسييف من صفات المجتمع في الطور الأعلى، كأنه رآه رأي العين. وقد عرفنا الآن أن كل ذلك مما لا يمكن التنبؤ به بالنسبة إلى الماركسيين، فانها أشكال من التغير غير معهودة في التاريخ البشري المعروف.
-12-
ولا بد لنا هنا أن نقول كلمة عن الاشكال المعروف في وجود الطور الشيوعي الأعلى، الذي ذكرنا له عدة وجوه في الفقرة الثالثة عشرة من الحديث عن الطور الأعلى.
وقد سبق في الفقرة السابعة من هذه المناقشات، أن ذكرنا صحة عدد من تلك الوجوه وناقشنا أجوبتها التي ذكرها الماركسيون، وعرفنا أنها صحيحة الايراد على الفكر الماركسي. ومن هنا ينتج ان الماركسية لا تستطيع أن تتنبأ من زاويتها بوجود المستقبل السعيد للبشرية. ومعه تكون قد توصلت إلى نتيجة صحيحة من مقدمات خاطئة وقاصرة عن الوصول إلى المطلوب.
ومن هنا احتاج وجود المستقبل السعيد إلى برهان آخر، غير البراهين الماركسية. وسوف يفهم ذلك المستقبل عن هذا الطريق فهما جيدا غير الفهم الماركسي، بطبيعة الحال، كما سوف ندخل في تفاصيله عند الحديث عن اليوم الموعود.
بقي لدينا الوجه الذي ذكره كوفالسون لهذا الاشكال المعروف، وهو استبعاد مرور البشرية بالسعادة والرفاه، بعد أن كان الانسان معتادا على الظلم والتجاوز على الآخرين. وقد أجاب عليه كوفالسون - كما سبق ان سمعنا -: بأن الانسان لم يخلق شريرا وانه قابل للتغيير، وليس في الطبيعة ما يكون عقبة ضد بناء الانسان من جديد.
وهذا المقدار من الجواب صحيح، بغض النظر عن بعض تفاصيل كلام كوفالسون القابلة للمناقشة... فان البشرية تتربى باستمرار متجهة نحو ذلك المستقبل السعيد، وسيصاغ الانسان صياغة جديدة، وليس ذلك على التخطيط الالهي بعسير، كما أشرنا إليه في الحلقتين السابقتين من هذه الموسوعة، وسنبرهن عليه مفصلا، بعد قليل، في القسم الثالث من هذا الكتاب.
واما المشكلة التي أثارها كوفالسون، حول القضاء على الحضارة عن طريق حرب حرارية نووية عالمية... فقد اعترف أن هذا الخطر موجود فعلا، وهذا صحيح، ولكنه أسنده إلى الامبريالية الرأسمالية ونفاه عن الاشتراكية، وادعى ان الاشتراكية تناضل من أجل السلام، لدحر الاستثمار والاستعمار.
وقد عرفنا، بكل وضوح، ان هذا النضال من أجل السلام، لا ينطبق مع القواعد الماركسية، فان كثيرا من التصرفات المشروعة بل الضرورية ماركسيا، قد تنتج حربا عالمية، كدكتاتورية البروليتاريا، أو القضاء على مجتمع رأسمالي أو الطبقة الرأسمالية، أو الدفاع عن الاشتراكية والحفاظ على مكاسبها ولا ترى الماركسية في هذه الحرب أمرا مستنكرا، ما دام هدفها مشروعا. وإنما تقر الماركسية الامن والسلام والحرية عند تطبيق [الطور الأعلى] في العالم أجمع، وحصول التغيير الجذري للانسان والمفاهيم الانسانية ككل، عندئذ يحصل السلام الكامل الدائم.
إذن، فحصول الحرب العالمية قبل حصول ذلك الهدف، يمكن ان يحصل بمبادرة من الماركسيين، كما يمكن أن يحصل بمبادرة من الامبرياليين الرأسماليين تماما. ومع حصوله من أي من الجانبين، يصبح التسلسل الاعتيادي للعهود المادية التاريخية منقطعا أو مشوشا، كما يصبح الوصول إلى الطور الأعلى متعذرا. وأما نحن، فسنعرف أن الحرب العالمية الآتية، على تقدير حصولها، تكون في مصلحة ايجاد اليوم الموعود، والتخطيط الالهي لانجازه. وقد أشرنا إلى بعض زوايا هذه الجهة في [تاريخ الغيبة الكبرى] وسنذكره بكامل فكرته في ما يأتي من البحث.


القسم الثالث
المستقبل السعيد للبشرية
في
التخطيط الالهي العام لتكامل البشرية

منهجة البحث في هذا القسم:
يتم الكلام في هذا القسم خلال ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: في الأسس العامة التي يقوم عليها هذا التخطيط، وينبثق منها.
المرحلة الثانية: في تفاصيله.
المرحلة الثالثة: في بعض تطبيقاته ومناقشات حوله.
ولا يخفى على القارىء ما كنا ذكرناه في الكتابين الثاني والثالث من هذه الموسوعة عن هذا التخطيط، الذي حاولنا عرضه وتوسيع فكرته تدريجا، تبعا للحقائق التي يحاط بها القارىء تدريجا...
إلا أن عرضنا الآن سيكون ذا مقدمات فكرية جديدة، وأشد تركيزا وأوسع تفاصيلا، مع توخي الاختصار فيما وسّعنا القول فيه هناك، محيلين القارىء على الجزئين السابقين نفسيهما، تحاشيا للتكرار.








المرحلة الأولى
الأسس العامة للتخطيط الالهي

-1-
تبتني هذه الفكرة على الايمان بوجود خالق الكون الحكيم القادر، ولا يمكنها أن تنطلق من زاوية مادية على ما سنعرف.
وقد أصبح هذا الايمان علينا سهلا، بعد ان ناقشنا الفكر المادي في القسم الثاني من هذا الكتاب، واستطعنا بكل وضوح، اثبات فشله في تفسير الكون من ناحية وبطلان الفكرة التي يحملها عن مناشىء الدين، وعن التعويض عن الخالق بالقوانين العامة، وغير ذلك. ونحن نحيل القارىء في الاطلاع الكامل على تفاصيل العقائد الدينية على بحوث غير هذا الكتاب.
-2-
وقد سبق أن أشرنا خلال عرضنا لمناقشات الماركسية حول تأثير قوى الانتاج في تطوير المجتمع، إلى أن محركات الكون وأسباب حوادثه وتطوراته عموما والمجتمع البشري خصوصا، تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الأسباب الطبيعية العامة، التي تسمى عادة بالقوانين الكونية، وهي قهرية التأثير وخارجة عن اختيار الانسان، وشاملة لسائر الكون بما فيه المجتمع البشري نفسه.
القسم الثاني: العلة الغائية من وجود الكون، كما سبق ان أوضحناها، وسيأتي الشيء الكثير من تفاصيلها.
القسم الثالث: الأفعال الارادية والاختيارية أو الواعية للبشر أنفسهم، أو لأي فاعل مختار عموما.
وقد عرفنا ان القسمين الأول والثالث، خاضعان خضوعا كليا وقهريا للقسم الثاني، باعتبار ان الأهداف التي توخاها الخالق الحكيم القدير من خلقه للكون، لا بد أن تحدث، وإلا كان ذلك مخالفا لفكرة استهدافه لهذه الأهداف، ومن ثم مخالفا لحكمته وناقضا لغرضه، وهو مستحيل بالنسبة إلى الحكيم المطلق.
وقد أسس الخالق القدير القسمين الأول والثالث من الأسباب من أجل أن تكون طريقا سهلا، أو هي أفضل الطرق، لايجاد تلك الأهداف البعيدة ومن هنا لا يمكن لهذه الأسباب - مع الحاجة إليها - ان تتخلف، كـما لا يمكن لها - مع عدم الحاجة إليها - أن تكون عائقا عن تلك الأهداف، بل ان السبب الأصلح لايجاد تلك الأهداف هو الذي يأخذ طريقه إلى الوجود، لا محالة.
وقد أشرنا في رسالتنا عن [المعجزة في المفهوم الاسلامي] إلى أن الأغلب هو وقوع السببين المشار إليهما في طريق تحقق تلك الأهداف، ومن هنا جعلهما الخالق الحكيم ساريي المفعول في كونه، إلا أنه قد يحدث أحيانا ان تتوقف تلك الأهداف على انخرام بعض تلك الأسباب، كالتخلف الجزئي لقانون الجاذبية مثلا، فان انخرامها يكون ضروريا، وبقائها في عالم الوجود في ذلك المورد يكون مستحيلا، بل تتبدل لا محالة إلى ما هو الأصلح لايجاد الأهداف العليا من الكون. وهذا هو الأساس الأعمق لوجود المعجزات وفلسفتها.
وكذلك السبب الثالث، وهو وعي الناس وحرية إرادتهم، فانه مصمم خصيصا لأجل الوصول إلى تلك الأهداف. وقد أعطي الناس حدودا معينة للنشاط تنسجم مع تلك الأهداف، بمقدار ما هو موافق للحكمة الواقعية للأشياء. ومن ثم قلنا، خلال مناقشتنا لقوى الانتاج الماركسية: ان اختيار الانسان لا يعقل ان يحول دون الوصول إلى تلك الأهداف، بل ان أي فعل أو أي قول من أي إنسان، صالحا كان أو باطلا، ضحلا كان أو عميقا، مؤثرا كان أو عاطلا، واقع لا محالة ضمن الطريق الموصلة إلى تلك الأهداف.
وهذا - كما أشرنا أيضا - لا يقتضي الالتزام بالجبر، أو قسر الناس على أفعالهم من قبل الخالق، لان الأهداف - كما سنعرف - متوقف انجازها على الاختيار، فإذا ارتفع الاختيار وحصل القسر زال الطريق الأفضل إلى تلك الأهداف، وهو خلاف الحكمة ونقض للغرض، وهو يستحيل من الحكيم، وسنُلمع إلى فكرة عن توقف تلك الأهداف على الاختيار.
-3-
يستحيل ان تكون العلة للكون، هي حصول الكمال في ذات الخالق، أو حصول نفع له بأي شكل من الأشكال: بعد ان برهن في بحوث العقائد الاسلامية، أنه هو الكامل المطلق المستغني عن كل شيء، وليس في ذاته حالة متوقعة يمكن حصولها بمثل هذه المقدمات.
وإنما تعود العلة الغائية، ويتعلق [الهدف] بالكون نفسه، وهو - كما سبق ان عبرنا -: وصوله إلى كماله الممكن له، يعني أحسن حالة واقعية يمكن أن يصل إليها الكون في طريق حركته نحو الأفضل.
وهذه الحالة الواقعية ليس لها تحديد حدي، لان مراتب الكمال المعقولة أو الممكنة، كثيرة جدا أو غير متناهية، إذن، فكل ما في الأمر: أن الكون يتكامل ويتكامل بالتدريج المستمر، نتيجة لعوامل معينة، ومهما وصل إلى مرتبة من الكمال، طرق باب المرتبة اللاحقة، وهكذا، ولكنه يستحيل أن يصل إلى اللا نهاية، كما قام البرهان عليه.
وحسبنا من ذلك الآن، أن نعرف: أن هناك مراتب عليا من الكمال الكوني، يقصدها الكون بحركته نحو الأفضل، طبقا لتدبير الخالق وتخطيطه.
وقد ألمعنا فيما سبق إلى أننا لا نستطيع ان ندرك كنه تلك الحالة الواقعية وتفاصيلها، ما دمنا موجودين في ضمن المرحلة المعاصرة والحالة الحاضرة، ومحددين من كل جهاتنا بحدود زمانية ومكانية وفكرية لا فكاك لنا منها[[445]].
-4-
وإذا طبقنا هذه العلة الغائية على البشرية، أمكن ذلك أيضا، بل هو ضروري الانطباق، باعتبار أن البشرية جزء خاص من الكون العام.
فالبشرية أيضا سائرة نحو كمالها الممكن لها والحالة العليا الواقعية المستهدفة لها. وهي تسـير أيضا طبقا للسببين الأول والثالث اللذين ذكرناهما وحللنا تأثيرهما.
ولكننا نستطيع ان نضع عدة فروق بين تكامل الكون وتكامل المجتمع، نذكرها كإطروحة محتملة، لا كشيء تام النجاز.
أولا: إن الكون في حركته اضطراري وقسري. بمعنى ان السبب الأول، وهو ما يسمى بالقوانين الكونية، هو الذي يحركه نحو الكمال. وبتعبير آخر أصح: إن بعض أجزائه تقسر بعضا على الحركة، وليس له حرية الاختيار.
في حين أن حرية البشرية نحو الكمال، متوقفة على الاختيار وحرية الارادة، حيث يصبح الفرد أفضل إذا اختار الفعل الأحسن، كـما يصبح هو الأدون إذا اختار الفعل الأسوأ، ولا تكامل من دون حرية.
ثانيا: إن الكون في حركته طويل الامد جدا، قد لا يمكن قياسه حتى بملايين السنين، على حين ان حركة البشر نحو الكمال، ليس بذلك الامتداد، ولم يفكر أحد أو يزعم أن عمر البشرية مثل عمر الكون بأي حال.
ثالثا: إن الأهداف المتوخاة للبشرية يمكن تصورها وتحديدها إلى حد كبير، بخلاف الأهداف الكونية، فانها غير محددة في أذهاننا. ولعل ذلك يعود إلى بُعد الأهداف الكونية، وقرب الأهداف البشرية نسبيا، والغاية كلما كانت أقرب، كانت أوضح وأصرح.
رابعا: اننا لا نستطيع أن ندرك فقط أهداف البشرية، بل الأساليب والطرق الفضلى التي دبرها الخالق للوصول إلى تلك الأهداف. وسيأتي الالماع إلى تلك الأهداف والى طرقها، فانها هي التي تشكل الأساس الحقيقي لفكرة التخطيط الالهي العام لتكامل البشرية.
فهذه أهم الفروق بين الكون والبشرية. وسنفرض صحتها ردحا من الزمن. لا بمعنى انها باطلة في الواقع، ولكن بمعنى أنها قد تكون مبالغا فيها، وان الفجوة بين البشرية والكون أقل بكثير مما تعطيه هذه الفروق. ولعل تسلسل البحث كفيل بابراز هذا المعنى تدريجا.
ولا ينبغي أن يكون التقليل من حدودها، منتجا لبطلان نتائجها الآتية، وإنما تتحدد نتائجها في حدود صدقها، بطبيعة الحال. هذا معنى ما قلناه من اننا سنفرض صحتها ردحا من الزمن.
-5-
من الواضح، بعد الذي قلناه، من تسخير السببين الأول والثالث لمصلحة السبب الثاني، وهو الأهداف المتوخاة من وراء وجود الكون... من الواضح انه لا يمكن ان يوجد شيء من تطبيقات ذينك السببين ناقصا عن حاجة تلك الأهداف، كما لا يمكن أن تكون التطبيقات زائدة أيضا. إذ أن وجودها بهذا الشكل أو ذاك يعني عدم التوصل إلى تلك الأهداف بالشكل المطلوب، وهو مخالف للحكمة وللغرض فيكون مستحيلا.
وعدم إمكان النقصان، يعني أمرين:
الأمر الأول: إن ساحة الكون العامة، أو مجموع تسلسل الحوادث في الكون، لان يحتوي على أي نقصان، بل كل الحوادث الواقعة يحتاجها الكون لا محالة لوصوله إلى غاياته.
الأمر الثاني: أي شيء بعينه مما قد يحتاجه الكون في هذا الصدد، في الواقع، فهو موجود بالضرورة، ولا يمكن أن لا يكون كذلك. لا يختلف في ذلك الماضي والحاضر والمستقبل.
كما ان عدم إمكان الزيادة يعني أمرين موازيين لذينك الأمرين السابقين:
الأمر الأول: إن ساحة الكون العامة، لا تحتوي على أي زيادة، بل كل الحوادث الواقعة فيه، إنما هي محتاج إليها فعلا في الوصول إلى الأهداف وليست زائدة بأي حال.
الأمر الثاني: إن أي شيء بعينه مما لا يحتاجه الكون في الوصول إلى أهدافه، يعتبر زيادة، ومن ثم لا يمكن ان يكون موجودا.
ومهما يكن السبب الأول قهريا اضطراريا، ومهما يكن السبب الثالث وهو اختيار الناس وأفعالهم، فعالا وقويا، فانه لا يمكن ان يخرج عما هو مكرس له وهو ايصاله إلى تلك الأهداف، ومن ثم لا يمكن ان يخرج عن هذه الأمور الأربعة. وبتعبير آخر: لا يمكن لشيء في الكون ان يُحدث النقيصة أو الزيادة فيه بالنسبة إلى ايصاله إلى أهدافه.
-6-
ومن أهم تطبيقات هذه الفكرة، وجود البشرية نفسها، وتكاملها أيضا، والتخطيط من أجل هذا التكامل.
إذ يتبرهن مما سبق ان وجود البشرية بصفته أحد أجزاء الكون، لا يمكن أن يكون زائدا ولا ناقصا عن استهداف تلك الأهداف، بل هي مرتبطة ارتباطا وثيقا بالتقديم والتهيئة لتلك الأهداف لا محالة. حالها في ذلك حال كل أجزاء الكون الأخرى.
وبالطبع، فان البشرية المتكاملة ألصق بتلك الأهداف العليا، وأكثر انجازا لها من البشرية الناقصة... إذن، فينبغي ان تتكامل البشرية - بعد ان وجدت ناقصة - لكي تقع في طريق تلك الأهداف. ومن هنا يثبت ان التمهيد أو التخطيط لتكامل البشرية داخل ضمن التخطيط العام لتكامل الكون والوصول إلى أهدافه العليا.
-7-
ومن هنا نعرف أن البشرية تعيش تخطيطين مقترني متعاونين لأجل تكاملها نحو الأفضل.
التخطيط الأول: التخطيط الكوني العام للوصول إلى أهدافه البعيدة، تعيشه البشرية بصفتها جزءا من الكون العام. ومن الواضح أنه لا يخصها بالتعيين أو ينتج فيها شيئا بصفتها الخاصة، وإنما ينتج فيها الكمال، أو يشارك فيه بصفتها جزءا من الكون ليس إلا.
نعم، يصلح هذا التخطيط أن يكون الأساس الذي يبتني عليه التخطيط الثاني الذي سنذكره، بمعنى انه افترض في بناء التخطيط الثاني الفراغ من صحة التخطيط الأول، تماما كما تفترض صحة قانون الجاذبية مثلا عند بناء سيارة أو ناطحة سحاب.
وهذا التخطيط قسري التأثير في البشرية اضطراري النتائج، لانه يعبر، فيما يعبر عنه، عما يسمى بالقوانين الكونية العامة، التي عرفنا انها جعلت لأجل مصلحة الايصال إلى الأهداف البعيدة.
التخطيط الثاني: تخطيط خاص بالبشرية، قائم على استعمال الاختيار في تكاملها، بمعنى أنها تتكامل نتيجة لأعمالها وتصرفاتها وردود أفعالها تجاه الوقائع المختلفة. وهذا هو الذي نسميه بالتخطيط الالهي العام لتكامل البشرية.
-8-
إن السبب الثاني من الأسباب الثلاثة لتطور الكون، التي ذكرناها في الفقرة الثانية من هذه الأسس العامة، ان هذا السبب بصفته سببا غائيا، يعني مجرد استهداف النتائج العليا المتوخاة من إيجاد الكون. فقد يبدو لأول وهلة أن هذا السبب لا يعين الاسلوب الذي يتخذه السبب الأول الذي ذكرناه إلى جنبه، وهو ما يسمى بالقوانين الكونية، بل ان السبب الثاني يتحدد بحدود السبب الأول، أي ان استهداف تلك النتائج العليا يكون بالاسلوب الذي تتخذه تلك القوانين.
وهذه القوانين قد تكون هي القوانين الكيماوية - الفيزياوية بوجودها الساذج أو بتصورها البسيط. وقد تكون هي النظرية النسبية وقد تكون هي الديالكتيك الماركسي، وقد تكون هي نظرية المجال الموحد، وقد تكون أمرا آخر. ان مجرد الاستهداف لا يعين واحدا منها، بل يعمل في حدود ما هو الموجود.
هذا، ولكن الصحيح اننا تارة ننظر إلى الاستهداف بصفته واقعا وكونيا مخططا من قبل الخالق الحكيم. وأخرى ننظر إلى مقدار معرفتنا بذلك.
فان نظرنا إلى الواقع، لزمنا ان نكرر ما قلناه من أن معنى الاستهداف هو اختيار الطريق الأفضل للوصول إلى ذلك الهدف، وأي إسلوب كان هو المعين وجوده في الكون، دون غيره، سواء كان هو الديالكتيك أو النظرية النسبية، أو غيرها، ويرجح تعيين الأفضل إلى الخالق الحكيم نفسه. إذن، فالاستهداف يعين القانون في الواقع، لا انه يجري في ضمن حدود القانون.
واما طبقا لما قلناه من إنكار وجود القوانين الكونية، فالأمر أوضح، كـما هو واضح لمن يفكر.
وإن نحن نظرنا إلى معرفتنا بالاستهداف، فان كنا جاهلين بالاسلوب الأفضل له، وكانت كل هذه القوانين التي عددناها على حد سواء في احتمال انطباقها على الكون،... إذن، نكون عاجزين عن تعيين واحد منها بالنسبة إلى الاستهداف. وهنا يصح هذا التعبير: ان الاستهداف لا يعين قانونا كونيا معينا، يعني في حدود معرفتنا.
وإن كنا عالمين بالاسلوب الأفضل من هذه الأساليب أو غيرها، فنستطيع ان نجزم أنه هو المتعين، في الاستهداف الكوني العام. وأيضا، لو كنا عالمين بعدم صلاحية بعض الأساليب أو القوانين للاستهداف، نستطيع أن نجزم بعدم وجوده وعدم سريانه في الكون، كما استطعنا البرهنة عليه بالنسبة إلى قانون الديالكتيك في القسم الثاني من هذا الكتاب.
-9-
وهذا الذي قلناه في التخطيط الكوني، منطبق تماما على جزئه، وهو التخطيط العام لتكامل البشرية، وهو التخطيط الثاني الذي ذكرناه في الفقرة السابعة.
فان الاستهداف الواقعي لهذا التكامل يعين أفضل الأساليب والمناهج للوصول إليه، كل ما في الأمر، اننا إذا كنا مطلعين على ذلك فهو المطلوب، كـما اننا لو كنا مطلعين على بطلان بعض الأساليب أو عدم صلاحيته للاستهداف أيضا، استطعنا نفيه أيضا. وان كنا جاهلين بالأصلح منها والباطل، كان الاستهداف في نظرنا محتملا لها جميعا.
ولكن الفرق بين التخطيط الكوني والتخطيط البشري، من حيث أساليبهما، اننا نجهل في الأغلب الاسلوب الأفضل للكون، فلئن أقمنا البرهان على بطلان الديالكتيك، بقي الباقي محتملا على أي حال. ومن هنا يضطر الباحث إلى أن يعين كون الاسلوب أو القانون صالحا للاستهداف بإقامة البرهان [العلمي] على كون الاسلوب المعين هو الصحيح الساري في الكون. فلو ثبت مثلا، أن نظرية المجال الموحد هي السارية في الكون ثبت تبعا لذلك أنها هي الاسلوب الأفضل للاستهداف، إذ لو لم تكن كذلك للزم تبديلها إلى الأفضل، ومن ثم لم تكن هي السارية المفعول في الكون.
ولكن بالنسبة إلى التخطيط [البشري] يستطيع الباحث بما أوتي من فكرة وعمق، أن يدرك أن هذا هو الاسلوب الأفضل أو ذاك، أو أن هذا ليس هو الاسلوب الأفضل. إذ من الواضح ان الخصائص البشرية فردية واجتماعية، معاشة للناس وقريبة المنال إليهم، بخلاف الخصائص الكونية، فانها بعيدة عنهم وأوسع من إدراكاتهم.
فالأساليب المحتملة لتكامل البشرية: كالعلم والدين والقانون ونظريات العامل الواحد: الجنسية أو الاقتصادية، يمكن ان نبرهن على صحة بعضها ونفي بعضها الآخر. وكل إسلوب برهنا على صحته يتعين ان يكون هو الاسلوب الأفضل والتخطيط المتبع لتكامل البشرية.
وكل إسلوب برهنا على زيفه وبطلانه في نفسه، كما أسلفنا بالنسبة إلى المادية التاريخية، يتعين عدم كونها هي السارية المفعول وعدم كونها صالحة للاستهداف.
-10-
وإذا اردنا أن نعقد مقارنة بين هذه الأفكار التي قلناها وبين الفهم الماركسي للكون والحياة، وجدنا أن التخطيط الالهي لتكامل الكون يوازي قانون الديالكتيك الماركسي، بصفتهما يمثلان الاسلوب العام لقيادة الكون وتدبيره. وأما التخطيط العام لتكامل البشرية، فهو يوازي المادية التاريخية بصفتهما يمثلان الاسلوب العام لقيادة البشرية وتدبيرها.
وهنا أود ان أشير إلى ان العناصر الثلاثة التي كانت هي المغريات ونقاط القوة في الفكر الماركسي، وهي:
أولا: تقديم نظرية عامة لفهم الكون كله.
ثانيا: تقديم نظرية عامة لفهم التاريخ البشري.
ثالثا: التنبؤ بيوم السعادة البشرية في المستقبل.
وهذه الأمور كلها استطعنا التعويض عنها من الزاوية الالهية، وتبديلها بما هو أفضل، كما سيتضح من المقارنة وبما يليها من البحوث.
ولدى المقارنة ينبغي بنا ان نقسم الحديث إلى مقارنة التخطيط الكوني بالقوانين الكونية الماركسية، كالديالكتيك وقانون التغير النوعي... وإلى مقارنة التخطيط [البشري] بالمادية التاريخية. وستكون المقارنة موجزة ومنطلقة من أسس عامة، وأما مقارنة التفاصيل أو المقارنة التفصيلية، فينبغي ان تفهم من مجموع البحوث الآتية.
وعند مقارنة الديالكتيك ورفاقه بما يوازيه من التخطيط نجد عدة حقائق:
الحقيقة الأولى: ان بين التخطيط الكوني والقوانين الماركسية فرقا جوهريا، هو: ان التخطيط يندرج في السبب الثاني من الأسباب الثلاثة التي ذكرناها في الفقرة الثانية من هذا العرض، أعني انه سبب غائي أو استهدافي كما عبرنا. على حين يندرج الديالكتيك ورفاقه في القسم الأول من تلك الأسباب أعني الأسباب الكونية الاضطرارية أو ما يسمى بالقوانين عادة.
وهذا الفرق يجعلنا وجها لوجه أمام ما قلناه قبل قليل: من أن الديالكتيك لو كان صحيحا في نفسه، لقلنا بأنه صالح للاستهداف[[446]]، وجمعنا بينه وبين التخطيط الكوني، باعتبار أن السببين الأول والثاني مجتمعان دائما وغير متنافيين، كما عرفنا. ولقلنا أيضا ان قانون الديالكتيك ورفاقه مما جعله الخالق الحكيم في كونه لأجل الوصول إلى الأهداف البعيدة. فان هذا القانون بحد ذاته، ليس إلحاديا، وإنما قرنه الماركسيون بالالحاد اجتهادا. نعم، هو قانون مادي، بمعنى انه متعلق بالمادة ويعتبر من قوانينها، على تقدير صحته.
إلا انه قانون غير صحيح، كـما سبق ان عرفنا مفصلا، ومعه ينتج أنه غير صالح للاستهداف، وغير ساري المفعول في الكون.
الحقيقة الثانية: ان التخطيط الكوني، خال من الإشكالات التي كانت واردة على الديالكتيك ورفاقه، والتي فصلناها فيما سبق[[447]]. فانها جميعا كانت منطلقة من مفاهيم خاصة بالقوانين الماركسية، يخلو منها التخطيط الكوني تماما.
الحقيقة الثالثة: ان التخطيط الكوني، يحتوي على عدة نقاط قوة تفقدها القوانين الماركسية:
النقطة الأولى: ان الديالكتيك يفسر حوادث الكون وتطورها. واما بالنسبة إلى أصل وجود الكون فالماركسيون يرون أزليته وانه لا يحتوي على حكمة وهدف بالمرة، كـما سمعنا مفصلا.
واما التخطيط الكوني فهو يفسر حوادث الكون وتطورها، بدلا عن الديالكتيك ورفاقه... ويفسر أيضا أصل وجود الكون ويعتبره ناشئا عن حكمة وهدف لا محالة، وهو واضح بعد الاعتراف بوجود الخالق، فان الماركسيين لا يمكنهم ان ينكروا ان الخالق لو كان مطلق الحكمة والقدرة، إذ لم يزعم أحد وجود خالق ضعيف وجاهل... مضافا إلى البراهين الصحيحة القائمة على ذلك. لا يختلف الحال في وجود الاستهداف بين أزلية الكون وحدوثه، بعد الاعتراف بوجود الخالق الحكيم، إذ لولا هذا الاستهداف لما أوجده الخالق منذ الازل... وان كان الصحيح هو بطلان القول بالازلية، كـما أسلفنا عند مناقشة الماركسية.
وقد يخطر في الذهن: انه لا معنى للاستهداف مع الازلية، إذ معها تكون قد تحققت الأهداف المطلوبة منذ زمن طويل.
إلا أن هذا الكلام غير صحيح: لان درجات الكمال غير متناهية، كـما قلنا، فمهما صعد الكون في درجات الكمال، بقيت أمامه درجات غير متناهية أيضا، ولا يعني وجوده منذ الازل أنه قد أتم هذه الدرجات إلى الآن، كما هو واضح.
النقطة الثانية: ان التخطيط الكوني أقوى فعالية وتأثيرا في الكون من الديالكتيك، بل من كل [قانون] كوني بعينه. باعتبار كون التخطيط سببا خارجيا عن الكون، مفروضا عليه من قبل حكمة الخالق القدير، بخلاف الديالكتيك وغيره فانه سبب داخلي. ولا شك ان السبب الخارجي، وهو الخالق الحكيم، أقوى تأثيرا في قياده الكون من قانون الديالكتيك الذي هو - لو صح - صفة من صفات المادة ليس إلا.
وقد سبق ان عرفنا ان السبب الأول أعني القوانين الكونية تابعة في وجودها ونفوذها الكوني للسبب الثاني أعني التخطيط، دون العكس.
النقطة الثالثة: ان التخطيط الكوني يشارك بدوره في تربية البشرية وتكاملها إلى جانب تخطيطها الخاص، كما سبق ان عرفنا. على حين لا يشارك الديالكتيك بأي شكل من الأشكال في تكامل البشرية إلى جنب المادية التاريخية، لو كانت بدورها تقوم بهذا التكامل. بل يبدو الديالكتيك والمادية التاريخية قانونين متفاصلين في التأثير تماما.
نعم، الديالكتيك شامل للبشرية كشمول التخطيط الكوني، إلا أن التخطيط الكوني يؤثر فيها مربيا لها وموجبا لتصاعدها في درجات الكمال باتجاه أهدافها العليا أولاً، والأهداف الكونية البعيدة ثانيا. على حين ان قانون الديالكتيك يبدو كحركة ديناميكية في المادة جافة لا تأثير له بالمرة في نفع البشرية وكمالها.
***
وأما مقارنة التخطيط العام للبشرية بالمادية التاريخية، فتعطينا عدة حقائق يوازي أكثرها الحقائق التي عرفناها من المقارنة مع الديالكتيك.
الحقيقة الأولى: إن التخطيط العام للبشرية سبب غائي استهدافي، يندرج في القسم الثاني من الأسباب الثلاثة السابقة. بينما ان المادية التاريخية، حين يقصد بها تأثير قوى الانتاج في تطوير المجتمع وتغييره، تكون مندرجة في القسم الأول من الأسباب الثلاثة السابقة.
وقد عرفنا ان السببين الأول والثاني يمكن اجتماعهما، بل هما متعاونان ومشتركان في التأثير، إذا كان كلاهما صحيحا وساري المفعول. فإذا صحت المادية التاريخية أمكننا ان نعتبرها الاسلوب الأفضل في التخطيط لتكامل البشرية. فانها - كما قلنا في الديالكتيك - غير مبتنية بحد ذاتها على الالحاد، وان قرنها الماركسيون بذلك إجتهادا. بل ان عدم ارتباطها بالالحاد أوضح من الديالكتيك، لانها لا تتضمن مثله تفسيرا عاما للكون، ومن ثم لا ترد فيها الفكرة المادية القائلة، بإمكان التعويض بها عن افتراض وجود الخالق. هذا، ولكننا قد عرفنا بطلان المادية التاريخية، وان تأثير قوى الانتاج في تغيير المجتمع وتطويره مما لا يمكن التفوه به.
وهذه الحقيقة الأولى توازي الحقيقة الأولى، في مقارنة الديالكتيك.
الحقيقة الثانية: إن التخطيط العام للبشرية يخلو من الإشكالات الواردة على المادية التاريخية، وهي كثيرة سبق أن ذكرناها مفصلا[[448]]، تماما كأخيه التخطيط الكوني بالنسبة إلى الديالكتيك.
فان تلك الإشكالات كانت ترد باعتبار ربط تطور المجتمع بقوى الانتاج وعلاقات الانتاج، وهذا غير مربوط بالمرة بالتخطيط العام للبشرية، وسنعرف في المستقبل موقف هذا التخطيط من هذه المفاهيم.
وهذه الحقيقة تقابل الحقيقة الثانية، من مقارنة الديالكتيك.
الحقيقة الثالثة: إن التخطيط [البشري] أكثر ارتباطا بالتخطيط الكوني، من ارتباط المادية التاريخية بالديالكتيك، فبينما لا نجد ان قانون الديالكتيك لا يكاد يعني شيئا مهما في تنظيم أسس المادية التاريخية وعهودها، فاننا نجد ان التخطيط البشري جزء من التخطيط الكوني وتطبيق من تطبيقاته، بل هو منجز من أجله ومن أجل أهدافه، كما سبق أن عرفنا.
وبتعبير أوضح: إن كلا من التخطيط البشري العام والمادية التاريخية، معتمدان على رفيقهما الكوني، فلا معنى للتخطيط البشري بدون وجود تخطيط كوني، كما لا صحة للمادية التاريخية - ماركسيا - بدون الديالكتيك. لكننا من زاوية القانون الكوني، لم نجد للديالكتيك أي اعتماد على المادية التاريخية، ولا يهمه [!] وجودها وعدمه، بل لا يهمه وجود البشرية عموما. واما التخطيط الكوني فهو معتمد على التخطيط البشري، فانه جزء منه، ويهمه [!] وجود البشرية وتخطيط تكاملها، لان تكاملها مشارك في تكامل الكون، كما سبق أن برهنا.
ومن هنا أصبح الربط والشد بين البشرية والكون، أشد بكثير مما هو عليه في الفكر الماركسي.
الحقيقة الرابعة: إن التخطيط العام للبشرية منجز خصيصا من أجل تكامل البشرية وتربيتها، لكي تمر في تكامل بعهد الخير والسعادة والمستقبل الفاضل.
بينما نجد المادية التاريخية، لا تعني شيئا من هذا القبيل، فان الأمور - طبقا لتصورها - تتطور بشكل عفوي خارج عن وعي الناس وإرادتهم، وإنما تتطور البشرية نحو الأفضل طبقا لقانون قهري، لا من أجل فهم ووعي خاص. فلا قوى الانتاج قد قصدت هذا التطور، ولا قصدته علاقات الانتاج ولا قصده أفراد المجتمع، ومع ذلك يوجد هذا التطور غير المقصود!!...
الحقيقة الخامسة: إن التخطيط العام للبشرية سبب غير اقتصادي تماما، ولا يربط تطور المجتمع بالعلاقات الاقتصادية، كما تحاول المادية التاريخية ان تفعل، حتى تكاد تصبح من نظريات ذات العامل الواحد.
وسنعرف موقف هذا التخطيط الاقتصادي وتطوراته، في مستقبل هذا البحث.
وينبغي أن نلتفت الآن إلى أن هذا التخطيط لا يمكن ان يعتبر من نظريات العامل الواحد، باعتباره غائيا استهدافيا، لا سببا فاعليا، أي انه من القسم الثاني من الأسباب الثلاثة لا من القسم الأول. وتقسيم النظريات إلى العامل الواحد والمتعدد، إنما يكون باعتبار القسم الأول لا الثاني. وهو ينسجم - كما عرفنا - مع أي عامل من القسم الأول أو عدة عوامل مما يثبت صحته وسريان مفعوله في البشرية.
الحقيقة السادسة: إن الماركسيين يؤكدون - كما سمعنا - وعي الناس وحريتهم في التصرف، وقد سمعنا إسلوب جمعهم بين الحرية والضرورة وناقشناه. إذن، يمكن القول - بشكل أو آخر - ان المادية التاريخية متضمنة للوعي والاختيار.
وكذلك التخطيط العام للبشرية، متضمن للاختيار، بل هو مبتن عليه ومنطلق منه، كما عرفنا. مع الاحتفاظ - بطبيعة الحال - بما للكون من ضرورة وقسر في أسبابه و[قوانينه]، والاختيار إنما يكون من خلال الفرص المعطاة للانسان خلال تلك الأسباب والقوانين.
وهنا نلاحظ ان الضرورة واردة من الكون، بمعنى البشرية تعيشها بصفتها جزءا من الكون، على حين تعيش الاختيار بصفتها الخاصة. وهذه الحقيقة تعبر عنها الماركسية بأن الضرورة واردة من قانون الديالكتيك ورفاقه والحرية ناتجة من خلال وعي الأفراد. وأما نحن فنعبر عنه بأن الضرورة واردة من التخطيط الالهي الكوني، الذي عرفنا ان كل الأسباب والقوانين الكونية مسخرة في صالحه. واما الحرية، فهي صفة قد فطر عليها الانسان من أجل انجاح تكامله وتربيته بكلا التخطيطين الكوني والبشري.
وبهذا نعرف ان الضرورة الواردة من الكون، ضرورة عمياء في منطق الماركسية، وهي تعترف بذلك ولكنها ضرورة مبصرة وواعية ومربية في منطقنا، لانها تتبع التخطيط الكوني للتكامل. كما ان الحرية حرية [عمياء] أي موجودة في الانسان بلا هدف، في منطق الماركسيين، على حين موجودة بهدف سامٍ أصيل في منطقنا.
فهذه هي الجهات الأساسية العامة، في المقارنة بين التخطيط العام للبشرية والمادية التاريخية.
هذا الاسلوب الذي اتخذناه في اثبات التخطيطين الكوني والبشري، لا يتوقف على الاعتراف بحقيقة دينية سوى الاعتراف بوجود الخالق الحكيم القادر. وهي ما استطعنا اثباته من خلال مناقشات الماركسيين.
وبهذا يكتسب هذا الاسلوب نقطة من نقاط القوة عن الاسلوب الذي أثبتنا به التخطيط [البشري] في الكتاب الثاني من هذه الموسوعة، وكان هناك بعنوان التخطيط الالهي لليوم الموعود[[449]]، وسنعرف أنه تطبيق مهم من تطبيقات التخطيط العام الذي نحن بصدده. حيث كان الاعتماد الرئيسي في اثباته على النصوص الدينية الاسلامية المقتنصة من القرآن الكريم، كقوله عزّ وجلّ:
"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِي"[[450]].
حيث كان لهذه الآية المجال الأكبر في اثباته، ولا حاجة بنا الآن إلى التكرار.
وذاك الاستدلال صحيح لا غبار عليه، لمن يعترف بالاسلام وبصدق القرآن، واما من لا يعترف به، فسوف لا يكون دليله صحيحا لديه. بخلاف ما ذكرناه في بحثنا الحاضر، فانه شامل لكل مفكر منصف بمجرد اعترافه بالله تعالى.
هذا، ولكننا سنضطر في فهم تفاصيل التخطيط العام للبشرية إلى الاعتماد على النصوص الدينية، فانه مما لا يثبت بمجرد تشغيل الذهن والتعمق بالتفكير.
-12-
سوف نقتصر في مستقبل البحث على الحديث عن التخطيط العام لتكامل البشرية، وندع التخطيط الكوني إلا من زاوية بعض الحاجة إليه، فانه يحتاج إلى بحث مستقل. وقد عرفنا في أول هذا الكتاب: اننا نستهدف التعويض عن المادية التاريخية بفهم جديد للبشرية، وقد عرفنا ان ما يوازيها هو التخطيط الخاص للبشرية لا التخطيط الكوني. إذن، فمن المنطقي ان نقصر حديثنا عن هذا التخطيط المطلوب.
هذا ومن اللازم ان نشير في ختام هذه الأسس العامة للتخطيط، ان هناك أمورا ذكرناها لدى مناقشتنا لعلاقات الانتاج الماركسية، تعتبر جوهرية في هذا التخطيط، لا حاجة إلى تكرارها هنا... من أهمها البرهان على ضرورة استهداف الخالق الحكيم للأهداف العليا في الكون. ومنها: عدم منافاة التخطيط العام مع اختيارية الانسان وان الانسان مهما أدى من عمل فانه يخدم الهدف البشري الأعلى، وانه بأعماله يخدم نفسه ويخدم تلك الأهداف من حيث يدري أو لا يدري... إلى غير ذلك مما قلناه.

المرحلة الثانية
تفاصيل التخطيط الالهي ومراحله
الأسس الخاصة:
-1-
سبق أن ذكرنا في الكتابين الثاني والثالث من هذه الموسوعة شيئا كثيرا من تفاصيل هذا التخطيط، فمن الضروري إذن ان نحول القاريء على ما سبق، من دون حاجة إلى التكرار. وإنما نقتصر في كل تحويل على اعطاء خلاصة موجزة فقط، حفظا لترابط الأفكار.
-2-
وأول سؤال يواجهنا في هذا الصدد: انه ما هو الهدف الأعلى للبشرية الذي يستهدفه هذا التخطيط العام؟، وكيف يمكن لنا التعرف على حقيقته؟.
أسلفنا قبل فترة أنه هو أحسن حالة يمكن أن تصل إليها البشرية في تكاملها نحو الأفضل أو في مسيرها نحو الكمال. وهذه عبارة على انها لا تخلو من الوضوح هي عبارة غامضة لا تعطي أي صفة معينة لتلك الحالة الفضلى. فهل يمكن ان نستنتج شيئا من صفاتها أو أهم صفاتها، بطريق استدلالي معين؟.
لهذا الاستنتاج طريقان، أحدهما وجداني والآخر قرآني:
الطريق الأول: ان الفكر الانساني يحمل فكرة ما عن المجتمع الذي تتحقق فيه السعادة والرفاه. وهذه الفكرة مهما كانت غائمة وصغيرة، إلا انها تستطيع ان تمدنا ببعض التفاصيل القليلة، ومن هنا صلح الفكر الانساني مصدرا لمعرفة صفة الكمال البشري على أي حال.
وانطلاقا من ذلك، يفترض ان هذا الكمال الذي يدركه الفكر الانساني بوجدانه، هو الذي يستهدفه التخطيط الالهي في مسيره. وقد تكون هناك اضافات وتفاصيل غير مدركة له تكون مطبقة في ذلك اليوم الموعود.
يدرك الفكر الانساني ان الخلافات الاجتماعية والحروب مصدرا للشرور، وان الاعتداء على الآخرين - أيا كان منشؤه - مصدر لها أيضا، وان الاختلاف في الآراء وعدم اجتماع الكلمة سبب لها أيضا، فإذا تبدلت هذه الصفات بأضدادها فساد الوئام واتفقت الكلمة وتحسن الوضع الاجتماعي والاقتصادي، كان ذلك من الأسس الكبرى للسعادة الاجتماعية.
ولا مناقشة لأحد في هذه الصفات. وإنما نقطة الضعف الرئيسية في هذا الطريق هو قلة الحقائق المدركة للفكر الانساني والمتفق عليها بين البشر. إذ كثير ما يختلف الناس في ان هذه الصفة أو تلك هل هي من أسباب السعادة أو لا. ولا يبقى مما هو متفق عليه إلا حقائق قليلة ذات عموم غير تطبيقي. ومعه يحتمل ان تكون الحقائق الأخرى غير المدركة أهم تأثيرا من هذه الحقائق المدركة، كما يحتمل أن يكون تطبيق الحقائق المدركة تطبيقات خاطئة أو غير متفق على صحتها على أقل تقدير. وما هو أو من هو الميزان في تشخيص صحتها من فسادها؟!...
الطريق الثاني: الاستلهام من قوله تعالى: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِي"[[451]].
حيث دلت الآية على ان الهدف الأساسي من خلق البشرية هو عبادتهم لله الخالق القدير تعالى[[452]].
ويتم ذلك بالالتفات إلى أمرين:
الأمر الأول: إن اللام في قوله تعالى: [ليعبدون] للغاية لا للعاقبة. وذلك: انه يحتمل في باديء الأمر منها أمران، بحسب المعنى اللغوي لمثل هذه اللام:
المعنى الأول: أن تكون اللام للغاية، والمراد به الاستهداف العمدي والملتفت إليه من قبل الفاعل، كقولنا: أدب ولدك صغيرا لتسر به كبيرا.
المعنى الثاني: ان تكون اللام للعاقبة، والمراد حصول النتيجة من دون توقع، أو من دون تسبب من قبل الفاعل. كقوله: لِدوا للموت وابنوا للخراب. أو بتعبير أفضل: يولد الانسان ليموت ويبني البيت ليخرب.
ومن الواضح عدم إمكان انطباق معنى لام العاقبة على الخالق الحكيم القدير. فيتعين أن يكون اللام للغاية. فيكون المراد من الآية حينئذ: ان هناك استهدافا عمديا في خلق البشرية في أن توجد فيها العبادة.
الأمر الثاني: إعطاء المفهوم الصحيح للعبادة، وقد سبق ان ذكرناه في الكتابين السابقين من هذه الموسوعة في أكثر من مناسبة.
إذن، فقد خلقت البشرية - أو الانس - خصيصا من أجل أن يعبدوا الله عزّ وجلّ بمجموعهم تلك العبادة الكاملة... ليس هم فقط... بل الجن أيضا، وهذا يدل على شمول التخطيط، أو وجود تخطيط خاص بالجن، ولكننا بصفتنا بشرا لا نعرف عنهم شيئا ذا بال.
وقد أشرنا في الكتاب الثالث من الموسوعة[[453]]: ان هذا المفهوم يعني بالتحديد إيجاد المجتمع المعصوم برأيه العام بل المعصوم بكل أفراده، فان عمق العبادة وعمومها يقتضي هذا المعنى بالضرورة.
إذن، يمكن القول، بأن تكامل البشرية المستهدف بالتخطيط البشري العام هو: إيجاد المجتمع المعصوم.
وبهذا أصبحت الفكرة أكثر تحديدا وعمقا مما أنتجه لنا الطريق الأول المعتمد على استلهام الفكر البشري المجرد. فان المجتمع المعصوم هو الذي يخلو من الشحناء والحروب وتضارب الآراء ويسوده الرفاه الاجتماعي والاقتصادي، على ما سنرى عند استعراضنا لصفات اليوم الموعود. ولا يمكن أن تتصف تطبيقا لهذه المفاهيم وأمثالها بالخطأ أو الانحراف، بل هو يطبقها بشكلها الصحيح، باعتبار عصمته.
ومعه لا تكون الايرادات التي ذكرناها على الطريق الأول واردة على الطريق الثاني.
-3-
ومن المعلوم وجدانا ان هذا الهدف لم يحصل بعد، إذ لا زالت البشرية تعيش التعسف والتحكم والحروب والاستغلال والظلم، تحت كل الآراء والنظريات.
وحيث لا بد للهدف الأعلى للبشرية أن يتحقق ليرفع الاستغلال والظلم إلى الأبد... ولا يمكن وجوده بشكل فوري أو بزمن قصير، لان هذا غير ممكن بحسب الأوضاع أو [القوانين] الطبيعية للكون، كما هو واضح، واستعمال الخالق القدير قدرته في إيجاده بالمعجزة خلاف المفروض، كما برهنا عليه في [تاريخ الغيبة الكبرى][[454]]... إذن، يتعين أن يوجد الهدف الأعلى بشكل بطيء وطويل، يستوعب التقديم والتمهيد له قسما كبيرا من تاريخ البشرية.
وحيث لا يكفي التخطيط الكوني لتربية البشرية بمجرده، وان كان يشارك فيها كما أسلفنا، لان البشر يتصفون بصفتين أساسيتين لا يمكن للضرورات الكونية ان تؤثر أثرا مهما في تكاملهما، وهما: العقل والاختيار أو قل انهما: التفكـير وحرية التصرف.
إذن، تحتاج البشرية في ايصالها إلى هدفها الأعلى إلى تخطيط خاص بها، يكون دعما للتخطيط الكوني، في تربية البشرية، وجزءا منه في الوصول إلى الأهداف الكونية البعيدة أيضا، كما قلنا.
ومن هنا كانت الضرورة مقتضية لوجود التخطيط لايصال البشرية إلى أهدافها، وان يكون موجها توجيها خاصا لإنتاجها، شأنه شأن التخطيط الكوني، حين تجعل كل حالات الكون وصفاته موجهة لإنتاج أهدافه.
ويكون شأن هذا التخطيط كصاحبه أيضا، في تسخير السببين الأول والثالث من الاسباب الثلاثة التي أسلفناها لصالحه. أما السبب الأول وهو التأثير الكوني الاضطراري، فباعتبار كون التخطيط البشري جزءا من التخطيط الكوني. وحيث تكون التأثيرات الكونية مسخرة في ما هو الأعم، يكون نفس الشيء صادقا بالنسبة إلى الأخص أو إلى ما هو من ذلك الأعم.
واما تسخير السبب الثالث، وهو اختيار الأفراد وحرية إرادتهم، في سبيل التخطيط العام للبشرية، فهو تسخير خاص بهذا التخطيط، كما أشرنا، وإنما يرتبط بالتخطيط الكوني، باعتباره جزءا منه.
وقد أشرنا إلى ان [التخطيط البشري] مبتن على الاختيار ومنطلق منه، باعتبار أن معنى تربية البشرية وتكاملها الذي هو المعنى الأساسي الذي يوصلها إلى أهدافها. ان معنى التربية فسح المجال للفرد أو المجتمع ان يتحرك وان يستنتج وان يتعلم، لكي يتكامل عن هذا الطريق، ويكون سائرا قدما إلى تلك الأهداف. ومن المعلوم ان الجبر أو القسر في أفعال الانسان لا يوجب له تكاملا ولا نموا، لان أفعاله في نفع الأخيرين - مثلا - غير منسوبة إليه إلا مجازا، وإنما هي بنت الضرورات الكونية ليس إلا، على حين لا يتكامل الفرد إلا إذا كان الفعل قد أصدره عن قناعة وطيب خاطر في سبيل نفع الآخرين.
-4-
يمكن تقسيم السلوك الارادي إلى قسمين رئيسيين:
القسم الأول: ما يكون منسجما مع الأهداف الكونية العامة، فان السلوك الاختياري بصفته جزءا من الكون ومشاركا في التخطيط الكوني العام، وبالأخير مع الأهداف الكونية البعيدة، يتصف قسم من هذا السلوك، بأنه منسجم مع تلك الأهداف ومتجاوب مع التخطيط السائر إليها ومشارك في تيسير الوصول إليها، مشاركة ولو ضعيفة. هذا النوع من السلوك هو الذي يوصف بكونه عادلا أو كاملا أو صالحا. باعتبار انسجامه مع تلك الأهداف، التي هي كاملة وعادلة وصالحة، بالضرورة، ولا يمكن إلا ان تكون كذلك باعتبار أن فكرة الاستهداف وافتراض تلك الأهداف، صادر من حكمة وقدرة عادلة وكاملة بالضرورة، كما هو المفروض.
القسم الثاني: ما يكون منافرا مع الأهداف الكونية، ومعيقا - بطبيعته - لحدوثها، ولو بدرجة ضعيفة. وهو السلوك الذي يوصف بكونه ظالما أو منحرفا أو طالحا.
ومن هنا لزم أن يكون جميع الأفراد، وهم مختارون في سلوكهم، متصفين بالسلوك المنسجم مع الأهداف الكونية، وهو معنى المجتمع المعصوم الذي أشرنا إليه. ومن هنا اكتسب التخطيط العام للبشرية أهميته بالنسبة إلى الأهداف الكونية وتخطيطاتها، ومن هنا كان لزاما على التخطيط [البشري] ان يستهدف ذلك المجتمع.
واما القسم الثاني من السلوك، فقد يبدو أن وجوده في الكون عامة وفي البشرية بصفتها جزءا من الكون، مستحيل... لما قلنا من ان كل ما يكون منافرا مع الأهداف الكونية، بل بمجرد ان لا يكون واقعا في طريقها، فان الكون بالضرورة خال منه.
وهذا أمر صحيح، لولا ما سوف نعرفه من مشاركة السلوك الظالم في إيجاد المجتمع المعصوم، ومن ثم يكون مشاركا في إيجاد الأهداف الكونية العامة بشكل وآخر، إلا أنها مشاركة مرحلية وموقتة، على ما سنعرف.
وقد يخطر في الذهن، ان المجتمع المعصوم إذا كان دخيلا في الأهداف الكونية، لزم وجوده من أول عمر البشرية حتى تكون مشاركته أطول وأعمق.
والجواب على ذلك: ان البشرية وجدت ناقصة لعدة أسباب أهمها سببان:
الأول: ان الكون الذي أنتج البشرية لا يزال ناقصا، والناقص لا ينتج الكامل.
والثاني: ان التربية الاختيارية بعد النقصان تكون أفضل في نتائجها من التربية القسرية، كما لو وجدت البشرية رأسا معصومة بدون اختيارها. وقد برهنا على ذلك في تاريخ الغيبة الكبرى[[455]]. ومن ثم يكون هذا الاسلوب هو الأفضل في الأهداف الكونية.
وسيكون لمشاركة المجتمع المعصوم في الأهداف الكونية زمان طويل بعد وجوده.
-5-
ومن هذه الزاوية تماما نفهم أهمية التربية البشرية في كلا التخطيطين الكوني والبشري، فانها هي التي توصل بالتدرج إلى السلوك الكامل، ومن ثم إلى المجتمع المعصوم.
ومن الواضح، كما قلنا في الاجزاء السابقة لهذا الكتاب[[456]]. ان تربية المجتمعات ومن ثم البشرية بمجموعها، لا يمكن ان تكون بين عشية وضحاها، ولا في حفنة من السنين، بل تحتاج إلى أمد متطاول، وتجارب قاسية وجهد متواصل.
فالفرد لا يكون رشيدا وكاملا، إلا بعد مجموعة من السنين وتعلّم طويل وتجارب مريرة. فان أريد منه ان يكون فردا نموذجيا، احتاج إلى زمن أطول وتجارب أقسى. فكيف بالهدف البشري الذي يعد فيه الأفراد بالملايين على مختلف المستويات والعقليات والثقافات، ويراد - مع ذلك - إيجاد مستوى أعلى من المستوى الفردي والاجتماعي الموجود في أي منها. فأي مقدار من السنين، وأي تجارب قاسية وأي جهود مضنية يجب ان تمر بها البشرية لتصل إلى ذلك الهدف، وأي مقدار من التضحيات يجب ان تقدم في سبيل ذلك؟.
والتربية تتكون من عنصرين أساسيين:
العنصر الأول: معرفة الفرد بالاسلوب الصحيح للسلوك. كل بحسب وجهة نظره، وينبغي لنا أن نقصد بالاسلوب الصحيح ما كان منسجما مع التخطيطين العامين وأهدافهما.
العنصر الثاني: تطبيق تلك المعرفة في عالم الحياة، فان المعرفة وحدها غير كافية في الانسجام مع الهدف الأعلى، بل لا بد ان يوجد للفرد درجة كافية من الاخلاص وقوة الارادة، بحيث يهتم بتطبيق تلك المعرفة على سلوكه، وتقديمها على سائر الدوافع والمقتضيات.
ونحن إذا نظرنا من ناحية بشرية عامة، وجدنا ان الخالق القدير الذي استهدف فيها تلك الأهداف، وفر لها كلا هذين العنصرين. اما توفير المعرفة فيتمثل بالعقل أولا، وبالنبوات ثانيا، واما توفير قوة الارادة والاخلاص، فيتمثل في جوّ التجارب القاسي الذي تمر به البشرية، ليجعلها في نهاية المطاف، مهتمة اهتماما واقعيا وعميقا بالتطبيق الصحيح الكامل. وسندخل في تطبيق ذلك بعد قليل.
ومن هنا عرفنا إجمالا: أهمية التشريع وأهمية النبوات، وأهمية التجارب في تربية البشرية والتخطيط البشري العام، ومن ثم في التخطيط الكوني وأهدافه. وقد ذكرنا أن كل ما يمت إلى تلك الأهداف بصلة فهو موجود بالضرورة، ولا يمكن أن لا يكون موجودا، وتعمل الأسباب والقوانين الكونية، بل والمعجزات - أحيانا - لإيجاده.
-6-
ويمكننا أن نقارن هذه الأسس الخاصة للتخطيط البشري بالمادية التاريخية، فنحصل بهذا الصدد على عدة حقائق:
الحقيقة الأولى: إن التخطيط العام أكثر استيعابا لفهم التاريخ وحوادثه وتطوراته من المادية التاريخية.
فاننا سبق أن عرفنا أن عددا من حوادث التاريخ غير منطبقة على النظرية المادية في حين نجد ان التخطيط شامل بالضرورة لكل حوادثه. فان سلوك الأفراد الذي هو المكون الأساسي للتاريخ [باعتبار ان التاريخ مفهوم أو فكرة متحصلة من مجموع تصرفات الأفراد]، ينقسم سلوكهم إلى أربعة أقسام، منها: القسمين اللذين عرفناهما في الفقرة الرابعة من هذه الأسس الخاصة. فإذا لخصناهما مختصرا، نقول:
القسم الأول: السلوك القهري الذي ينتج من مؤثرات كونية اضطرارية، كالسقوط من شاهق. وهذا السلوك خارج بطبيعته عن التخطيط البشري المبتني على الاختيار، وإنما هو تابع بصفته القسرية للتخطيط العام.
القسم الثاني: السلوك الاختياري المنسجم مع الأهداف المقصودة للبشرية، وهو القسم الأول من القسمين السابقين. ويشمل كل الأعمال والأقوال الخيرة والصالحة في التاريخ كمعونة المحتاجين والتضحية في سبيل الغير.
القسم الثالث: السلوك الاختياري المنافر مع الأهداف البشرية، وهو القسم الثاني من ذينك القسمين. ويشمل كل الأعمال الظالمة والاعتداءات على الأفراد والمجتمعات، وقد حملنا فكرة مجملة عن شكل دخله في التخطيط العام للبشرية.
القسم الرابع: السلوك الاختياري الذي لا يتصف عادة بكونه صالحا ولا طالحا، ويشمل جملة من أشكال اللهو ونحوه مما لا يترتب عليه نفع ولا ضرر. ويكون دخيلا في التخطيط البشري العام باعتباره ناتجا عن الاختيار، أو بصفته سلوكا إراديا حرا، ذلك الاختيار الذي عرفنا كونه الركن الأساسي في التخطيط العام، ومن المعلوم أن السلوك يصبح تربويا متى كان اختياريا، لتعرف نتائج سلوك الفرد وهل هو سوف يختار بحرية إرادته السلوك الصالح أو الطالح أو اللهو الذي لا نفع فيه.
وهذه الأقسام مستوعبة لكل تصرفات الأفراد وأقوالهم وردود أفعالهم، تجاه الحوادث الكونية منها والبشرية، ومن ثم فهي مستوعبة للتاريخ، باعتبار أن التاريخ ليس إلا مجموع هذه التصرفات.
ولئن اضطرت الماركسية إلى التصريح بأن كثيرا من التصرفات لا تنتج عن تطور وسائل الانتاج بشكل مباشر. وإنما تترتب عليها ولو بوسائط كثيرة، كما قد سمعنا، فان التخطيط العام ليس كذلك، بل مما تترتب عليه أفعال الناس وأقوالهم بشكل مباشر باعتبارها ناتجة عن الاختيار، الذي هو الركن الأساسي للتخطيط.
وترتبها على الاختيار، لا ينافي - كما عرفنا - شيئا من الأسباب والدوافع التي تحمل الفاعل على الاختيار، بشرط أن تكون دوافع حقيقية غير مسطورة كذبا.
الحقيقة الثانية: ان كلا من المادية التاريخية والتخطيط العام يشتركان في أن التشريعات النافذة بين البشر ناتجة من الفلسفة العامة للتاريخ، بمعنى انه توجدها وتتحكم فيها الأسباب الأساسية العاملة في سير التاريخ. وبالطبع، فان كل نظرية تنسبها إلى فلسفتها الخاصة.
لكن تبقى هناك بعض الفروق بينهما في تفسير التشريع:
الفرق الأول: ان التشريع من زاوية التخطيط، نتيجة استهدافية، أو بتعبير آخر: معلول للعلة الغائية، واما واضعه فليس موردا للتركيز من هذه الناحية.
بخلاف المادية التاريخية، فانها تنيط التشريع بتطور وسائل الانتاج إناطة [فاعلية] كإناطته بواضعه تماما. وكل ما في الأمر: ان إناطته بفاعله مباشرة وإناطته بوسائل الانتاج بالوسائط.
الفرق الثاني: ان التشريع في نظر المادية التاريخية ناتج بالضرورة عن الانسان، ومن أوضاعه الطبقية وعواطفه الضيقة بالخصوص... وبالتالي فهو خاضع للانسان ووليد عنه، وان خضع له الانسان فترة طويلة من الزمن.
واما التخطيط الالهي فيعتبر الانسان خاضعا للقانون، بل انه بشكله الصالح، والعادل وليده وصنيعته، وليس القانون بالضرورة صادرا عن الانسان، وان احتكر الانسان حق وضعه ردحا طويلا من الزمن.
بل للقانون مصادر أخرى، هي: إدراكات العقل الفكري من ناحية، والتشريعات الدينية التي تُبلغها الأنبياء عن رب العالمين الخالق القدير من ناحية أخرى. ومصادر أخرى.
الفرق الثالث: ان القانون الصالح في التخطيط العام يربي البشرية ويسير بها نحو التكامل، وبالتالي تنحو بها نحو نتائج التخطيطين الكوني والبشري وأهدافهما. هذا، وقد وجدت خلال التاريخ كثيرا من القوانين الظالمة المجحفة، والتي سنسمع تفسيرها الصحيح بعد ذلك.
بخلاف المادية التاريخية، فان القانون لا يمكن ان يكون مربيا ولا معنى لان يكون صالحا، وإنما هو طبقي الصبغة وناتج عن أساليب تربيتها لا أكثر. فهو ابن التربية وليس اباها، لا كما يفهمه التخطيط العام.
الحقيقة الثالثة: أهمية التربية عموما في التخطيط العام، دون المادية التاريخية.
فان التربية، من وجهة النظر المادية طبقية، سواء من زاوية أهميتها الاجتماعية أو مضمونها، وان ردود فعل الأفراد تجاه الحوادث يكون دائما طبقيا ومصلحيا، لا يتضمن أي فائدة عادلة وموضوعية، بل يستحيل ذلك خارج تطور وسائل الانتاج وعلاقات الانتاج، من وجهة النظر تلك.
بخلاف التربية في التخطيط العام، فانها توجه الفرد نحو الكمال، وتجعله منسجما مع أهداف هذا التخطيط والتخطيط الكوني. ويكون للتجارب الدور الأساسي بهذا الصدد، حيث يكون لردود الفعل الصالحة الأثر الكبير في تكامل ا لانسان.

فكرة إجمالية عن التفاصيل

-1-
بعد أن عرفنا ان وجود البشرية كان لمصلحة التخطيط الكوني وأهدافه، وان تكاملها والتخطيط له، من تطبيقات ذلك التخطيط أيضا.
إذن، فمن الواضح ان البشرية لا يمكن ان تبقى مهملة عن التخطيط لحظة من الزمان ولا شبرا من المكان، بل ان التخطيط الذي أعده خالقها القدير لايجاد كمالها بين ربوعها، يبدأ معها منذ ولادتها ويبقى معها إلى حين زوالها، أعني انقراض النوع البشري عن الأرض.
ومعه، فيحسن بنا ان نحمل فكرة كافية ومختصرة عن تطورات البشرية من بدايتها إلى نهايتها ودور التخطيط العام في ذلك إجمالا، لكي نبدأ بعد ذلك بإعطاء الفكرة الواسعة عن تفاصيل هذا التخطيط ومراحله.
-2-
أما بداية البشرية، فهي غير مشهودة لنا بطبيعة الحال، ومن هنا كان في عرضها إطروحتان رئيسيتان:
الاطروحة الأولى: وهي التى تتصف - في الأغلب - بكونها دينية، باعتبار كونها موروثة عن الأديان ومركوزة في أذهان المتدينين، ونجدها مسطورة في التوراة[[457]]، ويدل عليها ظاهر القرآن الكريم أيضا.
وهي: ان البشرية وجدت ناجزة من أول أمرها واجدة للصفات المهمة التي لم تتغير إلى عصرها الحاضر، وربما لا تتغير إلى يوم فنائها. فهي نفسها في شكل الجسم وحاجاته والمستوى العقلي وإدراكاته.
كل ما في الأمر ان البشرية وجدت أول أمرها، متمثلة بفرد واحد فقط، ثم بدأت بالتكاثر التدريجي حتى أصبحت بالملايين.
وقد هديت البشرية منذ فجرها إلى ما هو ضروري لها من إسلوب العيش من ناحية، ومن مستوى معين من التشريع[[458]]، أيضا، تكفل الفرد البشري الأول بتبليغه إلى زوجته وأولاده وذريته، ومن هنا اعتبر نبيا مرسلا من رب العالمين، وهو النبي [آدم] D.
وعلى ذلك، فبداية البشرية بداية عالية المستوى في الوعي والتفاصيل.
وقد أصبحت هذه البداية العالية هي اللبنة الأولى التي تسلسل منها التاريخ البشري، وبدأت البشرية خط تكاملها البطيء الطويل.
الاطروحة الثانية: وهي الاطروحة التي يميل إليها الفكر المادي في الأغلب، وقد اختارتها الماركسية فيما اختارت من الأفكار والنظريات.
وهي: ان الانسان تسلسل من مملكة الحيوان. فان الحيوان منذ فجر وجوده بدأ بالتكامل والتعقيد في الصفات، حتى بلغ درجة عالية متمثلة بالقرد وخاصة بعض أنواعه العليا، ثم تحول تدريجا إلى الانسان، ضمن تطورات عضوية ونفسية بالغة التعقيد والطول.
واكتسب الانسان بالتدريج قدرته على التفكير، ووجدت فيه اللغة، فاختلف عن مملكة الحيوان اختلافا جذريا.
وطبقا لهذه الاطروحة، تكون بداية الانسان بداية واطئة وإعتيادية للغاية. وهاتان إطروحتان مستقطبتان يمكن إيجاد إطروحات أخرى تلم من كل منهما بطرف، على ما سنذكر.
وتحتوي الاطروحة الثانية على بعض نقاط القوة، نشير إلى اثنتين مهمتين منها:
النقطة الأولى: انسجامها مع القوانين الكونية العامة. فاننا نجد في الاطروحة الأولى: إن الخالق الحكيم أوجد الانسان بإرادة خاصة، نجد في الاطروحة الثانية: ان وجود الانسان كان مطابقا مع سير القوانين أو الأسباب الكونية ليس إلا. ومن هنا كانت أقرب إلى الفكر المادي الذي يؤكد على القوانين الكونية التي رأى فيها [البديل] عن افتراض وجود الخالق القدير، كا سبق ان عرضناه وناقشناه.
النقطة الثانية: انها أكثر انسجاما مع مشابهة كثير من صفات الانسان مع الحيوان، حيث يبدو الانسان ناتجا عنه، إذ لو كان خلقا مستقلا لما حصلت المشابهة بهذا المقدار!!...
وينبغي أن نلتفت بهذا الصدد: ان كلا الاطروحتين يشتركان في أمرين مهمين:
الأمر الأول: إن وجود البشرية كان مطابقا مع الأهداف الكونية العامة وواقعا في ضمن تخطيطها. فوجود الانسان بالارادة الخاصة أو طبقا للقوانين العامة إنما كان بهذا الاعتبار. وقد عرفنا ان المؤثرات الكونية التي تسمى عادة بالقوانين، مسخرة لا محالة للتخطيط لتلك الأهداف.
الأمر الثاني: إنهما معا ينسجمان مع الاعتراف بالخالق. اما الاطروحة الأولى فهي لا تصح بدون افتراضه، كما هو واضح. واما الاطروحة الثانية فيمكنها ان تقول: ان الخالق أراد وجود الانسان طبقا للقوانين العامة. وخاصة بعد افتراض ان القوانين لا تغني عن افتراض الخالق. إذن، فيتعين وجود الانسان بتأثير الخالق. ومعه نعرف ان لصوق الماديين بهذه الاطروحة، ليس في مصلحتهم.
كما ان هذه الاطروحة الثانية، تحتوي على بعض نقاط الضعف - من وجهة نظر مادية - إلى جنب نقاط قوتها:
النقطة الأولى: إن هذه الاطروحة بالخصوص والمادية على العموم، تكون مسؤولة عن الجواب على هذا السؤال المشهور: هل الدجاجة أسبق من البيضة، أو البيضة أسبق من الدجاجة؟!... لان كلا منهما ناتج من الآخر، فكيف يوجد أي واحد منهما بدون الآخر. وهكذا يسري السؤال في كل أنواع الحيوان والنبات، فمثلا نسأل: هل وجدت الشجرة قبل البذرة أو البذرة قبل الشجرة... وهكذا. ولن تستطيع المادية أن تجيب على ذلك بوضوح ووثوق.
وإذا بطل أصل وجود النبات والحيوان، فكيف وجد الانسان بعد ذلك؟!.
اما مع افتراض وجود الخالق، فالجواب سهل تماما: إن الدجاجة وجدت أولا، بطريق الابداع والخلق المباشر. ثم باضت هذه الدجاجة وتناسلت. وكذلك كان أول أفراد الانسان الذي تقول به الاطروحة الأولى وتناسلت ذريته. وكذلك كل أنواع الحيوان والنبات.
النقطة الثانية: إن تسلسل الانسان عن الحيوان، ينافي - كـما قلنا خلال مناقشة الماركسية - القانون الوراثي الذي أصبح قطعيا واضحا في الذهن المادي أو [العلمي] وهو استحالة وجود نوع من مكونات أو [جينات] نوع آخر.
اما مع وجود الخالق، فيمكن أن نفترض الخلق الابداعي لكل نوع مستقلا، من دون تسلسل بين الأنواع، ويكون الخالق القدير هو الذي رأى مصلحة في المشاكلة والتشابه بين أنواع الحيوان والانسان، لأمر يمت إلى الحياة أولا، وإلى الأهداف الكونية العليا بصلة، ثانيا.
... كـما يمكن أن ننفي اضطرارية ذلك القانون الوراثي وقسريته بل قد يكون أحيانا متخلفا فيما إذا أراد خالقه ذلك. فنقول بتسلسل الأنواع بالرغم من وجود هذا القانون. فيكون إنتاج القرد للانسان طبقا للفهم الالهي أسهل منه على الفهم المادي.
النقطة الثالثة: إن المادية مسؤولة عن تفسير وجود الحياة أو الكائن العضوي أو الروح من ناحية[[459]]. ومسؤولة عن التفكـير الاستنتاجي الذي يملكه الانسان ويتميز به عن الحيوان، كيف وجد في القرد بعد تطوره؟، وأي قانون كوني أوجد ذلك في القرد، ولم يغلط بايجاده في حيوان آخر، كما لم يغلط في إيجاده في كل القرود، مع الأسف!!، كما لم يغلط في تطوير حيوان آخر تطويرا بدنيا مهما، يجعل له فرص التصرف كفرص الانسان.
واما مع افتراض وجود الخالق، فالجواب على هذا السؤال واضح.
وقد أشرنا إلى إمكان وجود إطروحات أخرى غير الاطروحتـين الرئيسيتين... فانهما يفترقان في أمرين: هما وجود الانسان وثقافته. فبينما ترى الاطروحة الأولى ان وجود الانسان وثقافته معا ابداعيتان، ترى الاطروحة الثانية انهما معا تدريجيتان ذواتا خط طويل.
ومن هنا أمكن أن نحمل صفة من كل إطروحة، فتصبح عندنا إطروحتان ثانويتان أخريتان:
الاطروحة الأولى: إن وجود الانسان ابداعي وثقافته تدريجية عبر التاريخ البشري الطويل.
الاطروحة الثانية: إن وجود الانسان تدريجي، وناتج عن مملكة الحيوان، إلا ان ثقافته ابداعية، بمعنى أنه حين وصل إلى درجة معينة من التعقل ألهمه الله تعالى عددا من الحقائق الحياتية والكونية... وأول من أُلهم ذلك، هو أبونا آدم D.
كل من هاتين الاطروحتين تحتاج إلى التنزل عن بعض الأصول الموضوعية للاطروحتين السابقتين. فكلتا هاتين الأخيرتين تخالفان بعض ظواهر القرآن الكريم، وبذلك قد يكون مثارا للشك من الناحية الدينية الاسلامية، كما انهما معا يعترفان بالابداع الالهي، وبذلك يخالفان الفكر المادي، والاتكال المطلق على القوانين الكونية.
ولسنا الآن بصدد الترجيح بين هذه الاطروحات. غير انه سيأتي في الفقرة الآتية من آيات القرآن الكريم نفسه، ما قد يضطرنا إلى التنزل عن صراحة الاطروحة الأولى الرئيسية، وعن بعض ظواهر القرآن التي تدل عليها، وبذلك تتعين إحدى الاطروحتين الأخيرتين أو ما يشابههما في المحتوى.
-3-
تدل بعض آيات القرآن الكريم على أن الناس كانوا أمة واحدة، وإنما حصل الاختلاف والتناحر بينهم في عصر متأخر، وقد اقترن هذا الاختلاف بارسال الأنبياء وبعث الرسل.
منها: قوله تعالى:
"كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ..." الآية"[[460]].
ومنها: قوله تعالى:
"وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا..." الآية"[[461]].
وقد فهم منها سيدنا الاستاذ السيد الصدر:
"بأن المجتمع البشري مر بمرحلة فطرة وغريزة، قبل أن يصل إلى المرحلة التي يسود فيها العقل والتأمل"[[462]].
وهذا الفهم يعني اننا نستفيد من هاتين الآيتين الكريمتين هذا المفهوم: وهو ان المجتمع البشري كان في أول وجوده لا يزيد في مميزاته وصفاته عن مجتمع الحيوان، ثم بدأ - طبقا لتخطيط التكامل - يتفتح على الفهم والتفكـير. وكان خلال عصره الفطري فاقدا للاختلاف في المصالح والاختلاف في العقيدة. اما عدم الاختلاف في العقيدة والتشريع فلعدم وجود المستوى الذهني الكافي لفهم ذلك، أو إذا كان عندهم عقيدة بسيطة، فليس لهم المستوى الكافي لفلسفتها ومناقشتها، فهم جميعا يتسالمون على صحتها.
وأما عدم الاختلاف في المصالح، ذاك الاختلاف المؤدي إلى النزاعات والحروب، فلعدم وجود المستوى الذهني الكافي للتركيز على هذه الجهات. وهذا لا ينافي وجود نزاعات بسيطة بين الأفراد، كما توجد بين الحيوان.
وبمجرد ان وجد المستوى الكافي للتفكير، وجد النزاع بينهم بطبيعة الحال. وهذا هو المستفاد من قوله عزّ وجلّ: [فاختلفوا...] أي ان الاختلاف وجد بعد انتهاء عصر القصور الذهني.
وحـين وجد النزاع والاختلاف في البشر، كان مقتضى التخطيط العام لتكاملهم، ان يعرفوا التشريع الكافي لحل هذه المنازعات والعقيدة الكافية لزرع الأخوة فيما بينهم. وبذلك بعثت الأنبياء وأرسلت الرسل.
وهذا الفهم هو أقرب المعاني المحتملة إلى هاتين الايتين، بلا شك، وأقربها إلى التصورات الاعتيادية عن الحياة والمجتمع البشري. ومن الواضح ان بعض القرآن يكون قرينة على فهم البعض الآخر، وأمر يؤمن به كل مؤمن بالقرآن الكريم.
وهذا الفهم لا يتضمن ان أصل الانسان من الحيوان، أو انه وجد ناجزا بطريقة إبداعية، ومن هنا لا ينافي ظواهر القرآن الأخرى، من هذه الجهة.
إلا أن أهم معارضة لذلك، هو التساؤل عن [آدم] D الذي هو أبو البشر، هل كان في أول عصر القصور الذهني، كما سميناه، أي في أول وجود الانسان، باعتباره أبا للبشر جميعا، أو كان في أول عصر التفكـير والاختلاف، باعتباره نبيا مبلغا عن الله تعالى بعض التعاليم التي لا تنسجم إلا مع مستوى التفكير. ولعل القول: بأنه أبو البشر على الاطلاق، وان نبوته تناسب مع القصور الذهني الذي كان عليه الناس، هو الأقرب إلى الذهن فعلا.
إلا أن هذا التصور قد يبدو منافاته لفهم آخر، وهو: ان المشكلة التي مرّ بها آدم D التي نسمعها في التوراة والقرآن، هل أثرت فيه شخصيا فقط أو فيه وفي أولاده جميعا. هذا الأثر الذي يمكن أن نفهمه من قوله تعالى:
"... فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ..."[[463]].
وهو وجود الوعي والقدرة على التفكير عندهما بعد ان لم يكن[[464]].
فان كانت قد أثرت فيه شخصيا، أو هو وزوجته فقط، أمكن ان يصبح نبيا واعيا لمجتمع قاصر، وان أثرت فيه وفي ذريته، فمعنى ذلك انتهاء عصر القصور الذهني وبدأ عصر الوعي والتفكير.
وحينئذ فلنا أن نختار القول بأن آدم D كان في أول عصر الوعي، وكان هو أول الواعين، لكن علينا أن نتنازل عن كونه أبا للبشر أجمعين، إلا إذا كان الانسان اسما للواعين منهم، واما العصر السابق فهو أقرب إلى الحيوان.
ولنا أيضا أن نختار القول بأن آدم D، كان في أول عصر القصور الذهني، مع بساطة نبوته كما قلنا، غير اننا نصطدم بالظهور القرآني الدال على وجود اللغة لدى آدم شخصيا كقوله تعالى:
"وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا..."[[465]] وغيرها.
وهذه الظاهرة تنافي القصور الذهني، ولا يمكن ان توجد إلا في عصر الوعي.
وعلى أي حال، فقد اضطررنا إلى التنازل عن صرامة الاطروحة الرئيسية الأولى، من عدة زوايا، بالرغم من اننا لم نتجاوز عرض المشكلة، ولم نبت فيها برأي وليس هذا مجاله. وأهم ما تنزلنا عنه من مكونات تلك الاطروحة ان المجتمع لم يخلق ناجزا في وعيه، بل كان ذلك بشكل تدريجي. ومما يمكن التنزل عنه الآن أيضا: ان آدم قد يكون أبا للقاصرين، لا للواعين، كـما ان النبوات لا تنحصر أن تكون في عصر الوعي، بل تكون مناسبه لعصرها بطبيعة الحال.
والمهم الذي نحتاجه في بحثنا هذا، هو ان البشرية في عصر قصورها الذهني، تحتاج إلى تخطيط معين لايصالها إلى مرحلة الوعي والتفكير، لكي يقع ضمنا في طريق تكاملها العام. وهذا هو الجزء الأول من التخطيط العام لتكامل البشرية، ونستطيع ان نسميه بالتخطيط الأول كما سيأتي.
-4-
وحين دخل المجتمع البشري مرحلة الوعي والتفكـير، كانت الخطوة المهمة من التخطيط العام قد انجزت، إذ من الواضح انه بدون الوعي لا يمكن أن تتحقق نتائج ذلك التخطيط العام وأهدافه.
وفي هذه المرحلة تحولت الأصوات المشوشة إلى لغة، والفكرة الطارئة إلى تركيز والمصادفة إلى تجربة وأصبحت البشرية قابلة للتعليم بالمستوى البسيط من المفاهيم والتشريع. ومن هنا وجدت محاولات بشرية على مستوى عشائري، والهية على مستوى نبوي لحل الاختلافات الناتجة عن هذا الوعي الجديد. ومن هنا يكون الخالق الحكيم قد بادر لحل الاختلافات البشرية، عن طريق أنبيائه ورسله، بمفاهيم وتشريعات بسيطة في أول الأمر، ثم تعمقت وتوسعت بالتدريج. وتدل بعض المرجحات في النصوص الدينية[[466]], على ان النبي نوح D، هو أول من حمل شريعة بحجم واسع نسبيا إلى البشر.
ولكن كانت أول شريعة واسعة على مستوى التطبيق العالمي المدعم بكتاب سماوي كامل، هو ما جاء به موسى بن عمران D.
-5-
وإذا دققنا النظر وجدنا ان إرسال الرسل ملء أو اشباع لحاجتين بشريتين عامتين:
الحاجة الأولى: انه تطبيق للّطف الالهي الذي قال الفلاسفة المسلمون بوجوبه، وإذا لم يكن واجبا فقد تفضل الله تعالى به على أي حال، تحاشيا من ان تصبح الحياة، نتيجة للصراعات والنزاعات جحيما لا يطاق، كما عبر به [توماس هوبز] حيث اعتبر الحياة بدون قانون جحيما لا يطاق، باعتبار تصادم مصالح الأفراد بعضها مع بعض بشكل غاية في الفضاعة والوحشية[[467]].
الحاجة الثانية: انه تطبيق لفكرة مهمة ورئيسية من فقرات التخطيط الالهي العام لتكامل البشرية باعتبار تأهيلها لفهم العدل الكامل المطبق في المجتمع المعصوم، على ما سوف نشرحه غير بعيد.
-6-
يتوقف الهدف البشري الأعلى، وهو وجود المجتمع المعصوم، على وجود دولة عالمية تحكم البشرية بالحق والعدل لكي تقوم بالتمهيد المباشر لذلك المجتمع.
فان البشرية، بعد أن وجدت قاصرة - أولا -، وأصبحت بعد الوعي متناحرة ظالمة معتدية بعضها على بعض - ثانيا -، لمدى ضحالتها في التفكـير واستهدافها للمصالح الفردية... إن البشرية بعد ان كانت كذلك، لا يمكنها أن تصل إلى المستوى المطلوب بدون توجيه مركزي مركز يمهد ويخطط، بشكل واع وقوي لايجاد المستوى الثقافي والعقلي والاجتماعي ورفعه تدريجا إلى أن يصل إلى هدفه المنشود. وهذا التوجيه لا يمكن أن ينطلق إلا من دولة الحق والعدل المنسجمة مع أهداف التخطيطين البشري والكوني.
إذ لو لم تكن هذه الدولة موجودة، لكان هناك افتراضان لا ثالث لهما:
الافتراض الأول: عدم وجود دولة أو سلطة على الاطلاق على طول الخط التاريخي الطويل، وهذا يعني جعل المجتمع جحيما لا يطاق، ولا يمكن ان ينتج أي تربية أو كمال، بل يؤدي إلى انقراض البشرية سريعا، بعد ان يقتل بعضهم بعضا.
الافتراض الثاني: وجود دول أو سلطات تحكم بغير العدل، وغير منسجمة مع أهداف ذينك التخطيطين. وتبقى البشرية بهذا الشكل باستمرار.
إن من الواضح ان ذلك يؤدي إلى ابتعاد الناس عن الهدف ونسيانهم لمسؤولياتهم الحقيقية. إذ من المعلوم ان الدول ذات الأهداف المنافرة مع تلك الأهداف، تخطط وتربي- من حيث تعلم أو لا تعلم - بشكل يضر بتلك الأهداف ويخل بها، ولو جزئيا، وهو أمر محال، كما عرفنا.
إذن يتعين، بطريق الحصر، ان يكون الرائد الأول والأساسي لوجود المجتمع المعصوم هو الدولة المنسجمة مع هذا الهدف، بحيث تفهمه وتخطط له.
وسيتضح تدريجيا أن وجود هذه الدولة هو أول خطوة فعلية وفعالة نحو هذا الهدف، وما الارهاصات السابقة عليها، إلا لأجل وجودها، فهي من باب مقدمات المقدمات، لو صحّ التعبير.
ومن الغني عن الاشارة ان الدولة العالمية، ما دامت تقع في طريق الهدف البشري الأعلى، فهي واقعة ضمنا، في طريق الهدف الكوني، لما عرفنا من ارتباطهما العضوي، وكون التخطيط البشري وهدفه جزءا من التخطيط الكوني وهدفه.
كـما انه من واضح القول ان نشير أن دولة الحق ما دامت تقع في طريق الهدف البشري الأعلى، فهي واقعة كحلقة من التخطيط العام لذلك، ويكون إيجادها في ربوع البشرية هدفا يخطط له في الوجود البشري السابق عليها، باعتبار ان التخطيط لها تخطيط للهدف البشري الأعلى نفسه.
-7-
يتوقف وجود هذه الدولة، كـما برهنا عليه في كل من الكتابين السابقين من هذه الموسوعة، على شرائط ثلاثة رئيسية:
الشرط الأول: وجود المبدأ الكامل العادل الذي يكون ساري المفعول في تلك الدولة. ونريد بالمبدأ الوجود القانوني أو التشريعي من ناحية، والوجود المفهومي الذي يحدد موقف الفرد من الكون والحياة من ناحية أخرى.
الشرط الثاني: وجود القائد الرائد الذي يباشر بتأسيس تلك الدولة، ويكون أول حاكم فيها، وقد سبق ان برهنا على تعيين هذا الاحتمال، وعدم صحة الاحتمالات الأخرى كالدولة الديمقراطية، في تاريخ الغيبة الكبرى[[468]]، وسوف يأتي أيضا ما يوضح ذلك أيضا.
الشرط الثالث: وجود مجموعة كافية من البشر المخلصين الذين يكون لهم شرف المشاركة في إيجاد تلك الدولة بين يدي ذلك القائد، وقد برهنا[[469]] على فساد الاحتمالات الأخرى، كوجود الدولة بشكل اعجازي، لا يحتاج معه إلى جيش.
وقد تحدثنا عن هذه الشرائط مفصلا، فانها تعتبر العمود الفقري للتخطيط العام، بعد وجود الوعي والتفكـير. ولكن ينبغي لنا أن نشير الآن إلى موجز من نتائج ذلك الحدث، حفاظا على تسلسل الفكرة:
إن مستوى المفاهيم والقانون الذي يكون معلنا ومطبقا في دولة الحق سوف يكون دقيقا وعميقا إلى درجة لا يمكن ان تفهمها البشرية الساذجة الخارجة لتوها إلى مرحلة الوعي والتفكـير. بل لا بد من التخطيط لتعميق تفكيرها تدريجا لتكون متقبلة لذلك وفاهمة له حين وجوده.
وقد سمينا هذا التخطيط الذي هو جزء من التخطيط العام، بالتخطيط لايجاد الاطروحة العادلة الكاملة، ونعني بها المفاهيم والقانون. وهذا هو القسم الثاني من التخطيط العام، أو - بتعبير آخر - التخطيط الثاني لتكامل البشرية.
وقد شارك عباقرة البشر وعلى رأسهم الأنبياء والمرسلون في تربية البشر في هذا الاتجاه - من حيث يعلمون أو لا يعلمون - لايصالها إلى المستوى الفكري اللائق.
وقد انتهى هذا التخطيط، فيما نعتقده كمسلمين، بعصر الاسلام، الذي هو الاطروحة العادلة الكاملة، حيث أصبحت البشرية في بعض عصورها قابلة لفهم هذه الاطروحة، فبادر الخالق الذي هو المخطط الأعلى، لإنزال هذه الاطروحة الكاملة، متمثلة بالاسلام، بما يحمل من مفاهيم وقانون.
وكانت الحاجة تقتضي إلى أن تتربى البشرية على فهم هذه الاطروحة الجديدة والتضحية في سبيلها ردحا من الزمن، قبل نزولها إلى حيز التطبيق، في دولة الحق، ليتحقق الشرط الثالث على ما سنشير، ومن هنا انفصل نزول الاطروحة عن تطبيقها العالمي، وبتعبير آخر: انه من أجل ذلك أنزلت الاطروحة قبل موعد تطبيقها بزمن طويل.
وقد كان العصر المتأخر عن نزول هذه الاطروحة، متضمنا للتخطيط لايجاد الشرطين الآخرين. وقد احتوى على تخطيطين رئيسين مقترنين:
التخطيط الأول: لايجاد الشرط الثاني وهو التخطيط لايجاد القائد الذي يمكنه أن يحكم العالم كله بالعدل بدون أن يكون مظنة الظلم أو الانحراف. انه لا يمكن ان يكون فردا عاديا، مهما أوتي من عبقرية وقابليات.
وقد برهنا في [تاريخ الغيبة الكبرى][[470]]، على لزوم أن يكون معصوما، وعلى ضرورة ان يكون طويل العمر معاصرا لأجيال كثيرة من البشر، لكي يعيش تجارب واسعة جدا، ليتكامل جانبه القيادي ذلك التكامل الذي سميناه بتكامل ما بعد العصمة. فان الكمال، كـما قلنا غير متناهي الدرجات، ومهما كان الانسان عظيما فان أمامه درجات لا متناهية أخرى من الكمال.
ومن هنا يتعين الفهم الامامي لهذه القيادة الكاملة المتمثلة بالمهدي D ، الذي ولد عام 255 من الهجرة[[471]]، بخلاف الفهم الآخر الذي يتبناه جمهور المسلمين وهو ان المهدي رجل يولد في عصره، فانه - على ذلك - يكون فردا عاديا غير قابل للقيادة العالمية العادلة بأي حال.
وطبقا للفهم الامامي، فقد بدأ هذا التخطيط بولادة المهدي D عام 255هـ، وسينتهي بيوم ظهوره. وقيامه بتطبيق دولة الحق.
التخطيط الثاني: لايجاد الشرط الثالث، وهو إيجاد الجماعة المؤمنة المخلصة المشاركة في توطيد دولة العدل.
وقد برهنا أيضا[[472]]، على أهمية التمحيص في هذا الحقل بالذات، فان له يدا طولى في تربية البشرية بكل أفرادها عموما، وفي إيجاد هذه الجماعة المخلصة خصوصا.
ومعنى التمحيص هو مرور البشرية بظروف صعبة من الظلم والمشاكل والاضطهاد عصورا طويلة، لكي تبرز بوضوح مواقف الناس فردا فردا تجاهها. فمن كان ضعيف الارادة أو قليل الاخلاص أو محبا للمصلحة الخاصة، أصبح ظالما مع الظالمين أو جاملهم أو مالأهم، ومن كان قوي الارادة مفضلا للسلوك المطابق للاطروحة العادلة، كان منسجما مع الهدف الحقيقي وناجحا في التمحيص.
ومن هنا تتميز مواقف الأفراد تدريجا، وبشكل بطيء وطويل، وبذلك يتميز الباطل عن الحق، وقد أكد القرآن الكريم على هذا الجانب في عدد كبير من آياته، منها قوله تعالى:
"مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ..."[[473]].
وقوله عزّ وجلّ:
"... لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ..."[[474]]، وغيرهما.
ويبقى التمحيص ساري المفعول زمانا طويلا، حتى يأتي جيل أو أكثر تتميز به عقيدة المؤمنين ومواقفهم عن مواقف المنحرفين والكافرين وعقائدهم، أعني المنسجمين مع الهدف الأعلى عن غيرهم... تتميز بشكل عميق وحدي غير قابل للتشويش. وبذلك تكون فترة ما قبل التمحيص التي يشير إليها القرآن بقوله: [على ما أنتم عليه]... وهي فترة التشويش والضحالة في السلوك والفجاجة والضياع في التقييم... قد انتهت.
ويكون الناس الذين التزموا جانب الايمان والعدالة هم المخلصون الذين يكون لهم شرف القيادة والريادة في دولة الحق، كل ما في الأمر، انه ينبغي ان يأتي جيل يتحقق فيه عدد من المؤمنين كاف لهذه المهمة الكبرى. وبذلك يكون التمحيص قد حقق غرضه، ويكون التخطيط لايجاد الشرط الثالث قد أنتج نتيجته.
وقد ذكرنا في تاريخ الغيبة الكبرى[[475]]، ان أكثر الناس خلال هذه الفترة، سوف يوجب ضعف إرادتهم الرسوب والفشل في التمحيص، على حين يكون الأقلية هم المخلصون الناجحون فيه. وهذا معنى أن المهدي D سوف يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا،كما وردنا في الاحاديث المتواترة عن النبي 9 وخلفائه.
وبذلك يكون البرهان قائما على أمرين:
الأمر الأول: ما سبق أن أشرنا اليه من أن الظلم, بالرغم من انه منافر مع الهدفين البشري والكوني ومع التخطيطين لهما, إلا انه دخيل باعتبار كونه مشاركا في ايجاد الشرط الثالث لدولة الحق والعدل المشاركة في الهدف البشري الأعلى. وبذلك يكون ضروري الوجود, لما برهنا عليه من أن كل ما له دخل في التخطيط فهو ضروري الوجود, لا يمكن أن تخلو منه ساحة الكون.
الأمر الثاني: أن وجود الظلم وجود مؤقت لامحالة, لانه سوف يستنفد غرضه -كما أشرنا- لإنتاج نتيجته وهي ايجاد الشرط الثالث, ومعه يكون استمراره بلا موجب, بل مستحيلا بالضرورة, باعتباره منافرا مع الهدف والتخطيط, وليس له دخل فيه بعد استنفاد غرضه... وكل ما يكون منافرا مع الهدف فهو منتفٍ بالضرورة.
وقد عرفنا الآن أن التخطيطين لايجاد الشرطين الثاني والثالث, يشتركان في الزمان وينتهيان معا في لحظة الظهور, لان هذه اللحظة كما أنها لاتتحقق إلا بعد وجودهما, لاتتأخر عن زمان تحققهما بطبيعة الحال. كل ما في الأمر انهما يختلفان في المبدأ فان التخطيط لايجاد القائد بدأ بمولده عام 255 هـجرية, على حين بدأ التخطيط لايجاد المخلصين, ونقصد بهم المخلصين طبقا للاطروحة العادلة الكاملة, بدأت بنزول هذه الاطروحة في صدر الاسلام.
ويشكل هذان التخطيطان - باعتبارهما متعاصرين - مجموعا واحدا, يمكن أن نسميه بالتخطيط لايجاد دولة الحق. وهو القسم الثالث من التخطيط البشري العام.
كما يشكل القسمان الثاني والثالث من التخطيط العام مجموعا واحدا, سميناه في تاريخ الغيبة الكبرى بالتخطيط الالهي لليوم الموعود, لانه يبدأ بأول عصر الوعي البشري ويواكبها بالتربية, وينتهي بإنجاز غرضه وهو وجود اليوم الموعود, ويراد به اليوم الذي تتحقق به دولة العدل العالمية على وجه الأرض, وقد عرفنا مشاركتها في الهدف, وليست هي الهدف الأساسي.
-8-
وحـين تتوفر الشرائط الثلاث، في ربوع البشرية، يحين إنجاز الوعد الذي كان قد رُكز عليه من خلال التخطيط السابق تركيزا كبيرا، فيظهر القائد الأعظم المهدي D على مسرح الحياة مع جيشه المجاهد وقواده الاكفاء، ويكون لهم - باشرافه ورأيه - تخطيط خاص لغزو العالم والسيطرة عليه، ويكون انتصارهم حتميا، باعتبار الضمانات التي تهيأت لهم خلال التخطيط السابق، وقد ذكرناها في الكتاب الثالث من هذه الموسوعة[[476]].
وبعد أن تتم السيطرة على العالم، يبدأ القائد المهدي D وعماله، وهم الأمراء الذين يوزعهم على مناطق العالم، بتطبيق الاطروحة العادلة الكاملة تطبيقا عميقا ودقيقا، بعد إعطائها شكلها الكامل، ويكون التطبيق حديا لا يعذر فيه المقصرون.
وتستهدف هذه الدولة، في المدى البعيد، إيجاد المجتمع المعصوم، الذي هو الهدف الأعلى للبشرية، وتخطط لوجوده بوعي وقوة وإخلاص... وهو القسم الرابع من التخطيط البشري العام أو التخطيط الرابع.
ويمكن القول بأن هذه الدولة العالمية، تمر بعدة مراحل، كما بيناه في [تاريخ ما بعد الظهور]، لكل مرحلة وظيفتها الأساسية في هذا التخطيط.
المرحلة الأولى: فترة حكم القائد المهدي D بشخصه. وهوالذي يؤسس القواعد الرئيسية الكبرى للمفاهيم وللتشريع وللاسلوب الأفضل في ممارسة الحكم، والاسلوب الأفضل للتربية الفردية - الاجتماعية، بالشكل الذي ينسجم مع المستوى العقلي والثقافي لذلك العصر من ناحية، والهدف الأعلى الذي يتوخاه، من ناحية ثانية.
وقد قلنا في الكتاب المشار إليه[[477]]، بأننا في عصورنا الحاضرة، يتعذر علينا ان ندرك البعد الحقيقي والعمق الكامل للمفاهيم والتشريع والأساليب التي يتخذها الامام المهدي D في دولته... وان كنا نستطيع ان ندرك بعض التفاصيل، مما في أيدينا من الادلة والمستندات، على ما سيأتي.
والقائد المهدي D بعد كل ذلك، هو يعطي للبشرية الجذور العاطفية العليا، أو الدفعة الأولى للتكامل والاتجاه نحو الهدف الأعلى من الناحية التطبيقية، كـما فعل النبي 9 من الناحية التشريعية، وتستطيع البشرية بعد ذلك، ان تواصل سيرها بأفضل إسلوب وأسهله نحو الهدف.
المرحلة الثانية: فترة الوصاية. وهي فترة حكم خلفاء المهدي D. ويتم تنصيبه بالتعيين من قبل الامام المهدي D ... أو ان كل واحد يوصي للذي بعده.
وهي فترة طويلة نسبيا قد تمتد عدة مئات من السنين، كـما يستفاد من بعض الأخبار، يتم خلالها تربية الأجيال وتركيزها تدريجا إلى جانب العدل الموازي مع الهدف الأعلى، تستعمل الدولة كل أساليبها وصلاحياتها في سبيل ذلك، وينتج عن هذه الجهود اقتراب المجتمع العالمي من العدل، وتحسن العلاقات بين الأفراد والمجتمعات إلى حد كبير، لم تحلم به أجيال ما قبل الظهور، ولم تستطع ان تدركه.
وحين يبلغ كمال المجتمع البشري درجة معينة، يكون الرأي العام فيها معصوما عن الخطأ، أي ان كل ما اتفق عليه المجتمع وأجمعوا على صدقه، فهو حق ولا يمكن أن يكون خطأ... عندئذ تنتهي فترة الوصاية لان المجتمع البشري يكون قد بلغ رشده.
المرحلة الثالثة: فترة المجتمع الرشيد، وهو ما ذكرناه قبل لحظة، المجتمع الذي يكون الرأي العام فيه معصوما، وإن لم يكن الأفراد فيه معصومون. وأهم خاصية لذلك المجتمع هو ان عهد الوصاية يكون قد إنتهى، ومن هنا يكون الحكام منتخبين بالتصويت العام، لا بالتعيين. وذلك انطلاقا من نقطتين:
النقطة الأولى: ان الأفراد في ذلك المجتمع ككل، وإن لم يكونوا معصومين، إلا انه تتوفر فيه نسبة غير قليلة من المعصومين، الذين تلقوا بعبقرية نتائج التربية في المراحل السابقة، وحيث عرفنا فيما سبق ان قائد البشرية لا بد أن يكون معصوما، صالحا لان يتولى الرئاسة البشرية العامة، ويتم التصويت العام على انتخاب واحد من هؤلاء بطبيعة الحال.
النقطة الثانية: إن كل فرد أجمع المجتمع على إنتخابه، فهو صالح بالضرورة لقيادة البشرية، لاننا عرفنا أن كل ما أجمع عليه المجتمع فهو حق ولا يمكن ان يكون باطلا.
والعصر الوحيد الذي تصح فيه الديمقراطية التي دعت إليها أوروبا هو هذه المرحلة بالتعيين، ولا يمكن أن تكون صالحة في عصر المظالم والانحراف، لان الرأي المجمع عليه من قبل الأفراد المنحرفيـن باطل بالضرورة ولا يمكن أن يكون حقا، فضلا عن رأي الأكثرية، الذي تدعو الديمقراطية إلى اتباعه.
والانتخاب في هذه المرحلة، يختص بالحكام، طبقا لنظام معين، ولا يشمل التشريع، وان دعت أوروبا إلى حق التصويت فيه. فان التشريع فيها هو الاطروحة العادلة الكاملة، وهي ثابتة مع الزمن غير قابلة للتغيير.
وسيكون التصويت عالميا من ناحية، ولا يكون منتجا أو مقبولا إذا كان إجماعيا أو ما يقارب الاجماع من ناحية ثانية[[478]]. وهذا مستوى - بالرغم من صعوبته - لم تبلغه الديمقراطية الأوروبية بأي حال، وهو لن يكون صعبا في ذلك المجتمع الأعلى، على كل حال.
وسوف تنتهي هذه المرحلة بوجود المرحلة التالية.
المرحلة الرابعة: فترة المجتمع المعصوم بكل أفراده، أو أكثريتهم الكاثرة.
وهو الهدف الأعلى لوجود البشرية، الذي به يتحقق الغرض الأساسي من وجودهم، ذلك الغرض الذي برهنا على وجوده فكريا، كما سبق، وعرفناه من القرآن الكريم الذي يقول: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ". حيث تتحقق به العبادة الكاملة في كل فرد من الأفراد.
ومعه لا حاجة إلى الدخول في تفاصيل شكل الحكم والعلاقات في ذلك المجتمع، غير اننا نعرف انها أشكال عليا على درجة العصمة والعبادة الكاملة. وسنحاول، مع ذلك - عند الدخول في التفا صيل - ان نستشف بعض خصائص هذا المجتمع جهد الامكان.
وبوجود هذا المجتمع يكون الغرض الأعلى من وجود البشرية قد وجد. ويكون التخطيط العام لايجاد هذا الهدف قد أنتج نتيجته واستنفد أغراضه.
وقد برهنا في [تاريخ ما بعد الظهور] على كون هذه الفترة طويلة جدا تعدل تاريخ البشرية من أول وجودها إلى حين تحققه عدة مرات، بل قد يزيد عليه بعشرات الاضعاف. ولعلنا نشير إليه مع التفاصيل.
ويكون التخطيط لاستمرارها وإعطائها سماتها العامة وتفاصيلها هو التخطيط الخامس أو القسم الخامس من التخطيط العام لتكامل البشرية.
-9-
ولكن ماذا بعد هذه المرحلة؟!. إن البعد السحيق لها يمنعنا من استشفافها بوضوح، ومن هنا كان فيها إطروحتان، ذكرناهما معا في تاريخ ما بعد الظهور. نشير إليهما الآن مختصرا:
الاطروحة الأولى: إن البشرية تستمر في التكامل، من [تكامل ما بعد العصمة]... فان العصمة - في مراحلها الأولى -: هي آخر مراحل الكمال الادنى وأول مراحل الكمال الأعلى... والكمال لا متناهي الدرجات، كـما سمعنا، إذن، فهناك فرصة واسعة أمام البشرية للتكامل بعد ذلك، ما شاء لها ربها وإخلاصها لها الكمال.
وتبقى البشرية على هذا الحال، حتى يستنفد وجودها على الأرض غرضه، من زاوية التخطيط الكوني، وعندئذ يحكم على البشرية بالزوال.
أو بتعبير آخر: إن هذه الحياة لن توفر الفرصة الكافية للتكامل بعد بلوغ هذه المراحل العليا، ومن هنا لزم نقل البشرية إلى عالم آخر، تتوفر فيه فرصة الكمال الأعلى، لتستمر البشرية في تكاملها هناك. ومن هنا تزول البشرية عن وجه الأرض، لتذهب إلى عالمها الجديد، ويتم انتقالها إليه في [يوم القيامة] كـما سماه القرآن الكريم. وهو إحدى الحلقات الرئيسية في التخطيط الكوني العام. ومن ثم نرى أن الحوادث المزيلة للبشرية عن وجه الأرض حوادث كونية قسرية، نسمعها مشروحة في عدد كبير من آيات القرآن الكريم، شأنها في ذلك شأن الحلقات الكونية الأخرى.
وبذلك ينتهي التخطيط البشري العام تماما، ويبقى التخطيط الكوني ساري المفعول، ما دام للكون وجود[[479]].
الاطروحة الثانية: ان البشرية بعد ان تَحقق غرضها الأعلى، تبدأ بالتسافل مرة أخرى، ويبدأ الظلم والفساد يشيع فيها بالتدريج... حتى يأتي عصر من العصور يوجد فيه جيل أشبه بالحيوان منهم بالانسان، عقائديا وتشريعيا ومفاهيميا، وهو الجيل الذي تقوم عليه [القيامة] وتنتهي به البشرية.
ولا نريد الآن المفاضلة بين هاتين الاطروحتين، ولعل فيما يأتي من التفاصيل ما يدل على ذلك.
والمهم الآن ان نلتفت إلى أن كلا هاتين الاطروحتين يحتاجان إلى تخطيط معين... يكون هو التخطيط الأخير في عمر البشرية، وهو القسم السادس من التخطيطات البشرية. ولكنه - طبقا للاطروحة الثانية - سوف لن يستهدف تكامل البشرية، بل سوف يستهدف تسافلها وفسادها. ولكنه سوف يحافظ على صفته السابقة طبقا للاطروحة الأولى.
-10-
فهذا هو الاجمالي العام لتاريخ البشرية، كـما يعطيه المخطط العام لتكاملها. وقد عرفنا لها عددا من التخطيطات، ستة منها مترتبة وبعضها متعاصرة، نذكرها الآن جميعا، كـما يلي:
أولا: التخطيط العام لتكامل البشرية. وهو العنوان العام لعدة أقسام من التخطيطات، يبدأ بوجود البشرية وينتهي بانتهائها طبقا للاطروحة الأولى التي ذكرناها قبل أسطر، أو ينتهي بانتهاء عصر المجتمع المعصوم، طبقا للاطروحة الثانية.
ثانيا: التخطيط الساري المفعول في عصر التخلف الذهني لاخراج البشرية إلى مستوى التفكـير والوعي، وهو يبدأ بأول البشرية وينتهي بانتهاء عصر التفكـير.
ثالثا: التخطيط العام لايجاد اليوم الموعود، وهو العنوان الذي يشمل عدة أقسام من التخطيط تستهدف وجود دولة العدل العالمية، يبدأ بأول عصر التفكـير وينتهي بوجود تلك الدولة.
رابعا: التخطيط لايجاد الشرط الأول لتلك الدولة، وهو المستوى الذهني الكافي لفهم الاطروحة العادلة الكاملة. يبدأ بأول عصر التفكير وينتهي بوجود تلك الاطروحة، أعني أول عصر الاسلام.
خامسا: التخطيط لايجاد دولة الحق. وهو العنوان الشامل للتخطيط لايجاد الشرطين الثاني والثالث اللذين عرفناهما لدولة الحق. يبدأ بأول عصر الاسلام، وينتهي بوجود دولة الحق والعدل.
سادسا: التخطيط لايجاد الشرط الثاني، أعني القيادة العالمية المعصومة. يبدأ بميلاد هذا القائد - طبقا للفهم الامامي - وينتهي بوجود دولة العدل.
سابعا: التخطيط لايجاد الشرط الثالث، وهو إيجاد العدد الكافي في الجيش المؤازر لذلك القائد، وهو يبدأ بأول عصر الاسلام وينتهي بوجود تلك الدولة.
ثامنا: التخطيط لترسيخ فكرة الغيبة في أذهان الناس - طبقا للفهم الامامي -. وهو ما تمّ خلال الغيبة الصغرى، على ما عرفنا في تاريخها.
تاسعا: التخطيط للسيطرة على العالم، خلال فترة غزو العالم عسكريا وعقائديا، من قِبل المهدي D وجيشه، ويستفاد من بعض الاحاديث ان مدته ثمانية أشهر، كـما سبق في [تاريخ ما بعد الظهور][[480]]. يبدأ بيوم الظهور وينتهي مع السيطرة التامة على العالم.
عاشرا: التخطيط لايجاد المجتمع المعصوم. وهو الذي تقوم به الدولة العالمية، كـما عرفنا، يبدأ بأول تأسيسها، وينتهي بوجود ذلك المجتمع.
حادي عشر: التخطيط للمحافظة على المجتمع المعصوم لكي يؤدي غرضه، طبقا للهدف البشري والهدف الكوني، على ما سنشير اليه خلال التفاصيل الآتية.
ثاني عشر: التخطيط الساري المفعول بعد انتهاء عصر العصمة، وهو يستهدف تكامل البشرية طبقا للاطروحة الأولى، أو تسافلها طبقا للاطروحة الثانية، ذينك الاطروحتين اللتين ذكرناهما قبل قليل.
والتخطيطات الستة المترتبة التي لا يبدأ أحدها إلا بانتهاء الآخر، والتي تتكفل استيعاب تاريخ البشرية هي الثاني والرابع والخامس والعاشر والحادي عشر والثاني عشر. واما الأول والثالث، فهما عناوين عامة لعدة تخطيطات. كـما ان السادس والسابع هما تفاصيل للخامس. وأما الثامن والتاسع فهما تخطيطات لفترة صغيرة من الزمن، بحيث يمكن اهمالها عند النظر العام. على انهما معا يمكن ادراجهما في التخطيط الخامس، فلا تبقى هذه الفترات الصغيرة خالية عن التخطيط الواسع أيضا.
يندرج تحت الأول كل التخطيطات المتأخرة عنه، لو صحت الاطروحة الأولى والسابقة، أو ما دون الأخير لو صحت الثانية. ويندرح تحت الثالث التخطيطات الخمسة أو الستة المتأخرة عنه، أعني من الرابع إلى الثامن أو التاسع... ومن هنا اكتسب أهمية كبرى بصفته اعدادا لدولة العدل العالمية، ولا زلنا نعيش من خلاله في عصورنا الحاضرة، وقد أكدنا عليه في [تاريخ الغيبة الكبرى] كما أكدنا على التخطيطات الأخيرة في تاريخ ما بعد الظهور.
ومن هنا لا حاجة إلى ان ندخل في نفس التفاصيل التي كنا ذكرناها هناك، بل يكفي اطلاع القارىء على الكتابين السابقين، وإنما نذكر ذلك بعض المختصرات في حدود ارتباط الفكرة وعدم تنافرها أو تناثرها، وندخل في التفاصيل من زوايا جديدة، كـما لا يخفى على من تجشم عناء المقارنة.
سنقتصر في العناوين الآتية على عنونة التخطيطات الستة المترتبة، فانه الاحجى في ضبط تسلسل التاريخ البشري واستيعابه، وتعرف ضمنا تفاصيل التخطيطات الستة الأخرى. وسيكون الترقيم الآتي للتخطيطات مختلفا عن القائمة التي أعطيناها أخيرا، إذ لا أهمية في الترقيم، وإنما الأهمية في واقع التخطيط بصفته اعدادا للهدف الأسمى للبشرية.

التخطيط الأول
المنتج للوعي والتفكير

-1-
بعد أن برهنا على مرور البشرية في أول عهدها من الوجود، بعصر ما قبل الوعي أو عصر القصور الذهني، كـما سميناه... وانه لا بد لها - وهي في طريقها إلى التكامل - ان تجتاز هذه المرحلة إلى التي بعدها، بفعل أسباب معينة وتخطيط خاص، تنتج فيها - من حيث لا تعلم - تلك النتيجة المهمة.

-2-
لا ينبغي ان ننزل بالانسان - في أحط درجاته - عن الحيوانات الذكية التي نشاهدها في عالم اليوم، بل هو - بكل تأكيد - أذكى الحيوانات على الاطلاق، بدليل انه استطاع ان يجتاز قصوره الذهني إلى مرحلة التفكير، بمعنى انه كان يتصف بقابلية تكون التفكير فيه دون سائر الحيوانات، حيث لم تستطع تجاوز قصورها الذهني بأي حال.
ومن هذا المنطلق، يسهل تحديد خصائصه الأولية...
فان الحيوانات تأكل وتشرب، وتعرف عادة أماكن طعامها وشرابها والبيئة التي ترتاح فيها، وتقوم بالفعاليات الجنسية والولادة والارضاع، ويدافع الذكر منها عن الانثى. وبعض الحيوانات التي يعيش في جماعات، كالنمل والقردة والفيلة وبعض الطيور. ويختص بعض الأنواع الذكية، بقضاء حاجة بعض أفراد أنواعها، وقد تشاطر الانسان عاطفة الحب، وتستطيع ان تتعرف على بعض أفراده. وقد تقوم ببعض التجارب البسيطة، كاختبار صلاحية الأرض أو المناخ للبيض أو التفريخ.
كـما ان لأكثر الحيوانات بيوتا تأوي إليها على مختلف أشكالها... بما فيها الطيور وبعض الوحوش وبعض الحشرات وبعض الحيوانات المائية. كـما ان بعضها يكوّن الأسرة وخاصة الثدييات من الحيوان، وبعض الطيور.
وان ارتباط الأم بصغارها بالدرجة الأولى، وارتباط الزوج بزوجته بالدرجة الثانية، وهي زوجة لفترة معينة غالبا، هذا الارتباط واضح في الأسر الحيوانية. وهو يدافع عن متعلقيه في صراعات فردية متفرقة، كـما يدافع أيضا عن غذائه، ويهتم بعض الحيوانات به اهتماما خاصا، كالنمل وغيره.
ومهما يكن تفسير هذه التصرفات، فهي واقع لا مناص منه في حياة الحيوان، وقد اختلفوا في انه ناتج عن مجرد الغريزة أو عن درجة من درجات الادراك، أو هي مجرد رد فعل منعكس شرطي للمنبهات الطبيعية، والدخول في تفاصيل ذلك يخرجنا عما نحن بصدده.
ولكننا نقول باقتضاب: ان الصحيح هو الاحتمال الثاني، وهو مجرد الادراك الضعيف لدى الحيوان، لفشل النظريتين الآخريتين، وعدم إمكان تفسير كل تصرفات الحيوان إلا بالادراك.
اما نظرية الفعل المنعكس، فلا تصح باعتبار أن عددا من تصرفات الحيوان معقدة إلى درجة لا يمكن انطباق هذا المجال الضيق عليها. كـما ان احتمالات رد الفعل تجاه حادثة معينة قد تكون متعددة، فلو ضربت كلبا أو قطة أو طيرا بحجر، لم تستطع ان تتنبأ بالمكان الذي سوف يلجأ إليه. وهذا يدل على وجود درجة من الادراك و[الحرية] لديه، بدرجة ما.
كـما ان الغريزة وحدها غير كافية للتفسير، فانها عبارة عن الحاجة، وهي ليس لها أي إدراك لو بقيت وذاتها. وقد قيل: ان الغريزة لا عقل لها. ففراغ المعدة لا يدل صاحبها على ما يأكله، ولا على إسلوب الأكل، بل ولا يدله على أن هذا الالم يزول بملء المعدة. وجفاف الفم لا يدل صاحبه على ما يشربه ولا على مكان الشرب ولا حتى على زواله برطوبة الفم. إن كل هذه التفاصيل التي تقضي الحيوانات حاجاتها بها، ناشئة من الادراك، ولا معنى لنشئها من الغريزة، باعتبارها حاجة جسدية صرفة. فلو بقيت بعض الحاجات خالية عن الادراك، لقتلت صاحبها، كالجوع والعطش.
إذن، فيتعين ان يكون قضاء الحيوانات لحاجاتها الضرورية ناشئا من إدراك ضعيف، يكفيه لحفظ نفسه، وربما لعلاقاته بأسرته وببيئته وبالآخرين من نوعه وغير نوعه. كل ما في الأمر انه إدراك ضعيف، وهو مختلف في الوضوح لدى الحيوان. ومن هنا يمكن القول: بأن أصوات الحيوان، هي [لغته] التي يقضي بها حاجاته البسيطة ويحدد بها علاقاته مع الآخرين ويعبر بها عن عواطفه المختلفة. كل ما في الأمر انها لغة ضعيفة وغير قابلة للتطوير.
ولعل هذا هو المراد من قوله عزّ من قائل: "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ... "، إذا كان المقوم الرئيسي أو أحد المقومات الرئيسية هو الجانب اللغوي، وعلى أي حال، فالنوع الحيواني لا يكون أمة أو بدرجة من الادراك أو مقدار معين من اللغة أو بهما معا.
... إننا لا ينبغي أن ننزل بالانسان - في أحط درجاته - عن هذا المستوى كما قلنا. إذن، فكل هذه الخصائص والظواهر، كانت متوفرة فيه، وربما بشكل أقوى وأوضح.
-3-
ولكنه على أي حال، يختلف عن الحيوانات الأخرى، اختلافات أساسية تجعله أهم، بكل تأكيد، وذلك في عدة خصائص:
الأولى: ان خصائصه المشتركة مع الحيوان قابلة للتطوير، بدليل حصول التطوير فيها، كـما أشرنا، وليس كذلك في سائر الحيوانات.
الثانية: تمتعه بدرجة واضحة من قوة الذاكرة غير موجودة عند سائر الحيوانات، فان الذاكرة لا تكاد تكون متوفرة في الحيوان إلا على أضيق الحدود، حتى يمكن القول بأنها أضعف صفاته، بخلافها في الانسان فانها من صفاته القوية الواضحة.
الثالثة: ان أصواته التي يستطيع التلفظ بها غير محددة بعدد معين، كالحيوان... بل يستطيع أن ينطق بطائفة كبيرة من الأصوات، ويعبر بها عن حاجاته الضرورية، تبعا للاسلوب الحيواني العام الذي أشرنا إليه.
الرابعة: ان حياته خالية مما نستطيع أن نسميه بـ[التحديد الغرائزي]، كالسبات في بعض الفصول، أو الاستطاعة الجنسية مرتين في العام، ونحو ذلك. إنه حرّ في تصرفاته.
الخامسة: انه يتميز بقوة في العاطفة واهتمام بها، أكثر من الحيوان، ويستعمل ذاكرته في تذكر عواطف سابقة.
السادسة: إنه قادر على حركات جسمية أكثر من الحيوان، في مفاصله وعضلاته، من أوضحها الضحك والبكاء وحركات اليد والوجه.
السابعة: قابليته للافادة من التجارب البسيطة بالتدريج البسيط أيضا، ومحاولة تذكر ما عاشه من حياة وحوادث سابقة.
فكل هذه المميزات، وغيرها، هي التي ساعدته بشكل أكيد، على النمو والتكامل باتجاه الوعي والتفكير.
وقد وجدت هذه الصفات في الانسان - من زاوية فهمنا التخطيطي - نتيجة للتخطيط الكوني، فهي واقعة في طريق أهدافه، بطبيعة الحال. كـما ان نتائجها وهو التطور إلى الوعي فما بعده، واقع في هذا الطريق أيضا.
وقد أصبحت هذه الصفات، النقاط الأساسية الأولى للتخطيط العام للبشر ابتداءا من تخطيطها الأول الذي نتحدث عنه الآن، فما بعده، فانها هي التي جعلت فيه قابلية التطور دون سائر الحيوان. وهذا أحد نقاط الارتباط بين التخطيطين الكوني والبشري اللذين عرفناهما.
-4-
لا حاجة لنا إلى التعرض إلى إسلوب الحياة للانسان الأول، وطريقة معيشته، في تلك الفترة... وهل انه كان يعيش على الأشجار - كـما سمعنا من انجلز - أو في الكهوف أو في أماكن أخرى، أو أن أساليبه كانت تختلف باختلاف مستواه من ناحية وبيئته من ناحية أخرى.
إنما المهم ان الانسان استطاع بخصائصه تلك أن يستفيد من تجاربه تدريجا، فيحاول ان يحمي نفسه من الحيوانات المعتدية، ومن الطوارىء الطبيعيه، وأن يقتل الحيوان، وأن يلتفت إلى نمو الأشجار، وان تزداد أصواته وتعابيره تعقيدا حتى تكوّنت له بلغة بدائية، فاستطاع بها ان ينقل أفكاره وتجاربه إلى الآخرين. وبذلك استطاع ان يدخل عصر التفكير، ويكون المجتمعات الواعية.
وليس لنا ان نعطي تاريخا معينا حديا لوجود الوعي، لانه وجد بالتدريج البطيء ولعل تكون الوجود اللغوي لأول مرة، هو أول دليل مباشر على وجود التفكير.
كـما اننا لا حاجة لنا إلى افتراض ان هذا التدرج البطيء احتاج إلى ملايين السنين، كـما يميل إليه أنصار الفكر الحديث عموما. بل يمكن القول بأن خصائص الانسانية التي عرفناها يمكن ان تمشي بهذا التدرج قدما بحيث لا يستغرق غير الاف قليلة من السنين، إذا أردنا التحفظ والاحتياط من جانب الكثرة. فان أردنا الاغراق قلنا انه يكفينا المليون من السنين. ولا حاجة إلى افتراض الملايين كثمانين أو مائة مليون سنة، كما تصرح به المصادر الحديثة.
وعلى أي حال، فهذا راجع إلى وجدان القارئ لا حاجة إلى البرهنة عليه، فان التخطيطات عموما غير محددة بزمن معين، كما هو معلوم، كما سارت عليه الماركسية في نظريتها، وإنما المهم هو نتائجها الأساسية، وهو حصول الوعي في المجتمع البشري نتيجة للتخطيط الأول الذي نتحدث عنه.
-5-
ومما قلناه يتضح ان الأساليب المتخذة في التخطيط الأول، ليست إلا إيكال الانسان إلى تجاربه الحياتية، بعد وجود تلك الخصائص الأساسية فيه. فان هذا الاسلوب كاف في إخراجه إلى صفة الوعي ورفع القصور عنه.
ومن هنا، لا حاجة إلى افتراض عناصر أخرى في هذا التخطيط، كوجود نبوّات الهية على المستوى البسيط المناسب مع ذلك العصر، كما يميل اليه بعض الباحثين الاسلاميين، فان ذلك وان كان محتملا فعلا، إلا انه لا دليل عليه من ناحية قاعدة اللطف العقلية، التي يستدل بها عادة لوجوب إرسال الأنبياء، لعدم وقوع الاختلافات العامة في ذلك المجتمع، تلك الاختلافات التي توجب إرسال الأنبياء طبقا لتلك القاعدة.
كما انه لا دليل على هذه النبوات من زاوية التخطيط، فان تأثيرها إنما يكون في الاسراع بانتاج التخطيط لهدفه، وهو حصول الوعي، وهذه السرعة لا دليل على كونها مطلوبة في الأهداف العامة التي سنها الخالق في كونه وبشريته، فانه طويل الأناة لا يختلف بالنسبة اليه طول الزمان وقصره.
-6-
لا يفرق في النمو البشري طبقا لهذا التخطيط، بين جماعات البشر أو أفرادهم، وان تفرقت الجماعات في اماكن متباعدة فان البشرية وجدت وجودا واحدا، فهي تنمو نموا واحدا، اذن، فهي سوف تواجه النتائج في زمن تقريبي واحد. وسنعرف ان هذا صادق على التخطيطات الأخرى جميعا.
ومن هنا سوف لن نواجه الإشكال الذي واجهته الماركسية، بان حلقات التطور تختلف في مجتمع عن مجتمع آخر، وقد لا توجد على الاطلاق، حتى ان أناسا بدائيين لا زالوا موجودين إلى العصر الحاضر، فلماذا لم تشملهم قوانين الماركسيين الضرورية الانتاج والقسرية التأثير؟!...
إن هذا التخطيط سرى في البشرية كلها، وأخرجها جميعا من القصور إلى الوعي، ولا يوجد الآن ولم يكن يوجد في عصورنا الماضية هذه [الحلقة المفقودة] وهي الانسان القاصر، إلا إذا كان قاصرا بصفته الفردية.
نعم، اختلاف الجماعات وتباعد أمكنتها، يؤثر في إسلوب هذا الوعي الجديد، فاللغة قد تختلف وإسلوب السكنى والمأكل والعلاقات قد تتعدد، إلا ان النتيجة المتوخاة، وهي الوعي أو القدرة على التفكير أصبحت صفة للجميع.
-7-
من هنا نعرف ان قدرات الانسان وصفاته الذاتية استطاعت أن تنمو بتفاعلها مع الطبيعة، بدون أن يكون لوسائل الانتاج أثر مهم في ذلك، غير كونها كأحد العناصر الأخرى التي تؤثر في التجربة البشرية عموما.
وبطبيعة الحال، لم يكن هناك بين الأفراد علاقات إنتاج معينة، وإنما كانت أساليب الانتاج فردية وبدائية، والعلاقات الاجتماعية واللغوية غير موجودة، فمن غير المستطاع للماركسية أن تدعي أن علاقات الانتاج هي التي طورت المجتمع أو الناس. وهي - في عين الوقت- لا يمكنها ان تدعي ان وسائل الانتاج تؤثر مباشرة في التطور. فانها إنما تؤثر -في رأي الماركسية- عن طريق علاقات الانتاج. فإذا كانت علاقات الانتاج منعدمة كانت وسائل الانتاج منعدمة التأثير.
وقد عرفنا الاسلوب الماركسي التجريدي في عرض التاريخ البشري... وقد سبق ان ناقشناه. واما ما ذكرناه خلال هذا التخطيط فواضح مبرهن، لان الصفات التي يتميز بها الانسان عن الحيوان نحس بها وجدانا، وأما إنتاجها للوعي نتيجة للتفاعل مع الطبيعة فواضح أيضا، لم ندع في هذا التخطيط أمرا خارجا عن الوجدان. وإنما لم ندخل في تفاصيل حياة هذا الانسان القديم تجنبا لإسلوب التجريد.
وقد سمعنا من انجلز عند الحديث عن مرحلة [ما قبل المجتمعات] انه ينسب تطور البشر في ذلك الحيـن إلى [العمل]. ونحن نستطيع ان نوافقه بعض الشيء فان العمل يمثل طائفة كبيرة من التجارب التي سببت نمو الانسان، لا ان للعمل تأثيرا مجهولا و[ميتافيزيقيا] في هذا النمو.
وإذا كان سبب النمو هو التجربة، لم ينحصر بالعمل، بل تعمل كثير من الظواهر الطبيعية وعدد كبير من الصدف وكذلك مشاهدة تجارب الآخرين وأعمالهم، في صقل هذه التجارب وتعميقها بالتدريج البطيء.

التخطيط الثاني
المنتج للمستوى الفكري العالي
-1-
حينما بدأ الوعي يدب في الجماعة البشرية، أصبحوا قادرين على التفكـير ومن ثم على تطوير حياتهم بشكل مهم وكبير... فوجدت اللغة والمجتمع وبدأت التقاليد والعادات تأخذ طريقها إلى الناس.
وبدأ الناس يشعرون بأهمية مصالحهم الخاصة وما يحوزونه من أموال على وجـه الخصوص، وبأهمية الأسرة بشكل أكيد، واعتبروا الاعتداء على هذه الأمور شيئا غير صحيح يستحق القتال دونه، ومن هنا حصلت الاختلافات الدموية والحروب الجماعية الصغيرة.
وبدأ الانسان يلتفت بالتدريج إلى التجارب الزراعية والصناعية البدائية. فأشعل النار ومارس الزراعة والصيد وصنع السلاح.
-2-
وليس في هذه الصفات ما يهمنا، وان أهمت الانسان القديم، فيما عدا أمرين:
الأمر الأول: ان هذه الخصائص الاجتماعية التي استطاع أن يكسبها الانسان ناشئة من الفكر، وليس العكس صحيحا. إذ لو كان الفكر ناشئا عنها لأمكن وجودها في مرحلة أسبق من عصر وجودها الحالي. في أي فترة من عصر القصور الذهني... فلماذا لم توجد؟، ولو كان وجودها منوطا بمجرد الصدف أو الأفعال المنعكسة، لكان لملايين السنين التي مرّ بها الانسان - حسب التصور الحديث - الأثر الكبير في وجودها قبل زمن وجودها الفعلي بزمن غير قصير، فلماذا لم توجد؟!...
إن الأمر - بكل بساطة - يحتاج إلى أن [يستوعب] الانسان مضمون تجاربه بدقة كافية، بحيث يستطيع ان يفيد منها نفسه والآخرين، وهذا الاستيعاب ليس إلا الفكر بدرجته البدائية.
الأمر الثاني: ان هذه الخصائص الجديدة، وبخاصة المستوى الفكري اللائق، مع ما أنتجته من الاضطرابات والحروب، قد جعلت الحياة جحيما لا يطاق، أو كادت، فأصبحت - كـما نطقت به الآية الكريمة - مثارا لضرورة إرسال الأنبياء لهداية الناس ورفع اختلافاتهم وزرع روح الأخوة بينهم. فكان لهذا العنصر المهم الأثر الكبير في إنجاح هذا التخطيط الثاني، ولا يكفي الآن - كما كان في التخطيط الأول - إيكال المجتمع إلى تجاربه الحياتية الخاصة لينتج التخطيط الثاني نتيجته[[481]].
-3-
وحيث ان التربية يجب أن تبدأ بالواقع، وتحاول الارتفاع به إلى المستوى المطلوب ولا يمكنها ان تبدأ من نقطة أعلى من الواقع، وإلا كانت فاشلة تماما، كـما لو ان طفلا صغيرا بدلا من ان تعلمه اللغة بدأت تعلمه الكتابة، أو أن طفلا أكبر منه، بدلا من أن تعلمه الكتابة بدأت تعلمه الجبر أو الفيزياء، انك ستبوء بالفشل الذريع لا محالة.
ومن هنا كانت النبوات تبدأ من الواقع وتحاول رفعه، ولهذا لا تحاول - بادىء ذي بدء - أن تعطي مضمونا أكبر منه. ومن هنا انقسمت النبوات إلى أربع مراحل:
أولا: مرحلة النبوات العقائدية أو المفهومية.
ثانيا: مرحلة النبوات التشريعية.
ثالثا: مرحلة النبوات القبلية.
رابعا: مرحلة النبوات العالمية.
وسنتحدث عن كل مرحلة على حدة، فنعرف - ضمنا - مستوى البشرية فيها، والمستوى الذي استطاعت الوصول إليه، والمستوى الذي أصبحت فيه نتيجة لمجموع النبوات.
-4-
المرحلة الأولى: مرحلة النبوات العقائدية:
إن المستوى الفكري الأول الذي وصلت إليه البشرية، باعتباره بسيطا وساذجا، لم يكن مناسبا - بأي حال - مع فهم القانون، بمعنى إطاعة الفرد للتشريع أو الأمر والنهي المتوجه إليه، فضلا عن أن يستطيع القانون ان يضبط الجوانب المهمة من حياة الفرد أو حياته كلها.
ومن هنا كان من المتعذر على النبوات، وهي الاسلوب الأساسي لتربية البشرية أن تبدأ باعلان التشريعات، وإنما بدأت - بطبيعة الحال - بالتزريق التدريجي لأمرين مهمين:
الأمر الأول: بثّ الروح العقائدية بمعنى اعطاء صورة محددة، بالرغم من اختصارها وسذاجتها عن وجود خالق الكون وأفعاله المهمة في الكون وإمكان مخاطبته للبشر عن طريق الأنبياء والمرسلين.
ولا شك ان هذا المستوى، كان يتعمق بالتدريج، فكلما فهم الناس من الأنبياء الاوائل معطياتهم جاء الأنبياء المتأخرون، بمستوى أعمق بقليل... حتى انتهت هذه الفترة.
الأمر الثاني: بثّ الروح الأخلاقية، بالدرجة البسيطة المناسبة... حيث كان يحاول رفع الاختلافات ببثّ مفاهيم الأخوة والمجاملة مع الآخرين من ناحية، وتعويد الناس على إطاعة كبرائهم وموجهيهم من ناحية أخرى. وبذلك وجدت النواة الأولى لفهم التشريع، الذي ساعد على الدخول في مرحلة النبوات الثانية.
وقد ساعد بثّ هذين الأمرين على السير قدما في إنجاح التخطيط ورفع مستوى البشرية عموما، بما فيهم المؤمنين بهذه النبوات والمنكرين لها. فان مجرد الالتفات إلى هذه المعاني والجدل حولها يكفي في رفع الوعي، واما الايمان بها، فهو يعني الانسجام العاطفي مع الأهداف الايمانية العليا، مضافا إلى ارتفاع مستوى الوعي. وهذا معنى ما أكدنا عليه في [تاريخ الغيبة الكبرى] من أن الفرد يسير في التخطيط - من حيث لا يعلم - سواء كان منسجما معه عاطفيا أو متنافرا معه. وقد برهنا على ذلك في مقدمات هذا البحث.
-5-
ولنا أن نتساءل عما إذا كان بين حصول صفة الوعي والتفكير وبين إرسال النبوات فترة مهمة أو لا. وقد تسمى بفترة [ما قبل النبوات].
وقد تعطى لذلك عدة مبررات، إنطلاقا من فكرة كون النبوات التي نتحدث عنها نبوات واعية يحتاج استيعابها إلى درجة معقولة وكافية من التفكـير. وليست كالنبوات الي يحتمل وجودها في عصر القصور الذهني. ومن هنا تعطى المبررات التالية لوجود الفترة المشار إليها:
المبرر الأول: ان اللغة الكافية لا توجد بين عشية وضحاها، بل يحتاح وجودها إلى مرور حقبة من الزمن - بعد حصول التفكير - لكي تستقيم جملها وتتماسك مفاهيمها. ومن المعلوم ان هذه النبوات الواعية تحتاج في تبليغها إلى لغة كافية، ولا تصح بدون ذلك، ومعه فمن الضروري افتراض تأخرها إلى حـين نضج اللغة.
المبرر الثاني: ان النبوات أرسلت لأجل فض النزاع ورفع الاختلافات ولا بد أن تكون هذه الاختلافات المهمة أوسع من الخلافات والصراعات الفردية، وإلا فهي موجودة قبل عصر الوعي، وبين الحيوان أيضا. ومن المعلوم ان وجود الاختلافات الجماعية يحتاج إلى مرحلة من التفكـير ولا يكفي فيه مجرد وجوده الضئيل. إذن، فقد تأخرت النبوات إلى ان حصلت تلك المرتبة من التفكير وأوجدت الخلافات الجماعية.
المبرر الثالث: ان البشرية تحتاج قبل النبوات، إلى الالتفات إلى أهمية المسألة الدينية وقضية وجود الخالق القدير عموما وقد لا يكون المجتمع القاصر ملتفتا إلى هذه المسألة أصلا، ولا شاعرا بأهميتها، بأن التفكـير الضئيل أيضا قد لا يوصل إلى الشعور الحقيقي بذلك. وإنما يحتاج حصوله إلى صعود التفكـير إلى حد ما.
ومن هنا لا بد من القول بتأخر النبوات إلى حين حصول تلك المرتبة من التفكـير.
إلا ان هذه المبررات جميعا لا تخلو من الخدشة، ولا حاجة بنا إلى نقدها تفصيلا، وحسبنا ان نعرف ان كل نبوة لا ترسل إلا بالشكل المناسب مع مجتمعها، ويمكننا ان نتصور لكل مستوى فكري درجة من درجات النبوة مناسبة له. ومعه لا تكون هذه المبررات دليلا على وجود فترة [ما قبل النبوات]، إذن، فهذه الفترة لا دليل على وجودها.
ولنا مع الماركسية بهذا الصدد كلمتان:
الكلمة الأولى: ان الماركسية اعترفت بوجود الدين والأخلاق خلال المجتمعات البشرية الأولى، كـما سمعنا، وهي مصيبة في ذلك. وقد عرفنا الآن السبب الحقيقي لوجوده. وليس هو وسائل الانتاج ولا علاقاته، كـما أرادت الماركسية ان تقول.
الكلمة الثانية: اننا نستطيع الآن ان ندرك بوضوح وان نبرهن على عدم وجود المجتمع الشيوعي البدائي على الاطلاق.
إذ ان الماركسية اما ان تقول بوجوده قبل مرحلة التفكير، واما ان تقول بوجوده بعدها. فان قالت بوجوده بعد عصر التفكـير - كـما هو واضح من كلماتهم بوجود اللغة والمجتمع في ذلك العصر -، فقد عرفنا ان وجود التفكير كان مقترنا مع وجود الاختلافات والنزاعات، وكلما ازداد التفكير وتعمق ازداد الخلاف وتعمق، ولا يمكن أن يكون المجتمع الواعي القديم متعاطفا، كـما تصورته الماركسية.
نعم، قد يكون للهداية المستفادة من خط الأنبياء أعظم الأثر في التعاون والتكافل، إلا ان ذلك لا يعني كونه عادة شائعة، لوضوح وجود نسبة غير قليلة في كل مجتمع كافر بالنبوات. كـما ان الماركسية لا يمكنها ان توافق على هذا المنشأ، مما يضطرها إلى الاعتراف بوجود الخلاف غير القابل للحل، في ذلك العصر.
وان قالت الماركسية بوجود عصر الشيوعية البدائية، قبل مرحلة الوعي... وقد ترى ان عصر الرق بدأ بمرحلة التفكير باعتباره عصر التشاحن والسيطرة. إلا ان هذا لا يصح أيضا، لما عرفناه من ان المجتمع القاصر، خال من اللغة الكافية ومن التجمعات الكبيرة المسماة بالمجتمع، وقليل الاهتمام بمصالح عامة أو بمصالح الآخرين، فهو لا يدركها أو لا يدرك أهميتها، ومعه كيف يفترض ان هناك مجتمعا قائما على التعاون في الحياة الاقتصادية، بشكل كبير ومستمر.
فان قالت الماركسية: ان المؤرخين - بما فيهم مورغان - قد وجدوا مجتمعات موجودة إلى العصر الحاضر تعيش عصر الشيوعية البدائية، وهو دليل على وجوده القديم.
أقول: انه بغض النظر عن قيمة أقوال مورغان، من الناحية التاريخية، فان هذا مما سبق ان انتهينا منه... من المحتمل ان يكون التعاون الاقتصادي البدائي قد وجد في هذه المجتمعات بشكل متأخر، وليست صفة تمتد إلى أول عهدها بالوجود. مضافا إلى ان وجود مجتمع بهذا الشكل، لا يعني ان البشرية كلها كانت كذلك. وإلا فلماذا تطورت البشرية من دون هذا المجتمع المسكيـن.
هذا وقد كان تعدد المجتمعات البشرية عائقا مهما دون تطبيق النظرية الماركسية، إذ قد تكون مرحلة معينة بدأت في هذا المجتمع بمستوى معين من وسائل الانتاج، وبدأت نفس المرحلة في مجتمع آخر منها. تماما كالمجتمع الاشتراكي الذي بدأ في الاتحاد السوفييتي في عصر المانيفكتورة ولم يبدأ في فرنسا أو بريطانيا مع عصر الذرة.
كـما ان بعض المجتمعات قد يطول مدى بقائها في مرحلة معينة، في حين يقصر ذلك في مجتمعات أخرى. كـما قد لا تمر بعض المجتمعات بفترات تاريخية معينة، كـما سمعنا في ما سبق.
وكل هذه الايرادات غير واردة على الفهم التخطيطي للبشرية، فان التخطيط متجه إلى توازيها في النمو والتكامل مهما تعددت مجتمعاتها، فهي جميعا تمر بنفس المراحل وفي نفس الوقت.
والسبب في ذلك - بكل بساطة، في حدود المجتمع الذي نتحدث عنه -، هو وجود نبوات متعددة ذات مضمون واحد وهدف مشترك في عدد من المجتمعات البشرية في ذلك العصر، أو في أهمها على أقل تقدير، بحيث تكون النتائج متشابهة إلى حد كبير، وهذا التشابه قد لا يدركه إلا الخالق المخطط نفسه، وأما البشرية فلا تعيش إلا تطبيقاته، وهي لا تدرك حتى معنى هذا التطبيق.
-7-
المرحلة الثانية: مرحلة النبوات التشريعية:
أنتج خط الأنبياء السابق عدة نتائج مهمة:
النتيجة الأولى: الاعتياد على فكرة النبوة ومواجهة الأنبياء. فقد أصبح هذا الخط مشروعا ومفهوما للمؤمنين به والمتمردين عليه على السواء.
النتيجة الثانية: الاعتياد على الأفكار المعطاة من قبل هؤلاء الأنبياء، مما ييسر لهم فهم الأفكار الجديدة التي يجيء بها الأنبياء في هذه المرحلة الثانية.
النتيجة الثالثة: الاعتياد على تلقي الأوامر والنواهي، من الأنبياء خاصة ومن زعماء القبائل وكبراء الأسرة ونحوهم... مما ييسر لهم فكرة تلقي الأوامر والنواهي من قبل الله عن طريق الأنبياء.
وبالرغم من هذه النتائج، فان خط الظلم والانحراف كان قويا جدا، نتيجة لعدة عوامل أهمها المصالح الشخصية والضغط القبلي، مما أوجد نسبة عليا من المعارضين لخط الأنبياء في المجتمع. إلا ان المستوى المطلوب في التخطيط كان شاملا لهم جميعا.
-8-
كان أول من باشر تبليغ الأوامر والنواهي الحدّية - على ما نعلم -، لكن بشكل محدود، وأعطى فكرة عن الثواب والعقاب على الأعمال، هو النبي نوح عليه السلام، كما سمعنا، وان كان أغلب ما وعد به من الثواب هو ثواب دنيوي، كما هو غير خفي لمن راجع كلامه المنقول في القرآن الكريم.
ومن هنا يكون من المستطاع القول ان المرحلة الأولى للنبوات انتهت قبل الطوفان، وقد افتتح النبي نوح D، المرحلة الثانية قبل الطوفان أيضا. حتى ما إذا ووجه بالتكذيب والمعارضة، كان العقاب الدنيوي العاجل متمثلا بالطوفان.
ومن الواضح ان الاقتصار على بيان الثواب الدنيوي والتهديد بالعقاب الدنيوي، وعدم التعرض إلى الآخرة إلا بشيء قليل، يرجع إلى عدم قابلية الفكر البشري في ذلك العصر على استيعاب فكرة الآخرة والمعاد.
وكان الطوفان هو الضربة القوية التي يبقى صداها خلال عدد كبير من الأجيال، يَرن في آذان من تسول له نفسه الكفر والظلم، وبالتالي التمرد على التكامل وأهدافه. ومن هنا نعرف أثره الضخم في التخطيط والتربية البشرية.
ان عالمية النبوة لم تكن معلنة بطبيعة الحال، ولكنها كانت مطبقة. فنوح D نبي عالمي من الناحية العملية، بالرغم من توسع البشرية وتباعد مجتمعاتها، استطاع نوح ان يبلغ بصوته ودعوته إلى أكبر عدد ممكن من البشر، إما بواسطة وكلاء مؤمنين كانوا له، واما مباشرة، خلال عمره الطويل.
والمظنون ان شريعة نوح بقيت هي الأساس الرئيسي التي ينطلق منها الأنبياء في دعواتهم خلال الأجيال اللاحقة، إلى بدء دعوة النبي موسى بن عمران عليه السلام، وكان أشهر من وقع خلال هذه الفترة هو النبي إبراهيم الخليل عليه السلام. ولم تعرف عنه شريعة رئيسية جديدة[[482]]، وإنما كانت دعوته مركزة حول أمور عقائدية وتطبيقية، حيث ناسب مستوى الفكر البشري في عصره ان يقوم بتعميق عقيدة التوحيد والعدل الالهية، واستطاع ان يقدم أمثلة واضحة ومشهورة من نكران الذات والتضحية من ناحية، وان يقوم بأول خطوة رئيسية يجمع الناس من أجل الاستجابة لصوت الدين، وذلك خلال موسم الحج الذي دعى إليه، وهو فكرة كبيرة وجدت لأول مرة في تاريخ دعوات الأنبياء.
كـما استطاع إبراهيم عليه السلام، أن يؤكد على العقيدة الأخروية أعني الثواب والعقاب في الآخرة أكثر من ذي قبل، إلى حد ما، وان بقي الجانب الأكبر هو الثواب والعقاب الدنيويين.
وعلى أي حال، فقد استطاع إبراهيم عليه السلام، أن يغرس في البشرية جذور العقيدة الصالحة والعمل المثمر، ومن ثم قام بدوره في التخطيط الالهي خـير قيام.
-9-
ان مراحل الدعوة الالهية للانبياء عهدئذ، تعطي حقلا فارغا لشكل الحكم وللمستوى العقلي والحضاري الذي يمارسه كل مجتمع من الناحية [الدنيوية]. ومن هنا لا تكون لنا حاجة ماسة للتعرض إلى هذا الجا نب من التاريخ البشري، لولا الالماع إلى مناقشة الماركسية بهذا الصدد.
ان أقدم مصدر للتعرف على ذلك التاريخ هو العهد القديم أو التوراة بشكلها المتداول حاليا... وهي تدل على وجود حاكميات على نطاق واسع أو ضيق، في الشرق الأوسط وفي مصر. وهذا يدل - حسب المنطق الماركسي - على اجتياز عهد الشيوعية البدائية، ومن هنا أشرنا فيما سبق، ان ما ذكره انجلز من كون إبراهيم موجودا في العهد البدائي، أمر غير صحيح. كـما تدل على وجود ملكية كاملة للأموال، واهتمام الناس بها تماما كعصرنا الحاضر، وهذا دليل آخر، كـما سبق، على الخروج من العهد البدائي.
كـما تدل التوراة على وجود ملكية الانسان للانسان، واستخدامه له، ولكن هذا لا يعني ان البشرية كانت تتصف في ذلك الحين بما تسميه الماركسية بمجتمع الرق. إذ لا دليل على وجود الرق بنسبة عالية الاتصاف بتلك الصفة. على ان الاستخدام لا يكون دائما على أساس الملكية، كـما هو معلوم، بل قد يكون قائما على أساس آخر، كالفلاحة والنجارة والاستئجار، وغيرها.
والمظنون، ان الحالة الحضاريه أو المدنية - كـما عليه إلاصطلاح - مهما بدت لنا على البعد متشابهة، إلا انها كانت تختلف من بلد إلى بلد ومن حاكمية إلى حاكمية بحيث لا يمكننا أن نعطي صفات عامة محددة للبشرية من هذه الناحية، كـما حاولت الماركسية أن تعمل.
-10-
بقي هناك سؤال لا يخلو من شيء من الأهمية، وهو ان البشرية في ذلك الحين لم تكن منحصرة بالشرق الأوسط ومصر، بل كان هناك في أوروبا وأفريقيا بشر كثيرون، فهل شملتهم هذه النبوات أو لا، وإذا لم تشملهم فلماذا؟!...
والواقع ان التاريخ لا يستطيع ان يقدم لنا الدليل الكافي، على وجود بشر على نطاق واسع في وسط أوروبا ووسط أفريقيا وإستراليا وأمثالها فان كان هناك بشر فهم قليلون ومتخلفون إلى درجة يمكن اسقاطهم عن نظر الاعتبار حين نقول: ان [البشرية] قد وصلت إلى هذه المرحلة فكريا أو حضاريا، أو حين نقول: ان هذا نبي [عالمي].
كـما ان التاريخ لا يستطيع ان يقدم لنا الدليل على عدم وجود الأنبياء فيهم، على المستوى المناسب مع مستواهم العقلي والحضاري.
وبغض النظر عن ذلك، أي مع افتراض ان أوروبا وأفريقيا وغيرها مليئة بالبشرية وخالية من الأنبياء - وهو افتراض جدلي لا دليل عليه -... نقول:
إننا - كمفكرين مسلمين - اما ان ننطلق في اثبات ضرورة النبوات من قاعدة اللطف، التي هي الدليل التقليدي على ذلك، أو ننطلق إلى ذلك من التخطيط العام لتكامل البشرية.
فان انطلقنا من قاعدة اللطف، كان هذا الافتراض المشار إليه غير ممكن، اذ ان مقتضى اللطف الالهي وصول الدعوة الالهية إلى كل البشر بدون استثناء، بحيث لا يكون اثنان إلا كان أحدهما الحجة على صاحبه. ومن هنا يتعين الالتزام بوجود الأنبياء بين أولئك البشر. أو ان يسمح لنا المفكرون التقليديون بأن نعتبر بعد المسافة بين منطقة النبوات وبين أوروبا وأفريقيا عذرا كافيا عن تطبيق قاعدة اللطف. أو بتعبير آخر: ان نوح وإبراهيم H، بالرغم من عالمية دعوتهما في الواقع، كانا معذورين في عدم ايصال صوتيهما إلى تلك الأعماق لبعد المسافة واختلاف اللغة والتباين في المستوى الحضاري، حيث يتعذر نقل الدعوة بالأساليب القديمة السارية المفعول يومئذ، تعذرا تاما.
وان انطلقنا إلى ضرورة النبوات من التخطيط الالهي العام لتكامل البشرية. فهذا معناه: ان المقصود الرئيسي هو وجود المجتمع المعصوم في ربوع البشرية في المستقبل، وما تربية البشرية عن طريق الأنبياء إلا لأجل الاعداد لذلك، وقد عرفنا في مقدمات هذا القسم من الكتاب، ان كان سبب نافع في التخطيط لهذا الهدف فهو واقع لا محالة، وكل سبب غير منتج من هذه الناحية فهو زائل لا محالة، لاستحالة أن يحتوي التاريخ على ما هو لغو ومهمل من الناحية التخطيطية والواقعية.
إذا عرفنا ذلك هانت هذه المشكلة إلى حد كبير، بل لم يبق لها وجود على الاطلاق، إذ يكون افتراض وجود بشرية خالية عن الأنبياء أمرا باطلا، بعد التجاوز عن احتمال وجود الأنبياء فيها.
أولا: إن الغرض الأساسي من التخطيط هو إيجاد أكثرية نامية في البشرية كافية لان تتكفل مهمة [اليوم الموعود] على عاتقها، ولا يهم - بعد ذلك - وجود جماعة من البشر - وإن كانت كبيرة - خالية من التربية، أو انها ضعيفة ومتخلفة من هذه الناحية. ومن الواضح ان [منطقة النبوات] تحتوي عل مثل هذه البشرية الكافية لتكفل تلك المهمة الكبرى.
وخاصة إذا علمنا ان التخطيط العام قد أخذ تلك المناطق النائية بنظر الاعتبار، لكن لا في ذلك العصر بالذات، بل في المستقبل غير البعيد. إذ شملت دعوة النبوات تلك المناطق قبل عصر المسيح عليه السلام، وبقيت إلى العصر الحاضر. والمهم هو بلوغ الدعوة سواء كثر المؤمنون أو قلوا، كـما سبق أن برهنا عليه.
ثانيا: ان هناك احتمالا كافيا لدفع ذلك الإشكال. وهو ان وجود أوروبا واضرابها بدون أنبياء، أمر ذو مصلحة في التخطيط العام فعلا، فيكون - على هذا التقدير - أمرا ضروريا، وان أوروبا لا بد أن تكون خالية من الأنبياء.
والسبب في ذلك، ما ذكرناه من ضرورة وجود ظروف الظلم والتعسف خلال فترة طويلة من الزمن، لإنجاز التمحيص المنتج للشرط الثالث من شروط اليوم الموعود. وقد يكون من المقدر لأوروبا منذ ذلك العهد القديم ان تكون قائدة الظلم والتعسف في العالم، كـما كان الشرق قائد الهداية النبوية في العالم. ويكون الصراع بينهما - كـما هو المشاهد في عصورنا الحاضرة - منتجا لإنجاح التخطيط الالهي.
وإذا كان ذلك في مصلحة التخطيط كان ضروريا. غير أن اثبات هذا الاحتمال، منوط بالعلم الالهي وحده.
-11-
المرحلة الثالثة: النبوات القبلية:
ينبغي - في هذا الصدد - الالتفات إلى فكرتين:
الفكرة الأولى: انه يمكن إعتبار القبيلة والعالمية فكرتان مستقطبتان، بينهما درجة من التنافي، ويكون الشعور باحداهما تارة خالصا وأخرى وسطا إما بمعنى الشعور بأهمية العمل أوسع من القبيلة وأضيق من العالم [كالوطن مثلا]، وأما بمعنى الشعور بعدم التنافي بين مصلحة القبيلة ومصلحة العالم، أو بأي معنى آخر.
وقد مرت هاتان الفكرتان في التاريخ البشري على مراحل، بدأت بالقبيلة الخالصة وانتهت بالعالمية الخالصة. ففي العصر الذي نؤرخه كان الشعور قبليا خالصا، على حين لم يلتفت الرأي العام العالمي التفاتا [قانونيا] ولم يعره أهمية تنظيمية قبل القرن الحالي. وسنعرف متى أصبحت النبوات عالمية، قبل الرأي العام العالمي بمئات السنين.
وقد كانت النبوات إلى زمن إبراهيم عليه السلام، تتجنب الخوض في هذا الجدال، فهي لا تعلن أيا من الفكرتين. اما فكرة العالمية فلعدم تقبلها يومئذ، وأما فكرة القبلية، فباعتبار قيامها على اعتبارات ظالمة غير صحيحة فلم تكن هناك مصلحة لإبراز أي من الفكرتين.
ولكن تدريجا أصبح يتكون من بعض احفاد إبراهيم D [قبيلة مؤمنة] عاملة بتعاليم هذا النبي العظيم، غير قائمة على المظالم التي قامت عليها القبائل الأخرى. ومن هنا أمكن للنبوة ان تعلن القبيلة.
وقد تدرجت النبوات منذ ذلك الحين، ببطء شديد إلى [التجريد] والتوسع نحو الفكرة العالمية، بمعنى ان المعطى النبوي كان يتسع تدريجا، على ما سوف نرى، حتى وصل إلى إعلان العالمية الكاملة في عصر الاسلام.
الفكرة الثانية: إننا قلنا أن النبوات التربوية ينبغي لها ان تبدأ من الواقع وتحاول الارتفاع به، لا انها تبدأ من نطاق أوسع منه، فتكتب لنفسها الفشل المحتم.
وقد كان الواقع يومئذ قائـما على إدراك أن القبلية هي أحسن تنظيم اجتماعي يمكن القيام به لمصلحة المجموع، ومن ثم لم يكن في إمكان النبوات تغيير هذا الواقع بين عشية وضحاها. بل كانت بحاجة إلى مواكبة هذا الواقع ردحا من الزمن.
على أن إعلان النبي - أي نبي - لفكرة القبلية، ليس بمعنى جعل القبيلة شعارا ضد القبائل الأخرى. وإنما بمعنى انه ليس مكلفا بغير هداية قبيلته، ومهمته مقتصرة على ذلك، واما القبائل الأخرى فقد يوجد فيها أنبياء آخرون، بدون ان يكون هناك - من ناحية النبوة القبلية - أي داع عاطفي للنزاع بين القبائل... بل هناك داع إيماني للأخوة ولاجتماع القبائل كلها على الايمان.
والمظنون ان النبوة القبلية، استمرت بعد عهد إبراهيم D إلى بعث النبي موسى عليه السلام، حيث استطاع التقدم خطوة نحو العالمية.
ولعل أهم نبي قائم على الأساس القبلي في ذلك العصر، هو يعقوب عليه السلام، حفيد إبراهيم D، وجد بني إسرائيل، الأسرة التي استطاع يعقوب تربيتها ردحا من الزمن على روح الايمان، وقد كان لها في عصورها الأولى مشاركة في النبوات، كما ان لها في عصورها المتأخرة أكبر اليد في الظلم والطغيان البشري.
-12-
المرحلة الرابعة: النبوات العالمية:
تبدأ أول التفاتة عالمية - حسب ما نعرف - بالنبي موسى بن عمران عليه السلام.
فانه في واقع قصده ودعوته، نبي عالمي، ولكنه لم يشأ إعلان هذا المفهوم كشعار واضح، وإنما استطاع ان يخرج بنطاق دعوته من قبيلته وبلاده حيث أصبحت الفكرة العالمية - ولا أقل التوسع عن النطاق القبلي - أمرا مفهوما ومشروعا اجتماعيا.
فانه بالرغم من الزخم العاطفي القبلي الذي أكد عليه [عليه السلام]. في دعوته عند ابتدائها. وهو البدء ببني إسرائيل، وقد كانوا في ذلك الحـين الشعب المضطهد تحت الحكم الفرعوني الغاشم، وقد طالب فرعون باطلاق سراحهم من نير العبودية وجعل بيوتهم قبلة... ولكن بالرغم من كل ذلك فان دعوته كانت أوسع من ذلك. فانه دعى فرعون نفسه وبطانته للايمان، وهو عدو بني إسرائيل، ولو كان فرعون قد آمن لتغير تاريخ الدعوة الموسوية، ولكن أطماعه وسوء سريرته منعته من ذلك.
كما ان من أوائل المؤمنين: السحرة الذين كان له معهم صراع سحري عجيب، خرج موسى D بنتيجته فائزا، وأصبح السحرة مؤمنين، بالرغم من السيف الفرعوني القاطع. وهي حادثة تشترك التوراة مع القرآن في نقلها. ولم يكن السحرة من بني إسرائيل.
وقد كان موسى عليه السلام، يقبل - بكل تأكيد - كل مؤمن به من أي قبيلة كانت.
وبعد عبوره بالمؤمنين من مصر إلى أرض فلسطين، قام بدعوة واسعة بين القبائل والحاكميات التي كانت موجودة في الشرق الأوسط، وقاتل العديدين ممن أعلنوا الكفر والعصيان، وقد بقي على ذلك خلفه الأمين النبي يشوع أو يوشع بن نون عليه السلام. وقد نطقت التوراة هذه الأمور مفصلا.
على أن بني إسرائيل أنفسهم كان حظهم سيئا من ناحية الطاعة، فلاقوا النقمة ونالوا العقاب، كأي شعب آخر. وأوضح وأقوى عقاب نالوه في زمن موسى هو التيه أربعين سنة في الصحراء.
وهذا كله دليل الدعوة العالمية، وإن لم تكن مسماة في لسان موسى D بصراحة، وإن المهم هو الايمان والطاعة لله عزّ وجلّ، وبالنتيجة الانسجام مع الأهداف الكبرى مع غض النظر عن الرأس والجنس.
وقد كان للتركيز القبلي في دعوة موسى D مصلحتان مهمتان:
الأولى: الانطلاق من الواقع الذي لم يكن يستسيغ فكرة العالمية. وإنما بدأ D بالواقع وحاول رفعه - بمقدار الامكان - إلى المستوى الواسع.
الثانية: إن شعب إسرائيل كان في أول الدعوة الموسوية وقبلها مضطهدا مقهورا من قبل الحاكم الظالم فرعون. ومن هنا كان التأكيد على النقطة الرئيسية لظلم وتعسف الحكم الفرعوني، يقتضي التركيز على بني إسرائيل بصفتهم أشد الناس ظلامة في ذلك العصر. وقد كان إعطاء الفكرة الصريحة عن الظلم الفرعوني ضروريا للدعوة الموسوية، لأجل ترسيخها في النفوس وكسب المؤمنين بها إلى أوسع نطاق ممكن خارح القبيلة أيضا.
وأما في الاعوام المتأخرة عن ذلك، فقد بقي فضل بني إسرائيل مقترنا بالطاعة، ومنعدما عند الانحراف والعصيان وهذه التوراة طافحة بتهديدات موسى D ومن بعده من الأنبياء بالويل والثبور لبني إسرائيل إذا اتخذت طريق التمرد والعصيان[[483]]. وهذا هو موقف كل النبوات من المؤمنين والعصاة عادة.
وهذه التوراة نفسها تفسر ما وقع على اليهود خلال ما يسمى بالسبي البابلي، انه نتيجة لما جنته أيديهم من الموبقات والذنوب[[484]].
-13-
وكانت إنجازات النبي موسى بن عمران D في رفع المستوى الفكري والايماني للبشرية، متمثلا في عدة أمور، بعد الاعتماد على مجموع ما تنطق به التوراة والقرآن من أخبار:
الأمر الأول: انه استطاع ان يقرب فكرة وجود الخالق القدير إلى الأذهان، بشكل واضح جدا، باعتبار المعجزات التي كان يقوم بها والكلام الذي كان ينقله. ولا حاجة الآن إلى الدخول في أمثلته.
الأمر الثاني: إيجاد شريعة كاملة مناسبة مع عصره، أوسع من شريعة النبي نوح D وأعمق، يعتبر الفرق بينهما ممثلا للفرق في الذهنية البشرية بين العصرين، بعد ان كا نت قد تكاملت على يد خط النبوات خلال هذه الفترة الطويلة.
وقد تكفلت شريعته جوانب اقتصادية وجزائية وأخلاقية وعبادية مهمة.
الأمر الثالث: قضاؤه على السلطان الكافر، فرعون، الذي كان في عصره واضح القوة والجبروت. وقد أعطى موسى D بذلك درسا لكل سلطان جائر بأنه سوف يركع أمام الحق، وبالتالي أمام الهدف الايماني في يوم من الايام.
الأمر الرابع: مباشرته للفتح الديني وتوسيع الدعوة الالهية عن طريق الحرب.
وقد باشرت البشرية هذه المهمة تحت قيادته بعزم وإخلاص، وبقيت كذلك مع خلفه يوشع بن نون D.
وقد وجدت هذه الصفة لأول مرة - حسب ما نعرف - في الدعوة الالهية، حيث تجاوزت النبوات مرحلة الاقناع والجدل إلى مرحلة السيطرة والقتال، وتجاوزت مهمة المؤمنين من مجرد الوعظ والارشاد إلى حمل هموم العالم الواسع الذي يجب ان يدخل كله في دائرة الايمان.
الأمر الخامس: تأسيسه D لشيء يشبه الدولة في قومه والمؤمنين به. فبينما كان الأنبياء السابقون محكومين، من الناحية العملية، لملوك وأمراء آخرين، قد يكونون من أشد الناس كفرا وظلما... ولم يحاول نبي سابق ان يسيطر على الحكم، وان حاول إبراهيم D ان يدخل الحاكم في عصره في دائرة الايمان، وهذا معنى آخر غير السيطرة على الحكم.
أما موسى D فقد قام أولا، بمثل مهمة إبراهيم عليه السلام، حيث طلب من حاكم عصره [فرعون] الدخول في دائرة الايمان. ولكنه في عصر لاحق، وبعد ان استتب له الأمر بعد عبور البحر، أصبح هو الرئيس المطلق والحاكم الأول في قومه. ولم يكن معنى الدولة في ذلك الحـين أكثر من ذلك.
وقد قام موسى D بتطبيق شريعته على المجتمع من النواحي الاقتصادية والجزائية والعبادية وغيرها. فقد اقترن فيه جانبا التشريع والتطبيق معا. بخلاف من بعده من الأنبياء فقد ساروا طبقا لروحه الايمانية والتشريعية، والتزموا جانب التطبيق فحسب، بما فيه الغزو في سبيل الدعوة الالهية.
ولكن من الملحوظ[[485]]، أن التركيز على الثواب والعقاب الأخرويين، لا زال قليلا، وإنما قام الأنبياء المتأخرون الذين حاولوا تعميق الفهم الموسوي، قاموا بإبراز هذا الجانب.
وأهم هؤلاء داود وسليمان عليهما السلام.
فاننا في الوقت الذي نرى ان يوشع بن نون D بقي محافظا على نفس المستوى في أعماله، حاول ذانك النبيان بتعميق الأمور الخمسة المشار إليها، وتطبيقها تطبيقا كاملا. فقد أسسا دولة متكاملة، ومارسا الفتح ومقارعة المنحرفين وتطبيق الشريعة الموسوية بكل جهاتها بكل دقة. وبنى سليمان D بيتا مهما ضخما للعبادة يسمى بـ[هيكل سليمان] دعما للعقيدة الالهية، وهو - فيما نعرف - ثاني معبد مهم في البشرية بعد بيت الله الحرام الذي باشر إبراهيم D بناءه،... غير انه لم يقدر له الدوام بكامل هيبته، بعد ان هدمه نبوخذ نصر خلال استأصاله لليهود وسبيه لهم.
ونرى أن المفهوم الالهي والتركيز على الطاعة أصبح في لسان سليمان في خطابه الذي ألقاه يوم افتتاح هذا المعبد، كـما نقلته التوراة[[486]]، أصبح أوضح وأكثر تفصيلا عما كان عليه في العصر الموسوي.
هذا، ولا يمكن إعتبار داود وسليمان عليهما السلام، نبيين عالميين، بالمعنى المقصود لنا الآن، فاننا نريد بالنبوة العالمية: الشريعة التأسيسية الجديدة التي تشمل كل البشر. وهذا ما عمله موسى عليه السلام. واما هذان النبيان فليس لهما شريعة جديدة، وان كانا عالميين في دعوتهما، بل كانا تابعين للشريعة الموسوية.
-14-
كان الرق في العصور الفرعونية ولعدة قرون معروفا وشائعا، يكفينا من ذلك: ان بني إسرائيل أنفسهم كانوا أرقاء لفرعون، يستخدمهم أشنع استخدام.
فهل هذا الرق هو الذي تقول به الماركسية؟، انها لو أجابت بالايجاب لوردت عليها الاعتراضات التالية:
الاعتراض الأول: انه لا دليل على وجود نسبة عالية من الأرقاء في ذلك المجتمع، بحيث تشكل الأكثرية سببا كافيا لتسمية ذلك المجتمع بمجتمع الرق.
الاعتراض الثاني: انه لا دليل على إهمالهم للزراعة، بحيث لا يكون الوضع الاجتماعي، أو الجزء المهم منه، زراعيا يشكل شيئا يشبه الاقطاع. بل ان الجانب الزراعي موجود في كل المجتمعات لا محالة، ومعه لا يتعين ان يكون المستخدمون في الزراعة هم الأرقاء، أو انهم الأقنان - بإصطلاح الماركسية - يعني الفلاحين. ولا يتعين في مجتمع يحتوي على صفتين هما: الرق والاقطاع، ان يسمى بأحد الاسمين.
الاعتراض الثالث: انه بعد التجاوز عن الاعتراضين السابقين، يتعين الاعتراف بأن المجتمع الفرعوني هو مجتمع قائم على الرق. ومع ذلك، فان الماركسية لم تذكره، بل تعتبر المجتمع الروماني - المتأخر جدا عن العصر الذي نؤرخ له - تعتبره المثال الأفضل لمجتمع الرق.
والماركسية - كما سمعنا خلال مناقشاتها - تعتبر العصر الفرعوني عصر المشاعية البدائية، فان هناك من النصوص الماركسيه ما يؤكد أن التوراة كتبت في ذلك العصر[[487]]،كـما سمعنا. وهي - كما نعلم - كتبت في العصر الفرعوني أو بعده. ومعه يكون العصر الفرعوني مشاعيا بدائيا، إذ لا يحتمل تقدم مجتمع الرق على المشاعية، ماركسيا.
وهذا من الغرائب المقطوع بكذبها تاريخيا، لان الوضع الفرعوني واضح المخالفة لما تعطيه الماركسية من صفات للمجتمع الشيوعي البدائي.
-15-
نرى من خلال هذا التخطيط الثاني، ان نبوءات الأنبياء حول نتائجه ونتائج التخطيط الذي بعده، موجودة على ألسنة الأنبياء. سواء في ذلك النتيجة المباشرة لهذا التخطيط وهو وجود الاطروحة العادلة الكاملة، أو نتيجة التخطيط الذي يليه، وهو قيام دولة الحق والعدل العالمية، متمثلة بوجود قائدها الأعظم المهدي عليه السلام.
كل ما في الأمر ان التبليغات تبدأ مختصرة وغامضة، ثم تبدأ بالتدريج البطيء بالايضاح... تبعا لرقي الفكر البشري، واعتياده على تلقي النبوءات الغيبية من ناحية، ومقدار تقبله لمضمون النبوءة.
ومن هنا قد تقتصر النبوءة على بيان المستقبل المشرق للبشرية أو على انتصار جانب الحق في العالم. وقد توضح النبوءة وجود نبي في المستقبل، الذي معناه عدم انقطاع خط الأنبياء إلى حين وصول التخطيط الثاني إلى نتيجته بوجود ذلك النبي. وقد تبين النبوءة ضرورة وجود القائد العالمي الذي يقوم بتطبيق العدل الكامل في ربوع البشرية.
وهذه النبوءات متدرجة في العمق، كما هو مفهوم لمن لاحظها. وقد أبرزت بالتدريج بطبيعة الحال.
ولعل أوضح النبوءات بالمستقبل المشرق، جاءت على لسان داود عليه السلام، كما تعرب عنه التوراة المتداولة، ووقع مثلها في كلام سليمان عليه السلام. وسوف نستعرض هذا وغيره في كتاب قادم من أجزاء هذه الموسوعة.
وفي العصر المتأخر عن السبي البابلي، تنبأ أشعيا ودانيال وغيرهما بوجود دولة الحق وأعطيا مقدارا من أوصافها. وفي العصر اللاحق جاء يوحنا اللاهوتي ليتنبأ بمولد القائم الأعظم عليه السلام، من خلال رؤياه المشهورة المسطورة في التوراة.
ومهما يكن الحديث عن صحة إستناد هذه الكتب إلى أصحابها، فان المتيقن هو ان التوراة كلها كتبت قبل الاسلام، وهذا كاف لاحترام النبوءة التي ثبت بالدليل القطعي صحتها.
وحين يصل الزمن إلى عصر الانجيل، تجده يعطي على لسان مؤلفيه تفاصيل أكثر من خصائص التخطيط الالهي ونتائجه، فهو يصف التمحيص، وكثرة الكفر والانحراف، وينصح بضرورة حفظ الايمان خلال ذلك، ويتنبأ بوجود دولة الحق وقائدها، وبعودة المسيح في تلك الدولة، على ما سوف نوضحه في الكتاب المشار إليه. وكل ذلك مما ثبتت صحته من خلال فهمنا للتخطيط الالهي العام.
واما قبل ذلك، فلم ينقل التنبوء من قبل الأنبياء بشكل واضح، بما فيهم موسى بن عمران عليه السلام[[488]]. ولعل ذلك لعدم نضج الفكر البشري إلى ذلك الحين... أو ان مثل هذا التنبوء وجد ولكنه لم يصل إلينا.
نعم، يوجد في كلام نوح وموسى عليهما السلام، تأكيد باقتران الطاعة والايمان بالسعادة والرفاه الاجتماعيين، كـما هو موجود في التوراة والقرآن معا. وهذا أمر صحيح، وهما وان كانا قد طبقاه على مجتمعهما بشكل مباشر، وانطلقا منه إلى بيان الثواب الدنيوي على الطاعة، إلا أنهما في الواقع يعطيان القاعدة العامة التي تنطبق في كل عصر، ويدعم ذلك أن مجتمعهما لم يوفر الطاعة فلم يحصل على الرفاه المطلوب، على حين سوف يتوفر ذلك المستوى المطلوب من الايمان في مجتمع دولة الحق، فتحصل على ذلك الرفاه، ومعه، فمن المستطاع اعتبار هذه النصائح لهذين النبيين نحوا من التنبوء الغامض بدولة الحق أيضا.
ولكن في بعض هذه التنبوءات في التوراة، ما يستحق الالتفات، وهي انها قرنت في الأغلب - وخاصة في كلام أشعيا ودانيال وطبقَتهما - بالتنبوء بانتصار اليهودية وبني إسرائيل وعاصمتهم أورشليم. فما معنى ذلك؟، بعد قيام البرهان لدينا - كمسلمين - بأن انتصار الحق يكون عن غير هذا الطريق.
وهذا له عدة أشكال من التأويل، سنذكرها في الكتاب المخصص لذلك من هذه الموسوعة. ونذكر الآن منها وجهين:
الوجه الأول: أن يكون التنبوء صادرا من أشعيا وغيره عاما صحيحا، غير مربوط ببني إسرائيل مباشرة، ولكن النساخ المتأخرين للتوراة، وبخاصة أولئك الذين سجلوها بعد تلفها وضياعها ردحا طويلا من الزمن... أضافوا هذه العناصر الغريبة كذبا وزورا، رعاية لدينهم وقومهم، وتطبيقا للتنبوء على ذلك.
إلا ان هذا الكذب لا يعني إسقاط كل النبوءة أو أساسها أو مفهومها العام. فاننا قلنا في مقدمة [تاريخ الغيبة الصغرى]، انه في الامكان الأخذ ببعض مدلول الكلام مع إسقاط ما قام الدليل على كذبه، ولا يكون هذا مضرا بصدق البعض الآخر.
الوجه الثاني: ان التنبوء صدر فعلا من أشعيا وغيره على هذا الشكل الموجود في التوراة، أي التنبوء بانتصار الحق على يد بني إسرائيل. إلا ان هذا إنما كان باعتبار أن الممثل الأفضل للحق في ذلك الحين كانوا هم ومن كان على دينهم، ما دامت الشريعة الموسوية سارية المفعول. وقد كانت في زمان أشعيا وأرمياء سارية المفعول حتى نسخت بنبوة المسيح عليه السلام.
إذن، نفهم من ذلك: ان انتصار الحق يكون على أيدي أمنائه دائما، ولئن كان أمناؤه في ذلك العصر هم بنو إسرائيل، فان أمناءه في المستقبل سوف يكونون غيرهم، بعد ان سقط هؤلاء في حضيض المعاصي والانحراف.
بقي لدينا احتمال: ان يكون أشعيا ودانيال وطبقتهما من الأنبياء المتأخرين عن الفتح البابلي، قد اتجهوا إلى هذه التنبوءات نتيجة للظروف الصعبة والهزيمة التي مرت باليهود خلال سبيهم وما بعده. وهذا ما احتمله بعض الكتاب المحدثين[[489]].
فهذا قابل للمناقشة من وجهين:
الوجه الأول: وجود هذه التنبوءات قبل السبي البابلي بمدة، على لسان داود وسليمان بشكل واضح، وعلى ألسنة من سبقهما بشكل غامض، ومعه لا معنى لربط هذه النبوءة بالسبي البابلي.
الوجه الثاني: اننا نسأل هذا الكاتب عن اعتقاده بأن هذه التنبوءات حقا أو باطلا، بمعنى أنها هل هي مطابقة للواقع ولو بأساسها - بعد إسقاط التفاصيل - أو انها مجرد أضاليل!!...
فان قال: انها حق. وإنما اقتضت المصلحة إظهار هذه النبوءة لرفع معنويات اليهود بعد انهزامهم وسبيهم، وخاصة بعد الالتفات إلى أن المستوى الذهني البشري إنما وصل إلى تفهم هذه النبوءة بوضوح في ذلك العصر، ان قال ذلك، فهذا حق، وهو أقرب التفسيرات للتركيز على هذه النبوءة خلال ذلك العصر بالخصوص.
وان قال: ان هذه النبوءة باطلة ومجرد تضليل، فهذا في واقعه: أولا: طعن بهؤلاء الأنبياء الذين اعترف الاسلام بكونهم كانوا صادقين ومواكبين للحق. وهو - كمسلم - ملزم بالاعتراف بذلك. ثانيا: ان كلامه هذا مخالف للدليل القطعي القائم على صدق أساس هذه التنبوءات، كما لا يخفى على قارىء هذه الموسوعة.
وإن شكك في نسبة هذه الكتب إلى هؤلاء الأنبياء، قلنا: ان تفسيره لوجود النبوءة قائم على التسليم بوجودها، وصدق نسبتها إلى أصحابها، كـما هو واضح، فلا معنى للرجوع عن هذا التسليم بعد ذلك.
-16-
وبهذا ينبغي أن نختم الحديث عن أقسام النبوات الكبرى الرئيسية... إذ لم يبق إلى نهاية هذا التخطيط الثاني الذي نتحدث عنه، غير نبوة واحدة مهمة هي نبوة المسيح عليه السلام. وهي نبوة - بالرغم من أهميتها - كانت ضيقة النطاق لمدى الضغط الكافر الذي كان في ذلك العصر.
وفي الواقع، انه بدأ في العصور المتأخرة عن الدعوة الموسوية، من حوالي الفتح البابلي عصر طويل من الظلم والانحراف والفساد، حتى بين اليهود أنفسهم، وبقي ساري المفعول خلال بعثة المسيح D، ولم ينته أيضا بنهاية التخطيط الثاني، بل استطاع ان يمتد بفروعه إلى العصر الحاضر.
ولذا ينبغي أن نعقد فصلا عن جانب الفكر والعمل الدنيويين، خلال العصر المتأخر عن الدعوة الموسوية... لنرى مقدار تأثيره في هذا التخطيط، إلى جانب تأثير النبوات.

الجانب الدنيوي
بعد العصر الموسوي
-1-
كانت جذور الانحراف موجودة في المجتمع الموسوي في زمن موسى D فما بعده، وقد سمعنا أن التوراة مليئة بتهديد العصاة بكل ويل وثبور على لسان موسى ومن بعده كيوشع وداود وسليمان وغيرهم.
وقد كان هناك - على ما تنطق به التوراة أيضا - حملات إيمانية عديدة قام بها هؤلاء الأنبياء، لرفع معنويات الأمة المؤمنة من الناحية الايمانية ومن ناحية تركيزهم على تطبيق الشريعة وإطاعة الأنبياء. بدأها موسى D نفسه، بعد عبور البحر، وقرنها اجتماعيا بالخروج فعلا للفتح الديني ضد الكافرين عباد الاصنام. وكان آخرها - فيما يخص العصر السابق على الفتح البابلي - حملة سليمان الايمانية خلال بنائه للهيكل وافتتاحه له.
وكانت هذه الحملات تنجح موقتا، ثم يبدأ المجتمع من جديد بارتكاب الموبقات والفساد. حتى ما إذا حصلت الحملة الأخرى تحسن الوضع ثم عاد إلى السوء من جديد.
حتى ما إذا حصل الفتح البابلي المشرك، استطاع أن يقضي على المهم من معالم التدين الموجودة آنئذ، وبقي اليهود يجترون الأفكار والتقاليد التي يحملونها عن عقيدتهم وتاريخهم، اجترارا. وأصبحت المواعظ التي يقولها الأنبياء فيهم، كأشعيا وأرمياء ودانيال، غير ذات أثر حقيقي.
-2-
لا ينبغي ان يخفى علينا دخول الانحراف والكفر في التخطيط، كعنصر هام من ناحيتين:
الناحية الأولى: ان الانحراف يعتبر نتيجة من نتائج التمحيص الذي تمثله دعوات الأنبياء، فان هذه الدعوات تجعل الفرد على المحك باستمرار، حيث ينظر إلى مواقف الأفراد وردود أفعالهم تجاهها، فان انسجم الفرد معها كان ناجحا في التمحيص ومن ثم منسجما مع التخطيط الشامل لتلك الفترة. ومن أنكرها كان راسبا في التمحيص، ومن ثم منافرا مع التخطيط وأهدافه. وعلى كلا الحالين يكون التمحيص قد وصل إلى نتيجته.
الناحية الثانية: ان الانحراف والكفر، سواء على مستوى المجتمع أو مستوى الحكومات، يكون بدوره سببا لتمحيص جديد، قد حملنا عنه فكرة فيما سبق، حيث ينظر إلى مواقف الأفراد وردود أفعالهم تجاهه، فمن انسجم معه كان منافرا مع التخطيط، ومن خالفه كان منسجما معه. وقد عرفنا ان التخطيط دائما قائم على الاختيار وحرية الارادة، وهو - عادة - منتج للمواقف المختلفة.
ومن هذه الزاوية سننطلق إلى فهم الانحراف والكفر خلال هذه الفترة، وسنفهم أنه وجد لنفع التخطيط وإنجاحه، وهو تعميق إيمان المؤمنين وتمحيص المجتمع عموما، وربما لتعميق الفكر الانساني، كـما سنذكر... لا انها وجدت مضادة للتخطيط، فان هذا من المستحيلات، كـما عرفنا في الأسس الخاصة للتخطيط العام.
-3-
ينقسم [الجانب الدنيوي] خلال هذه الفترة إلى عدة جوانب:
الجانب الأول: الجانب المدني المتمثل بنمو الحضارة الانسانية خلال تلك الفترة الخاصة، مع الاشارة إلى تأثير هذا الجانب في التخطيط العام عموما.
الجانب الثاني: الجانب الفكري المتمثل بالفلسفة والمنطق والرياضيات ونحوها، مما انبثق من الفكر البشري، الكائن - في الأغلب - في اليونان خلال تلك ا لفترة.
الجانب الثالث: الجانب الحكومي المتمثل بالحكومات المنحرفة والكافرة التي كانت مسيطرة خلال تلك الفترة.
الجانب الرابع: جانب التحريف في الديانة الموسوية، من قبل اليهود أنفسهم، بعد اجتياز عصورها الأولى.
الجانب الخامس: جانب الجهل والتخلف الذي كان صفة للمجتمع في شبه الجزيرة العربية. وهو المجتمع الذي أصبح محلا لاستقبال الرسالة التي حملت [الاطروحة العادلة الكاملة] إلى البشر، وبها انتهى عهد النبوات وانتهى التخطيط الثاني.
-4-
الجانب الأول: في تأثير التطور المدني للمجتمع في التخطيط.
يتكفل خط الأنبياء عادة، تنمية وتربية الجوانب الفكرية والأخلاقية والتشريعية في البشرية. باعتبارها الجوانب الأهم التي بها يقترب الهدف وينجح التخطيط.
واما جوانب التطور المدني، فالمعروف انه موكول إلى الفكر البشري نفسه.
ابتداءا بالبسيط وانتهاءا بالمعقد. فعلى البشرية ان تعاني الجوع حتى تجد الطعام، والمرض حتى تجد الدواء، والبرد حتى تجد الدفء... وهكذا... من دون أن يكون للانبياء أو للالهام الالهي، أي أثر في ذلك. وهذا يعنى أن التخطيط الالهي اقتضى هذا المعنى بطبيعة الحال.
وهذا شيء مفهوم، إلى حد كبير، لوضوح ان التربية المدنية، سوف لن تكون - مهما طالت - أبطأ من التربية الأخلاقية أو التشريعية، بل ان الثانية أبطأ بكثير وأعقد، لوجود الموانع الشهوانية في النفس البشرية عن اتباع السلوك الأفضل دائما، بخلاف التربية المدنية فانها خالية عن تلك الموانع، بل هي - في الأغلب - موافقة للهوى والمصلحة الشخصية. ولئن تكفل الأنبياء تربية الجانب الاصعب، فان الجانب الآخر أوكل للفكر البشري نفسه.
إلا أن بعض الاعتراضات قد تحول دون الالتزام بذلك، أو انها على الأقل، تمنع من المبالغة فيها. ومعنى ذلك: ان الأنبياء لهم قسط من المشاركة في التطور المدني.
الاعتراض الأول: ان إيجاد البشرية للطعام أو للدواء، إذا كان موكولا لمجرد الصدفة أو للالتفات بعد الجهل المطلق، وترك البشرية خلال العصور السابقة تعاني من المشكلة التي لم يكتشف لها حلّ... فهذا ان لم نفرض انه موجب لانقراض النوع البشري، فلا أقل من أن بقاء البشرية خلال المشكلات، ردحا طويلا من الزمن، مع إمكان تلافيها من قبل الخالق الحكيم عن طريق الأنبياء، وعدم دخل زيادتها في نتائج التخطيط... يكون ظلما للبشرية البائسة، فيكون مستحيلا على الخالق الحكيم.
الاعتراض الثاني: لا شك ان التطور المدني يعمق الفكر البشري، ويفتح أمامه جوانب جديدة لم يكن ملتفتا إليها قبل ذلك، وهذا العمق بدوره يشارك في قابليته لفهم المستوى التشريعي والأخلاقي الجديد الذي يبشر به خط الأنبياء.
وهذا معناه: ان كل مستوى [نبوي] يحتاج إلى مستوى مدني سابق عليه، كما يحتاج تماما إلى مستوى نبوي سابق قد تم إنجازه وإنجاحه.
ومن هنا ننطلق إلى هذا الاعتراض، إذ قد يكون إيكال البشرية إلى فكرها الخاص في التطور المدني، قد يجعل المستوى المدني منفصلا عن المستوى [النبوي] المطلوب. بمعنى ان البشرية قد تكون ناضجة نبويا وتستحق بهذا الاعتبار خطوة نبوية جديدة، ولكنها قد تكون فاقدة للمستوى المدني الذي عرفنا أنه يكون ضروريا لفهم الخطوة الجديدة، فتكون الخطوة النبوية الجديدة متعذرة، ومن ثم يكون التخطيط معاقا.
وإذا تمّ هذ الاعتراض، كان معناه: ان من الضروري لكل نبوة، أن تخطط - إلى جانب مهمتها الخاصة - لتطوير الجانب المدني، بحيث تساعد الفكر البشري للوصول إلى المستوى المطلوب عند إنجاز هذه النبوة مهمتها الخاصة، والحاجة إلى بناء جديد.
الاعتراض الثالث: ان الاطروحة الكلاسيكية الدينية لابتداء البشرية، تفترض - كـما عرفنا - إبتداءها من زاوية قوة ووعي، وان أول بشري وجودا هو نبي ناجز علميا وأخلاقيا وإخلاصا، وقد حاولنا فيما سبق مناقشة فحواها العام.
ولكنها لو صحت تماما، لكان معنى ذلك ان البشري الأول: آدم عليه السلام، هو الذي قام بتعليم أولاده وزوجته الجانب المدني الضروري للحياة، إلى جانب التربية التشريعية والأخلاقية.
الاعتراض الرابع: ان القرآن الكريم ينسب إلى بعض الأنبياء المشاركة في الجانب المدني، فمن ذلك: صنع نوح D للسفينة، وصنع داود D للّباس والدروع، وصنع الجن لسليمان D القدور الضخمة والجفان الكبيرة، ويمكن نسبة الصنع إلى سليمان نفسه بشكل وآخر. ولا حاجة إلى الاستشهاد بالآيات بعد وضوحها وتوفرها للقارىء بسهولة. ولا نعدم من السنة والتاريخ دليلا على هذا وغيره، مما هو غير خفي على المتتبع، مما يطول بنا المقام في سرده.
وعلى أي حال، فهذه المشاركة مما لا يمكن نفيها، بعد الاعتراف بالنبوات. ويستطاع القول بأن هذه الاعتراضات استطاعت أن تكفكف من غلواء تلك الفكرة الواضحة في انفصال خط الأنبياء عن الخط المدني، على طول التاريخ.
وإذا رجعنا إلى العصرالذي نؤرخ له، وجدنا أن داود وسليمان عليهما السلام يقعان خلاله، بمشاركتهما الفعلية في عدد من جوانب التربية المدنية.
-5-
الجانب الثاني: في تأثير الجانب الفكري للانسان، كالفلسفة والمنطق في التخطيط العام.
ذلك الجانب الذى كان لليونان في تلك العصور، والتي بعدها، أكبر المشاركة فيه بحثا وتدقيقا وتوسيعا، إبتداءا بالفلسفة اليونانية القديمة السابقة على افلاطون وسقراط، وانتهاءا بالفلسفة الوسيطة اللاحقة لعصر المسيح عليه السلام.
إن وجود مثل هذه التعميقات الفكرية، إلى جانب أنه يؤهل البشرية المتمثلة بمفكريها، استيعاب دعوات الأنبياء وأقوالهم إلى أكبر حد، وما تنتجه الأسئلة المثارة والجدل القائم من انفتاح تدريجي... يؤهلها أيضا لدعم كثير من أقوال الأنبياء بالدليل القائم على الوجدان الحسي أو العقلي. ومن هنا تنبثق أهميته بالنسبة إلى مواكبة التخطيط وإنجاحه.
وبالرغم من إمكان تفسير هذا العمق بالعبقرية البشرية نفسها، فانه بالامكان أيضا اسنادها إلى خط الأنبياء أما مباشرة أو بالواسطة. باعتبار احتمال أن يكون بعض فلاسفة اليونان كأرسطو - مثلا - من الأنبياء أو الملهمين بدرجة ما. أو انهم أخذوا رؤوس أقلامهم أو مهم أفكارهم من الأنبياء، أو انهم قد رويت لهم عن الأنبياء بعض الحقائق التي استطاعوا بعبقريتهم ان يستنتجوا منها هذه الدقة الفكرية.
ولكن هذا الاحتمال - مهما كان شكله - بالرغم من لطافته ووجاهته، مما لا يمكن أن نقيم عليه الدليل الكافي، بعد انطماس الكثير من معالم التاريخ.
-6-
الجانب الثالث: الجانب الحكومي المتمثل بالحكومات المنحرفة والكافرة التي. كانت مسيطرة في تلك الفترة.
كان أول ملك سيطر على اليهود بعد انتهاء [الدولة النبوية] التي بدأت بموسى D وانتهت بصموئيل، وان تخللتها فجوات كبيرة... هو شاؤول كـما تسميه التوراة أو طالوت كما يسميه القرآن. وقد جاء إلى الحكم بطلب من بني إسرائيل أنفسهم، حيث طلبوا من صموئيل أن يعين لهم ملكا، فعين لهم الله تعالى عن طريق نبيه هذا الرجل. وهذا ما ترويه التوراة والقرآن معا.
وبالرغم من جهته الايمانية وأهميته، لم يكن يخلو - كما تدل عليه التوراة - من بعض الانحرافات، وأهمها منافرته لداود عليه السلام، ومطاردته لأجل القبض عليه وقتله. وكان يومئذ شابا مؤمنا متفانيا في الايمان.
وقد تولى هو المُلك بعد شاؤول، فكانت دولته نبوية مرة أخرى، وخلفه ولده النبي سليمان عليه السلام. وبوفاته انفصل الحكم عن النبوة مرة أخرى. وملك اليهود جماعة من الملوك على مستوى يكاد يكون دنيويا محضا، على حين بقيت النبوة في الشعب في جماعات من المؤمنين الملهمين الواعظين على نطاق ضيق في الأغلب، يكادون يمثلون النبوة القبلية مرة أخرى في التاريخ.
ولعل العنصر الأهم في ضيق نطاق هذه النبوات، هو بُعد الشعب عنهم وانغماسه في اللذائذ والمصالح الخاصة، وعصيان الملوك لهم، إلى حد لم يبق للانبياء تأثير واضح على المجتمع الذي كان مؤمنا في تاريخه القديم.
واستمر الحال على ذلك إلى الفتح البابلي، الذي اعتبرته التوراة عقابا لليهود على مظالمهم وفسادهم. حيث استطاع ان يقضي على اليهود، بكلا دولتيهم: إسرائيل ويهوذا، ويستأصل قسما كبيرا منهم ويسبي القسم الآخر إلى العراق.
وبعد سقوط نبوخذ نصر، وسيطرة كورش ملك الفرس سمح لهم بالعودة وبناء هيكل جديد. فعاد الحال إلى ما كان عليه من انفصال الحكم عن النبوة، ووجد فيهم عدة أنبياء مشهورين كأشعياء وأرمياء ودانيال وغيرهم، ممن نسبت إليهم التوراة كلمات كثيرة وتاريخا مفصلا. ولكنهم لم يكونوا ليؤثروا في ارجاع الشعب والحكومات إلى جادة الحق والصواب.
وكان هناك خط ثالث غير الملوك والانبياء، وهم الكهان المشرفون على الهياكل. وبالرغم من أن هذه الفكرة كانت حقا في أساسها باعتبار احتياج الهيكل إلى السادن أو المشرف على مصالحه والقيام بوظائفه الدينية. وقد عين موسى D - كما تقول التوراة - أخاه هارون كاهنا في المعبد الذي أسسه، ولم يكن يومئذ ذا بناء كبير، وإنما كان عبارة عن خيمة كبيرة تسمى [خيمة الاجتماع]، وبقيت سلسلة الكهانة في أولاد هارون.
غير أن هؤلاء الكهنة، لم يكونوا ملهمين كالانبياء، فأصبحوا يمثلون الشعب الذي وجدوا فيه، يحملون نقائصه ونقاط ضعفه في ضمائرهم، وأصبحوا يمثلون - أيضا - طبقة خاصة ذوي مصالح ومطامع وجشع، وقد كان لهم اليد الكبرى في ترك الشريعة وعصيان الأنبياء، وقتل بعضهم بما فيهم المسيح عيسى بن مريم نفسه، ومع ذلك، كان يعتبرهم الشعب اليهودي على مستوى عالٍ من الايمان والطهارة، ويخضع لهم أكثر بكثير مما يخضع للانبياء.
واستمرت النبوة والكهانة... إلا ان الحكم زال عن يد الدول الصغيرة، حيث استطاعت الدولة الرومانية تدريجا ان تسيطر على المنطقة وتدخل عددا من شعوبها تحت حكمها، بما فيهم اليهود. ولم تكن تلك الدولة بيهودية ولا مؤمنة، وإنما كانت وثنية المعتقد و[علمانية] أو ملحدة في حياتها التشريعية والاجتماعية.
ومن هنا تقلص الخط الديني، وبخاصة الخط المخلص المتمثل بالانبياء، وقتل العدد الكبير منهم. واما الكهان فكانت لهم صيانتهم الخاصة باعتبار ما تتوقعه الدولة الرومانية من ردود الفعل الشعبية على تقدير الاجهاز عليهم، ومن ثم استمر وجود الكهان واستطاعوا ان يسايروا الدولة الجديدة، ولو في نطاق ضيق.
وخلال العصر المتخلل بين السبي البابلي ونبوة المسيح، وخاصة بعد سيطرة الدولة الرومانية ويأس اليهود من الرجوع إلى الحكم، استطاع الكهان ان يحرفوا العقيدة اليهودية، بعد أن طمسوا آثار شريعتهم وشارك في طمسها ملوك اليهـود أنفسهم والسبي البابلي وغيره. كـما استطاعوا أن يحرفوا التوراة تحريفات كبيرة، على ما سنذكر في الفقرة التالية. كـما استطاعوا ان يحددوا لوجودهم صيغا خاصة لم تكن معروفة قبل ذلك، على ما سنعرف، عسى أن يكون لهم القوة والأهمية في المجتمع.
وقد تقبل الشعب كل ذلك بجهل وسذاجة بآلغين، وأصبحت هذه التحريفات، سارية المفعول إلى العصر الحاضر. وقد سبب لذلك أيضا بعد الأجيال المعاصرة لهذة الفترة عن عصور الأنبياء السابقين، وانتقال الانحرافات الخطيرة إليهم من أجيالهم السابقة.
ولا حاجة بنا إلى التكرار، بان كل هذه الانحرافات إنما هي في مصلحة التخطيط، سواء على المستوى الحكومي أو الشعبي أو الكهني، فانها تحتوي جميعا على كلا الناحيتين اللتين ذكرناهما في الفقرة الثانية من هذا الفصل.
ولا يخفى ما شارك فيه [القانون الروماني] الذي أصبح له فقهه الخاص وصياغته، لأول مرة - تقريبا - في تاريخ الفكر الدنيوي المنقطع عن السماء... لا يخفى ما شارك فيه من تعميق الفكر البشري واعطائه نماذج قانونية وفهما قانونيا مرتبا لم يكن قد واجه مثله فيما سبق.
واما الشريعة الموسوية، فهي بالرغم من عالميتها، فهي كانت تقدم التشريع، ولم تكن تقدم الفهم القانوني أو الأسس والمصالح التي انطلق منها ذلك التشريع، لعدم مساعدة الفكر البشري في عصرها على استيعاب ذلك، كـما لم يساعد الفكر البشري على فهم ذلك فترة من الزمن، إلى أن أعطيت لها التفسيرات الخاطئة المنحرفة في عصر الانحراف الذي نؤرخه الآن.
ولعل في مرور الفكر البشري بتفسير الشريعة الموسوية، ما ساعده على وضع القانون الروماني وتفسيره، بشكل أعمق وأوسع. وهذا يعني ان للجهة الدينية - وان كانت منحرفة - تأثيرا في صياغة القانون الروماني، وان كان ملحدا.
-7-
الجانب الرابع: جانب التحريف في الديانة الموسوية بعد اجتياز عصرها الأول.
استطاع كهان اليهود، بدعم من الحكومات المنحرفة والاتجاه الشعبي الفاسق، أن يقوموا بعدة تحريفات للشريعة الموسوية الأصلية، نستطيع أن نستعرضها ضمن الحقول التالية:
الحقل الأول: طمس الشريعة الموسوية من جوانبها الاجتماعية والاقتصادية، والاقتصار على الجانب الكهني مع تقاليد وأساليب زائدة، تناسب مع حصول هذه الطبقة على المزيد من الأموال.
الحقل الثاني: ان التوراة المنزلة من الخالق عزّ وجلّ، ضُمر وجودها تدريجا في المجتمع، وبقيت مخزونة في خزائن الملوك، وعنابر الكهان، بشكل لا يلتفت إليه أحد أو يتذكره أحد.
حتى ما إذا حصل السبي البابلي فقدت التوراة بالمرة، وعاد اليهود مرة أخرى إلى بلادهم - بعد فترة - فاقدين لكتابهم ومنقطعين عن شريعتهم تماما.
الحقل الثالث: ان [عزرا] أو عزير - قرآنيا - الذي كان من نسل هارون ووريث الكهانة في عصره، حاول كتابة التوراة من جديد. ولكنها - مع الأسف - أصبحت حاملة للفكر المتأخر المنحرف الذي وجد بعد العصر الموسوي. وأهم ما ركز عليه فيها نتيجة لهذا الفكر أمران:
الأمر الأول: جانب الكهانة ووصف وظيفة الكهان، لكي يتم تركيزالحقلين الأول والرابع الآتي:
الأمر الثاني: جانب التنبؤ بمستقبل بني إسرائيل، وانهم سوف يحصلون على دولة عالمية خالدة [تفيض لبنا وعسلا] على ما سنذكره في الجانب السادس. وسنذكر معنى التحريف في هذا المفهوم.
الحقل الرابع: تنظيم الكهانة، فانها بعد أن كانت في أصل وضعها الموسوي مجرد إشراف على المعبد وإزجاء حاجاته، أصبحت الآن متعددة الجوانب والعناوين، فهناك: الكاهن والقسيس والحبر والحكيم والحاخام. كل ذلك من أجل اكتساب القوة والرسوخ الاجتماعي.
الجانب الخامس: تحريف الشريعة الموسوية تحريفا ضخما، وتفسيرها تفسيرا شنيعا، وذلك حـين وضع اليهود [التلمود] كتابهم الثاني بعد التوراة، ويحوي كل تعاليمهم.
وفيه ركزت أهمية اليهود وارتفاعهم عن البشرية وضرورة سيطرتهم على العالم، وكون المستقبل لهم، وتفضيل الاسرائيلي على غيره وإن كان يهوديا. وقد تضمن أحكاما كثيرة لضبط هذا الجانب وتربيته في نفوسهم مما لا يحتمل ورودها عن موسى D ولا عن أحد من الأنبياء بعده، وإنما هي من وضع طبقة الكهان والحاخامات، أبناء المجتمع المنحرف الفاسق.
الجانب السادس: انهم حاولوا مسخ الفكرة الصحيحة في سيطرة الحق على العالم في مستقبل الانسانية، تلك الفكرة التي بشر بها أنبياؤهم بكثرة، على ما سمعنا... فجعلوا ذلك مستقبلا لهم خاصة، بما فيهم من نقاط ضعف وانحرافات.
ومن هنا نعرف ان فكرة [شعب الله المختار] وفكرة [الوعد] و[دولة اليهود العالمية التي تفيض عسلا ولبنا]، كلها انحرافات عن مناشىء صحيحة. فالشعب المختار هم المؤمنون دائما. والوعد الالهي موجود بالانتصار لهم دائما، والدولة العالمية ستكون دولتهم، وستكون دولة رفاه وسعادة [تفيض لبنا وعسلا] وغيرهما من الخيرات.
واما بنو إسرائيل، فقد كانوا يمثلون تطبيقا ضيقا لهذه المفاهيم، حين كانوا مؤمنين، وأما حيـن انسلخوا عن الايمان، فقد لحقتهم لعنة الرب، على ما صرحت به التوراة المتداولة نفسها[[490]]، وانسلخوا من كل هذه المفاهيم. وبقيت هي محافظة على نقائها وطهارتها لمن ورث الايمان الحقيقي في أي جيل من الأجيال، وبقي منسجما مع التخطيط العام وأهدافه.
-8-
الجانب الخامس: جانب الجهل والتخلف الذي كان هو صفة للمجتمع في شبه الجزيرة العربية.
يبدو لأول وهلة ان هذه المنطقة كانت محجوبة عن دعوات الأنبياء، وانها أخذت منذ عهد بعيد مسارا خاليا من النبوات، من الناحيتين الفكرية والتشريعية. فانه لم يعهد ان وجد فيها نبي قبل نبي الاسلام، بعد ان مرّ فيها إبراهيم عليه السلام، وأقام بناء بيت الله الحرام بمكة، ولا يعلم انه هل كان له تأثير واسع أو لم يكن... وإنما كل ما وجدناه هو ان المجتمع أصبح وثنيا، تعيش أجياله على الوثنية من أمد بعيد. وإلى ذلك يشير قوله تعالى: "... لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ..."[[491]]. وان الفترة المتخللة بين ورود إبراهيم D لهذه البلاد، وبعثة نبي الاسلام، والتي تزيد على ألفي عام، كافية لصدق هذه الآية بكل وضوح.
إلا ان الشيء الذي ينبغى أن يكون ثابتا، هو أن تأثير النبوات كان موجودا وقويا، لكن بشكل لا يسيطر على الجو العام، الذي كان يمثل الجهل والوثنية.
والمظنون أن الأثر الأهم لذلك، إنما هو لإبراهيم عليه السلام، حيث استطاع ان يبقي في تلك البلاد خطا حنيفيا على نطاق محدود، متوارثا جيلا بعد جيل حتى كان أشهر من تمثلت فيه هذه الحنيفية قبيل الاسلام هو [عبد المطلب بن هاشم] جدّ النبي 9.
فلئن كان إبراهيم D قد أثر في هداية بني إسرائيل عن طريق ابنه إسحاق D ، فانه قد أثر في هداية العرب عن طريق ولده إسماعيل D. وكلا ولديه نبي صالح وواعظ موجه، وكان لهذه الهداية الأثر الكافي للبقاء خلال أكثر من ألفي عام، إلى ان توّجت هذه الحنيفية بالاسلام. ولم يمنع عن هذا الاستمرار وجود الشعور القبلي والتقاليد القبلية المنحرفة.
إلا ان الزمان كلما امتد بدون توجيه سماوي، ضعفت هذه الحنيفية، وقل عدد المؤمنين بها، وتحول المجتمع تدريجيا إلى الاسلوب الكلاسيكي للكفر يومئذ وهو عبادة الاصنام، خلال القرون الأخيرة.
واما نبوات بني إسرائيل، فهي - بالرغم من عالميتها - لم تستطع أن تصل إلى تلك المنطقة، حال صفائها ونقائها[[492]]. وإنما تسرب اليهود بالتدريج إلى أرض العرب بعد السبي البابلي وربما بعد المسيحية. والمهم انهم لم يصلوا هناك إلا بعد خروج مجتمعهم عن طاعة شريعتهم الأولى وانحرافهم الذي عرفنا معالمه. ومن ثم لم يكونوا يستطيعون ان يعلنوا كلمة الحق هناك، كما لم يستطيعوا ان يقولوا أي كلام مقنع للذهن العربي، بعد افتضاح حالهم في ذلك المجتمع.
وقد شاء الخالق الحكيم ان يخطط لاتصاف هذا المجتمع بالسذاجة والجهل من الناحيتين الفكرية والتشريعية، لكي يكون أرضا صالحة لوجود الشريعة العالمية الجديدة، فهي:
أولا: تنتظر المصلح والمعلم الجديد، باعتبار ما عانته من جهل وإرهاق.
ثانيا: لا تحتوي على فكر معاكس يمكن أن يكون عائقا، ولو موقتا، للفكر الاسلامي الجديد.
وهذه بعض الدوافع التي حدَت بالتخطيط إيجاد الاسلام في الجزيرة العربية دون غيرها، وستأتي الدوافع الأخرى مما يمكن التعرف عليه، في عرضنا للتخطيط الثالث إن شاء الله تعالى.
وبالرغم من تعدد الاتجاهات العقائدية في ذلك المجتمع، فانه اختير إنزال [الاطروحة العادلة الكاملة] من خلال الخط الحنيفي الذي كان يمثله النبي 9 وبعض أسرته وقليل آخرون... وذلك: إقرارا لهذا الخط ومباركة له، بصفته الخط الذي أسسه إبراهيم الخليل عليه السلام:
"إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا..."[[493]].
هذا، وقد كانت البشارات بوجود النبي الجديد 9 موجودة ومعروفة في ذلك المجتمع، كما هو واضح من النقل التاريخي فيما قاله ورقة بن نوفل[[494]]، وبحيرا الراهب[[495]]، عنه صلى الله عليه وآله، وقد سبق ان حملنا عن زمن صدورها وفلسفته فكرة كافية.


الجانب الديني
بعد العصر الموسوي

ونقصد به التعرض، على الخصوص، إلى جوانب ثلاثة:
الجهة الأولى: بعثة المسيح عليه السلام، ودعوته خلال المجتمع الروماني المشرك الصاخب المتعنت.
الجهة الثانية: إعطاء فكرة عن المجتمع الفارسي وما فيه من ديانات، ومقدار ارتباطها بالتخطيط الثاني.
الجهة الثالثة: إعطاء فكرة عن المجتمع الهندي، وما فيه من ديانات، ومقدار ارتباطها بهذا التخطيط.
وسنحصل من الجهة الأولى على إيصال التخطيط الثاني إلى نهايته، على حين نحصل من الجهتين الآخريين على فهم متكامل لاستيعاب التخطيط لمناطق العالم وعدم اقتصاره على منطقة معينة منه.

الجهة الأولى
في بعثة المسيح D وملخص ظروفها وآثارها
ومقدار ارتباطها بالتخطيط الالهي
-1-
عرفنا فكرة كافية عن الظروف التي أرسل خلالها المسيح عيسى بن مريم D، فقد كان الجو الحكومي دكتاتوريا قويا، والجو الاجتماعي للدولة مشركا متعنتا، والجو الديني لبني إسرائيل قائما على الانحراف والتعصب، وقد قام كهنتهم الذين يمثلون طبقة متميزة في المجتمع بتحريف الشريعة وبثّ روح البعد عنها وإهمالها. وهم وإن كانوا ينتظرون مصلحا جديدا أو مسيحا منتظرا، إلا أنهم ليتوقعون - لا أقل من زاوية رغباتهم الخاصة -، ان يكون منهم يمثل ما فيهم من نقاط قوة وضعف، ضامنا لكل ما يطمحون إليه من مطامع.
وقد ولد المسيح بدون أب، ونطق بالكلام فور ولادته - كـما رواه القرآن -، توخيا لعدة نتائج:
النتيجة الأولى: إشعار المجتمع بكون هذا الوليد شخصا مهما من الناحية الالهية، وليس شخصا مُسِفا كسائر الناس.
النتيجة الثانية: ان يشهد هو شخصيا - بمعجزته في الكلام - على طهارة أمه ونقائها.
النتيجة الثالثة: ان تكون له هذه المعجزات دليلا على نبوته التي إدعاها منذ ذلك الحين أيضا.
ولم تكن أمه عليها السلام مثارا للشك، إذ كانت متدينة ومحافظة ومن أسرة محافظة. وقد عصمها الله تعالى من حدوث الشك بشهادة ولدها بالطريقة الاعجازية.
وقد كانت نبوته التي دُعمت بهذه المعجزات وغيرها، واقعة في طريق التربية العامة للفكر البشري، أي في التخطيط الثاني الذي نتحدث عنه. ولكنه في ذلك الجو المعاكس - الذي وجد - لم يستطع بثّ دعوته إلا على أضيق نطاق، ولم يستطع أن يقوم بتربية كافية لأحد إلا بعض الحواريين.
ولولا الادلة التي يمكن إقامتها من الناحية الاسلامية على عالمية دعوته، بحسب حقيقة قصده، فان وضعه الاجتماعي وما نقل عنه في الانجيل من كلمات لا يفيان بهذا المقصود على الاطلاق. كيف وهو لم يصرح بعالمية دعوته، ولم تعرف عنه شريعة اجتماعية واقتصادية متكاملة. ومن هنا لا يمكن للمسيحيين ان ينظروا إليه أكثر من كونه نبيا من أنبياء بني إسرائيل، جاء استمرارا لشريعة موسى عليه السلام، على غرار أشعيا وأرمياء ودانيال. كل ما في الأمر انه أفضل نفسا وأوسع نصيحة.
-2-
وعلى أي حال، فالذي يبدو من الأناجيل الأربعة عموما: ان المسيح ركز على عدة أفكار رئيسية، جعل المسيحيون بعضها عقيدة لهم مع إضافات أخرى أضافوها.
الفكرة الأولى: التجرد لله بشكل لا تكون أي مصلحة من مصالح الدنيا أهم في نظر الفرد من الاتجاه نحو عظمة الله عزّ وجلّ.
الفكرة الثانية: أخلاقية التعايش بين الناس وزرع المحبة والأخوة في نفوس المجتمع.
الفكرة الثالثة: إيجاد بعض التعليقات والرتوش على الشريعة الموسوية، بقصد تركيزها الأخلاقي، في الأغلب.
الفكرة الرابعة: الانطلاق من زاوية قبلية، ولكن بشكل أقل مما كان عليه العهد السابق.
الفكرة الخامسة: الخضوع للحاكم الدنيوي والتسليم لأمره من أي نوع كان.
الفكرة السادسة: جعل الثواب والعقاب أخرويا، وليس فقط دنيويا. وإن لم يكن كوضوحه في القرآن الكريم، كما لا يخفى على من راجع المصدرين.
الفكرة السابعة: التبشير بملكوت الله، بقيادة [ابن الانسان] الذي يأتي في المستقبل بمجد عظيم وتسخـير سماوي وأرضي جبار.
الفكرة الثامنة: التنبؤ بازدياد الظلم والفساد في الأرض، ووجود الكذبة على الله تعالى بكثرة.
الفكرة التاسعة: ان المسيح جاء لتكفير خطايا البشر وتطهيرهم من الرجس.
الفكرة العاشرة: مما تنص عليه الأناجيل: الثالوث المقدس: الاب والابن وروح القدس.
والأناجيل بهذا الصدد، كالعقيدة التي يلتزمها المسيحيون في هذا الحقل، مشوشة للغاية في إعطاء صيغة محددة في بيان حقيقة هذا الثالوث. وقد انقسم المسيحيون إلى آراء متعددة حول ذلك، والتزموا: ان العقيدة فوق العقل، واننا نؤمن به بالرغم من اننا لا ندركه عقليا، بل حتى لو آمنا باستحالته بحكم العقل. والآن دعنا نفهم هذه الأفكار من جديد:
أما الفكرة الأولى: فهي صحيحة وضرورية لكل مؤمن يريد تطبيق الشريعة الالهية، ويريد السير في طريق الكمال والانسجام مع التخطيط الالهي وأهدافه.
وكذلك الفكرة الثانية، في حدود التعايش مع المؤمنين. وان أهم فقرات الهدف البشري الأعلى هو زرع الأخوة بين البشر.
وأما الفكرة الثالثة: فهي الجانب الوحيد الذي يمثل تجديد المسيح لشريعة موسى عليهما السلام. وهو أمر طبيعي، وكان ينبغي أن نسمع منه الشيء الكثير، لولا الظروف الصعبة التي مرّ بها المسيح D. إذ بعد أن تطور الفكر البشري واستطاع الاستيعاب الأوسع بعد ما مرّ به من ظروف وعوامل إبتداءا من زمن موسى D فما بعده، فهو محتاج لا محالة إلى تعليم وتنظيم جديد.
وأما الفكرة الرابعة: فهي محاولة لتقليص الجانب القبلي في الذهن البشري، والانطلاق به إلى نطاق أوسع. فان ذلك أصبح الآن ممكنا بعد أن كان متعذرا.
وكذلك الفكرة السادسة، فانها ايضاح للواقع الأخروي، بعد أن أصبح مستوى الفكر البشري يناسب هذا الايضاح، بعد أن لم يكن عند نزول التوراة مناسبا.
وأما الأفكارالخامسة والسابعة والثامنة والتاسعة، فقد أسيء فهمها من قبل المسيحيين، إلى حد يمكن أن يعتبر مسخا لها وتغييرا لها عن واقعها. إذ من غير الممكن أن يكون شيئا من التعاليم الالهية في أي عصر. يأمر باطاعة الحكام والخضوع لهم وإن كانوا كفرة أو مشركين. كـما لا يوجد معنى محدد مفهوم لقيام المسيح بتطهير خطايا شعبه عن تحمله شخصيا مسؤولية العقاب عليها عن طريق صلبه، فان قتل شخص لا يكون كفارة عن ذنوب شخص آخر، وخاصة فيما إذا بقي الآخر - كـما عليه أكثر الشعب المسيحي - سادرا في ظلمه وفساده لاهيا عن خالقه وإيمانه. كـما أن العكس أيضا غير صحيح، وهو تحمل الفرد حسنات الآخرين ومدحه بما يفعلون من خير.
وإنما المقصود من مجموع هذه الأفكار المشار إليها، إيضاح فكرة التخطيط الثالث الآتي، الذي كان وشيك الوقوع يومئذ، والذي قد عرفنا عنه في [تاريخ الغيبة الكبرى] الشيء الكثير. كل ما في الأمر أنه عُرض بشكل مناسب مع مستوى الفهم البشري يومئذ - أولا - ومع الأخذ بنظر الاعتبار صدور هذا الايضاح قبل ابتداء ذلك التخطيط - ثانيا -.
وهناك في المصادر المسيحية أفكار ثلاثة أخرى مندرجة في صددنا هذا، نذكرها اعتبارا بالترقيم السابق:
الفكرة الحادية عشرة: فكرة التمحيص والتجربة التي تمر بها البشرية خلال تاريخها الطويل. وهي فكرة جاءت بشكل جانبي في الأناجيل.
الفكرة الثانية عشرة: نزول المسيح في مستقبل الدهر أو في نهايته، وهي أيضا وردت بشكل [غير مهم] في الأناجيل الأربعة، ولكنه رُكز عليه بوضوح في إنجيل [برنابا] الذي رفضه المسيحيون.
الفكرة الثالثة عشرة: التصريح ببعثة رسول الاسلام وتسميته، واعطائه أهمية واحتراما عظيمين. وهو مما اختص به إنجيل برنابا... ومن أجله رفضه المسيحيون!!!.
وكلها أفكار صحيحة في حدود فهمنا للتخطيط الثالث الذي يبدأ بنزول الاطروحة العادلة الكاملة وينتهي باقامة دولة الحق العالمية. ومعه فقد حصل عندنا سبع أفكار من المصادر المسيحية تشير إلى هذا التخطيط... وهو مستوى من الايضاح لم يكن له وجود في العهد السابق.
ولا بد لنا الآن ان نفترض كون القارىء عارفا بالمهم من تفاصيل هذا التخطيط المشار إليه، مأخوذا من كلامنا السابق عنه أو الآتي. ونحن نذكر الأفكار بحسب ترتيب وجودها خلال التخطيط:
فالفكرة الثالثة عشرة تعبر عن وجود [الاطروحة العادلة الكاملة] المتمثلة بالاسلام، بعد أن يكون التخطيط الثاني قد انتهى وأحرز النجاح في اعداد الذهن البشري لفهمها.
والفكرة الثامنة، وهي ازدياد الظلم والفساد، قد عرفنا أهميتها في إيجاد الشرط الثالث من شروط دولة العدل العالمية، وهو وجود العدد الكافي من المخلصين وإعدادهم لانجاز تلك الدولة.
وكذلك الفكرة الحادية عشرة، فكرة التمحيص، فانها تشارك في ذلك ضمن مشاركتها في تربية كل أفراد البشرية، ضمن حرية التصرف والاختيار الممنوحة كـما عرفنا.
وأما الفكرة الخامسة، فهي بمفهومها الصحيح، توازي ما يسمى بـ[التقية] وقد شرحناها وأعطيناها الفهم الواعي الكامل في [تاريخ الغيبة الكبرى][[496]]، وعرفنا إرتباطها بالتخطيط إرتباطا جوهريا، بحيث لولاها لزال المؤمنون عن وجه الأرض، ولم يمكن تنفيذ دولة الحق بالمرة.
وقد دفعنا عنها هناك هذا المعنى الضيق، وهو الخنوع للظلم والصبر الأعمى على كل ظالم، وتحمل كل نوع من أنواع الحكام، مهما كانت صفتهم.
وأما الفكرة السابعة، فتمثل إنجاز اليوم الموعود أعني إقامة [دولة العدل العالمية]، فان المراد بملكوت الله هو ذلك بصفته محققا للهدف الأعلى لخلق البشرية. ويكون بقيادة القائد الأكبر المهدي عليه السلام، الذي يسميه الانجيل بـ[ابن الانسان]، ويصف مجيئه بأوصاف إلهية كبيرة، سنذكرها مع غيرها في الكتاب المخصص للحديث عن التوراة والأنجيل من هذه الموسوعة. وسنعطيها هناك تفسيرها الكامل.
وأما الفكرة الثانية عشرة، وهي نزول المسيح في مستقبل الدهر، فهو ما ثبت في التخطيط الالهي صحته، كـما برهنا عليه في [تاريخ ما بعد الظهور]. وأن المسيح D ينزل فيصلي وراء المهدي D، ويكون له في قيادة الدولة وهداية البشر -وخاصة المسيحيين منهم- تحت ظل المهدي D يد طولى.
ولعل هذا بعينه هو المراد من الفكرة التاسعة، وهي مجيء المسيح لتكفيرخطايا البشر. فانه يكفر خطاياهم - لا بموته بدلا عنهم - بل بهدايته لهم وتوجيههم نحو الايمان والاستغفار. سواء في حياته الأولى التي كان فيها أو في حياته الثانية التي ينزل فيها. وهدايته للناس يومئذ يوازي بالضبط ما فهمناه من مصلحة نزول المسيح في مستقبل الدهر.
بقيت لدينا الفكرة العاشرة، وهي الثالوث المقدس... فهي فكرة باطلة زعم مؤلفو الأناجيل ان المسيح أوصى بالتبشير بها عند قيامه بعد مقتله بثلاثة أيام، ثم صعد إلى السماء. وقد قام البرهان القطعي على وحدانية الله الخالق الحكيم وحدانية مطلقة، كـما هو مبحوث في كتب العقائد الاسلامية.
وأما قبل ذلك، أعني خلال الحياة الاعتيادية للمسيح، فلا يوجد في الأناجيل إهتمام حقيقي بالثالوث. نعم، يوجد تطبيقات له خلالها كالتعبير عن الله عزوجل بالاب أو أبي أو أبوكم السماوي أو أبونا الذي في السماء، وكالتعبير عن المسيح بابن الله، ونحو ذلك.
وقد فهم المسيحيون من ذلك كونه تطبيقا للثالوث المقدس. ولكننا يمكن ان نتبرع فنحمل أناجيلهم على الصحة، فنحمل الأبوة والبنوة على المعنى المجازي الناشيء من أحد مستويات ثلاثة:
المستوى الأول: مستوى الخلق والتكوين. فكما ان الأب يكون سببا لوجود ولده، فكذلك يكون الخالق العظيم سببا لوجود العالم، سواء المسيح أو غيره، والبشر وغيرهم.
المستوى الثاني: مستوى فهم المصلحة. فان الخالق الحكيم أبصر بمصالح الفرد والمجتمع أكثر من البشر أنفسهم، كالأب بالنسبة إلى الطفل. وكـما ان الاب حريص على مصالح ولده، فكذلك الخالق بالنسبة إلى البشر.
المستوى الثالث: مستوى الطاعة. فان الفرد المطيع والمجتمع المطيع لله عزّ وجلّ، يكون - لا محالة - محبوبا له، أكثر مما يحب الوالد ولده بكثير. وكـما ينبغي للابن أن يطيع والده، فكذلك الفرد والمجتمع بالنسبة إلى الخالق، وبدرجة أعلى وأوضح بكثير.
وهذا المستوى الثالث مشابه لما فهمناه من معنى [شعب الله المختار] القائم على أساس الطاعة، ولهذا تنتفي صفة المختارية والبنوة مع الخروج عن الطاعة بطبيعة الحال.
وهذه المعاني كلها خالية من نسبة المحاباة والتحيز إلى الله تعالى، كـما يفهم اليهود، أو الأبوة الحقيقية على غرار البشر، كـما يفهم النصارى.
ولكن كل هذه المعاني لا حاجة إليها، بعد إسقاط هذا المعنى عن كونه شعارا دينيا في [الاطروحة العادلة الكاملة- الاسلام]، وسنشير إلى سبب هذا الاسقاط. كـما ان أيا من هذه المعاني لا تستلزم صحة الثالوث المقدس ولو مجازا، لبقاء [روح القدس] وكذلك إرتباطه بالاقنومين الآخرين، بلا تفسير.
كـما أن هذه المعاني، تجعل خلافات المسيحيين في حقيقة العلاقة بـين الأب والابن بلا موضوع، كـما هو واضح لمن يفكر.
وقد يكون للتعبير عن الله عزّ وجلّ بالأب، في ذلك المجتمع، تقريبا نفسيا نحو الايمان، في عصر لم يكن الناس ليفهموا غير المعاني المتعارفة عندهم، ولم تكن أذهانهم تتحمل التدقيق. ومن هنا نفهم دخله المرحلي في التخطيط التربوي للبشرية على تقدير وجوده.
وهذا السبب غير شامل للعصر الذي تكامل فيه الذهن البشري، وأصبح متقبلا لفهم [الاطروحة العادلة الكاملة] وتدقيقاتها. إذ أصبح في غنى عن استعمال هذا المعنى المجازي، واستطاع أن يعتاض عنه بمعانيه الحقيقية، وهي نسبة البشر إلى الله تعالى هي نسبة المخلوق إلى الخالق والمطيع إلى الأمر والمحتاج إلى المنعم. وهذا هو سبب حذف هذا المفهوم في الاسلام، كـما أشرنا.
-3-
بقي علينا التعرض إلى حادثة القبض على المسيح ومحاولة قتله.
قد علمنا أن المسيح D وُجِه بشكل عنيف من قبل الشعب اليهودي المنحرف ومن الكهنة المتعنتين المسيطرين ومن الحكومة الرومانية المشركة. ونزداد الآن علما أنه D واجه الخيانة من أحد حوارييه، وهو يهوذا الاسخريوطي الذي دلّ السلطات على مكانه بعد أن حكم المجلس اليهودي بإهدار دمه.
ولا حاجة إلى الدخول في تفاصيل الحوادث، فليراجعها القارئ في مصادرها، وإنما المهم أن في مقتل المسيح D إطروحتين رئيسيتن:
الاطر وحة الأولى: انه مات مصلوبا، كـما يموت الناس المصلوبون، بعد ان نجحت المؤامرة التي دبرت ضده.
والمفهوم أن اليهود والنصارى متفقون على هذا المقدار من الاطروحة إلا ان النصارى يضيفون طبقا لأناجيلهم: ان المسيح رجع إلى الدنيا مرة ثانية ثم صعد إلى السماء أمام طلابه.
الاطروحة الثانية: ان المسيح لم يمت كسائر الناس، وإنما تدخل الخالق القدير عزّ وجلّ بطريق إعجازي في نجاته من هذه المؤامرة المدبرة، ورفعه إليه. إذن فقد صعد إلى السماء من دون أن يموت.
وهذا هو المطابق مع الفهم الكلاسيكي لدى المسلمين عموما، ويدل عليه ظاهر بعض آيات القرآن الكريم. وقد صرح به إنجيل برنابا بوضوح[[497]]، وأعطى القصة تفصيلا.
ولا نريد الآن أن نرجح إحدى الاطروحتين على الأخرى. وإنما المقصود الآن ان نشير إلى موقع كل إطروحة - لو كانت صحيحة - من التخطيط الالهي.
أما الاطروحة الأولى، فإرتباطها به واضح وبسيط، فان المجتمع المنحرف الفاشل في التمحيص والبعيد عن خط النبوات، قد تسبب إلى قتله. واما قيامه بعد ثلاثة أيام، فهو ممكن عقلا، إلا انه لا دليل على صحته، فان المظنون أن تكون رؤيته خيالا لطلابه، حيث تعجز النفس أحيانا عن تحمل الخبر بموت الزعيم أو القائد، فيخيل لها وجوده في الدنيا. وسوف نعرف ان هؤلاء الطلاب الناقلين لهذه الرؤية هم الاشخاص الرئيسيون الذين قاموا بتحريف المسيحية بعد المسيح. إذن، فهم غير موثوقـين في الأخبارعن هذه الرؤية. مضافا إلى ان هذه الفكرة واجهت نقودا قوية من قبل المسيحيين المحدثين[[498]].
وأما الاطروحة الثانية، فلا بد أن ننظر فيها إلى مستويين:
المستوى الأول: ان الصعود حادث [كوني] مفروض من خارج النطاق البشري. إذن، فهو واقع كجزء من التخطيط الكوني العام، لا التخطيط البشري على وجه التعيين. ومعه لا نكون مسؤولين عن بيان فلسفة دخله، لما قلناه من ان كثيرا من نقاط التخطيط الكوني، لا زالت خفية على العقل البشري.
المستوى الثاني: انه بالرغم من كون الصعود حادثا كونيا، غير أنه لا يخلو من الارتباط بالبشرية، باعتبار توقع رجوع المسيح إلى الدنيا في المستقبل، لكي يشارك في التخطيط الرابع من التخطيطات البشرية الستة التي تشكل بمجموعها التخطيط العام.
ومن هنا يمكن القول: بأن لصعوده إلى السماء وبقائه فيها ردحا من الزمن، أثرا في تكامله نفسه، في خط [تكامل ما بعد العصمة] الذي برهنا في [تاريخ الغيبة الكبرى][[499]]، على إمكانه لكل معصوم. وبهذه الروح حاولنا هناك تفسير طول عمر المهدي D خلال غيبته الكبرى، طبقا للفهم الامامي. ويمكن تفسـير المعراج النبوي على ضوئه أيضا... إلى غير ذلك من الحوادث.
وسيكون لهذا التكامل الذي يناله المسيح هناك أثره الكبير في عظمة قيادته في [دولة العدل العالمية]، إلى جنب المهدي D القائد الأعظم الذي نال مثل هذا التكامل خلال العمر الطويل على الأرض، لا في السماء.
وأود في هذا الصدد الالماع إلى نقطتين:
الأولى: تشترك الاطروحة الثانية مع الأناجيل في فكرة صعود المسيح بروحه وبدنه إلى السماء. وتفترق معها بأن الأناجيل تخبر عن موته أولا ثم قيامه من قبره ثم صعوده إلى السماء. بينما ترى الاطروحة الثانية صعوده إلى السماء من عالم الحياة رأسا.
الثانية: اننا لو لم نأخذ بالاطروحة الثانية، فليس معنى ذلك إننا نكون ملزميين برفض فكرة عودته إلى الدنيا من جديد. وإنما يبقى ذلك ممكنا!!، كل ما في الأمر انه مات كسائر الناس، ثم يحيا إلى الدنيا من جديد. فإذا دل الدليل على رجوع المسيح، وكان ضروريا لإنجاح دولة الحق، مع افتراض صدق الاطروحة الأولى، كان الالتزام بحياته بعد الموت ضروريا بطبيعة الحال، ودخيلا في التخطيط الثالث، كـما سيأتي.
هذا، وفي الأناجيل تناقضات وتفاصيل علينا ان نتجاوزها الآن، محيلين إياها إلى الجزء الخاص بذلك من هذه الموسوعة.
-4-
ما مضى نعرف بكل وضوح، انه لولا النص القرآني، فقد مات عيسى D مقتولا ولم يخلف إنجيلا ولا كنيسة ولا شريعة. نعم، خلف الذكر الجميل في قلوب الكثير من الناس، وبعض النصوص التى حفظها طلابه من كلامه، حين كان يعظ الناس ويعلمهم. وهي التي حاول خمسة من طلابه - بما فيهم برنابا - تسجيلها على الورق، فكانت الأناجيل وقد سمي كل إنجيل باسم مؤلفه.
وزعم عدد من طلابه أنهم رأوا المسيح مرة أخرى بعد ثلاثة أيام من موته، وقد أوصاهم بعدة وصايا، منها: نشر المسيحية في العالم، ومنها: التبشير بالثالوث المقدس!!!، وأخبرهم: ان الروح القدس قد تلبست بهم فأصبحت لهم قابلية غفران الذنوب!!!، كـما أخبرهم انه لن يموت موتة أخرى، وانه سيعود.
وطبقا لهذه الوصايا انطلق الطلاب إلى خارج فلسطين لينشروا دين المسيح كـما يرونه، فكتبوا الأناجيل وأسسوا أول كنيسة.
وحورب هؤلاء الطلاب وقتلوا، وعانت المسيحية دهرا من الاضطهاد، وخاصة في عهد نيرون عام 64 للميلاد، وأصبحوا يقتلون بالجملة. وبقي الحال على ذلك ثلاثمائة عام حتى دخل قسطنطين إمبراطور روما في دين المسيحية، وجعلها دينا رسميا للدولة عام 312 ميلادية.
ومنذ ذلك الحيـن بدأت تنظيمات الكنائس تبرز إلى الوجود، وأصبح [رجال الدين] طبقات يرأسهم البابا. كـما ان الكنائس على طبقات متدرجة في الأهمية أيضا، والبابا هو الوريث الشرعي لطلاب المسيح تحل فيه روح القدس التي حلت فيهم. وهو [رسول الله] أي رسول المسيح. وهو معصوم باعتبار تلك الروح، وله حق التشريع.
وبدأت الخلافات الدينية تظهر بين المسيحيين وبدأت الطوائف الدينية تنقسم، حتى حكم بعضهم على بعض بالكفر ووجوب القتل. وان الدماء التي سالت بين طوائف المسيحيين خلال التاريخ ليست بالقليلة.
ولا نريد الآن ان نروي هذا التاريخ، فليرجع فيه القارىء إلى مصادره. وإنما المهم ان كل هذه التجديدات في المسيحية متفرعة على صدق أولئك الطلاب الاوائل للمسيح D وإخلاصهم له. فهل كانوا كذلك حقا؟!!... وخاصة مؤلفو الأناجيل الأربعة وبولس[[500]].
ان إدعاءهم للاخلاص، بمجرده، لا يكفي بطبيعة الحال. كما ان نقل مدح أنفسهم عن المسيح في الانجيل، لا يكفي، لان صدق هذا النقل متفرع على إخلاص الناقل قبل نقله. كما لا يكفي نشاطهم في نشر دعوة المسيح، لاحتمال ان يكون ذلك لأجل حب الظهور والرئاسة الاجتماعية، بعد ان فتح لهم القدر فرصة ذلك، فدخلوا كفقرة في التمحيص الالهي من حيث لا يعلمون.
بينما نستطيع ان نقدم عنهم عدة نقاط ضعف:
النقطة الأولى: سوء تفسيرهم للدين العيسوي. فاننا لو نظرنا إلى الأفكار العشرة التي عرضناها فيما سبق، وجدنا لعدد منها فهما خاصا للمسيحيين قام البرهان على خطئه. فتكفير المسيح للذنوب يكون عن طريق الفداء لا عن طريق الهداية. والخضوع للسلطان يكون خضوع إستكانة لا خضوع تقية. وعودة المسيح إلى الأرض هي لأجل نشر الدين المسيحي بمعناه الانجيلي أو الكنسي، لا لنشر الحق كيفما كان وأينما وجد.
النقطة الثانية: إعتبارهم يسوع المسيح ربا معبودا وانه تجسيد للوجود الالهي على الأرض. وهو ما قام البرهان القطعي على استحالته.
النقطة الثالثة: إعلانهم الثالوث المقدس، على أساس الفهم الخاطئ الذي يعني تعدد الأرباب المعبودين بشكل وآخر، أو التقسيم في الذات الالهية، وكله مما قام البرهان على إستحالته.
النقطة الرابعة: تناقضهم في الأناجيل في نقل الحوادث، إلى حد لا يكاد يمكن للقارئ أخذ فكرة مسلمة بينهم. ولعل أوضح هذه الموارد اختلافهم في كيفية رجوع المسيح بعد موته ومواجهته لطلابه[[501]].
النقطة الخامسة: تضمينهم هذه الأخطاء في الأناجيل نفسها، بحيث أصبحت مبتنية على ذلك ومنطلقة منه. فليتهم حين اعتقدوا بذلك سجلوه في كتاباتهم الخاصة كالرسائل المتأخرة عن الأناجيل الأربعة، وينزهوا هذه الأناجيل منها. ولكنهم ضمنوها هذه العقائد، وان كانت فيما نقلوه من كلام المسيح ضعيفة غير واضحة. مما يدل على انهم لم يجرءوا أن يدسوا ذلك، بنفس الوضوح، في كلام المسيح نفسه.
النقطة السادسة: إيجادهم فكرة التبرك بالصليب واعتباره شيئا مقدسا، مع كونه الأداة المشؤومة التي سببت إزهاق الحياة عن نبيهم العظيم. وهذا غريب جدا، في ان يعتبر محل قتل النبي شيئا مقدسا!!...
وتترتب على هذه النقاط، عدة نقاط أخرى:
النقطة الأولى: ان هؤلاء الحاملين لنقاط الضعف السابقة، لا يمكن أن يكونوا موثوقين في النقل عن أستاذهم المسيح أو مخلصين في نشر دينه، كـما يفهمه هو ويريده.
النقطة الثانية: ان هؤلاء المتصفين بذلك، لا يمكنهم أن يوجدوا المعجزات وقد نسبت إليهم في [أعمال الرسل] بصراحة[[502]]. فلئن كان المسيح D نبيا قادرا على إيجاد المعجزات من أجل إقامة الحق وهداية الخلق. فان هؤلاء الطلاب، لا يمكن فيهم ذلك، لان دعوتهم مشوبة بالباطل، ولا يمكن للباطل أن يحقق أية معجزة.
النقطة الثالثة: وهي الأهم لمقصودنا، ان العقيدة العيسوية لم تُعرف ولم تُفهم دينيا ولا تاريخيا ولا اجتماعيا، إلا من كلام أصحابه، حتى الأناجيل، من حيث كونها من تأليفهم. ويستحيل على الأجيال غير المعاصرة لشخص المسيح التعرف على حقيقة كلامه وتصرفاته. فإذا كان طلابه قد حملوا عقيدته إلى العالم بشكل مزور، يختلط فيه الحـق بالباطل، إذن، فقد إنقطع الطريق تماما إلى معرفة المسيح بحقيقته واندرست تعاليمه بالمرة. ولم يخلف المسيح من أثر في النفوس غير مجرد الاحترام لشخصه.
ومن الطريف ان المسيحيين أصبحوا يحسون بذلك تدرجا... وبين يديّ الآن كتابات كلاهما يحمل هذه الفكره ويؤكدان على أن العقيدة المسيحية المعاصرة بكل أشكالها، لا تمثل يسوع المسيح على الاطلاق. وهذان الكتابان هما: [المسيح ليس مسيحيا] لبرنارد شو[[503]]، و[المسيحية نشأتها وتطورها] لشارل جنبيير[[504]]. ولعل في ذمة التاريخ كتبا وأفكارا أخرى حول ذلك.
هذا، وان وصول هذه التشكيكات إلى المسيحين أنفسهم، يعني أمرا مهما في التخطيط الالهي، لعدة أسباب:
أولا: ان المسيحية - كـما أعلنها الطلاب وفسرها رجال الدين - عاشت تاريخا تمحيصيا طويلا، لان العقائد تعيش التمحيص والتجربة كالأفراد، كـما أسلفنا. وها قد بدأ هذا التمحيص ينتج نتيجته.
ثانيا: ان الكنيسة قد مرت بالتجربة نفسها أيضا، وقد أنتج تمحيصها نتيجته، بعد ان عاشت الأجيال مقدار ما أنزلته الكنيسة بالمجتمع من ويلات وما تبنته من أفكار خاطئة عن الكون والحياة. كما عاشت الأجيال: كيف كفرت النهضة الأوروبية الحديثة بالكنيسة، وكيف أوجبت تصرفات الكنيسة رجوع الناس عن دينهم إلى المادية المتطرفة، بدلا عن هدايتهم. وها نحن نرى أفكارا مسيحية متدينه تكفر بالفكر المسيحي التقليدي، حتى وان أعربت عنه الأناجيل إبتداءا بمارتن لوثر وانتهاء ببرنارد شو.
ثالثا: ان هذه التشكيكات تعطي أرضية واضحة وصالحة للفحص عن حل جديد لمشكلات العالم، وإنقاذه من ورطته الكبرى... مما ييسر لان تشق [الاطروحة العادلة الكاملة] في اليوم الموعود أيسر طريق.

الجهة الثانية
في الديانات الفارسية والهندية

نود في ما يلي أن ندمجهما في جهة واحدة، بالرغم من أننا جعلناهما في عنوان هذا الفصل جهتين، وذلك: لان الحديث عنهما متشابه عموما، كـما سنرى.
-1-
كان هناك مناطق بشرية آهلة بالسكان غير قليلية العدد، ومن هنا لا يمكن إهمالها في التخطيط، ولا يمكن أن لا تشملها هداية النبوات. على حين تعتبر بعيدة عن المنطقة التي وجد فيها الخط الرئيسي للنبوات... تلك هي البلاد الشرقية لهذه المنطقة، إبتداءا بفارس وانتهاءا بالهند والصين.
ولم يكن في إمكان الخط الرئيسي للنبوات، بالرغم من عالميته، إيصال دعوته إلى تلك البلاد، بالوسائل المتوفرة في تلك العهود... وبهذا يتبرهن أن هناك أنبياء مرسلين في تلك المناطق في الجملة.
والمظنون أن النبوات بدأت هناك بعد عصر إبراهيم الخليل عليه السلام، لان البشرية في ذلك العهد كانت في تلك المناطق منعدمة أو قليلة لا يهم وجود الأنبياء فيها - أو على الأقل - لا نستطيع أن نعرف عنها في ذلك العهد خبرا واضحا.
نعم، طبقا لما عرفناه من القواعد، لو كانت هناك بشرية كافية وبدائية إلى حد ما، لزم افتراض وجود أنبياء على مستواهم فيها، وإن لم يكونوا معروفـين.
والمهم الآن هو التعرض إلى العصر المتأخر عن ذلك نسبيا.
ولعل إبراهيم الخليل نفسه استطاع، بشكل وآخر، أن يوصل دعوته إلى تلك البلاد، في ضمن تجولاته الطويلة في الأرض. فبذر هناك بذور التدين المبتني على مستوى الوعي والتفكـير. ولعله كان أول نبي يصنع ذلك هناك، في حين كان الأنبياء الواعون قد بدأوا في الشرق الأوسط، قبل ذلك بعهد غير قصير.
ومن هذه الدعوة، بدأ خط التدين العام هناك، الذي ساعد على رقي الفكر البشري لتلقي النبوات المتأخرة. وقد بقي هناك جماعة إقتصروا على تلك الدعوة ولم يؤمنوا بالأنبياء المتأخرين، فخرجوا بذلك عن مواكبة التخطيط الالهي. وسموا بالبراهمة أو البرهمية، وسموا الاله: براهما... الذي يعني - طبقا لهذا التسلسل الفكري -: إله إبراهيم.
-2-
وبعد ان نجح هذا الاتجاه في تربية البشرية، بدأ خط معمق من النبوات ذات المفاهيم العقائدية ،أولا، ومستوى لائق من التشريع، ثانيا.
وأهم من وجد في فارس [زرادشت]، وفي الهند [بوذا]، وفي الصين [كنفوشيوس].
وتعاليمهم من حيث العقائد والأخلاق، تكاد تكون متشابهة تدعو إلى الأخوة والتراحم والزهد وعبادة الاله الواحد القادر الحكيم. وتؤمن بحرية الارادة للبشر، كـما تؤمن بوجود المسؤولية تجاه الاله وانه يحاسب ويثيب ويعاقب في حياة أخرى.
وهي قليلة التشريعات -على ما يبدو من المصادر- فلا تكون مستوعبة لكل جوانب الحياة. وقد أخذت منطقة كل واحد منهم بنظر الاعتبار في صياغة شريعته. ولم تكن دعوات قبلية، ولكنها لم يعرف عنها انها إدعت عالمية الدعوة.
فلو كان الأمر قد إقتصر على ذلك، لوصلت البشرية هناك بمثل هذه الدعوات، إلى مستوى يكاد يكون مشابها للمستوى الذي وصلته من خلال النبوة الموسوية في الشرق، أعني قبل وجود المسيح بقليل.
وتتابع المصلحون الدينيون بعد ذلك ردحا من الزمن، مما لاحاجة إلى الدخول في تفاصيله.
-3-
صحيح انه لا دليل من الناحية الاسلامية على نبوة هؤلاء المشار إليهم. لان نبوات الشرق الادنى لم تتعرض إلى نبوات الشرق الأقصى بقليل ولا كثير، لكي تعترف بها أو تنكرها. وذلك لوضوح ان مجتمع الشرق الأوسط لم يكن يحمل هَم الشرق الأقصى على الاطلاق، ولم يخطر بباله ان يفكر فيه. ولا بد للنبوات ان تواكب المستوى العام للمجتمع ولا تكلفه من الحقائق أكثر مما يطيق. وكان ذكر هذه النبوات القصوى، مما لا يطيقها فكر الشرق الأوسط على كل حال، فقد كان ذلك أوسع من أفق تفكيره.
إلا اننا نستطيع ان نذكر نبوة هؤلاء كاطروحة محتملة، نحاول ان نجمع عليها القرائن. والحق ان كل القرائن إلى جانبها، وليس هناك من القرائن ما يخالفها، على ما سنذكره.
فاننا ان انطلقا من قاعدة اللطف، كان لزاما على الله تعالى إرسال الأنبياء إلى أولئك البشر المحرومين من الخط الرسمي للأنبياء. وإذا انطلقنا من زاوية التخطيط الالهي، كان سكان تلك المناطق الضخمة في العالم في حاجة إلى تربية كسائر الناس. وان التخطيط العام لا يمكن ان يقتصر على بعض البشر بطبيعة الحال. وبدون الأنبياء تكون التربية الايمانية متعذرة. اذن، فالأنبياء موجودون هناك لا محالة.
فإذا ضممنا إلى ذلك، ما يروى في التاريخ من نزاهة هؤلاء الاشخاص في حياتهم الشخصية، ووضوح دعواتهم وصحتها بحسب ما نعرفه من برا هين ولم تكن دعواتهم موجودة قبل زمانهم على المستوى الذي أعلنوه، إذن، فهي خطوة إلى التكامل في التخطيط الالهي. اذن، فالأنبياء الذين لا بد من وجودهم هناك، هم هؤلاء الأنبياء، إذ لوكان هناك أنبياء آخرون لكان بقاء ذكرهم أولى وأوضح من هؤلاء، على حين قد تحقق العكس.
-4-
يبقى هنا سؤال واحد مهم، ينبغي الاجابة عليه. وهوان أتباع هؤلاء الآن على درجة كبيرة من الانحراف، بحسب ما نعرف من الحقائق، حيث تسود أفكار وطقوس كعبادة النار والابقار والاصنام، والاعتقاد بوجود إلهين أو عدة آلهة في العالم، وغير ذلك. فلا بد أن تكون هذه التعاليم موروثة عن أولئك الزعماء. ومعه، لا يمكن ان يكونوا أنبياء إذ لا يمكن ان يكون للأنبياء دعوة إلى الباطل.
مضافا إلى انه لم يعرف عنهم إدعاء النبوة، وإنما اعتبروا أنفسهم مجرد مصلحين للمجتمع. فكيف نحمل عليهم ما لا يريدون؟.
وينطلق الجواب على ذلك من عدة نقاط:
أولا: ان ما ينقل في تراجم هؤلاء، في سلوكهم الشخصي ودعواتهم التي ذكروها مباشرة، صالح إلى حد كبير وخال من كل هذه الانحرافات المذكورة في السؤال. فإذا علمنا ان هذه العقائد المنحرفة لا تنسجم مع ما هو منقول عنهم من الأفكار الصالحة، إستطعنا الاطمئنان بأن هذه العقائد المنحرفة غير صادرة عنهم بل منسوبة إليهم زورا في الزمان المتأخر.
ثانيا: ان المستوى الفكري العام، لم يكن يساعد - بطبيعة الحال - على إيضاح كل الحقائق المجردة جملة وتفصيلا. وإنما كانت الحقائق تذكر تدريجا وبالمقدار المناسب.
ومعنى ذلك أن هناك عددا من الحقائق، تبقى غير مبينة للناس، باعتبار صعوبتها على المستوى العام. وهذا هو ديدن النبوات قبل نزول [الاطروحة الكاملة].
ويستلزم خفاء تلك الحقائق، ان الناس قد يلتفتون إلى هذه المشكلات، تدريجا، ولا يجدون في شرائعهم أو تعاليمهم حلا لها، فيضعون لها حلا من أفهامهم الخاصة، ويعتبر ذلك بالتدريج حلا دينيا، فيصبح الدين الذي يؤمنون به خليطا من الحق والباطل.
ثالثا: ان هذه الدعوات، لم تمارس نشر أفكارها بالسيف عن طريق الجهاد. ومعنى ذلك: انها أهملت حمل هموم هداية العالم في أنفس المؤمنين بها. ولا بد ان يكون ذلك لعدم مساعدة الظروف الموضوعية لذلك.
ويستلزم ذلك - في الذهن الساذج - التقوقع في الايمان، والشعور بمحدودية الدعوة في منطقة معينة، وان كل ما في هذه المنطقة من أفكار وتقاليد هو معترف به من قبل تلك النبوة، ما لم تنص على إلغائه أو النهي عنه. فيكون هذا بابا واسعا لان ينسب إلى الدين ما ليس منه.
ونتيجة لهذه النقاط ونحوها، يمكن ان نفهم الجواب عن السؤال الرئيسي وهي إن مضاعفات الانحراف غير موروثة عن الأنبياء أنفسهم، وإنما ناتجة عن المجتمع الحاوي على عدد من نقاط الضعف.
وبمثل ذلك يمكن ان يفسر خفاء إدعائهم للنبوة، كـما يمكن ان يكونوا قد أهملوا ذلك بأنفسهم، لمصلحة معينة أو لعدم إستيعاب المجتمع لفكرة النبوة. وقد سمعنا عن زرادشت انه ادعى النبوة، ولعل الآخرين قد ادعوها ولم تفِ المصادر بذلك.
ولا يخفى ان التشويه إذا بلغ إلى هذه الدرجة، كتحول بوذا من نبي مربي إلى صنم معبود، وغيرذلك، فانه يعيق ما توخته النبوة نفسها من التربية المطلوبة، إلى حد غير قليل.
صحيح، اننا قلنا ان النبوات تربي المستوى العام للمجتمع سواء المؤمنين بها أو الكافرين، إذ يكفي مجرد الالتفات إلى المعاني المعينة التي يقولها نبي معين، إلى انفتاح الذهن. واما الايمان فهو يعني الانسجام مع الأهداف العليا بالاضافة إلى التربية.
ولكن كل ذلك، فيما إذا كانت تعاليم النبي معلنة ومفهومة اجتماعيا على واقعها أو قريبا من الواقع، واما لو إنسلخت تماما عن واقعها، وعادت مرة أخرى إلى الشكل البدائي، ولم يبق من التعاليم الأصلية إلا ما يوازي التقاليد الشكلية، فان النبوة تفقد حينئذ فاعليتها التربوية الاجتماعية لا محالة. وكل ما يمكن قوله - اذا أردنا الاحتراس في القول -: ان التربية لا تنحط مرة أخرى عن المستوى الذي استطاعت تلك النبوة إيصالها اليه، وإنما تمنع هذه الانحرافات عن التطور الزائد الذي كانت تعاليم تلك النبوة قابلة لايصاله إلى البشرية لولا هذه الانحرافات.
-5-
وبقي الحال في المنطقة التي نتحدث عنها على ذلك، أعني انها تستقبل الانبياء المرشدين، ولو بقدر محدود، حتى وصلت الحضارة البشرية إلى درجة يمكن من خلالها لنبوات الشرق الأوسط ان توصل صوتها إلى تلك المنطقة، فانقطعت النبوات هناك، وتحولت هداية تلك المنطقة إلى نبوات الشرق الأوسط نفسها.
ولعل الشرق الأوسط كانت له الحضارة الكافية التي يبحر بها إلى الهند والصين، قبيل ميلاد المسيح أو خلال فترته الأولى. اما إيران وباكستان وافغانستان وتركستان، فكان الوصول اليها ميسورا ومتوفرا. واما بعد دخول الدولة الرومانية في دين المسيحية بدخول الامبراطور اوغسطين فيه عام 312ميلادية[[505]]... فقد أصبحت سيطرة الدولة المسيحية على العالم واضحة.
وهذا هو الذي يفسر لنا إنقطاع النبوات عن تلك البلاد من ذلك التاريخ. فان المهم في التخطيط الالهي هو وصول الدعوة النبوية إلى البلاد، سواء كان النبي من أهل البلاد أو لم يكن.
على ان توجيه العالم تدريجيا نحو مركز نبوي واحد، ضروري بالنسبة إلى إنجاح التخطيط العام. ومن الضروري ان يكون ذلك قبل نزول [الاطروحة العادلة الكاملة] لتكون هذه الاطروحة عالمية الاعلان فور نزولها. وقد تمّ ذلك فعلا. واستطاع الاسلام أيضا إيصال دعوته إلى أقاصي تلك البلاد بعد إعلانه بزمن غير طويل. سواء في ذلك المراسلات التي عملها نبي الاسلام مع الحكام الرئيسيين في العالم يومئذ، أو الفتح العسكري الذي باشره 9 شخصيا واستمر بعده عدة قرون.
ولكن بعض الأمور التي عرفناها في الفقرة السابقة منعت من سرعة سير الاسلام في الهند والصين، مضافا إلى بعد المنطقة عن مركز الدعوة. ومن هنا بقي كثير منهم على أديانهم الأولى، ورفضوا التربية النبوية الجديدة، فخرجوا عن الانسجام مع التخطيط العام.

خاتمة
في نتائج التخطيط الثاني
وإذا أردنا ان نحصي نتائج التخطيط الثاني الذي نكاد ان ننتهي من بحثه، ونفحص مستوى الفكر البشري في نهايته، وجدنا الحقائق التالية كحقائق مفروغ منها، تصلح كمنطلق جديد لتربية أوسع وأعمق.
أولا: الله تعالى هو الخالق القادر الحكيم.
ثانيا: انه يخاطب البشرية عن طريق أنبيائه وكتبه.
ثالثا: إتساع النبوات على المستوى القبلي.
رابعا: ان التدين مبتن على طاعة الله من ناحية، وحسن العلاقة بالآخرين من ناحية أخرى.
خامسا: ان النبوات تقترن بالتشريع، ومن حقها إيجاد التشريع.
سادسا: وجود الحياة بعد الموت للثواب والعقاب بشكل مجمل غير مفصل.
سابعا: ان النبي من حقه ان يمارس تطبيق أحكامه على المجتمع بنفسه، أي ان يمارس الحكم فيه، ويستخلف عليه من يشاء.
ثامنا: ان دعوة الحق عموما من حقها ان تنتشر بالسيف، وتمارس الحكم الفعلي على البلاد المفتوحة. وقد مارس موسى D وخلفاؤه ذلك.
تاسعا: انه مع وجود نبوة متأخرة، وثبوت صدقها بالبرهان، لا معنى لإطاعة تعاليم النبوة السابقة، بل تكون الثانية هي السارية المفعول لا محالة.
عاشرا: من حق التشريع الشمول لمختلف مناحي الحياة وحقولها، في الجملة.
حادي عشر: ان البشرية لها مستقبل سعيد ترتفع فيه المظالم وتنحل فيه المشاكل، ويكون القائد والتشريع السائد فيه منطلقين من منطلق الحق والعدل.
وقد أصبح المجتمع معتادا بالتدريج على هذه الحقائق. وهو معنى نموه الفكري، وقابليته لفهم الدعوة الجديدة. وهي وان لم تكن كلها واضحة في ذهن كل الأفراد... إلا اننا لو سألنا [الاتجاه الاجتماعي العام] عن أي حقيقة من ذلك لآمن بمشروعيتها على الأقل ان لم يؤمن بصدقها.
اذن، فقد حقق التخطيط الثاني غرضه، وإستعد الفكر البشري لتلقي [الاطروحة العادلة الكاملة] متمثلة بالاسلام، على ما سنذكر... وبه بدأ التخطيط التالي...

التخطيط الثالث
المنتج لليوم الموعود
أو قيام دولة العدل العالمية
-1-
يتبرهن على ان الاسلام هو الاطروحة العادلة الكاملة التي تمثل الأساس العقائدي والأخلاقي والتشريعي لدولة العدل العالمية... يتبرهن ذلك[[506]]، بالالتفات إلى عدة خطوات:
الخطوة الأولى: البرهان على صحة الاسلام كدين من الأديان، وانه نازل من السماء غير نابع من الأرض. وهذا البرهان مذكور في كتب العقائد الاسلامية، لا حاجة إلى الدخول في تفاصيله.
الخطوة الثانية: البرهان على عالمية الدعوة الاسلامية.
وحاصل هذه الخطوة، اننا بعد ان ننتهي من هذه الخطوة الأولى، فيثبت صدق الدين والقرآن الكريم، نستشهد به لاثبات ان دعوته عالمية، كما نطق بها نفسه في عدد من آياته، كقوله تعالى: "قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا..."[[507]]. وغيرها.
الخطوة الثالثة: البرهان على ان الرسالة الاسلامية هي آخر رسالة أو نبوة في البشر، بمعنى ان شريعة أخرى لن ينزل بها نبي جديد. وهذا من الضروريات في الدين الاسلامي. لقوله عزّ وجلّ:
"مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ..."[[508]].
وقوله 9- في الخبر المستفيض -: لا نبي من بعدي.
وينتج من هذه الخطوات الثلاث عدة نتائج:
النتيجة الأولى: ان كل من ادعى النبوة أو جاء بشريعة مستقلة عن الاسلام منسوبة إلى الخالق عزّ وجلّ، فهو كاذب وكل من تابعه فهو كافر.
النتيجة الثانية: ان البشرية سوف تبقى مع هذه الشريعة حتى نهايتها. فاننا بعد ان نبرهن على إستحالة بقاء بعض البشر من دون تشريع سماوي [وقد سبق ان أعطينا عن ذلك فكرة كافية]، ونعلم انه ليس هناك شريعة أخرى آتية، اذن يتعين بقاء الاسلام إلى آخر وجود البشر.
النتيجة الثالثة: ان البشرية سوف تستغني بالعدل الناتج عن تطبيق الاسلام عن أي شريعة جديدة. والا لو كانت ناقصة وغير مغنية، أو كانت مرحلية تربويا، لكان اللازم - طبقا لقاعدة اللطف وللتخطيط العام معا - إرسال شرائع أخرى حتى تصل البشرية إلى العدل الكامل الذي تستغني به البشرية، ولكان ختم النبوات بالاسلام خطوة غير صحيحة.
وحيث ان انتهاء النبوات بالاسلام ثابت بالضرورة، اذن، يمكن للبشرية ان تستغني بتطبيقه عن كل تشريع.
النتيجة الرابعة: ان بشرية ما بعد الاسلام سوف تمر باليوم الموعود، يوم تطبق دولة العدل العالمية على وجه الأرض، وحيث لا يوجد يومئذ شريعة سماوية ناجزة غير الاسلام، لان النبوات السابقة ارتفع تأثيرها بوجود الاسلام... وليس هناك نبوات متأخرة... كما لا يمكن ان يكون القانون في تلك الدولة وضعيا، على ما سوف نذكر، اذن، يتعين ان يكون قانون الاسلام هو الذي سيطبق في تلك الدولة الموعودة، الواقعة في خط التخطيط الالهي العام.
اذن، ينتج ان البشرية تستغني عن أي تشريع آخر، حتى خلال الدولة العالمية، بل يستمر حتى وجود المجتمع المعصوم... اذن، فالاسلام هو الذي يربي البشرية كل هذه التربية الدقيقة الطويلة.
وحيث لا يمكن للاطروحة التشريعية بهذه المهمة الكبيرة، إبتداءا من الدولة العالمية وانتهاءا بالمجتمع المعصوم، لا يمكن ان تكون ناقصة أو ضيقة أو مجملة، أو تتضمن ظلما أو إجحافا، فان كل ذلك مما ينافي هذه المهمة الكبرى ويخل بها، فيكون مخلا في النهاية بالتخطيط العام وبأهدافه، اذن، يتعين ان يكون الاسلام هو [الاطروحة التشريعية العادلة الكاملة]، وهو المطلوب.
-2-
وقد اقتضت المصلحة في التخطيط العام وجود الاسلام في أول أمره في شبه الجزيرة العربية، لعدة مصالح يمكننا ان ندركها:
المصلحة الأولى: جانب السذاجة العقائدية التي كان يتصف بها المجتمع العربي، الأمر الذي يغني الاسلام عن جهود إضافية في الجدل العقائدي. وهذا ما لم يكن متوفرا في المناطق الأخرى التي كانت تسودها أديان قبلية أو إقليمية وعقائد منحرفة.
المصلحة الثانية: انهم مهما كانوا عليه من السذاجة، فان التخطيط الثاني، كان قد أنتج نتيجته فيها على أحسن وجه، وأصبح المجتمع قابلا لفهم الاطروحة الجديدة على أفضل وجه. فان السذاجة كانت ناشئة من عدم وجود الفكر العالي، لا من عدم القابلية له.
المصلحة الثالثة: ان شبه الجزيرة كانت بعيدة عن القوى الكبيرة في العالم التي يمكن ان تقضي على الاسلام في مهده. ولم يكن في هذه المنطقة أي قوة مهمة. وإنما كانت هناك قبائل متناحرة بدون حكم مركزي.
المصلحة الرابعة: إستراتيجية هذه المنطقة بالنسبة إلى مناطق العالم الأخرى المنظورة يومئذ والممكن الوصول اليها في ذلك العهد. وهي القارات الرئيسية الثلاث. وذلك باعتبار توسطها بينها، مما ييسر نشر الدعوة سواء على مستوى الاعلان، أو على مستوى التطبيق.
المصلحة الخامسة: وجود خط الحنيفية الخالصة في تلك المنطقة، ذلك الخط الموروث عن إبراهيم الخليل D. والذي استطاعت لُمّة من الناس المحافظة عليه بدون إنحراف. وقد وجد الاسلام في ضمن هذا الخط وإعترف به وقدسه.
والمحافظة على هذا الخط، هو الذي يميز هذه المنطقة عن اليهود، فانهم وان كانوا وارثين لهذا الخط، إلا انهم خلطوه بكثير من الأخطاء والانحرافات، بحيث لم يبق لها وجود واضح في مجموع المعتقدات اليهودية.
المصلحة السادسة: وهي قد ترد في بعض الأذهان.
ان من جملة هذه المصالح ما يتصف به العرب من العصبية، بحيث لا يؤمنون بنبي ليس منهم. فلو كان النبي غير عربي لما آمن به العرب، بخلاف ما لو كان عربيا، فان غير العرب يؤمنون به لعدم وجود هذا المقدار من العصبية لديهم. وحيث يراد نشر هذا الدين بين جميع الفئات والقوميات في العالم، كان لا بد من وجوده بين العرب.
إلا ان الصحيح ان هذه المصلحة وحدها غير كافية، اذ لو كانت العصبية وحدها هي الدافع لوجود النبي بين العرب، للزم وجود هذا الدين بين اليهود، لاتصافهم بمقدار أكبر من العصبية، لان لهم بها جانبا دينيا وجانبا قبليا، على حين لم يكن للعرب إلا الجانب القبلي.
على انه لا دليل على وجود العصبية العربية بين العرب، بمعنى انهم يشعرون بعروبتهم. فان تناحرهم القبلي دال على خلاف ذلك. وإنما كانت لهم عصبيات قبلية ضيقة، ولم يكن ذهنهم قد إتسع إلى مستوى القومية فضلا عما هو أوسع منه.
نعم، قد تكون هذه المصلحة ممثلة لجانب من مجموع المصالح، لا ان تقوم بالمصلحة وحدها. وهي - على أي حال - غير مهمة إلى جانب المصالح الأخرى التي ذكرناها.
على ان تعداد هذه المصالح ليس على نحو الحصر، فربما كانت هناك مصالح أخرى.
-3-
وقد سار الاسلام بالحقائق التي نجزت وتمت في التخطيط الثاني, سار بها خطوات جديدة فوسع فيها وعمقها.
ولا يمكن هنا استقصاء حقائق الاسلام, وإنما نعطي أفكارا عن أهم تلك الحقائق:
أولا : انه بلغ في توحيد الخالق وتنزيهه ولا تناهيه في القدرة والحكمة والوجود, أقصى الحدود, بشكل لم يكن قد أعطي بوضوح في أي شريعة سابقة.
ثانيا : ان شريعته أصبحت مستوعبة لكل جوانب الحياة, مالئة لكل ثغرة ومجيبة على كل سؤال وحالّة لكل المشاكل. وذلك على المستوى التشريعي الذي لا يكون منتجا إلا بالتطبيق. ولا مجال الآن للبرهنة على هذا الاستيعاب.
ثالثا: انه أعلن الدعوة العالمية بصراحة, في القرآن الكريم, وحديث رسول الاسلام 9, كما هو غير خفي على من راجعهما.
رابعا: انه مزج بين الدعوة السلمية والحربية معا. وحث على الجهاد في نشر الاسلام في ربوع المعمورة.
خامساً: انه أسس دولة كاملة حسب المفهوم يومئذ, ودعا إلى تأسيسها في كل مجتمع يؤمن بالاسلام. وأوضح انه بدونها يكون التطبيق الديني الاسلامي ناقصا. وقد مارس النبي 9 لأول مرة هذه الدولة بنفسه.
سادسا: انه حثّ على التكامل العلمي والذهني عن طريق التفكير والجدل البنّاء الحر. وقد أمر به القرآن الكريم وطبقه في نقاشه مع عدد من الآراء الخاطئة.
سابعا: انه بينما كانت معجزات الأنبياء السابقين التي تكون دليل صدقهم, معجزات وقتية زائلة بزوال زمانها, جاء الاسلام بمعجزة طويلة الامد باقية بقاء الدهر, معاصرة لكل الأجيال. وهي القرآن الكريم, كما هو مبرهن عليه في كتب العقائد الاسلامية.
ثامنا: انه أوضح بجلاء ان [اليوم الموعود] سيكون منطلقا من شريعته, وان القائد الأعظم في ذلك اليوم سيكون قائدا إسلاميا, وان الناس جميعا سيكونون مسلمين نتيجة للجهود المبذولة يومئذ. وكان ذلك مطابقا للتخطيط العام الذي عرفناه وبرهنا عليه.
وهذا ما لم تكن النبوات السابقة قد أوضحته, وان دسته التحريفات الاسرائيلية في التورات بالنسبة اليهم, وانهم - دون غيره - قادة اليوم الموعود.
تاسعا: انه أعطى بوضوح الهدف من وجود البشرية بصراحة:
"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِي"[[509]].
وأشار إلى الأهداف الكونية إجمالا:
"... رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً..."[[510]].
"وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ..."[[511]].
عاشرا: انه أعطى تفاصيل كثيرة للحياة الأخرى، وأخرجها من الغموض الذي كانت عليه إلى مستوى كاف ومفصل من الوضوح.
إلى غير ذلك من الحقائق الكبرى التي لم يكن لها وجود، أو لم يكن لها وضوح في الديانات السابقة، أو في نتائج التخطيط السابق. وهي حقائق واضحة في الاسلام، ومتسالم على صحتها بين كل المذاهب الاسلامية.
-4-
وقد سار التخطيط الثالث، بعد نزول الاطروحة العادلة الكاملة، في عده خطوط متوازية:
الخط الأول: تعميق الفهم العام لهذه الاطروحة، في خط تربوي فكري طويل. سواء في تدقيق أو تفسير الأفكار الاسلامية من جميع النواحي العقائدية والفقهية والأخلاقية وغيرها. وقد أوضحنا ذلك في [تاريخ الغيبة الكبرى][[512]]، مفصلا.
وقد فهمنا هناك أن هذا من فوائد تأخر التطبيق العالمي عن نزول الاطروحة الكاملة. إذ لولا هذا التعميق لما أمكن لهذه الاطروحة أن تقوم بالتطبيق الكامل في اليوم الموعود، كـما برهنا عليه هناك.
الخط الثاني: تحقيق الشرط الثاني من شرائط اليوم الموعود، وهو إيجاد القائد المؤهل للقيادة العالمية العادلة. وهذا هو التخطيط السادس من التخطيطات الاثني عشر السابقة. وقد عرفنا أنه أحد فرعي هذا التخطيط الثالث الذي نتحدث عنه.
وقد ذكرنا في [تاريخ الغيبة الكبرى][[513]]، الفكرة الكافية لهذا التخطيط، فلا حاجة إلى التكرار.
الخط الثالث: تحقيق الشرط الثالث من شرائط اليوم الموعود، وهو إيجاد العدد الكافي لغزو العالم في ذلك اليوم، وإقامة دولة العدل العالمية. وهو التخطيط السابع من التخطيطات السابقة.
وقد حملنا فكرة مفصلة عن ذلك، في [تاريخ الغيبة الكبرى][[514]]، وتاريخ ما بعد الظهور، فلا حاجة إلى التكرار.
وهذه الخطوط الثلاثة هي التي تشكل هذا التخطيط الثالث. وبوجود نتائجها يكون هذا التخطيط قد بلغ غايته وحقق غرضه، وتكون دولة الحق العالمية على وشك الوجود فورا.
والمهم الآن هو التعرض إلى بعض تطبيقاته الرئيسية التي عاشها التاريخ الاسلامي إلى العصر الحاضر. فان هذا التخطيط هو الذي تعيشه البشرية فعلا، بصفتها تعيش الفترة المتخللة بين وجود الاطروحة العادلة والتطبيق الكامل.
ويحسن التعرض إلى التطبيقات الآتية:
أولا: إنحراف القيادة الاسلامية فترة طويلة من الزمن، ثم زوالها أخيرا.
ثانيا: انقسام المسلمين إلى عدة مذاهب.
ثالثا: وجود المادية المتطرفة المعمقة، كالماركسية وغيرها، ووجود التحلل الخلقي عموما في العالم.
رابعا: غيبة الامام المهدي D، وطول عمره طبقا للفهم الامامي.
وقد ذكرنا تفاصيل التطبيقين الأخيرين في [تاريخ الغيبة الكبرى][[515]]. ونذكر هنا فكرة ملخصة لمدى أهميته وارتباطه بصلب الموضوع.
واما التطبيقين الأولين، فسنذكرهما على مستوى [الاسلام العام] الخالي من العواطف المذهبية جهد الامكان... وان كان يمكن ان يتخذ صيغة أكثر تحديدا طبقا للفهم المذهبي.
-5-
التطبيق الأول: انحراف القيادة الاسلامية، أولا. وزوالها - بعد ذلك - ثانيا.
وهذا الانحراف على إجماله، مما تسالمت عليه المذاهب الاسلامية الرئيسية وهذا المقدار يكفينا لهذا التطبيق، لان ما سنذكره من المبررات ينطبق على هذا الانحراف بغض النظر عن تاريخ إبتدائه وأشخاص المنحرفين.
إن انحراف القيادة الاسلامية، يرتبط بالتخطيط الالهي المخصص لايجاد الشرط الثالث لليوم الموعود. حيث قلنا ان البشرية إنما يمكن أن يتكامل إخلاصها فيما إذا مرت بظروف من الظلم والتعسف طويلـة الامد، وبتجارب قاسية، يكون الأفراد - من خلالها - على محك التمحيص في أن ردود أفعالهم هل سوف تكون إلى جانب الحق أو إلى جانب الظلم الاجتماعي.
وقد عرفنا أيضا ان الايمان، مهما يكن ضخما، لا يعتبر شيئا ذا بال ما لم يكن ممحصا. واما الايمان الساذح الفج، فلا قيمة له في التخطيط الالهي، أنه يكون غرضا لأول رمية، فاشلا في أول تجربة.
إذن، فمن الضروري أن تمر البشرية في ظروف التجارب القاسية!، واما كيف يتم ذلك بعد أن عاشت الأمة الاسلامية القيادة العادلة في أول عهدها، في صدر الاسلام؟.
إن ذلك يتم بالسماح لعوامل الانحراف بأن تعمل عملها في المجتمع، لا بمعنى ان الله عزّ وجلّ قد رضي بها وبارك وجودها. بل بمعنى انه تعالى فسح لها فرصة الوجود، ولم يجعل الموانع الفكرية[[516]]، والاجتماعية ضدها. وان من أهم ظروف الانحراف الممكن وجودها في المجتمع، هو إنحراف القيادة، لما للقيادة من أثر بليغ في صياغة المجتمع وبلورته.
ومن هنا يتضح ان إنحراف القيادة يمت إلى هذا التمحيص العام بصلة وثيقة من زاويتين:
الزاوية الأولى: كونه سببا لتمحيص المجتمع، واختبار أفراده عموما، لتعرف آراؤهم وأعمالهم تجاه القيادة المنحرفة، ليتميز - بالتدريج - جانب الفشل من جانب النجاح في الأفراد.
وذلك بخلاف ما لو بقيت القيادة عادلة وصالحة، فان الايمان سوف يكثر ويترسخ، ولكنه سوف يبقى ساذجا وفجا، وبالتالي غير صالح للقيادة العالمية. وبالتالي سوف لن يتحقق العدد الكافي من المخلصين الممحصين لغزو العالم وتأسيس الدولة الموعودة.
ومعنى ذلك ان قيام دولة الحق والعدل في أول الاسلام مانعة عن وجود دولة الحق والعدل في المستقبل، وحيث أن الأخيرة واقعة في طريق الهدف البشري الأعلى، إذن فهي أهم وجودا وألزم تحققا، إذن، فلا بد أن تخطط لها وأن بحذف الأول، وخاصة إذا لاحظنا أن دولة العدل الأولى ضيقة النطاق والدولة الموعودة عالمية.
واما وجود دولة عالمية محكومة بالعدل منذ أول الاسلام، فقد اتضح عدم إمكانه لعدم تمحيص الايمان في نفوس الأفراد، الأمر الذي يجعلهم غير مؤهلين للقيام بهذه المهمة الكبرى.
وهذه الزاوية الأولى هي الأهم في تسلسل الفكرة عن التخطيط الالهي.
الزاوية الثانية: ان إنحراف القيادة مسبب عن ذلك التمحيص. حين أصبح الحاكم أو القائد في الدولة الاسلامية ممثلا لمستوى الفرد العادي من ناحية الايمان ومن ناحية الحرص على المصالح العامة.
ومعنى ذلك: ان التمحيص في التخطيط الثالث، بعد ان أوجب انحراف غالبية المجتمع، وكان أفراد الخلفاء من هذه الغالبية المنحرفة، كان استخلافهم يعني انحراف القيادة في المجتمع الاسلامي. إذن، فهذا الانحراف مسبب عن التمحيص وهو المطلوب.
ولا تنافي بين هاتين الزاويتين، إذ يمكن أن يكون انحراف القيادة سببا للتمحيص ومسببا عنه. فان أفراد الخلفاء متعددين، كـما ان المجتمعات التي يجري عليها التمحيص كثيرة. ومن هنا يكون انحراف كل قائد أو حاكم أو خليفة مسببا عن التمحيص الذي قبله وسببا لوجود التمحيص الذي بعده.
وكلا هاتين الزاويتين، كـما يصدقان على الحكم المنحرف المتصف باسم الاسلام، كذلك يصدقان على زوال الحكم الاسلامي بالمرة. غير ان الزاوية الثانية ستكتسب هنا أهمية أكبر: حيث ان الانحراف السائد يكون قد تأصل بالتدريج - طبقا للتخطيط - إلى حد أصبح الحكام الذين لا يزالون يمثلون الفرد الاعتيادي في المجتمع، أصبحوا منعزلين عن الدين بالمرة، ومؤمنين بمبادىء أخرى غير دينية. لان الفرد الاعتيادي قد أصبح بدوره كذلك. وبذلك خرجت القيادة عن كونها إسلامية تماما. وهذا معنى انطباق الزاوية الثانية.
واما انطباق الزاوية الأولى، فمن الواضح أن الانحراف في داخل إطار الاسلام، إذا كان محكا للتمحيص، فكيف بالخروج الكامل عن تعاليم الاسلام، الذي يمثل - في واقعه - الدولة العلمانية تماما. فان التمحيص فيه أوضح وأصعب في نفس الوقت، كما هو غير خاف على من عاش مثل هذه الظروف.
-6-
التطبيق الثاني: انقسام المسلمين إلى عدة مذاهب.
يندرج هذا التطبيق في كل من الخطين الأول والثالث من الخطوط الثلاثة التي ذكرناها قبل فقرتين.
اما اندراجه في الخط الأول، وهو تعميق الفهم الاسلامي في أذهان المسلمين... فباعتبار مشاركة هذا الانقسام فيه، من حيث ان الحقيقة بنت البحث والمناظرة، والحق لا يثبت إلا بالبرهان. فمن الطبيعي أن يكون الجدل الواقع بين المذاهب الاسلامية باستمرار، وحول مختلف الموضوعات، مشاركا في تعميق الفكرة الاسلامية في أذهان المسلمين عموما.
وهذا التعميق مضافا إلى كونه للفكر الاسلامي تدريجا، فانه أيضا مؤثر في نهاية الشوط في زيادة التعمق الفكري الذي يساعد على بناء مستوى الوعي الجديد في اليوم الموعود، وعلى إستيعاب ما سوف يعلن فيه من مفاهيم وتشريعات.
واما اندراجه في الخط الثالث، فلوضوح ان المسلمين اتفقوا على ان المذهب الحق من مجموع المذاهب واحد لا يتعدد. إذن، فكل المذاهب الأخرى تمثل درجة من درجات الانحراف، على حين نجد ان أفراد المسلمين قد انتشروا على جميع المذاهب. إذن، ينتج أن بعض المسلمين - أيا كانوا - على صواب، والآخرين على خطأ. أي أن بعضهم منسجمون مع التخطيط وناجحون فيه، وبعضهم فاشلون.
وحين ننسب أولئك إلى النجاح، فإنما نقصد نجاحهم من زاوية اتخاذهم للمذهب الذي يفترض كونه حقا. والا فانه يوجد في كل المذاهب الاسلامية، على الاطلاق، جمهور كبير من الخارجين على تعاليم دينهم ومذهبهم أساسا. وبطبيعة الحال سيكون هؤلاء الناجحين هم الأكفاء لحمل مسؤولية الدولة العالمية تحت قيادة المهدي D.
وبطبيعة الحال، لا ينبغي أن ينسى القارىء، اننا حين نتكلم عن التخطيط إنما نتكلم عن [العلة الغائية] أو السبب الاستهدافي، لا عن السبب المنتج أو الفاعل. وقد قلنا ان السبب الاستهدافي لا ينافي السبب الفاعل. إذن، فأسباب الانقسام - مهما كانت - لا تنافي اندراجه ضمن التخطيط العام باعتبار النقاط التي ذكرناها.
ولعل هذا هو المراد من قوله 9- لو صح الخبر -: اختلاف أمتي رحمة، على أحد تفسيريه، وهو أن يكون المراد بالاختلاف: الانقسام في الرأي، لا المبادرة إلى أولي الأمر والسؤال منهم.
-7-
التطبيق الثالث: وجود المادية المعمقة والتحلل الخلقي في العالم.
وقد تحدثنا عن ذلك مفصلا، خلال الاطروحة الثالثة لتفسير ولادة الفكر الماركسي، التي ذكرناها في أول هذا الكتاب، فلا حاجة إلى التكرار. كل ما في الأمر ان القارىء الآن يعرف الأسس الكاملة التي تقوم عليها تلك الاطروحة، بشكل أوضح مما يدركه خلال قراءته لأول الكتاب. فلو شاء القارىء أن يعيد إليها النظر إعادة تطبيق وتمحيص، كان ذلك هو الأفضل.
وبذلك تكون الماركسية خاصة والمادية عامة، مندرجة في كلا الخطين اللذين أشرنا إليهما في التطبيق السابق، وهما تعميق الفكر الاسلامي، والتسبب لايجاد الشرط الثالث لليوم الموعود، كـما هو غير خفي على من راجع البحث المشار إليه.
التطبيق الرابع: غيبة الامام المهدي D وطول عمره، طبقا للفهم الامامي.
وكلتا الفكرتين تابعتان للخط الثاني من الخطوط الثلاثة، وهو إيجاد القائد الكامل، ومنطلقتان من [تكامل ما بعد العصمة].
اما طول عمره، فباعتبار عدة نقاط ذكرنا جملة منها في تاريخ الغيبة الكبرى نلخص منها ما يلي:
النقطة الأولى: انه تحت شروط معينة ذكـرناها هناك[[517]]، يعمل الامام المهدي D في مصلحة المجتمع لأجل دفع ما يمكن ان يقع عليه من بلايا وويلات من قبل الظالمين وأعداء الدين. ويؤدي بهذا الصدد تضحيات وجهودا كبيرة، فهذا مضافا إلى كونه عملا في مصلحة المجتمع، يؤدي أيضا إلى [تكامل ما بعد العصمة] بالنسبة إليه باعتبار ما سبق أن برهنا عليه هناك[[518]]، من أن أداء التضحيات الاختيارية في سبيل الهدف الأعلى يؤدي إلى تعميق الاخلاص وقوة الارادة في النفس.
كل ما في الأمر، ان هذا التعميق يبدأ من المستوى الذى عليه الفرد سلفا، فالفرد الاعتيادي يزداد درجة أو درجتين مثلا. واما الامام المعصوم فحيث انه ينطلق من زاوية قوة، ومن صفات أولية عليا، فسيكون تكامله بجهاده وتضحياته، أعمق وأكبر من الفرد الاعتيادي بكثير.
النقطة الثانية: اننا طرحنا في تاريخ الغيبة الكبرى، إطروحة محتملة - على الأقل -... وهو أن يكون لطول العمر ومعاصرة الأجيال الطويلة، تأثيرا في إطلاع الفرد على قوانين التاريخ وتسلسل الحوادث فيه، من ناحية... وعلى أساليب التأثير في هذه الحوادث، بشكل معمق لا يمكن لأي فرد إعتيادي أن يصل إليه، من ناحية ثانية. وقد عرضناها هناك مفصلا. فلتراجع.
وهناك نقاط أخرى، بالنسبة إلى طول عمر المهدي D يمكن اقتباسها من ذلك الكتاب، لا حاجة الآن إلى التطويل بتعدادها.
وأما غيبته عليه السلام، فهي - طبقا للفهم الامامي - تقترن دائما بطول عمره، وقد عرفنا مزاياه. فإذا أردنا ان نعرف مزايا الغيبة مستقلة، فلا بد أن نلاحظ انه ما الذي يحدث مع ارتفاعها واطلاع الناس على حقيقة المهدي D، مع حفظ الصفة السابقة، وهي طول العمر. فهل يمكن ان يكون المهدي طويل العمر مكشوفا للناس؟.
ولعل أوضح ما يخطر في الذهن، كدليل على عدم إمكان ذلك - بعد التسليم بالقدرة الالهية عليه -: هو الاستغراب من وجود شخص معين يعمر بهذا المقدار الكبير، ألف سنة فصاعدا، فانه مما لا يمكن ان يكون مهضوما اجتماعيا بأي حال. فقد قدر الله تعالى غيبته لكي لا يثير الاستغراب.
إلا ان هذا بمجرده ليس محذورا، ولا دليلا على عدم الامكان... اذ لو تجرد الأمر عن المحذور الآتي لكان عمره من الادلة الرئيسية على مهدويته للناس أجمعين، ولكان طريقا سهلا له إلى الهداية الحقيقية، وإعطاء الثقافة الواسعة في كل جيل... بعد ان يفترض بالناس انهم يعرفونه ويواجهونه بصفته الحقيقية.
وإنما لم يحدث ذلك، لان فيه محذورا أو نقطة ضعف كبيرة، تنتج عدم تحقق دولة العدل العالمية في المستقبل، ومن ثم زوال الغرض الأسمى من خلق البشرية. وحيث ان هذا محال - كـما عرفنا - إذن، فلا بد أن لا ينكشف المهدي D وأن يبقى غائبا طيلة عمره المديد.
والمحذور الكبير من انكشافه هذه المدة، هو معروفيته بالمهدوية خلال هذه المدة، كـما هو المفروض مع ارتفاع الغيبة. ومن المعلوم في الأذهان، ان المهدي [يملأ الأرض قسطا وعدلا كـما ملئت ظلما وجورا] أي أنه زعيم الثورة العالمية العادلة. ومعه تشحذ القوى العالمية أسنتها ضده، وهي على الدوام تمثل جانب الظلم والجور. والمفروض أن المهدي D في غيبته أعزل ليس له سلاح ولا أنصار، ولم يتمخض المجتمع عن الشرط الثالث، وهو إيجاد العدد الكافي لنصرته. إذن فسوف يكون غرضا لأول رمية، وسيزول عن مسرح التاريخ. ومعه تفقد الدولة العالمية وجودها، ويفقد الغرض الأسمى وجوده بدوره... وهو مستحيل.
وقد يخطر في الذهن: أنه على هذا التقدير، يمكن التعويض بشخص آخر يكون مهديا قائدا للدولة العالمية... وهو أمر سهل في القدرة الالهية.
وجواب ذلك: ان هذا الثاني المفترض، ان فرضنا له طول العمر بالمقدار الاعتيادي فقط، فقد خسرنا نقطتي القوة السابقتين اللتين برهنا بهما على ضرورة طول العمر للقائد العالمي العادل. وان فرضناه طويل العمر ومكشوفا إبتلينا بنفس هذا المحذور الأخير، فانه أيضا يكون معرضا للقتل، فلا بد من التعويض عنه بثالث، وهكذا. وهذا غير صحيح بالضرورة، فانه مضافا إلى كونه [مسخرة] يجل عنها التدبير الالهي، ينتج أيضا أن يكون المهدي في آخر الأمر - أي عند إنجاز الشرط الثالث - شخصا ذو عمر اعتيادي بعد ان قتل كل المعمرين السابقين عليه, فنخسر أيضا النقطتين السابقتين.
وان فرضنا ان هذا المهدي الثاني المفترض, طويل العمر وغائبا, اذن, فلا حاجة إلى افتراض هذا الثاني, إذ في قدرة الله تعالى ان يبقي مهديا واحدا مرصودا لدولة الحق, لانه يكون أطول عمرا, فتكون نتائج كلتا النقطتين فيه أوضح, لان كلتيهما مما يزيد طول العمر في نتائجهما, كما هو معلوم لمن يفكر. هذا مضافا إلى نقاط ضعف أخرى لهذا الافتراض, إنطلاقا من الفهم الامامي, الذي يقوم عليه الافتراض نفسه... لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها الآن.
اذن, فقد صح اندراج غيبة المهدي D وطول عمره معا في التخطيط الثالث, ومن ثم في التخطيط العام لتكامل البشرية وأهدافه.
وهذا صحيح بالنسبة إلى [الغيبة الكبرى] للمهدي D, لانها هي التي تستمر أجيالا طويلة. واما [الغيبة الصغرى] السابقة عليها, فقد عرفنا تاريخها[[519]] , ان الغرض الأساسي منها تمهيدها للغيبة الكبرى, باعتبار رفع الاستغراب عنها أولا, واقامة الحجة على وجود المهدي D ثانيا. فتكون [الغيبة الصغرى] مندرجة في التخطيط الثالث من هذه الزاوية.



الجانب الدنيوي
في التخطيط الثالث
-1-
يحسن بنا التعرض إلى الجوانب [الدنيوية] في هذا التخطيط الثالث. إلى جنب الجوانب الدينية [النبوية] التي ذكرناها. كـما فعلنا ذلك في التخطيط الثاني، لنرى مقدار إرتباط هذه الجوانب بهذا التخطيط.
وأهم هذه الجوانب ما يلي:
الجانب الأول: المبادئ المتعددة التي تمثل أفهاما مختلفة للكون والحياة وإطروحات عديدة لحل مشكلة الانسانية.
الجانب الثاني: القوانين الوضعية على اختلافها وأشكال تفسيرها.
الجانب الثالث: العلوم الانسانية كالفلسفة والمنطق والرياضيات ونحوها. بما بلغته من عمق خلال عصرها المتأخر.
الجانب الرابع: العلوم التكنيكية، كالفيزياء والكيمياء والفلك والطب ونحوها، بما أوصلته إلى البشرية من نتائج ضخمة على المستوى العلمى في مختلف الحقول.
-2-
الجانب الأول: المبادئ المتعددة التي تمثل أفهاما مختلفة للكون والحياة وإطروحات عديدة لحل مشكلات الانسانية.
وقد إحتوى هذا الجانب على أشكال مختلفة خلال التاريخ الطويل، فوجدت عدة مباديء تحتوي على إدعاء هذا الحل، ولكنها قائمة على أسس متباينة:
وكان بعضها قائما على أسس دينية منحرفة، بمعنى أنها تقدم المصلحة الشخصية على المصلحة الدينية، يندرج في ذلك الخلافة الأموية والخلافة العباسية وحكم الكنيسة واتباعها في أوروبا... وغيرها.
وكان بعضها قائما على أسس دكتاتورية كالدولة الرومانية التي كانت لا زالت مستمرة إلى ما بعد الاسلام، والقيصرية الروسية والفاشية، وغيرها. وكان بعضها قائما على أسس رأسمالية، وأهمها الحكومات الأوروبية والأمريكية الرأسمالية، وأولها إندفاعا في هذا الاتجاه وأقدمها بريطانيا، باعتبار فرنسا وألمانيا وغيرها تَقدم التغيير فيها، وهو المسمى [بالثورة المجيدة!!]. وكان بعضها قائما على أساس الفهم المادي المصلحي للمجتمع، وان لم يمارس حكما بالفعل، كالوجودية...
وكان بعضها قائما على أساس الفهم المادي الفلسفي، وهي الماركسية المطبقة الآن في عدد من دول العالم وأهمها الاتحاد السوفييتي والصين.
وأما [الاطروحة العادلة الكاملة] فلم تنزل إلى حيز التطبيق إلا في نطاق ضيق في المكان والزمان، لكنه يكفي لاثبات وجودها كإطروحة حاكمة من ناحية، وموفرة للعدل الاجتماعي من ناحية ثانية... وبالتالي لتوفر البرهان الراسخ في الأذهان الذي يفيد فائدته الجمة خلال هذا التخطيط.
وأهم مثال لهذا التطبيق، ما مارسه الرائد الأول لهذه الاطروحة نبي الاسلام 9 خلال حياته، أعني من بعد الهجرة إلى حـين وفاته. فانه كان يأخذ بزمام المبادرة إلى إنزال الحكم إلى حيز التطبيق فور وصوله يوما فيوم وساعة فساعة.
وبهذا وجدت لدينا أربع أفكار نافعة لنا في هذا الجانب من البحث، يرتبط اثنتان منها بالاطروحة الكاملة، واثنتان منها بالمبادئ الأخرى.
أما الفكرتان المرتبطتان بالاطروحة الكاملة فهما:
الفكرة الأولى: نجاح التطبيق الذي وجد في صدر الاسلام، نجاحا كافيا مقنعا لاثبات عدله وجدارته لقيادة العالم، في أي وقت أمكن له ذلك.
الفكرة الثانية: النظر إلى تفاصيل المفاهيم والتشريعات التي تحتويها هذه الاطروحة، أو هذا الفهم للكون والحياة... مع مقارنته بالاطروحات الأخرى، ليجد الفرد أنه أفضل الأشكال وأكثرها عدلا، كـما هو مبحوث في مجال آخر.
الفكرة الثالثة: وهي الفكرة الأولى التي تعود إلى المبادئ الأخرى... وما فصلناه في [تاريخ الغيبة الكبرى] وأشرنا إليه هنا مختصرا، وهو ان المبادئ عموما تمر خلال تطبيقها بالتمحيص والتجربة، شأنها شأن الأفراد. ولكنها أعمق تمحيصا وأطول عمرا، فقد يمتد عمر تمحيصها إلى عشرات أو مئات السنين.
وبذلك تتهاوى المبادئ على سكـين التمحيص تدريجا، ويثبت فشلها واحدا بعد الآخر، ولا تبقى هناك نقطة ضعف، مهما كانت صغيرة، وفي أي مبدأ من المبادئ إلا كشفها التمحيص والتجربة الحياتية الطويلة.
وأوضح تسلسل تطبيقي لذلك، هو ان المبدأ حين يوجد يحاول ان يغطي نقاط الضعف فيه ونقاط الفشل في المبادئ الأخرى، بمقدار ما يفهم واضعه ويدركه من آلام الحياة وآمالها. ولكن لمدى محدودية الفكر الواضع لهذا المبدأ أو ذاك، سوف يصعب بالتدريج على المبدأ مواجهه الحاجات الحياتية المتجددة والمشاكل الاجتماعية المتكثرة. وكلما ازدادت الحاجات وتوفرت المشاكل التي لا يستطيع حلها كلما ازداد فشلا، واتضح فشله في التمحيص أكثر فأكثر. حتى يصل إلى نقطة يبدأ المطلعون على الفشل يزدادون حتى يكون الرأي الاجتماعي العام على سعته فاهما لذلك. وتلك هي نقطة النهاية لكل مبدأ باطل. ولكن قد يطول الزمن بهذه النتيجة أو يقصر، تبعا لما يتصف به المبدأ من ضحالة أو عمق، وما يتصف به ذووه من قوة أو ضعف.
الفكرة الرابعة: ان كل المبادئ التي طبقت إلى حد الآن، قد مرت بتجربة حياتية طويلة، وقد أثبتت هذه التجربة حسيا فشلها في التمحيص واحدا بعد الآخر. وكان من أهم المبادئ التي ثبت زيفها وفشلها: الرأسمالية بما أنزلته على البشرية من ويلات ودمار. وكذلك الحكم الكنسي بما مثله من تعنت فكري وتطرف مصلحي وانحراف ديني كبير.
ولا زالت الماركسية في حيز التمحيص، وقد أشرنا عند الحديث عن مناشيء وجودها، إلى انها بدأت بالتدريج تكشف عن زيفها الفكري والتطبيقي من خلال التجربة الحياتية. حتى بدأ الرأي العام العالمي يدرك ذلك بالتدريج، وان كان لا زال من يكابر هذه الفكرة في العالم عدد كبير.
ينتج من هذه الأفكار الأربعة، أمر هام بالنسبة إلى اليوم الموعود، وهو ان الفرد الفاهم لهذه الأفكار كلها، وخاصة الأولى والأخيرة، سوف ييأس من الاطروحات المعروضة لحل مشاكل البشرية، وسوف ينتظر العدل الكامل المتمثل بالاسلام في اليوم الموعود، خلال دولة العدل العالمية.
واما الفرد الفاهم للفكرة الأخيرة فقط، وهو الفرد العادي المشارك للرأي العام الذي إتضح له فشل المبادئ المطبقة جميعا، من دون ان تكون له أية فكرة عن عدل جديد. كـما هو عليه الحال، في الرأي العام العالمي اليوم.
... ان هذا الفرد أو هؤلاء الناس، بعد أن يعيشوا المآسي الضخام التي أنتجها فشل المبادئ ويرون في أنفسهم الخطأ في توقعهم في أن يمثل شيء منها الحل العادل الكامل لمشاكل البشرية... بعد ان يعيشوا ذلك، يبقون على مستوى التلهف الكبير في وجود ذلك الحل العادل، وحائرين في معرفة وتشخيص المبدأ الذي يمثله.
وهذا التلهف سوف يجعل منهم قاعدة سهلة لتقبل أول مبدأ يعلن لنفسه صلاحيته لذلك الحل، والانصياع لقيادته في أسرع وقت، وسيكون انطباقه على الحل [العادل الكامل] واضحا.
بل قد يبلغ بهم الجزع انهم سوف يدركون، أو تدرك الجماعة المثقفة منهم على الأقل: ان التضحيات التي يستلزمها وجود الحل الكامل أقل بكثير من المصاعب التي قاسوها من المبادئ الأخرى، فهم يتلهفون لأي حل يكفل لهم تلك النتيجة وان كلفهم تطبيقه غاليا.
وهذه خطوة أخرى في مصلحة التطبيق العالمي في اليوم الموعود.
وإذا أعلن الاسلام أمام الرأي العام العالمي، خلال عصر التخطيط الثالث الذي نتحدث عنه، على أنه هو الاطروحة العادلة الكاملة، كـما قد أعلن فعلا من قبل المفكرين الاسلاميين. واقترن هذا الاعلان بالتحدي للمبادئ الأخرى وان هذا التحدي منوط بالتجربة فقط، وانه لا يمكن التأكد من عدم صلاحيته للتطبيق - كـما يدعي البعض - إلا بعد التجربة المعاصرة، والاسلام لم يعش التجربة المعاصرة. فلا أقل من انه يوجد احتمال منطقي كبير، في أن يكون هو العدل العالمي المنشود.
فإذا وصل الأمر، إلى ان يصبح هذا الاحتمال واضحا على مستوى الرأي العام العالمي... وهو الآن سائر في هذا الطريق... سوف يكون دعما كبيرا لتطبيق الاطروحة الكاملة في دولة الحق والعدل الموعودة، حين يحين زمانها وهي خطوة جديدة في مصلحة ذلك التطبيق.
-3-
الجانب الثاني: القوانين الوضعية على اختلاف أشكالها وتفاسيرها.
لعل أول قانون وضعي معروف في البشرية، هو شريعة حمورابي التي كتبها على مسلته المعروفة. والمظنون انه أخذها أو الجانب المهم منها من التوراة أو من بعض أقسامها، كالوصايا العشر وغيرها. وذلك لوجود نقاط تشابه كثيرة بينهما، كـما هو معلوم لمن يراجع المصدرين.
وهذا هو أحد الأشكال أو أقدمها لابتناء القانون الوضعي على الأساس الديني، وقد عرفنا ذلك في القانون الروماني أيضا، ولا أقل من احتماله. وكل ذلك مربوط بفترة التخطيط الثاني السابق.
واما في فترة التخطيط الثالث. فقد بقيت أوروبا - زعيمة القانون الوضعي - تعيش على القانون الروماني والحكم الكنسي إلى عصر النهضة الحديثة. ويكاد يكون أول قانون أصدرته أوروبا في فجر عصرها الجديد، هو [لائحة حقوق الانسان والمواطن] الفرنسية، ولا أقل من كونه أهم القوانيـن الصادرة في تلك الفترة. تبع ذلك قوانين نابليون التي نظم بها فرنسا من جديد. وبالتدريج تحددت القوانين وتمايزت اتجاهاتها واختصاصاتها. وأصبح لكل دولة مجموعة من القوانين التي تعالج مختلف ميادين الحياة، وأصبح لها رسوخ وأهمية أكبر من الاشخاص الحاكمين، بخلاف عصر ما قبل النهضة، حين كانت أوروبا محكومة بالحكم الفردي والديكتاتوري، وكان أشخاص الحاكمين أعلى وأهم من القوانين.
ونستطيع ان نتميز تأثير هذه القوانين في تعميق الفكر البشري، لو قارنا بين الفكر المعاصر، والفكر الموجود في أول عصر التخطيط الثالث.
إن الاسلام، وان نزل - نظريا - بقانون شامل لكل جوانـب الحياة، إلا ان استيعاب الفكر البشري له لم يكن كـما ندركه نحن اليوم. حتى ان معاوية بن أبي سفيان إضطر ان يقتبس تنظيم عدة جوانب من دولته من التنظيمات السائدة في بلاد فارس والروم[[520]]. ولم يستطع ذهنه يومئذ ان يفهم ذلك من إطروحته العادلة الكاملة، التي يفترض نفسه في قمة مطبقيها ورعاتها.
... على حين أوجبت تطبيقات وتجارب القوانين الوضعية، تفتح الذهن البشري من هذه الناحية على كثير من التفاصيل، كـما أوجبت تطورات الحياة الاجتماعية، زيادة هذا التفتح.
ولعل أهم النقاط هي كـما يلي:
أولا: التوصل إلى فهم أضمن وأسهل طريق لتنفيذ الحكم في الدولة، تحت رئاسة الحاكم الأعلى: الملك أو الرئيس... وذلك عن طريق توزيع الاختصاصات في التنظيم والتنفيذ، إبتداءا بالوزراء وانتهاءا بالفراشين!!...
ثانيا: التوصل إلى فهم التحديد الكامل لاختصاصات القوانيـن، فهناك الجانب العسكري والجانب المدني والجانب الدولي وغيرها، ويوضع لكل منها قانونها الخاص.
ثالثا: التوصل إلى إمكان مطالبة المقننين بالأسباب الباعثة على جعلها وجعل كل مادة منها، وهل هي مطابقة للعدل والمصلحة العامة أو لا.
رابعا: فهم إمكان ابتناء قوانيـن معينة على مبادئ معينة، وانطلاقها من فهم معين للكون والحياة... بل لعل ذلك ضروري في كل قانون.
خامسا: عاشت البشرية عصورا متطاولة من تطبيقات هذه القوانين، وما تكفلته من عقوبات للعصاة، وما انتجته من فوائد أو مضار على المجتمع عموما.
وكل ذلك يزيد الجانب القانوني للاطروحة العادلة الكاملة وضوحا في ذهن البشرية بطبيعة الحال مما يساعد كل المساعدة على إتخاذ الخطوة القادمة في دولة العدل العالمية.
سادسا: اتضاح فشل القوانين، واحتياجها إلى الاصلاح والتغيير حتى تصير إلى الزوال، نتيجة للتمحيص في التجربة الحياتية. بل اقتضى الفهم القانوني اتضاح فشل اتجاهات قانونية كبرى، وبناء أسس جديدة سيكون لها عمرها التي تنتهي بعده أيضا، نتيجة للتجربة وللتدقيق في الفهم القانوني.
وهذه النقطة خطوة موفقة، لاستنتاج عجز الفهم الانساني عن التقنين ومن ثم اليأس من إيكال حلول المشاكل البشرية إليه، وانتظار اتجاه قانوني جديد، لكون هو الحاسم في هذا المجال.
-4-
الجانب الثالث: جانب العلوم الانسانية كالفلسفة والمنطق والرياضيات ونحوها، بما بلغته من عمق خلال عصر التخطيط الثالث.
وقد عاصر أول هذا العصر مع الفلسفة الوسيطة، كالافلوطينية الحديثة والرواقية والفلسفة المسيحية - لو صح هذا التعبير - المتمثلة بأوغسطين وتوما الاكويني واضرابهما. كما جاء القرآن الكريم بفهم معـين للكون والحياة.
وأعقب ذلك وجود الفلاسفة المسلمين، كابن رشد والغزالي وابن سينا والفارابي. وكان هؤلاء - عادة - مستوعبين لعدد من العلوم الانسانية التي كانت تعتبر متشابهة أو متجاورة بشكل وآخر. وهي الفلسفة والمنطق والرياضيات والطب والفلك. وربما قرنوا ذلك باتجاه كيميائي وفيزيائي ضيق، أو بفهم اجتماعي قليل.
وقد ورثت أوروبا في نهضتها كل ذلك، وحددت أساليبه، وأخذت بتعميقه وتوسيعه إلى أكبر حد ممكن. فلم ينفصل علم عن علم فقط، بل أصبح لكل علم فروعه المختلفة، وأصبح للعلوم نقاط إلتقاء ونقاط اختلاف كالمنطق الرياضي، وعلم النفس الاجتماعي، مثلا... ولا زالت أوروبا سائرة في هذا الطريق. ولا نعلم ماذا يأتي به المستقبل في هذا السبيل.
وهذا العمق، يساعد - بطبيعة الحال - على عمق المستوى الفكري للبشرية عموما، ويجعلها قابلة لفهم العميق من الأفكار أكثر فأكثر. ويكون لهذا العمق أثره في عدة حقول من التخطيطين الثالث والرابع. نستطيع ان نفهم منها ما يلي:
الحقل الأول: تعميق الفكرة إلى أبعد حد ممكن عن تفاصيل وبراهين الاطروحة العادلة الكاملة، سواء من الناحية العقائدية أو التشريعية.
الحقل الثاني: جعل البشرية بالمستوى الفكري اللائق لفهم المستوى العقائدي والتشريعي الذي يعلن في الدولة العالمية خلال التخطيط الرابع.
الحقل الثالث: جعل نتائج هذه الأفكار المعمقة للمنطق والرياضيات وغيرها، منطلقا - في الدولة الموعودة - لإنتاج أو إنجاز حقول مهمة في خدمة البشرية اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا يومئذ.
-5-
الجانب الرابع: الجانب [المدني] المتمثل بالتطور التكنيكي الصناعي الهائل الذي وصلت إليه أوروبا وغيرها منذ عصر النهضة إلى العصر الحاضر. وهي قابلة للتطور من هذه الناحية باستمرار. ويشمل هذا الجانب العلوم التي أنتجت هذا التطور الضخم كالفيزياء والكيمياء والطب والفلك والجيولوجيا وغيرها.
ولعل من مستأنف القول: الالماع إلى جسامة هذه النتائج، بعد أن كانت لا تكاد تخفى على أحد في هذا العصر، وقد أعطينا عنها صورة كافية خلال الحديث عن إنتاج [العلم] الحديث ليوم الرفاه الموعود.
ان البشرية حين تتطور في هذا الطريق، فانها تخدم - من حيث لا تعلم - هذا التخطيط الثالث والتخطيط الرابع، من عدة جهات:
الجهة الأولى: تعميق البرهان على قدرة الله وحكمته في تدبير الكون بما تحمله هذه العلوم، وفي مقدمتها الفيزياء والفلك، من نتائج مذهلة ومعارف معمقة في تكوين البناء الكوني وإسلوب سيره، فانها في الحقيقة تكشف لنا أكثر فأكثر عن قدرة الخالق الحكيم المدبر لكل ذلك.
ومن الواضح انه كلما ازدادت معرفتنا بالوقائع الكونية الدالة على القصد والحكمة، والتي يتعذر تفسيرها من الناحية المادية في كثير من الأحيان، كلما كان الاعتراف بالخالق الحكيم أسهل وأعمق.
الجهة الثانية: تسرب هذه العلوم تدريجا، إلى أولئك النفر الطيبين الناجحين في التمحيص الالهي، خلال هذا التخطيط الثالث، الذين سيكون لهم شرف المشاركة في بناء دولة العدل العالمية... فيحصل هناك اختصاصيون ومهرة على هذا المستوى الرفيع.
وهؤلاء يواكبون التخطيط الثالث باعتبار ما يؤدونه إلى الطيبين من أمثالهم خاصة وإلى البشرية عامة من منافع إيمانية وإنسانية مهمة.
الجهة الثالثة: وسيكون هؤلاء هم العماد الرئيسي في النمو الصناعي القائم على هذه العلوم الكونية في دولة العدل العالمية، بعد ان يتم القضاء على جملة من الاختصاصين باعتبار انحرافهم عن أسس التخطيط العام كـما سنعرف، وسنلتفت إلى تفاصيل ذلك عند الحديث عن التخطيط الرابع.

تطور الفكرة المهدوية
في التخطيط العام
-1-
تعتبر الفكرة المهدوية بالنسبة للتخطيط البشري العام، بكل أقسامه فكرة رئيسية باعتبارها فكرة القيادة العامة للدولة العالمية التي تأخذ زمام المبادرة لإنجاز الهدف البشري الأعلى في حيز التطبيق، وهو المجتمع المعصوم، كـما عرفنا.
وقد مرت الفكرة المهدوية خلال التخطيطات البشرية التي عرفناها بتطور نحو الوضوح بتدرج بطيء، بمقدار بطء تطور الفكر والوعي البشرى نفسه. وقد أعطينا عن ذلك فكرة كافية في تاريخ الغيبة الكبرى[[521]]، ونحاول هنا ان نعطي عنه خلاصة واضحة، لأجل ربط الحوادث ببعضها، مع ملء ما تبقى فيها من الفراغ.
وتعتبر التخطيطات الثلاث الأولى، هي الزمن الذي يتم فيه هذا التطور، إذ من الواضح انه بافتتاح عهد التخطيط الرابع تصبح المهدوية واقعا حياتيا اجتماعيا، باعتبار تكفل المهدي نفسه لقيادة دولة العدل العالمية، وتخرح عن كونها مجرد فكرة تربوية.

-2-
هذا، ولكن لا يخلو التحديد بالتخطيطات الثلاثة، كزمن لهذا التطور... لا يخلو من تسامح، لوضوح ان هذه الفكرة لا يمكن أن يكون لها أي وجود في الذهن البشري خلال التخطيط الأول، في ما قبل إكتساب البشرية مستوى الوعي والتفكير.
فهذه الفكرة خلال ذلك التخطيط، بالرغم من انها مستهدفة من خلق البشرية وتكاملها من قبل الخالق الحكيم، إلا ان هذه البشرية لم تكن قابلة لتفهمها خلال ذلك العصر على طوله, ومن ثم لم يكن بالامكان إيصال هذه الفكرة إليها حتى عن طريق الأنبياء, لو كان لهم وجود بسيط في ذلك الزمن, كما سبق ان احتملناه.
اذن, ينتج بوضوح: ان زمن التخطيطين الثاني والثالث, هو الظرف الملائم لوجود وتطور هذه الفكرة.
-3-
ومن الممكن القول بان تطور الفكرة مساوق لتطور الوعي البشري نفسه... فكانت هذه الفكرة تبلغ بمقدار أقصى ما يفهم منها البشر في كل عصر.
فمن الطبيعي - اذن - ان نتوقع اختصارا وغموضا في أول عهدها, بل واختلاطها بشوائب كثيرة غير صحيحة, طبقا للمستوى الذهني الواطئ.
هذا مضافا إلى ما ذكرناه في [تاريخ الغيبة الكبرى] من ان المعهود في الاخبارات الواصلة بالطرق الدينية, انها تتوخى قرب الوقائع المخبر بها وبعدها. فان كانت قريبة كان الأخبار عنها أكثر تفصيلا وتحديدا, وان كانت بعيدة - سواءاً كانت من جهة الماضي أو المستقبل - كانت مصابة بالاختصار وعدم التحديد.
ومن جملة تطبيقات ذلك: الفكرة المهدوية نفسها, ففي بدء التخطيط الثاني, بل خلال عصره على العموم, كانت دولة العدل العالمية المهدوية, لا تزال بعيدة إلى درجة كافية, في الزمان, ومن ثم كانت الاخبارات عنها مختصرة وغامضة نوعا ما, بخلاف ما إذا وصلنا إلى عصر التخطيط الثالث, فان هذه الدولة العالمية, ستكون أقرب إلى حد ما ومن ثم كان الأخبار عنها مفصلا وواضحا.
-4-
نمت الفكرة المهدوية, وبتعبير أصح: إخبار البشرية عن التخطيطات المتخذة فيها, من قبل من وجد خلالها من الانبياء... نمت نموا كافيا بمقدار مستوى الذهن البشري من ناحية, وبمقدار ما توجد لهذا الخبر من مصلحة في تبليغه, وهي كونها عنصرا يدفع الانسان إلى طاعة الله والاهتمام بتشريعاته أكثر فأكثر, باعتبارها حاملة لهدف بشري عام.
وإذا نظرنا إلى القسم الأول من هذا التخطيط, ونريد به القسم السابق على نبوة موسى عليه السلام. نرى المقدار المنجز من هذه الفكرة في الذهن البشري يتمثل في الجوانب الآتية:
الجانب الأول: ضرورة البدء باصلاح النفس، وهي خطوة في طريق إصلاح المجتمع، ومن ثم إلى تكوين دولة العدل العالمية في المدى البعيد.
وأهم من أكد على ذلك النبي نوح عليه السلام. كـما نطق به كل من التوراة والقرآن. فمن ذلك قوله تعالى:
" قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ [2] أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِي [3] يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى..."[[522]].
الجانب الثاني: التركيز على ضرورة الاصلاح الاجتماعي من قبل بعض الأنبياء المتأخرين عن عصر الطوفان.
فمن ذلك قوله تعالى:
"وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ [84] وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ". إلى أن يقول: "... وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ..."[[523]].
الجانب الثالث: الالماع إلى التساوق بين العدل التشريعي والسعادة الاجتماعية بل حتى الظواهر الكونية ستكون مؤيدة له.
وأول من ركز على ذلك - حسب معرفتنا - نوح عليه السلام، حيث نسمعه يقول:
"فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا [10] يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا [11] وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا"[[524]].
وجاء ذلك على لسان هود D أيضا حين قال:
"وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ"[[525]].
وقد عرفنا في [تاريخ ما بعد الظهور] ما لهذا الجانب من تأثير في تأييد دولة العدل العالمية.
الجانب الرابع: الاشارة بغموض إلى دولة العدل العالمية وقائدها المهدي D. وذلك حين قال النبي شعيب D لقومه:
"بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ..."[[526]].
والمراد ببقية الله: [المهدي] D، على ما نطقت به بعض الروايات وذكرت أنه إذا ظهر حيّاه المؤمنون بقولهم: "السلام عليك يا بقية الله في أرضه"[[527]].
وعلى ذلك يكون المراد الحقيقي لكلام شعيب: ان دولة العدل العالمية بقيادة المهدي D، هي خير للانسانية [لكم]، من كل وضع اجتماعي وعقائدي سابق عليها. باعتبار كونها متمثلة بالتطبيق العالمي للاطروحة العادلة الكاملة. ولكن هذا المعنى بصراحته، لم تكن تطيقه البشرية بذهنها القاصر يومئذ، فكان الأحجى الاكتفاء بهذا المقدار الغامض. ولعل هناك بيانات أخرى غامضة لم تنقل إلينا.
ومما ينبغي الالتفات إليه، انه خلال هذا العصر، ما دامت دولة العدل العالمية وقيادتها، غير موضحة في الذهن البشري... إذن فالفكرة المهدوية بالمعنى الخاص الذي يفهمه الناس الآن، وهي ان شخصا معينا سيأتي لاصلاح العالم... لم يكن لها وجود.
ومن ثم تعرف ان جميع ما قالته الأديان عن وجود قيادات إصلاحية عالمية، متأخر عن هذا العصر، يعني انه متأخر عن العصر الموسوي بعض الشيء أيضا. سواء في ذلك نبوات الشرق الأوسط أو نبوءات الشرق الأقصى لان مستوى البشرية من الناحية الفكرية متشابه تقريبا في الأزمنة المتعاصرة، كـما سبق ان عرفنا. كـما ان جميع ما أعقب ذلك من انحرافات وتشويهات لمفهوم المهدوية، متأخر عن ذلك العصر أيضا.
-5-
واما خلال العصر الموسوي فما بعده، إلى نهاية التخطيط الثاني، فقد سبق أن حملنا فكرة كافية خلال الفقرة [15] من الحديث عن هذا التخطيط فلا حاجة إلى التكرار.
-6-
وحين يتحقق الشرط الأول من شرائط الدولة الموعودة، بوجود الاسلام يكون قد اقترب وجودها - بطبيعة الحال - أكثر، وسيكون هذا النظام التشريعي مع تكوينه العقائدي هو المطبق في تلك الدولة، وما بعدها من المجتمعات. وسيكون من الضروري من أجل إيجاد الشرط الثاني، مرور البشرية بظروف تمحيص صعبة على هذه الاطروحة الجديدة العادلة.
... إذن، ينبغي ان يكون المجتمع مطلعا على عدد من خصائص هذه الدولة ومقدماتها، ليكون على بصيرة من أمره تجاهها، من حيث الايمان بها من ناحية وتطبيق مستلزماتها العاطفية والعملية من ناحية أخرى.
وقد أوضح الاسلام جهات كثيرة جدا من جوانب التخطيط الالهي والفكرة المهدوية والدولة العالمية، وقد تَشارك القرآن الكريم والسنة الشريفة في ذلك، كـما شارك التاريخ الاسلامي العام في ذلك أيضا.
ولا يمكن ان تخفى هذه الجوانب على قارئ هذه الموسوعة، ولكننا ربطا للفكرة يمكننا ان نلخص أهم الجهات فيما يلي:
الجهة الأولى: ان الفكرة التي كانت موجودة في الاستهداف العام لخلق البشرية، وهي تكوين المجتمع الصالح على أيدي أناس منسجمين مع فكرة هذا الاستهداف وهذا التخطيط. هذه الفكرة أصبحت وعدا قرآنيا، فاتخذت درجة ملزمة من ناحية جديدة، وهي ان الله تعالى لا يخلف الميعاد وهي جهة برهانية صحيحة سرنا على طبقها في [تاريخ الغيبة الكبرى][[528]].
فقد أصبح الاستهداف وعدا، في أكثر من آية من آيات القرآن الكريم. منها قوله تعالى:
"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ"[[529]].
لاحظ معي ان نفس الفكرة موجودة في الزبور[[530]]، كـما هي موجودة في القرآن إلا أنها في الزبور مجرد إخبار عن واقعة ستتحقق في المستقبل وهي وراثة الناس الصالحين للأرض... ولكنها في هذه الآية [وعد]، والوعد أكثر فاعلية وحركية من مجرد الأخبار، لانه يتخذ درجة الالزام للواعد، وخاصة على مستوى الحكيم المطلق.
الجهة الثانية: انه في الفترة المتخللة ما بين تحقق الشرط الأول وتحقق الشرط الثاني للدولة العالمية الموعودة، سوف تمتليء الأرض جورا وظلما. وهذا ما تمّ البرهان على اقتضاء التخطيط له في [تاريخ الغيبة الكبرى][[531]]، وقد أعطينا عنه فكرة مختصرة خلال حديثنا هذا أيضا.
الجهة الثالثة: انه يقترن بوجود هذا التيار العالمي الظالم، وجود نخبة من المؤمنين المنسجمين مع التخطيط العام، وهم الذين سيكون لهم شرف المشاركة في بناء الدولة الجديدة.
الجهة الرابعة: في إعتقاد المذهب الامامي: ان الاسلام يرى ان المهدي القائد هو محمد بن الحسن بن علي D، الثاني عشر من الأئمة المعصومين وأنه غائب إلى حين قيامه بالدولة الموعودة.
وقد سبق في الكتابين السابقين، البرهنة على رجحان هذه الفكرة الامامية على الفكرة المقابلة لها عند المسلمين الآخرين[[532]].
الجهة الخامسة: ان قيام المهدي بالدولة العالمية، لمدى أهميته البالغة في التخطيط الالهي العام، فسيكون له ارهاصات ومقدمات سابقة عليه بزمن بعيد أو زمن قليل. كـما سبق أن عرضناه مفصلا، وأعطينا له الفهم النظري الكامل في الكتابين السابقين[[533]].
الجهة السادسة: ان السعادة التي تعم البشرية تحت نظام تلك الدولة العالمية لا تشبهها ولا تقاس عليها أي سعادة سابقة لأي مجتمع بشري، من الزوايا: الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، على حد سواء.
هذا مضافا إلى إقرار الاسلام لفكرة نزول المسيح ومشاركته في تطبيق العدل في العالم، كـما نطق به الانجيل أيضا.
مضافا إلى جهات جانبية كثيرة، لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها بعد إطلاع القارئ عليها من خلال مجموع كتب هذه الموسوعة.

-7-
وقد اتخذ التزوير والانحراف في الفكرة المهدوية، طريقه إلى الأذهان البشرية خلال عصري التخطيطين الثاني والثالث... متمثلا في خطين رئيسيين:
الخط الأول: وهو الخط الذي يغلب على عصر التخطيط الثاني، والذي لا زالت آثاره موجودة إلى الآن، وهو ان العقائد الدينية التي تؤمن بوجود المستقبل الصالح للبشرية، يسمي كل منها شخصا معينا لقيادة ذلك المستقبل غير من يسميه الدين الآخر.
الخط الثاني: وهو الخط الذي يغلب على عصر التخطيط الثالث، أعني ما بعد الاسلام، وهو ادعاء عدد من الناس خلال التاريخ: المهدوية، وأخذهم بزمام المبادرة للاصلاح العام بحسب ما يفهمونه من وظيفة المهدي الموعودة وهي عدة حركات في التاريخ الاسلامي، تمّ القضاء عليها في زمنها، ولم يبق لها وجود مهم في العصر الحاضر.
ولا نريد في هذا الصدد ان نسمي مصاديق وتطبيقات هذين الخطين، إذ لعلنا نتوفر لذلك مفصلا في جزء مستقل من هذه الموسرعة... وإنما غاية ما نريده في صددنا هذا، هو ارتباط هذا الانحراف بالتخطيط الالهي منشأ وتأثيرا.
وينفتح عن ذلك تارة عن الخط الأول وأخرى عن الخط الثاني، في ضمن جهتين:
الجهة الأولى: في ارتباط الخط الأول من الانحراف بالتخطيط العام. وهو مرتبط بعهد ما بعد الشريعة الموسوية، حين أصبح الأنبياء ينبئون عن المستقبل الصالح للبشرية، ويطلعون البشر عليه، كـما عرفنا.
إن الذهنية البشرية المتخلفة نسبيا، التي تبني وتتبنى التقاليد والأساطير، والتي كانت هي المسيطرة يومئذ، سوف يكون لها استنتاجها كـما يلي: ان بوذا - مثلا - قد بشر بالمستقبل الصالح العادل، وهو أولى الناس بقيادته، لما يعرفون منه من الصلاح والجدارة. كـما ان شريعته التي يعتبرونها حقا كاملا، مع عدم الالتفات إلى مرحلتيها بطبيعة الحال، هي أليق الشرائع للتطبيق في ذلك اليوم الموعود. إذن فبوذا قد أخبرهم ضمنا عن عودِه في المستقبل وتأسيسه ذلك المجتمع الصالح الموعود. وهكذا نبي آخر وآخر.
ولعل مستوى ذهني آخر يلغي النبي المبشر بهذه البشارة، عن كونه قائدا، ويوكل الأمر إلى شخص آخر حسب مستواه الاجتماعي والقبلي، أو يوكله إلى شخص مجهول. إلا أنه - على أي حال - لا يستطيع أن يتنازل عن كون دينه هو الحق المطلق، مع عدم الالتفات إلى مرحلتيه أيضا. إذن فدينه هو المنتصر في ذلك المستقبل الموعود.
والفكرة الصحيحة الوحيدة من هذا التسلسل الفكري هو وجود المستقبل الصالح. وأما قابلية ذلك الدين للتطبيق في ذلك المستقبل فهو خلاف ما قام عليه البرهان من مرحليته ونسخه بدين الاسلام، الذي هو الاطروحة العادلة الكاملة المعدة للتطبيق في ذلك المستقبل.
واما قابلية النبي المبشر كموسى أو بوذا أو غيرهما، فهو قابل للمناقشة من ناحيتين:
الناحية الأولى: لا أقل من احتمال ان أنبياء البشرية الأولى الواطئة ليس من الضروري أن يكونوا بارتفاع وعمق أنبياء البشرية العليا، لان وجودهم ذاك كان لهداية البشرية في ذلك العصر، فلا يبقى برهان على اتصافهم بأكثر من هذه الدرجة من الكمال. وهذا يعني انه لا دليل على قابلية أولئك الأنبياء لقيادة اليوم الموعود، تلك القيادة القائمة وبالضرورة على الرشد العالي والعمق العظيم.
الناحية الثانية: ان النبي الذي تفترض قيادته لليوم الموعود، ان طبق شريعته الخاصة، كان ذلك خلاف ما أسلفناه من عدم قابلية دينه للقيادة، باعتبار مرحلتيه. وإن فرضنا تطبيقه للاطروحة العادلة الكاملة، أو مشاركته فيه، فأوضح ما يرد عليه من مناقشة: انه يحتاج إلى دليل جديد غير مجرد تنبئه بالمستقبل الصالح، كـما هو واضح. ولا دليل على ذلك في غير المسيح عيسى بن مريم عليه السلام. واما اعتقاد قومه بقيادته، فهو ناشئ من مجرد ذلك التنبؤ، على أفضل تقدير، وهو لا يكفي دليلا على الاثبات.
الجهة الثانية: في ارتباط الخط الثاني من الانحراف بالتخطيط العام.
إنه بعد تحقق الشرط الأول لليوم الموعود، تمّ - كـما عرفنا - إيضاح الفكرة المهدوية بشكل مهم، وتمّ التركيز بشكل واسع النطاق على وجود المهدي ودولته العالمية في المستقبل، بشكل قطعي لم يسبق له نظير.
وقد تكونت الذهنية المسلمة منتظرة للمهدي من ناحية، وناظرة له بعين الهيبة والاحترام من ناحية أخرى. وهذا الشعور نفسه يفتح في الأذهان المنحرفة المصلحية، الشعور باستغلال هذا الجو الصالح بطريقة باطلة. ولا يحتاج ذلك إلى تعب كثير من قبل الفرد المنحرف، سوى ادعاء انطباق مفهوم المهدي عليه، وانه هو المهدي الموعود لاصلاح العالم والقيام بدولة الحق، ليكتسب بذلك الأهمية والاحترام والشهرة المقترنة بالمهدي، في الذهنية المسلمة.
ولم توفق أي حركة [مهدوية] إلى اتساع كبير في التاريخ بل لم يوفق، أي مدع منهم إلى مباشرة الحكم وتأسيس دولة كاملة، حسب ما نعرف. وإنما كانت تبوء هذه الادعاءات بالفشل بعد زمن غير بعيد من ابتدائها. وهذا أدل دليل على كذب المدعي إذ لا نعني بالمهدي إلا من يحكم العالم بالعدل، وقد ثبت عدم اتصاف مدعي المهدوية كلهم بذلك.
هذا مضافا إلى ما برهنا عليه في [تاريخ الغيبة الكبرى][[534]]، من ضرورة طول العمر السابق على إقامة الدولة بالنسبة إلى قائدها، لكي تتسنى له القيادة الكاملة، وليس المفروض بأحد من مدعي المهدوية اتصافه بذلك، حتى ان أصحابه أنفسهم لا يدعون له ذلك.
كـما ان إقامته الحجة على مهدويته وقيامه بتكوين عقائدي ومفاهيمي وتشريعي كامل، ضروري لاثبات مهدوية الشخص، وليس في مدعي المهدوية من اتصف بذلك.
إلا ان هذا الاتجاه يذوب بعد موت صاحبه تدريجا، ولا يبقى منه غير النقل التاريخي. ومن الممكن التأكيد على أنه ليس لهذا الخط أي أهمية فعلية، وان انقراض القول به في المذاهب الاسلامية من أهم الادلة على بطلانه، بعد قيام الدليل القطعي على انحفاظ الحق على الأرض في الجملة.
وهناك اتجاه أصغر بين بعض المسلمين يميل إلى القول بوجود المهدي وغيبته وطول عمره، مع تطبيقه على شخص معين كمحمد بن الحنفية عليه الرحمة أو غيره. وأهم إيراد على هذا الاتجاه هو كونه:
أولا: خلاف إجماع المذاهب الكبرى في الاسلام، إذ تنفيه عقيدة أهل السنة والجماعة وعقيدة الامامية معا، في المهدي، بالرغم من اختلافهما الداخلي فيه. وكل ما اتفقت المذاهب الكبرى على نفيه فهو باطل.
ثانيا: من خلال الأخبار المتـواترة القطعية على كون المهدي هو محمد بن الحسن بن علي ثاني عشر الأئمة المعصومين G. وقد اعترف بذلك جملة من علماء العامة أيضا. كـما سيأتي مفصلا في بعض الاجزاء المقبلة من هذه الموسوعة.
ثالثا: الدليل التاريخي القطعي على موت كل من أدُعيت مهدويته بهذا المعنى. بخلاف محمد بن الحسن عليه السلام، فانه لم ينقل الأخبار عن موته من قبل أي شخص معتد به، ما عدا بعض المتأخرين جدا ممن يجازف بالقول بدون تدبر، كـما فصلناه في تاريخ الغيبة الكبرى[[535]].

التخطيط الرابع
المنتج للمجتمع المعصوم
-1-

ينبغي أن تكون عدة أفكار غير محتاجة إلى تكرار، بعد ان ذكرناها في [تاريخ ما بعد الظهور]، وملخصها ما يلي:
الفكرة الأولى: عدم إمكان الباحث، مهما أوتي من عمق وعبقرية ان يحيط بالعمق الحقيقي للوعي المفاهيمي والتشريعي الذي سيكون معلنا وساري المفعول في دولة العدل الموعودة[[536]]. وانه لا يمكن لأي فرد استيعاب ذلك أو تحديده ما لم يعشه مطبقا في الحياة. كل ما في الأمر انه يمكننا الاطلاع على جملة من الزوايا والخصائص عن طريق ما تُعرف من الادلة... وهي معرفة خالية من التحديد التام، وان كانت مبرهنة الصدق في كثير من الأحيان.
الفكرة الثانية: ما ذكرناه هناك[[537]]، من تفاصيل الحوادث ابتداءا من أول ظهور المهدي D إلى حين سيطرته على العالم، والاسلوب الذي يتخذه في ذلك. واعطاء المبررات النظرية لذلك، مما يتصل بالتخطيط الثالث اتصالا وثيقا.
الفكرة الثالثة: شكل دولة المهدي D من الناحية الادارية، وكيفية تقسيمه مناطق العالم وتوزيعه الحكام الأكفاء عليها، مع اعطاء الآيديولوجية العامة أو المبدأ الأساسي الذي تتصف به الدولة. حيث أعطينا هناك تفاصيله[[538]].
كـما حاولنا[[539]]، إعطاء أكثر من إطروحة لشكل الدولة بعد المهدي عليه السلام، ذلك الشكل الذي سوف يتكفل مسؤولية الاستمرار الذي رسمه القائد المهدي D في توجيه البشرية نحو هدفها الأعلى.
الفكرة الرابعة: مقدار الرفاه الاجتماعي والاقتصادي الذي يعم المجتمع في ذلك الحين. وقد أعطينا[[540]]، تفاصيل محددة إلى حد كبير عن المستوى الزراعي والصناعي والثقافي السائد يومئذ.
الفكرة الخامسة: الخطوات الاجتماعية التي تتخذها الدولة لتكامل المجتمع والسير به نحو العصمة، في حدود ما أمكن الحصول عليه من الادلة[[541]].
وإذا تمّ اطلاعنا على هذه الأفكار، لم يبق لدينا إلا محاولة طريفة، للاطلاع على بعض الخصائص العامة للمذهب الذي سينتج ذلك الرفاه العظيم... مع محاولة مقارنته بالمذهبين الماركسي والرأسمالي، والنظر إلى نتائج هذه المذاهب.
-2-
إن المذهب الاقتصادي للدولة المهدوية العالمية، لا يماثل بالضرورة المذهب الاقتصادي الذي تقوم عليه الأحكام الاسلامية الاقتصادية لعصر الغيبة، أعني لأيامنا هذه، فمهما كان المذهب المستكشف من مجموع هذه الأحكام الآن، فمن الجائز بل من الواضح انه سوف لن يبقى على كل تفاصيله بعد الظهور، وإن شابهه بالروح العامة وهي ارتباطه بالاسلام، بالكتاب والسنة الصحيحة، واستهدافه العدل والكمال.
والسر في ذلك ما عرفناه في [تاريخ ما بعد الظهور] من أن المهدي D يقوم بعد ظهوره بأمرين مقترنين:
الأمر الأول: كشف الأحكام المطموسة التي أوجبت طول المدة بما تحتويه من حروب ومشاكل طمسها وجهالتها وذهابها عن الذهن البشري[[542]].
الأمر الثاني: إعلان أحكام جديدة[[543]]، لم تكن سارية المفعول منذ صدر الاسلام إلى عصر الظهور، بما للمهدي D من قوة تشريعية على مستوى [السنة] الصحيحة في المفهوم الاسلامي.
ومن الطبيعي أن يحتوي هذان القسمان من الأحكام على عدد غير قليل من الأحكام المتفرعة عن أحكام مذهبية اقتصادية، لا يمكن التعرف عليها في العصر الحاضر.
أضف إلى ذلك اختلاف مصالح المجتمع بين العصرين: العصر السابق على الدولة العالمية واللاحق له... بحيث يمكن أن يعتبر المذهب الاقتصادي للعصر السابق مذهبا مرحليا لتربية البشرية باتجاه العصر اللاحق له. فمن الطبيعي ان يكون للمذهب يومئذ إسلوبا معينا يساوق الوعي الجديد المعلن يومئذ، وسائرا به نحو الكمال باتجاه المجتمع المعصوم.
-3-
وسيكون إسلوبنا في هذه المحاولة مبتنيا على مرحلتين:
المرحلة الأولى: محاولة التعرف على الأحكام الاقتصادية الرئيسية التي تكون معلنة في تلك الدولة. وذلك عن طريقين:
الطريق الأول: ما وردنا من الأحكام التي تكون سارية المفعول يومئذ، عن طريق السنة الشريفة، وبعض القواعد الاقتصادية التي نطق بها القرآن الكريم.
الطريق الثاني: جملة من الأحكام التي يبعد جدا اختلافها بين العصرين، بحيث نطمئن انها تبقى سارية المفعول يومئذ، نتيجة لوضوحها في الشريعة أو قيام القرائن على ذلك.
المرحلة الثانية: محاولة التعرف على القضايا المذهبية الاقتصادية التي يمكن اكتشافها من وراء تلك الأحكام التي ثبت في المرحلة الأولى كونها سارية المفعول، يومئذ.
-4-
الطريق الأول: ما وردنا من بعض الأحكام التي تكون سارية المفعول يومئذ، عن طريق السنة الشريفة.
نذكر فيما يلي بعض الأخبار الدالة على ذلك، سواء المروي منها عن طريق الرواية العامة أو الرواية الامامية.
1- رواية معاذ بن كثير عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام، قال: موسع على شيعتنا ان ينفقوا مما في أيديهم بالمعروف، فإذا قام قائمنا حرّم على كل ذي كنز كنزه حتى يأتوه به ويستعين به[[544]].
وتستطيع أن تفهم من الكنز الأموال العامة التي تكون في يد الفرد أو في أمواله. فانه لا يجوز ان يصرف منها الفرد أي كمية، بل يجب عليه تسليمها إلى الامام المهدي D ليصرفها في المصالح العامة التي يراها.
2- رواية مسمع بن عبد الملك عن الامام الصادق عليه السلام... يقول فيها: وكل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون ومحلل لهم ذلك إلى ان يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيدي سواهم. فان كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم منها صَغَرة[[545]].
وبسند آخر يقول: فيجبيه طسق ما كان في أيديهم. وأما ما كان في أيدي غيرهم فان كسبهم من الأرض حرام حتى يقوم قائمنا، فيأخذ الأرض من أيديهم[[546]].
3- رواية عمر بن يزيد قال: سمعت رجلا من أهل الجبل يسأل أبا عبد الله عليه السلام، عن رجل أخذ أرضا مواتا تركها أهلها فعمرها وكرى أنهارها وبنى فيها بيوتا وغرس فيها نخلا وشجرا. قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: كان أمير المؤمنين D يقول: من أحيا أرضا من المؤمنين فهي له وعليه طسقها يؤديه إلى الامام في حال الهدنة. فإذا ظهر القائم فليوطن نفسه على ان تؤخذ منه.
تدل هذه الروايات على ان العاملين في الأرض خلال عصر الغيبة أو الهدنة[[547]] - حسب تعبير الرواية - ممن يدعي انه مالك للأرض ولجميع منتجاتها، سوف لن يبقى حاله كذلك، بل ان الدولة العالمية ستأخذ الأرض من بعضهم أساسا، وستقر الأرض في أيدي البعض الآخر، مع فرض ضريبة عليهم تسمى [الطسق]، أي القسط المفروض على الأرض... ولن يعمل أحد في الأرض مجانا.
4- رواية علي بن سالم عن أبيه في حديث: قال: سألت أبا عبد الله D عن الخبر الذي روي: ان ربح المؤمن على المؤمن ربا... ما هو؟. فقال: ذلك إذا ظهر الحق، وقام قائمنا أهل البيت. فأما اليوم فلا بأس بان تبيع من الأخ المؤمن وتربح عليه[[548]].
وتشير هذه الرواية إلى الآية الكريمة:
"... ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا..."[[549]].
والبيع مع ممارسة الربح، في ذلك العصر، إنما هو ربا حرام. فلا فرق يومئذ في حرمة الفائدة بين أن تكون ربوية أو غير ربوية، بالمصطلح الفقهي المعاصر. نعم، يبقى البيع بين الكميتين المتساويتين في القيمة المالية بيعا مشروعا، سواء كان مقايضة أو عينا بنقد.
5- رواية جابر عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، في حديث، قال: إذا قام قائمنا أهل البيت قسم بالسوية، وعدل في الرعية... ويجمع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها. فيقول للناس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام وسفكتم فيه الدم الحرام وركبتم فيه ما حرم الله عزّ وجلّ. فيعطي شيئا لم يعطه أحد كان قبله... الحديث[[550]].
6- أخرج مسلم في صحيحه بعدة أسناد وألفاظ متقاربة منها: ما عن أبي سعيد قال: قال رسول الله 9: من خلفائكم خليفة يحثو المال حثيا ولا يعده عدا.
وعن أبي سعيد وجابر بن عبد الله قالا: قال رسول الله 9: يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده[[551]].
7- وفي الصواعق عن أبي نعيم: ليبعثن الله رجلا من عترتي... يملأ الأرض عدلا، يفيض المال فيضا.
8- وفي حديث آخر: فيجيء الرجل فيقول: يا مهدي, أعطني أعطني، فيحثي له في ثوبه ما استطاع ان يحمله[[552]].
9- وأخرج البخاري عن رسول الله 9 انه قال: تصدقوا، فسيأتي على الناس زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يقبلها[[553]].
كـما أخرج مسلم[[554]]: لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل منه صدقة، ويدعى إليه الرجل، فيقول: لا إرب لي فيه.
والأخبار بهذا المضمون مستفيضة بين الفريقين... ففي الارشاد للشيخ المفيد عليه الرحمة[[555]]، عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله D يقول: إن قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربها... وتظهر الأرض كنوزها حتى يراها الناس على وجهها، ويطلب الرجل منكم من يصله بماله ويأخذ منه زكاته، فلا يجد أحدا يقبل منه ذلك، واستغنى الناس بما رزقهم الله من فضله.
وبهذا الخبر ونحوه، يمكن ان تقيد الأخبار السابقة التي لم تنص على أن كثرة المال خاصة بعصر الدولة العالمية... فيمكن أن نفهم منها خصوص ذلك باعتبار هذا الحديث.
وقد طرحنا في فهم هذه الأخبار في [تاريخ ما بعد الظهور][[556]]، إطروحتين رئيسيتين:
الاطروحة الأولى: ان المال يتوفر لدى الدولة عن طريق ما تقوم به الزراعة والصناعة والتعدين وغيرها من استثمارات زائدة عن حاجات الأفراد بكثير.
الاطروحة الثانية: ان توفر المال عن طريق السيطرة على البنوك الكبرى في العالم، حيث يعتبر أكثر المال الذي خزن فيها مغصوبا وحراما لمن سجلت باسمه من الناحية الاسلامية.
كما يمكن ان يكون حصول الدولة على المال، باعتبار كلا هاتين الاطروحتين.
كما ان سبب توزيع المال الفائض مجانا, طرحنا له في الكتاب المشار اليه[[557]], إطروحتين:
الاطروحة الأولى: ان كمية ضخمة من المال تبقى من دون ان يتوقع لها مورد معين. ومن هنا يكون السبيل الوحيد لها هو تمكين الناس منها واباحتها لهم مجانا.
الا ان هذه الاطروحة بعيدة عن الظن, لعدة قرائن سنشير اليها, منها ملاحظة الاطروحة التالية.
الاطروحة الثانية: ان دولة المهدي D بعد ان تتخذ أساليبها وبرامجها في إغناء الناس وترفيههم, حتى لا يبقى مشتاق إلى المال أصلا, ولا فقير على الاطلاق, حتى ان الغني يدور بزكاته باحثا عن الفقير - الذي يجب دفع الزكاة اليه -.
عندئذ, تتعلق المصلحة بابراز ذلك وايضاحه, أمام البشر أجمعين والتاريخ كله, وذلك بالقيام بتخطيط معين موقت, وهي ان تهيء الأموال الفائضة, ويعلن للناس إعلانا عاما: ان بإمكانهم الحصول عليه مجانا... ولكن حين لا يقبل الناس على أخذ المال إلا باعداد قليلة جدا, كواحد أو أكثر بقليل, كما هو ظاهر الأخبار... يثبت بالضرورة ان جميع الأفراد قد أصبحوا أغنياء إلى حد قد انقطعت كل أطماعهم وتحققت كل امالهم.
ان نفس هذه الأخبار دليل تأخر هذا المخطط عن شمول الغنى للناس, وهو بنفسه قرينة على بطلان الاطروحة الأولى.
وعلى أي حال, فان هذه الأخبار تدل على ان من حق الدولة ان تقوم بالتوزيع المجاني للمال حين ترى المصلحة في ذلك.
10- أخرج النعماني في الغيبة[[558]], عن حمران ابن أعين عن أبي جعفر الباقر عليه السلام, انه قال: كانني بدينكم هذا لا يزال موليا يفحص بدمه ثم لا يرده عليكم إلا رجل منا أهل البيت, فيعطيكم في السنة عطائين ويرزقكم في الشهر رزقين.
وهو واضح في توزيع الراتب في الشهر مرتين مع إضافة جائزتين سنويتين. وهذا إسلوب فريد لم يكن يفهمه أو يلتفت اليه أحد في عصر صدور النص, ما عدا المعصومين الذين صرحوا به. وبقيت الفكرة غامضة في أذهان الأجيال إلى السنوات المتأخرة من هذا القرن، حيث مالت بعض الانظمة الحديثة إليه.
فهذه أهم الأخبار التي يمكن إيرادها ضمن الطريق الأول. على أننا ينبغي ان نلتفت إلى ان الأحكام التي سوف تكون معلنة يومئذ، عموما، مؤجلة إلى ذلك اليوم، وليس المفروض الاطلاع عليها قبل ذلك إلا لماما.
-5-
وأما القواعد الاقتصادية التي نطق بها القرآن الكريم، فقد أخرناها في الذكر لكونها أكثر تعميما من تلك الأخبار التي تعتبر نصا بما بعد الظهور وتأسيس الدولة العالمية.
ومن الواضح انه بعد ان ثبت ان المهدي D مطبق أمين لقواعد القرآن الكريم، كما سبق برهانه في [تاريخ ما بعد الظهور]، إذن، فكل ما في القرآن الكريم من قواعد وأحكام ستنزل إلى حيز التطبيق في دولته العالمية، ومن غير المحتمل أن يصيبه التحريف والتزوير. نعم، يحتمل ان يعرض المهدي D تفسيرات وايضاحات جديدة للقرآن لم تكن موجودة... إلا ان هذا إنما يكون في الآيات التي لا تكون نصا في مدلولها، وأما النص الصريح فيكون تفسيره مسخا لمعناه... ومن ثم فيكون من الطبيعي ان تنزل الآيات الصريحة إلى حيز التطبيق بنفس المدلول الذي نفهمه الآن من صراحتها. ونحاول في ما يلي أن ندرج عدة آيات كريمة، ونحاول ان نقتصر في الاستفادة منها على مقدار صراحتها:
الآية الأولى: قوله تعالى:
"... أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ..."[[559]].
فالبيع بصفته معاملة رئيسية يقوم عليها السوق، سوف يبقى ساري المفعول، أو بتعبير أدق، سوف تبقى معاملة البيع نافذة وصحيحة في الدولة العالمية، وإن كان المجتمع تحت ظروف الرفاه العميق قد لا يحتاج إليها كثيرا.
الآية الثانية: قوله تعالى:
"... وَحَرَّمَ الرِّبَا..."[[560]].
وغيرها من الآيات الصريحة في تحريم المعاملات الربوية. فسيبقى تحريمها ساري المفعول، سواء على مستوى السوق أو البنوك، أو المؤسسات العامة أو غيرها... تحريما مطلقا.
الآية الثالثة: قوله تعالى:
"وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"[[561]].
وهي دالة على حرمة السرقة، باعتبار وضع العقوبة عليها، لان ما لا يكون محرما لا معنى لجعل العقاب عليه. وإنما تحرم السرقة بصفتها اعتداءا على أموال الآخرين، ومن ثم يمكن تعميم مدلول الآية إلى كل نهب وسلب لأموال الآخرين، سواء سمي سرقة أو لا.
الآية الرابعة: قوله تعالى:
"... أَوْفُوا بِالْعُقُودِ..."[[562]].
وهي دالة على نفوذ العقود المعاملية عموما. كل ما في الأمر، انه قد تتغير أشكال المعاملات بين عصر وعصر، ومن المحتمل أن توجد أشكال جديدة من المعاملات في الدولة العالمية. فتكون نافذة بتشريع المهدي D لها وشمول الآية.
الآية الخامسة: قوله تعالى:
"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ..."[[563]].
وهي دالة على أمرين مقترنـين:
أحدهما: حرمة الحصول على الأموال بطريق باطل، بمعنى عدم جواز الاعتداء على أموال الآخرين وحيازتها بطرق غير مشروعة.
ثانيهما: إن الطريق الرئيسي المشروع للحصول على الأموال هو التجارة الناتجة عن الاطراف المعنيين وعدم الاكراه. فإذا تذكرنا هنا عدم جواز الربح التجاري يومئذ، تبقى الآية دالة - مضافا إلى الأمر الأول - على عدم جواز الاكراه في المعاملة، وان لم تكن سببا للربح.
سادسا: قوله تعالى:
"يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ..."[[564]]. إلخ الآية.
وغيرها من قواعد الارث التي ينطق بها القرآن الكريم. فانها جميعا مما لا يمكن تغيره عن واقعه يومئذ. نعم، ستقل أهميته في الرفاه العميق الذي يعيشه المجتمع، على ما سنذكر.
... إلى غير ذلك من الآيات، مما لا حاجة إلى استقصائه.
-6-
الطريق الثاني: لمعرفة الأحكام الاقتصادية المعلنة يومئذ، هو إقامة القرائن والدلائل على استمرار بعض الأحكام - مما لم ينص عليه القرآن بوضوح - من عصر ما قبل الدولة العالمية إلى ما بعده.
وهنا نحتاج إلى مرحلتين من الاثبات:
المرحلة الأولى: إن الأحكام الآتية ثابتة في الشريعة الاسلامية الآن، قبل عصر الدولة العالمية. وهذا ما لا نحتاج إلى اثباته الآن، بل نأخذه مسلما موكولا اثباته إلى الفقه الاسلامي. وهي - في الأغلب - أحكام مشهورة فقهيا.
المرحلة الثانية: إن هذه الأحكام نفسها ستكون ثابتة في الدولة العالمية.
ويمكن إقامة بعض القرائن والمثبتات العامة لذلك:
القرينة الأولى: وضوح الحكم في الشريعة بحيث يعتبر خلافه ظلما للفرد أو المجتمع بشكل من الأشكال.
القرينة الثانية: مناسبة الحكم أو الأحكام مع روح ما عرفناه من الأحكام بالطريق الأول، ومع اتجاهها العام الذي تمثله، كـما سنشير إليه.
القرينة الثالثة: إنتاج الحكم أو الأكثر لبعض النتائج السابقة في الرفاه الاجتماعي انتاجا واضحا. أو ان يكون عدم الحكم وارتفاعه، سببا لعكس هذه النتيجة.
القرينة الرابعة: مناسبة الحكم مع التنظيم الاجتماعي المضبوط على مستوى الدولة العقائدية العالمية، إذ لا شك ان الوضع المشتت، كـما عليه الحال قبل قيام تلك الدولة، يقتضي شكلا من الأحكام أخف إلى حد ما من الوضع المنظم الذي تقوم به الدولة النظامية العالمية. فإذا كان الحكم ثابتا قبل قيام الدولة، وهو موجب للضبط والتنظيم بحسب افهامنا، فبالأولى ان يكون ثابتا بعد قيام الدولة.
هذا وينبغي ان نلاحظ على هذه القرائن أمرين:
الأمر الأول: إن كل قرينة من هذه القرائن لا تنتج اليقين باستمرار الحكم إلى عصر الدولة العالمية، وإنما تنتج الظن الراجح به. وان توفرت أكثر من قرينة واحدة فيه كان الظن أكبر، كـما هو واضح حتى يصبح وثوقا واطمئنانا.
الأمر الثاني: ان هذه القرائن مهما كثرت، لا يمكن ان تنتج لدينا إكتشاف حكم جديد لم يكن موجودا قبل قيام الدولة العالمية، بحيث يكون مشرعا وساري المفعول يومئذ.
والسر في ذلك: ان انتساب الحكم في عصرنا الحاضر إلى الاسلام، قرينة مهمة لثبوته يومئذ، وهو المسمى في أصول الفقه باستصحاب عدم النسخ، بشكل استقبالي. فان أثبتنا سريان الحكم بأحد هذه القرائن الخمسة فقد دعمنا ذلك بهذه القرينة المهمة، على حين ان الحكم الذي لم يكن موجودا في عصرنا الحاضر، يكون خاليا - بطبيعة الحال - من هذه القرينة، فتكون تلك القرائن الأربعة وحدها، عاجزة عن اثبات الحكم الجديد.
-7-
لعل أوضح الأحكام التي تبقى سارية المفعول إلى ذلك العصر، هو الحكم بمشروعية الملكية الخاصة. إذ يمكن اثباتها على شكلين:
الشكل الأول: تطبيق القرائن العامة السابقة عليها. فان من الملاحظ ان أكثرها ترد في هذا الصدد، لا أقل من القرينتن الأوليتين، فان مشروعية الملكية الخاصة يحتوي على وضوح في الشريعة بحيث يعتبر إلغاء مشروعيتها قانونا ظالما بشكل من الأشكال. وهذا ما يشعر به أهل الاسلام عموما. وبه تتم القرينة الأولى.
وكذلك تصح القرينة الثانية: فان الاتجاه العام في الأحكام التي عرفناها يميل إلى الاعتراف بالملكية بما ستتبعه من معاملات ومواريث... ونحوها.
الشكل الثاني: الاستدلال على وجود الملكية في ذلك العصر، بما عرفنا من خبرات وما سمعنا عنه من أحكام.
فمن ذلك: توزيع المهدي D للمال مجانا، فان الفرد يأخذه على وجه الملكية بطبيعة الحال.
ومنه: الروايات المصرحة بحصول الغنى الشامل للأفراد، وهو أيضا يحصل بطريق التملك.
ومنه ملكية الزارع لناتج أرضه، بعد دفع القسط المفروض عليه من قبل الدولة.
هذا غير ما عرفناه من نفوذ المعاملات والارث الذي يتقوم بالملكية الخاصة.
وقد يخطر في الذهن: ان إنفاذ البيع والمعاملات، لا يتوقف على الاعتراف بالملكية الخاصة، بل يمكن ان تكون بالأموال العامة التي تكون للدولة الاشراف عليها إلا ان هذا لا يصح لعدة وجوه:
أولا: إننا فهمنا نفوذ المعاملات يومئذ من شمول بعض آيات القرآن الكريم له، كقوله تعالى "أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ". فإذا علمنا ان الفرد الأوضح لهذه الآيات هي المعاملات الشخصية، وان شملت معاملات الدولة ضمنا. ومن الواضح انه لا يمكن استثناء الفرد الواضح وإبقاء الفرد الخفي في الدلالة، فانه قبيح عرفا. إذن، فشمول الآيات للمعاملات الشخصية المبتنية على الملكية الخاصة واضح. وبه يثبت وجود الملكية الخاصة في ذلك العصر.
ثانيا: اننا إذا خصصنا المعاملات بالأموال العامة، التي تقوم الدولة بالاشراف عليها... فمع من سوف تكون الدولة طرفا للمعاملة؟، انها لا شك سوف تعامل دولة مثلها، لان الأفراد سقطوا عن الصلاحية بعد اسقاط الملكية ولكن ماذا تعمل الدولة إذا كانت عالمية تقف وحدها في الميدان؟.
إذن، فمعاملات الدولة، بمعنى منعزل عن الأفراد لا معنى له يومئذ. فإذا كان للمعاملات وجود... إذن، فيجب أن يكون طرفها الملكية الخاصة.
ثالثا: اننا إذا تنزلنا وقبلنا ذلك - جدلا - في المعاملات، بقيت الادلة الأخرى كافية لاثبات وجود الملكية الخاصة، كالارث وتوزيع المال مجانا وغيرها، مما لا طريق إلى فهمه إلا الملكية الخاصة.
وقد يخطر في الذهن احتمال ذوبان الحاجة إلى الملكية الخاصة بالمرة نتيجة لزيادة الانتاج وتوفره أكثر من الحاجة الشخصية بكثير، بحيث لا تبقى قيمة حقيقية للمال في نظر الأفراد. وخاصة بعد الذي عرفناه من ان القائد المهدي D يعلن عن توزيع المال مجانا فلا يأخذه منه أحد.
ومن الواضح ان أموال العالم إذا صرفت كلها في الانتاج ولم يكن للحروب أثر، أصبح الانتاج فائضا بأضعاف مضاعفة، مضافا إلى ما سمعناه من تأييد الوضع الطبيعي للوضع الاجتماعي العادل، فسيبلغ الرفاه وكثرة الانتاج مستوى لم تحلم به الماركسية في طورها الأعلى.
ومعه لا يبقى للملكية الخاصة وللسرقة والغصب وللبيع وكثير من المعاملات أي معنى، باعتبار ان الفرد مهما أراد أن يحصل على اشباع حاجته وجده متوفرا. وقد يكون هذا هو المراد من توزيع المال مجانا.
وهذا كلام وجيه ولطيف، وخاصة في المجتمع القائم على النظام والأخوة إلا أنه - مع ذلك - لا تثبت النتيجة التي تريدها الماركسية وهي إلغاء الملكية إلغاءا تاما.
وذلك: لوضوح امتناع أن تتوفر جميع الأشياء على مثل هذا المقدار الكبير. إذ ان عددا من الأشياء قليل الوجود في الطبيعة أساسا، بحيث لا يمكن توفيره إلا بمعجزة. فإذا كانت الملكية الخاصة مسوقة مع الندرة النسبية وتابعة لها، فستبقى الملكية موجودة في كل ما هو نادر نسبيا، مما هو نادر في الطبيعة أساسا، ومما هو نادر من أعمال البشر كالمخطوطات والتحف ونحوها، مما لا يكون مثيلها الحديث نفس أهمية القديم.
والندرة قد تحدث صدفة لدى الشخص أو الجماعة المحدودة، إذا حصلت الحاجة لبعض المواد مما هو موجود أقل من الحاجة، ولا يمكن مضاعفته لبعض العوارض الطبيعية أو المرض أو نحوه.
هذا، ولكن الواقع على ان للملكية الخاصة معنى لا يمكن ان يتبدل مع زيادة الانتاج أو قلته، فان الملكية الخاصة إنما تكتسب أهميتها من زاوية الارفاق بالمالك ومصلحته، ما دامت تشبع له حاجته وتؤدي دورها في حياته، فإذا لم يشعر المالك بهذه الأهمية وانصرف ذهنيا عنها، لم يبق لملكيته أية أهمية. ومن هنا اعتبروا إعراض المالك عن ماله مسقطا له عن ملكيته. ومن هنا - أيضا - وجد معنى الأموال العامة أو المباحات العامة، التي لا يشعر أي فرد أو جماعة بأهميتها بالنسبة إليه، فلا معنى لملكيتها الخاصة.
إذن، فأهمية الملكية قانونا، منوط بشعور المالك تجاهها بالأهمية والارتباط. واما لو انعدم ذلك فان الملكية تنعدم من الناحية الواقعية، ولا تبقى سوى لقلقة لسان.
وهذا يعني ان المادة المعينة كالخبز - مثلا - إذا أصبحت متوفرة كالهواء. فان شعور المالكين بأهميتها يسقط بالمرة، بحيث لا يفرق في حال الفرد حقيقة بين ان يبقى هذا الرغيف عنده أو أن يسرقه سارق، لانه يعلم انه سيحصل على مثله في الحال. ومعه ينعدم معنى الملكية والسرقة والغصب والضمان وكثير من المعاملات.
إلا ان هذا الانعدام يبقى منوطا بهذه الوفرة، فبمجرد أن توجد الندرة النسبية تعود كل هذه المفاهيم الاقتصادية إلى المجتمع. وحيث ان المجتمع لا يخلو من أمور نادرة نسبيا باستمرار، إذن، فهذه المفاهيم لا يمكن ان يتم القضاء عليها قضاءا تاما.
وحيث لا تستطيع أية دولة إسلامية أو ماركسية أو غيرها، أن توفر كل شيء على الاطلاق، توفيرا مائة بالمائة، إذن، فلا يمكن أن يدعي أحد إمكان زوال الملكية الخاصة.
-8-
وهناك أحكام أخرى - مضافا إلى الملكية - يمكن اثبات وجودها في الدولة العالمية الموعودة، بنفس الاسلوب، وإن لم تكن في الوضوح كالملكية الخاصة.
الحكم الأول: قاعدة [من حاز ملك] الثابتة في المورد الذي يكون للملكية الخاصة معنى، وهي الموارد التي لها ندرة نسبية، فتكون الحيازة فيها سببا للملكية. وتشمل حيازة المعادن والصيد والاحتطاب والاحتشاش وغيرها.
وهذا من الأحكام الثابتة في الفقه الاسلامي في العصر الحاضر، وتقوم على ثبوته في الدولة العالمية عدة قرائن من القرائن السابقة، لا أقل من القرينتين الأوليتين. فان له الوضوح الكافي في الشريعة، بحيث يعتبر خلافه ظلما بشكل وآخر، كـما انه منسجم مع الاتجاه العام للأحكام التي عرفناها.
نعم، قد يقتضي اشراف الدولة العالمية على سائر مرافق الحياة، تنظيم هذه الجهة بشكل من الأشكال، كتوقف الحيازة على إجازتها، أو إعطاء الاجازة بمقدار معين أو اشتراطها بأداء قسط منها للدولة أو للمحتاجين أو للمؤسسات العامة ونحو ذلك.
واما فكرة الحيازة أساسا، فستبقى لانه لا معنى للحصول على المواد الخام من الطبيعة بدونها.
ومن المحتمل مَد الدولة العالمية يد المساعدة في هذا الصدد للأفراد مجانا كتوفير الآلات اللازمة للاستخراج، على أن يكون النتاج للأفراد أنفسهم لا للدولة.
الحكم الثاني: تحريم الاحتكار، فانه ثابت فقهيا في عصرنا هذا في بعض المواد الغذائية، كبعض الحبوب والملح فانه يحرم احتكارها وعدم عرضها في السوق، ويحرم الاحتكار في جميع المواد عند الجماعة، في حدود ما يرفع الحاجة ويحل المشكلة. ويحرم الاحتكار أيضا عند منع الدولة الاسلامية العادلة عنه، في أي مادة كان.
وكل ذلك منطقي الثبوت في الدولة العالمية العادلة، فانه مما تدل عليه أكثر القرائن السابقة بل جميعها، وتطبيقه عليها واضح إسلاميا، فنوكله إلى القارئ اللبيب، ولا حاجة إلى التطويل فيه.
الحكم الثالث: إباحة الفائض من المورد الطبيعي - الذي يوجد تحت حيازة شخص - للآخرين. كالماء والكلاء والنار، ونحوها. فلو وجد في أرض شخص نهر أو عين ماء فله أن يقضي منه جميع حاجاته الشخصية... فإذا زاد الماء عن حاجاته، كما هو المفروض، لم يجز له منع الآخرين عنه.
وهذا أيضا تتوفر فيه أكثر القرائن السابقة ما عدا الأولى، فانه ليس من واضحات الشريعة بالمعنى السابق، إلا أنه مما يقتضيه الصالح العام والتنظيم الاجتماعي، ويتفق مع الاتجاه العام للأحكام السابقة.
الحكم الرابع: وجوب إباحة الفائض من المعادن عن العمل الشخصي للآخرين.
فمنجم الفحم أو الذهب أو النفط، سواء وجد في أرض مملوكة أو أرض عامة، فانه يكون للأفراد حيازة ما شاءوا منه بالعمل، ولو باعتبار تزويد الدولة العالمية لهم بالآلات، كـما عرفناه وأما الزائد عن الحاجة فيمكن الحديث عنه على مستويين:
المستوى الأول: إن كان المنجم في أرض شخصية، جاز لصاحب الأرض الاستفادة منه ما استطاع العمل والحيازة. وأما الزائد، فلا يجوز له منع الآخرين عن العمل لحيازته.
المستوى الثاني: ان الزائد عن عمل مجموع العاملين، سيكون على أي حال للدولة حق التصرف فيه فيما ترى من المصالح العامة.
وهذا التسلسل في الحكم الاسلامي ثابت في عصرنا، ومن المنطقي أن يثبت في الدولة العالمية، فانه مما تقوم عليه عدة قرائن ما سبق... وخاصة إذا نظمته الدولة بقانون.
فهذه جملة من الأحكام التي يمكن اثباتها بالطريق الثاني، الذي خططناه لمعرفة الأحكام في الدولة العالمية. وقد حصلنا بالطريقين على مجموعة مهمة من الأحكام التي يمكن أن تكون منطلقا إلى استكشاف الأفكار المذهبية الأساسية التي شرعت من أجلها. وهذا ما سنذكره بعد قليل في المرحلة الثانية من الحديث عن المذهب الاقتصادي في الدولة العالمية.
-10-
وأول خطوة نتخذها في هذا الصدد، إعطاء فكرة عن معنى الأحكام الاقتصادية المذهبية عموما، وفرقها عن الأحكام الاقتصادية الاعتيادية وعن علم الاقتصاد السياسي.
ونحن لزاما علينا أن نضغط الكلام هنا ضغطا، لان البحث ليس بطبيعته اقتصاديا، فإذا مشينا في هذا الصدد طويلا، كان ذلك على خلاف الغرض الأساسي للكتاب.
إن المذهب الاقتصادي يمثل [مجموعة من القضايا الاقتصادية المفهومية] التي تمت إلى ما ينبغي أو لا ينبغي إنجازه في السوق أو غيره من المحاور الاقتصادية، وستأتي له أمثلة متعددة.
وبصفته المفهومية يفرق عن الأحكام الاقتصادية الاعتيادية في الفقه أو القانون، فبينما هما يشتركان في أنهما معا يحملان معنى التشريع والارتباط بالعدالة. نرى أن الحكم المذهبي يستبطن معنى مفهوميا [مبدئيا] يمت إلى الفهم العام للحياة بصلة وثيقة. كمفهوم [الملكية في نطاق محدود] الآتي. على حين نرى أن الحكم الاقتصادي الاعتيادي بعيد عن الجهة المفهومية، وإنما ينسجم مع غيره ليمثل مجموعة تكوّن بنتيجتها معنى مفهوميا اقتصاديا وقد سبقت أمثلته، كتحريم إحتكار الملح أو أخذ الزوجة ربع تركة زوجها أو اشتراط صحة البيع باللفظ.
واما علم الاقتصاد فلا يمت إلى التشريع والعدالة بصلة، وبهذا يختلف عن كلا الحقلين الاقتصاديين السابقين... وإنما هو مجرد سرد أو وصف لقضايا وظواهر اقتصادية في سوق معينة مستنتجة من تجارب ووقائع خاصة، كقانون العرض والطلب، والقانون الحديدي لأجور العمال، اللذان يصحان في السوق الرأسمالية الحرة، وهكذا!.
ومن الممكن حين يكون المذهب الاقتصادي مجهولا اكتشافه عن طريق الأحكام المتفرعة عنه، والتي تمثل بمجموعها قضية من قضاياه، فيستكشف من تلك المجموعة هذه القضية المذهبية، ومن المجموعة الأخرى القضية الأخرى، حتى يستكشف جميع ما في المذهب الاقتصادي من قضايا وأحكام مفهومية اقتصادية.
وقد سبق إلى الآن، ان عرضنا عددا من الأحكام الاقتصادية العملية الاعتيادية، ونريد الآن أن ننطلق إلى الأحكام المذهبية المفهومية التي ترتكز تلك عليها وتنطلق منها. لكي نحصل من مجموع المفاهيم الاقتصادية المذهب الاقتصادي للدولة العالمية، أو عددا من خصائصه، بمقدار الامكان.
-11-
ان أهم القضايا المذهبية التي يمكن فهمها من الأحكام السابقة، يمكن ان نعددها فيما يلي:
المفهوم المذهبي الأول: حق الدولة في السيطرة على الحقول الاقتصادية عموما.
وهذا يعني في حدود ما عرضناه: أن من العدالة أن تتدخل الدولة في جميع الشؤون الاقتصادية في المجتمع، بشكل يمت إلى المبدأ الحياتي بصلة، وهو: ان تصل بالمجتمع البشري إلى هدفه المنشود في التخطيط الالهي العام.
تتجلى هذه القضية المذهبية من عدة أحكام مما سبق، كحق الدولة في سحب الأرض من يد العامل عليها، وإخراجه منها، وحقها في جعل الضريبة على من تسمح له بالعمل فيها. وكذلك سيطرتها على الأموال العامة عموما، وهي المملوكة للدولة أو لجهة عامة. ومن أوضح مصاديقه الخراج وغنائم الحرب والضرائب الاسلامية العامة: الخمس والزكاة.
وكذلك سيطرتها على البنوك، وجرد محتوياتها واخراج المال الحرام منها، وتطبيق النظام الاسلامي الخالي من الربح الربوي عليها، بل حتى من الربح التجاري.
وكذلك سيطرتها على الفائض عن الحاجات الشخصية للأفراد، من النبات والأرض والمعادن. فان كل هذه الأحكام الاقتصادية تمثل تطبيقات مختلفة لسيطرة الدولة على الاقتصاد في المجتمع. وله شواهد أخرى لا حاجة إلى تفصيلها.
المفهوم المذهبي الثاني: ينبغي للدولة أن تمد يد المساعدة الاقتصادية للفرد والمجتمع.
ولعل أوضح تطبيق سمعناه لذلك هو توزيع الأموال مجانا، لو فهمناه كمساعدة للمحتاجين، وكذلك منح الأرض للشخص من دون أن تأخذ عليها ضريبة، فان من حقها ان ترفض أخذ الضريبة التي تستحقها. وكذلك توزيع الآلات والمكائن الخاصة بالزراعة والتعدين وغيرها.
وطبقا لهذين المفهومين تضع الدولة العالمية نظام الضمان الاجتماعي وتؤسس المؤسسات الخيرية والصناعية والزراعية، وتسن القوانين الاقتصادية التي تشارك في بناء المجتمع الذي هو على طريق العصمة. وان لم تكن تفاصيل هذه الأمور معروفة الآن.
المفهوم المذهبي الثالث: الملكية في نطاق محدود.
فان الملكية قد تتخذ صفة التشريع الاعتيادي، فيما إذا حكم المشرع بحصولها نتيجة للهبة أو البيع، حيث لا تتصف بأي مسحة مفهومية حينئذ.
وقد تتخذ الملكية صفة مفهومية حـين يكون المقصود الجواب على مثل هذا السؤال: هل من الراجح جعل الملكية أساسا أو لا. أو هل من الراجح تحديدها بعد جعلها وتشريعها، أو لا بد من اطلاقها بدون قيد ولا شرط؟.
وقد أجابت الماركسية على ذلك بضرورة إلغاء الملكية، كـما أجابت الرأسمالية بضرورة ابقائها واطلاق سراحها!!!، وقد أجابت الاطروحة العادلة الكاملة بضرورة ابقائها مع جعل القيود عليها، بحيث لا تضر بالآخرين على أقل تقدير.
أما وجود الملكية في تلك الاطروحة، فقد تمّ الاستدلال عليه في الفقرة السابعة من هذا الفصل. وأما قيودها فتتجلى في العديد من الأحكام التي سمعناها. كمنع الاحتكار ومنع الربا ومنع الربح التجاري ومنع الحصول على المال من طرق غير مشروعة، ومنع حصر الارث في شخص معين مع وجود الورثة المشاركـين، وضرورة توزيع المال على جميع الورثة. وكحق الدولة في تحديد ما يمكن للفرد ان يحوزه من المباحات العامة، ومن المعادن، وفي تحديد ما يمكنه ان يزرعه من الأرض. كل ذلك بقانون حسب ما تراه الدولة العالمية من المصلحة.
وكذلك منع حيازة الفائض من المصادر الطبيعية والمعادن، وفرق هذا عن تحديد الدولة، ان هذا حكم وقتي من قبل الدولة، على حـين ان ذلك حكم في أصل التشريع. وكل هذه الأحكام تتضمن بالضرورة تحديدا للملكية.
المفهوم المذهبي الرابع: أخلاقية الاقتصاد العادل.
فان المسألة الاقتصادية ليست مسألة مصلحية شخصية على الاطلاق، بل هي بالضرورة واقعة ضمن منهج معين عام للوصول إلى الأعلى، إلى الهدف البشري السامي، إلى المجتمع المعصوم. وإذا كان الاقتصاد واقعا في هذا الطريق فأحر به أن يكون أخلاقيا يحتوي على التسامح ونكران الذات والتضحية في سبيل الآخرين. بل قد تكتسب هذه التضحية صيغة الالزام القانوني حين يصبح المجتمع على مستوى هذه المسؤولية.
ولعل أوضح صيغ الالزام هذه، هي حرمة الربح التجاري واعتباره كالربا. والسبب في ذلك هو الأخوة في الايمان. فان "ربح المؤمن على المؤمن ربا"، ولا ينبغي أن يكون بين الأخوة المؤمنين أدنى درجة استغلال، وإن كان مشروعا في المجتمعات الاعتيادية السابقة.
ولكن حيث يكون جميع أو أغلب أفراد هذه الدولة العالمية أخوة في الايمان، نستطيع ان نعرف كيف يصبح هذا الحكم عاما، ودالا - مضافا إلى ما سبق - على المستوى اللائق من الناحيتين النفسية والعقلية لتطبيق هذا الالزام.
ويندرج في هذا المفهوم أيضا: لزوم إباحة الفائض من المورد الطبيعي إلى الآخرين، وكذلك الفائض من المعادن. فان في حبسه عن الآخرين والاستقلال بحيازته، نوعا من الاستغلال للآخرين من الأخوة المؤمنين، وهو مناف مع المستوى الأخلاقي المطلوب.
كما يندرج في ذلك تحريم الفائدة الربوية، ومنع الطرق غير المشروعة للحصول على المال... ولا ينافي ذلك اننا فهمنا من بعض هذه الأحكام مفاهيم مذهبية أخرى، إذ قد يكون الحكم ناتجا عن أكثر من مفهوم مذهبي واحد.
-12-
هذا، وينبغي أن لا يشط بنا المزار، بل ينبغي لنا ان نكفكف من غلواء الطمع في الاستنتاج، باعتبار ما قلناه من قصور الباحث عن إدراك العمق الحقيقي للوعي في الدولة العالمية، على ان عددا من الجوانب المعلنة يومئذ والمشاركة في استنتاج المذهب الاقتصادي لا زالت في ضمير الغيب، منوط بوجود الدولة الموعودة.
ولا ندعي الآن، ولا ينبغي لنا ان ندعي، أننا أحطنا بكل المذهب الاقتصادي وإنما غاية الامل ان نقوم باستنتاج جوانب مهمة منه تساعدنا على معرفة ملامح تلك الدولة الموعودة يومئذ، والمقارنة بين ما عرفناه وبين المذاهب الاقتصادية المعروفة اليوم: الماركسية والرأسمالية. وهذا ما سنقوم به بعد لحظة. ولعلنا خلال ذلك سنعرف بعض الصفات الأخرى لدولة العدل العالمية.








وقفة مع الماركسية
-1-
سوف لن يحتاج القارئ إلى تكرار، بعد الذي سبق ان عرضناه من آراء الماركسيين ومناقشاتهم.
وإنما المهم الآن هو الالماع إلى الاسلوب الذي سنتخذه في المقارنة والمناقشة.
إننا عرفنا من المناقشات السابقة ان كل ما توصلت إليه الماركسية من النتائج، لا يمكن ان يصح بالنسبة إليها، ولا يمكن ان يستنتج من المقدمات التي آمنت بها وقدستها. ولكننا الآن سنأخذ النتائج كشيء آخر لنرى مقدار إمكان انطباقها على الدولة العالمية الموعودة وعدم إمكانه، وبالتالي نجرب صدقها وعدالتها أساسا، وعدم ذلك.
ان ما هو قابل للمناقشة والمقارنة مع الدولة الموعودة، هو ما أقرته الماركسية من أنظمة، وهي أدوار الاشتراكية الثلاث إبتداء من دكتاتورية البروليتاريا وانتهاء بالطور الأعلى. لان هذه الأدوار هي النتائج الرئيسية للتاريخ البشري في رأي الماركسية، وكذلك الدولة الموعودة وما يليها من مجتمعات، من وجهة التخطيط الالهي. ومن المنطقي ان نقارن بين النتيجتين الرئيسيتين لهذين المبدأين. واما ما قبل ذلك، فلا يكون مهما في هذه المرحلة من البحث.
فهذا هو ما نتصدى للخوض فيه خلال هذا الفصل.
-2-
إن أول ما يواجهنا في هذا الصدد، هو انقسام العهد الاشتراكي الماركسي إلى مراحل ثلاثة، هي: دكتاتورية البروليتاريا، والطور الأول المسمى بالاشتراكية، والطور الأعلى المسمى بالشيوعية. فهل يوجد ما يقابل هذه الأقسام في دولة العدل العالمية أو لا؟.
إننا - تارة - نتساءل عما إذا كانت العهود الماركسية بخصائصها تنطبق على الدولة العالمية أو لا. وهنا نستطيع أن نجزم بالجواب النافي، وذلك لما نعرفه بعد قليل من عدم انطباق الكثير من الخصائص الرئيسية لكل من المراحل الثلاثة مع الدولة الموعودة. إذن، فلا نستطيع أن نسميها بأي واحدة من تلك المراحل، ولا بأكثر من واحدة.
إن العهد الماركسي المعين لا يمكن ان ينطبق إلا بانطباق كل خصائصه أو أكثرها - على الأقل -. واما انطباق بعضها أحيانا، مع الاختلاف في خصائص كثيرة، فلا يعني شيئا في هذا الصدد، إذ ان المبادئ قد تشترك كـما قد تختلف من حيث التفاصيل بدون أن يكون أحدها مرتبطا بالآخر أو متصفا بصفته.
وقد نعرض السؤال كـما يلي: هل للدولة العالمية مراحل متميزة من حين تأسيسها إلى حين تحقق هدفها الأعلى وهو المجتمع المعصوم أو ليس لها أية مراحل.
وسيأتي تفصيل الأمر فيما يأتي من البحث، وحسبنا الآن ان نلتفت إلى ناحيتين:
الناحية الأولى: ان المراحل التي تمر بها الدولة العالمية ليست حدية ولا ذات فواصل واضحة، يتخللها ثورة أو [طفرة] كـما تتوقع الماركسية لعهودها، وإنما هي تدريجية بالتدرج البطيء المناسب مع التربية البشرية عموما، كما سوف يأتي أيضا.
كما لا ينبغي ان نتوقع من الدولة العالمية أن تكون مراحلها ثلاثة كمراحل الاشتراكية، أو ان تتصف بنفس صفاتها الرئيسية. فان الفكرة التي تنطلق منها والآيديولوجية التي تطبقها حين تكون مجانبة بالمرة للفكرة الماركسية، لا معنى لان نتوقع منها نفس الاسلوب والنتائج.
الناحية الثانية: يتضح من مجموع ما مضى في هذا الكتاب والكتاب السابق عليه من الموسوعة، وما سوف يأتي هنا، ان المراحل منذ أول وجود القيادة العالمية [الظهور] إلى حين وجود الهدف الأعلى: المجتمع المعصوم، تكون - باختصار - كـما يلي:
المرحلة الأولى: مرحلة سيطرة القائد المهدي D على العالم. وهي مرحلة حددت بثمانية أشهر. وسميناها فيما مضى بالتخطيط.
المرحلة الثانية: مرحلة وجود الدولة الاسلامية العالمية بقيادة شخص المهدي D وميزتها الكبرى هو كونها الزارعة للأسس العامة للتربية البشرية للمجتمع، باتجاه هدفها الأعلى.
المرحلة الثالثة: مرحلة وجود الدولة العالمية المحكومة لخلفاء المهدي عليه وعليهم السلام. وهم يمارسون الحكم عن طريق التعيين، على ما سوف يأتي.
المرحلة الرابعة: مرحلة المجتمع المعصوم برأيه العام، دون أفراده ويكون القسم الأول منه محكوما لأولئك الخلفاء الصالحين.
المرحلة الخامسة: مرحلة وجود المجتمع المعصوم بأغلبية أفراده في بعض مناطق العالم.
المرحلة السادسة: وجود المجتمع المعصوم في كل العالم. وهي الهدف الأعلى من وجود البشرية. وإن كان يمكن التعبير، بنحو من التعميم، ان المرحلة الخامسة هي الهدف، أو هي أول أشكال وجوده.
وبهذه المراحل ينتهي التخطيط الرابع، ويبدأ الخامس، وسيكون في سرد التفاصيل فيما يلي ايضاحات أكبر.
-3-
يحسن بنا الآن أن نبدأ بمقارنة كل عهد من عهود الاشتراكية على حدة، مع ما عرفناه من خصائص الدولة العالمية الموعودة.
المرحلة الأولى: عهد دكتاتورية البروليتاريا.
وأهم خصائص تلك المرحلة، مما عرفناه من كلام الماركسين أنفسهم هي - باختصار - ما يلي:
أولا: وجود الطبقات في ذلك المجتمع.
ثانيا: ان طبقة البروليتاريا تكون هي المسيطرة، وهي تمارس حربا عنيدة مستميتة ضد خصومها الرأسماليين.
ثالثا: تكون الدولة باقية، ولكنها في طريق الفناء.
رابعا: يكون الحزب الشيوعي هو القائد، وبدون قيادته يستحيل تطبيق دكتاتورية البروليتاريا.
خامسا: ستبدأ الدولة بتطبيق عدد من الانجازات الاشتراكية، سنعرضها كـما سمعناها عن انجلز ونقوم بمقارنتها.
ونتكلم عن كل فقرة من هذه الفقرات في ناحية:
الناحية الأولى: وجود الطبقات، في المجتمع الموعود.
لا دليل على انعدامها بالمرة، لأول مرة: ولكننا قلنا ان سعادة المجتمع غير منوطة بانعدام الطبقات، وإنما هي منوطة بانعدام الشعور الطبقي وزوال أهميته.
وباليقين ان هذا حاصل فعلا في الدولة العالمية، نتيجة لعدة عوامل منها: ممارسة الدولة لحكم مركزي واسع النطاق. ومنها: انشغال العواطف بالأهداف والمفاهيم التي تعلنها الدولة يومئذ. ومنها: الشعور بالأخوة [التعاطف] بين الأفراد. ومنها: سد باب الاستغلال بالمرة، كـما سمعنا من عدد من الأحكام الاقتصادية، فان أية طبقة لا تستطيع السيطرة والاستغلال مع قوة الدولة وتحريم الربح التجاري فضلا عن الفائدة الربوية.
الناحية الثانية: لا توجد أي طبقة حاكمة ومسيطرة على المجتمع. فان الذين يمارسون الحكم في الدولة العالمية، ليسوا من طبقة معينة. بل هم - كـما عرفنا في تاريخ ما بعد الظهور[[565]] - مجموعة أشخاص لا يربطهم شيء محدد، بل حتى المعرفة الشخصية لبعضهم البعض، في الأعم الأغلب... لا يربطهم غير الاخلاص للتخطيط الالهي والنجاح في التمحيص نجاحا عاليا موفقا. وهذا النجاج غير مربوط بالطبقة، بل يمكن ان يحصله الفرد مهما كانت طبقته.
كما أن هؤلاء لا يمارسون أي قمع، وإنما يحكمون الناس بالعدل الكامل والتساوي الحقيقي في الحقوق والواجبات، طبقا للاطروحة العادلة الكاملة. نعم، الحروب التي تتخلل السيطرة على العالم سوف تحتوي على القتل الكثير، إلا أن هذا القتل إنما هو ضد الفاشلين في التمحيص لا ضد طبقة معينة، فان هذا الفشل يمكن أن يتصف به الفرد من أي طبقة كانت. على أن هذا القتل سابق على تأسيس الدولة العالمية. وأما بعد تحققها واستتبابها، فلا دليل على وجود أي قتل زائد، ما عدا ما قد يحدث في الفترة الأولى من تمردات في بعض المناطق المتفرقة من العالم، كـما سمعنا ذلك كله في تاريخ ما بعد الظهور.
هذا بخلاف عهد دكتاتورية البروليتاريا، فان هذه الطبقة، سوف لن تكتفي بالقتل الذي يوصلها إلى الحكم، بل ستبقى الحرب العنيدة المستميتة مستمرة فترة طويلة من الزمن.
الناحية الثالثة: ان الدولة ستكون باقية، لان وظيفتها ليست هي القمع - كـما أرادت الماركسية - وإنما هي الأخذ بزمام المبادرة للأعمال العامة التي لا يمكن إنجازها بدونها، كـما سبق.
ولن تكون هذه الدولة، في طريق الفناء ما دام هناك مجتمع محتاج إلى صيانة واشراف. وسنعرف ان الدولة ستبقى إلى عصر المجتمع المعصوم الذي هو الهدف الأعلى. كل ما في الأمر ان الدولة لن تكون ممثلة لطبقة معينة، بل متصفة بالموضوعية والتجرد إلى حد بعيد، وتمارس تطبيق العدل المطلق على كل العالم.
الناحية الرابعة: ليس هناك حزب قائد في الدولة العالمية، ولم تولد هذه الدولة نتيجة لنضال حزبي معين مهما كانت صفته، بل ولدت نتيجة لتخطيط إلهي طويل الأمد، عاشته البشرية منذ أول وجودها، حيث لم تكن هناك أحزاب ولا يمكن لأي حزب أن يعيش طوال هذه المدة. بل هي أكبر من أي نضال حزبي سابق عليها. وإنما يمارس الحكم فيها جهات ثلاثة:
الجهة الأولى: الآيديولوجية العامة التي تقوم عليها عقائديا ومفاهيميا وتشريعيا.
الجهة الثانية: الرئيس الأعلى المعصوم، الذي عرفنا صفاته في الكتابين السابقين من هذه الموسوعة، والظروف التي ساعدته على القيادة. وهو يمثل قوة الدولة وصلاحياتها، بشكل عام.
الجهة الثالثة: الجماعة الناجحة نجاحا معمقا في التمحيص السابق على تأسيس هذه الدولة، كـما عرفنا في تاريخ ما بعد الظهور[[566]]، وعرفنا صفاتهم ومقدار إخلاصهم لقائدهم المهدي D، ولمحات من كيفية ممارستهم الحكم في العالم.
وقد يخطر في الذهن: انه نتيجة لوجود هذه الجماعة الممحصة، يمكن القول بحكم الحزب الواحد في الدولة العالمية، فان هذه الجماعة متفقة على تلك الآيديولوجية التي عرفناها، وتعمل تحت قيادة معينة هي قيادة ذلك الشخص الذي سيمارس الحكم في الدولة العالمية. وهم تحت قيادته حتى في العهد السابق على تأسيس هذه الدولة، طبقا للفهم الامامي لفكرة المهدي، كـما حملنا فكرة عنه في تاريخ ما بعد الظهور[[567]].
إذن، فهناك حزب معين قد استلم زمام السلطة ومارس الحكم في هذه الدولة.
إلا ان هذا القول أقرب إلى المجاز منه إلى الحقيقة، فان هناك عدة فوارق بين هذه [الجماعة المهدوية] وبين الأحزاب بالمعنى الاصطلاحي، من عدة نواحٍ، بحسب ما نفهم:
أولا: ان القيادة فيه مركزية متمثلة في فرد، لا في جماعة ولا في [مجلس قيادة]، وليس لأحد حق المناقشة فيما يقوله القائد ويجزم به، طبقا لقوله عزّ من قائل:
"وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا"[[568]].
وهذا القائد المهدي D واقع في خط الله ورسوله، فيتصف بصفاته.
ثانيا: ان الانتماء إلى هذه الجماعة، لا يكون بقرار من الحزب أو بطلب خاص، وإنما هو نتيجة لنجاح الفرد في التمحيص الالهي خلال حياته الاعتيادية. فان بلوغه إلى درجة عليا معينة من النجاح كفيل باندراجه في تلك الجماعة بدون سابق انذار!!...
ثالثا: ان هذه الجماعة قد لا يعرف أي واحد منهم الآخر، ولا تجمعهم أرض ولا مجتمع ولا لغة ولا مصلحة خاصة، وليس لأي منهم تجاه الآخر أية مسؤولية حزبية، وإنما هم معروفون مباشرة للقائد المهدي عليه السلام. وإن حصل التعارف بين بعضهم فإنما هو باذن خاص من القائد الأعلى فحسب.
رابعا: ان هذه الجماعة ليس لها أي بروز بل ليس لها أي وجود اجتماعي وليست معروفة لأي إنسان سوى القائد نفسه، ومن يحب هو شخصيا إطلاعه على ذلك. وذلك: لسبب بسيط ذكرناه في [تاريخ الغيبة الكبرى]، وهو ان فردا مهما أوتي من عبقرية، لا يستطيع أن يخمن في نفسه فضلا عن الآخرين انه واصل إلى تلك الدرجة العالية المطلوبة من الاخلاص والنجاح في التمحيص.
إلى غير ذلك من الفروق، وهذا معنى ان تسميتها بالحزب، يحتوي على ضرب من المجاز دون الحقيقة. وإنما كل ما لهذه الجماعة من وجود، هو إلتزام أفرادها بالاطروحة العادلة الكاملة، وتطبيقها على حياتهم تطبيقا دقيقا والانصياع لأوامر المهدي D إذا أراد توجيه بعضهم لأي عمل أو مصلحة عامة خلال غيبته، بالمعنى الذي شرحناه في تاريخ الغيبة الكبرى.
وهذه الجماعة هي التي سوف تمارس الحكم في الدولة العالمية منذ وجودها أعني الدولة. فإذا لم تكن هذه الجماعة حزبا. فمن الطبيعي ان لا يصح القول بأن الحزب الواحد هو الذي يسيطر على الدولة العالمية.
واما إجازة هذه الدولة لوجود الأحزاب في مجتمعها، فهذا أمر يعود إليها وإلى رأي قائدها، سيكشف عنه المستقبل. وإنما كل ما لدينا من المعرفة تنحصر في أمرين:
الأمر الأول: ان هذه الدولة العقائدية العادلة، سوف لن توافق على نفوذ العقائد الكافرة والأحزاب المنحرفة في مجتمعها، مما هو مضاد للتخطيط العام لتكامل البشرية. بل سوف لن تدع فرصة لتكونها على الاطلاق، بعد القتل الكثير الذي يمارسه القائد المهدي D للمنحرفين الراسبين في التمحيص، قبل تأسيس دولته العالمية وقيامه باجتثاث انحراف الباقين بما يكسبه من الايمان وبعقيدته في العالم.
الأمر الثاني: انه - بالتدريج - سوف يعم الشعور بالاستغناء عن فكرة الحزبية على الاطلاق فان الهدف الحزبي عادة هو تحويل الواقع الفاسد إلى الشكل الصالح الذي يراه الحزب. وسوف يثبت - وبسرعة - على الصعيد العالمي أن الواقع الذي نعيشه وتمارسه الدولة واقع صالح عادل موجب للراحة والرفاه. فيكون الشعور بالاستغناء عن التكتلات والتعصبات واضحا.
الناحية الخامسة: في التعاليم التي أعطاها انجلز، والتي سبق سردها في الحديث عن عصر دكتاتورية البروليتاريا. فهل تصدق وتصلح للدولة العالمية أو لا. ونحن نذكر الآن كل فقرة منها ونعلق عليها:
الفقرة الأولى: إنقاص الملكية الخاصة بواسطة الضرائب التصاعدية والضرائب المرتفعة على الارث. وإلغاء حق الميراث في خط جانبي الأخوة، ابناء الأخوة، والقروض الاجبارية...إلخ.
أما إلغاء قانون الارث في الدولة العالمية، فقد عرفنا انه غير محتمل، بعد نص القرآن عليه. نعم سوف تقل أهميته إلى درجة بعيدة، بعد توفر الرفاه الكامل الذي عرفناه. وأخذ الدولة بزمام المبادرة للاستثمار وسيطرتها على الجوانب المهمة الاقتصادية والمالية في المجتمع.
وكذلك سوف تقل أهمية الملكية الخاصة، تلقائيا، وان لم تنعدم، كما عرفنا، وهذا ما سوف يحدث خلال عصر الرئيس الأول لها وهو الامام المهدي نفسه، ومع وجود ذلك لا حاجة إلى جعل الضرائب الاعتيادية فضلا عن التصاعدية. والضرائب الاعتيادية الاسلامية تبقى سارية المفعول, إلا انها من حيث النسبة أقل بكثير مما يقترحه انجلز. فانها في أعلى صورها لا تزيد على 10% وقد تصل إلى 0,025[[569]]، وهي على أي حال ليست ضرائب مرتفعة.
نعم, الخبر الأول من الأخبار السابقة, يدل على كون الاتجاه الاقتصادي في الدولة العالمية غير منافر مع ضرب الضرائب الاضافية, حيث يقول: فإذا قام قائمنا حرم على كل ذي كنز كنزه, حتى يأتوه به ويستعين به. إذا فهمنا من الكنز الأموال المملوكة للأفراد بالملكية الخاصة, وكان هذا المضمون قانونا دائميا. إلا ان هذا مما لا دليل عليه, لما أسلفنا من احتمال كون المراد من الكنز الأموال العامة لا الخاصة, فانها هي التي تستحقها الدولة على التعيين في الاسلام. ولو افترضناها أموالا شخصية فهناك احتمال ان المطالبة بها شيء موقت لمصلحة اجتماعية وقتية, وليست قانونا عاما. ومعه لا يبقى دليل على كون الضرائب مرتفعة في الدولة العالمية.
الفقرة الثانية: الاغتصاب التدريجي للملاكين العقاريين والصناعيين وأصحاب السكك الحديدية واحواض السفن. اما بواسطة منافسة صناعة الدولة, واما مباشرة لقاء التعويض بسندات.
أما منافسة الدولة العالمية للقطاع الخاص, فهو أمر صحيح تقوم عليه أكثر من قرينة من القرائن السابقة, وهي الثالثة والرابعة, باعتبار ان ذلك مما يؤثر في الرفاه الاجتماعي حتما ويقتضيه التنظيم الاجتماعي جزما. ومن هنا فالقول بقيام الدولة بذلك أمر لا مناص منه.
وأما مصير القطاع الخاص, ففي الامكان القول: إن مشاركة الدولة هذه, مع ما تنتجه سائر الجوانب الاقتصادية من الرفاه العام, يجعل المشاريع الشخصية قليلة الأهمية إلى درجة كبيرة, حتى تضمر تلقائيا. ومعه لا حاجة إلى الاغتصاب التدريجي ولا الفوري لها.
هذا, والعجيب أن انجلز ينيط الاغتصاب بالتعويض, وهذا يتضمن إرجاعا للمال إلى صاحبه، بشكل وآخر. وهو ينافي الاتجاه الاشتراكي الذي يتوقعه هو من الدولة.
الفقرة الثالثة: مصادرة جميع أملاك المغتربين والمتمردين على غالبية الشعب.
أما المغتربون فلا معنى لوجودهم في الدولة العالمية، كـما هو واضح. لان الاغتراب في هذا الصدد يعني وجود رعايا إحدى الدول في ربوع دولة أخرى. وهذا منتف تماما مع وحدة الدولة في العالم.
ومن الطريف ان الشيوعية التي يدعو لها انجلز، تتوقع تطبيق الحكم العالمي الواحد، مهما كان هذا غامضا في المصادر الماركسية، فـما معنى المغتربين في مفهومها؟!...
وأما المتمردون، فتقف منهم الدولة مواقف معينة مُتخذة من مصالح المكان والزمان والآيديولوجية التي يتخذها المتمردون. ومن هنا تكون معاملة كل جماعة من المتمردين مختلفة عن معاملة الجماعة الأخرى. فلعل مصادرة الأموال تندرج في هذه التدابير أحيانا، ولعلها لا تندرج أحيانا أخرى؟!...
الفقرة الرابعة: تنظيم العمل واستخدام العمال في الميادين والمصانع والورشات الوطنية، مع إلغاء منافسة العمال فيما بينهم، وإجبار الصناعيين الموجودين بعد على دفع نفس الأجر المرتفع الذي تدفعه الدولة.
هذا كله ممكن الانطباق على الدولة العالمية، وتقوم عليه القرينتان الثالثة والرابعة. وإجبار الصناعيين على الأجر المرتفع وان كان مخالفا للقواعد الاسلامية السارية المفعول الآن، إلا انه يصح بلا إشكال بأمر الدولة الاسلامية. فلو بقيت المصانع الخاصة ذات أهمية يومئذ أو ذات وجود، فلا بد ان تنظمها الدولة بقانون.
الفقرة الخامسة: إلزام العمل بالنسبة إلى جميع أفراد المجتمع، حتى القضاء التام على الملكية الفردية. تشكيل جيوش صناعية، وبصورة خاصة من أجل الزراعة.
اما الملكية الخاصة، فسوف تبقى سارية المفعول أساسا، كـما سبق أن برهنا.
وأما العمل الاجباري لجميع أفراد المجتمع، فلا دليل على وجوده في الدولة العالمية... بل لعل الدليل على خلافه، لانه مناف للحرية الفردية وللشعور بالسعادة في الرفاه العام، ومناف للاسلوب التربوي الذي تتخذه الدولة تجاه الأفراد جميعا، بحسب ما ندركه الآن. نعم، للدولة أن تجبر أي واحد أو أي جماعة معينة أو غير معينة على العمل... كـما ان لها ان تأمر [بالنفير العام] للعمل عند الحاجة، فيكون العمل إلزاميا لكل الأفراد... ولا دليل على ان الحاجة تقتضي ذلك دائما.
اما المسألة الزراعية، فستتخذ درجة كبيرة من الأهمية في الدولة العالمية، ويشملها ما قلناه عن العمل أيضا... وسوف تنظم جوانبها بقانون. ولكن إسلوب هذا التنظيم لا ينبغي ان يكون مفهوما لنا في العصر الحاضر. وليس من الواضح أن يكون ما اقترحه انجلز من إجبار الالاف على العمل في الأرض، هو أحسن ما يمكن اتخاذه من تدابير، في هذا الصدد[[570]].
الفقرة السادسة: مركزة نظام الائتمان وتجارة المال في ايدي الدولة، وذلك بواسطة تشكيل مصرف وطني برأسمال دولي، وإلغاء جميع المصارف الخاصة.
من المؤكد ان النظام المصرفي الرئيسي، سوف يكون بيد الدولة، بما في ذلك قبول الأموال وتسليفها والتجارة بها. اما إلغاء المصارف الخاصة بالمرة فهذا ما لا دليل عليه. وان كانت لا تبقى لها من الأهمية شيء سوى معيشة أصحابها، وسوف تكون كل المصارف، حكومية وشخصية خالية من الفائدة الربوية بالضرورة.
وأما إذا ضممنا إلى ذلك تحريم الربح التجاري أيضا، فسوف لن يبقى للمصارف من فائدة سوى حفظ الأموال وارجاعها أو بعضها عند الطلب. ومن هنا فالمظنون تقلص النظام المصرفي في الدولة العالمية، والاستغناء عنه تدريجا.
وسوف تنحصر تنمية رأس المال، بعد تحريم الربح التجاري، بالعمل على حيازة [المباحات العامة] في المعادن والأراضي والنباتات الطبيعية وغيرها. مع وجوب جعل الزائد عن العمل بل الزائد عن الحاجة أيضا مباحا للآخرين أيضا. وهذا مستوى من التفكير الاجتماعي الاقتصادي لم تستطع الماركسية التوصل إليه إلا بإلغاء الملكية الخاصة... واما دولة العدل العالمية، فتتوصل إليه مع الحفاظ عليها.
الفقرة السابعة: مضاعفة المصانع الوطنية والورشات والخطوط الحديدية والسفن، واستصلاح جميع الأراضي المزروعة من قَبل، بصورة مطردة مع زيادة الرساميل والقوى العاملة التي تملكها البلاد.
أما الاهتمام بالصناعة والزراعة من قبل الدولة العالمية، فقد عرفناه بوضوح. ويؤيده عدد من القرائن السابقة ان لم يكن كلها، ويندرج في المفاهيم المذهبية وخاصة الأول والثاني منها، وهما اللذان يعطيان للدولة حق التصرف العام في الاقتصاد والمال على العموم، الأمر الذي يؤدي إلى تقليص الجانب الشخصي والقطاع الخاص على العموم.
وهذا التقلص يعني عدم الزيادة المطردة في الرساميل الشخصية، إذ ان نتائجها في العدل والرفاه المطلوب، ومن ثم في التربية المتوخاة للدولة تأثير ضئيل لا يعدل ما تقوم به الدولة نفسها من أعمال اقتصادية.
الفقرة الثامنة: تربية جميع الأولاد، منذ اللحظة التي يمكن فيها إبعادهم عن الاحضان الأمومية، في مؤسسات وطنية، وعلى نفقة الأمة [تربية وإنتاج مُصنّع].
إن المقصود الرئيسي لانجلز من ذلك هو تربية الأجيال الصاعدة على المفاهيم الماركسية بشكل مغلق غير قابل للمناقشة، حتى يضمن بذلك تصاعد المفهوم الشيوعي في المجتمع من ناحية ويضع الأساس لعدم [الانحراف عنها] بعد تحقق الطور الأعلى بالتجاوب التام والدائم مع مستلزمات ذلك الطور على العموم.
وهذه النتيجة - بشكل وآخر - متوخاة لكل آيديولوجية حاكمة، بما فيها [الاطروحة العادلة الكاملة] التي تتبناها الدولة العالمية. إلا أن انجلز يبدو انه قد أخطأ في طريقه إلى هذه النتيجة.
إن طريقة الدولة العالمية - حسب فهمنا المعاصر - لتربية الجيل الصاعد، بعد الاعتراف بالأسرة التي أنكرتها الماركسية، والاعتراف بحاجة الطفل واليافع إلى دفء الوالدين وتوجيهاتهما.
إن المنهج التربوي يتكون عموما، من الحقول التالية:
الحقل الأول: إعطاء النموذج الأعلى للعدل الذي يبرز بوضوح لأي فرد كونه أفضل من أي نظام آخر... مما يجعل الفرد مشدودا عقائديا إلى هذا النظام، بمجرد تفتحه على الحياة.
الحقل الثاني: تكوين الأسرة الصالحة، ذات التوجيهات العادلة والاسلوب الصحيح في تربية الذرية، مما يوفر للفرد التربية الصحيحة مع الاحتفاظ بالدفء الأبوي. والاستغناء عن مشاكل وآلام المحاضن الحكومية العامة.
إن النصيحة التي توجه عادة إلى الانسان في انه ينبغي ان يختار أبويه، سوف تقوم بها الدولة العالمية على نطاق واسع، مما يوفر لكل الجيل الجديد اختيار الوالدين الفاضلين الخيرين دائما.
الحقل الثالث: الايضاح الواسع النطاق للاسلوب التربوي الصحيح من النواحي الطبية والنفسية والعقائدية والاجتماعية، ليجعل إتباعها بالنسبة للأسر عموما سهلا وتحت متناول الجميع.
الحقل الرابع: توفير العلم - بكل فروعه - للجميع. فبمجرد ان يصبح الفرد يافعا قابلا لتلقي العلم، سوف تحتضنه المدارس النظامية العادلة، لتصل به - بالتدريج - إلى قمة الفضل العلمي والايماني معا... ضمن منهج دراسي توجيهي، لا يمكن الالمام الآن بخصائصه.
الحقل الخامس: وبعد ان يصبح الفرد في الدرجة التي تؤهله لأداء الخدمة الاجتماعية الكافية، منسجمة مع التخطيط العام وآيديولوجية الدولة... سوف تفتح له الدولة ذراعيها لكي يؤدي عمله في أفضل الميادين التي يستطيع ان يبرز فيها ويؤدي فيها أفضل الأعمال. ويكون له في مقابل ذلك ان يشارك في الرفاه العام أعمق وأوسع مشاركة.
وبذلك تكون الدولة العالمية قد توصلت إلى نفس النتائج التي تحتاجها الآيديولوجية الحاكمة، بالشكل الذي تحافظ فيها على قدسية الأسرة والدولة معا.
الفقرة التاسعة - من كلام انجلز -: بناء قصور كبيرة من الأراضي الوطنية التي تكون مسكنا لجماعات من المواطنين المشتغلين في الصناعة أو الزراعة، وتكون جامعة لمحسّنات الحياة المدنية والريفية، دون ان يكون لها مساوئها.
تنفتح الحاجة إلى هذه القصور السكنية من خلال النظام الذي يقترحه انجلز في جيوش عمالة في الصناعة والزراعة. فان هذه الجيوش لا بد ان تجتمع في الحقول الزراعية والصناعية، من مختلف البلدان، فتحتاج إلى سكن وطعام بطبيعة الحال، ومن هنا تحتاج الحكومة بناء شقق [مستعجلة] لأجل تكديسهم فيها ريثما ينفتح لأحدهم فرصة بناء بيت مستقل، أو يبقى ساكنا تلك القصور إلى الأبد.
أما حيث تنتفي الحاجة إلى تكوين هذه الجيوش، بانتفاء النظام الذي يستلزمها، أولا. وتنفتح الفرصة، طبقا للمستوى المعيشي العالي جدا، إلى بيوت مستقلة ومرفهة لكل فلاح وعامل... فيكون ما تصوره انجلز بلا موضوع.
الفقرة العاشرة: تدمير جميع المساكن والأحياء غير الصحية والسيئة البناء.
ان هذا التدمير بلا موجب، سوى إجبار العمال إلى الانتقال إلى تلك القصور. فان هذا الانتقال سوف لن يكون سهلا عليهم، ولكنهم سيكونون ملزمين بعد تهديم بيوتهم، وعدم وجود العوض المناسب غير تلك القصور. وأما مع توفير البيوت المرفهة لهم، والتي قد تكون مجانية، فان الدافع النفسي للانتقال إليها وهجر البيوت الأولى القديمة وغير الصحية يكون قويا وواضحا، بلا حاجة إلى تدميرها. ان تدميرها سوف يتم بشكل معنوي وتلقائي. انها سوف تبقى بشكل [مَتحفي] لتدل الأجيال على المستوى المنحط الذي كانت تعيشه الأجيال السابقة. وهذه فائدة مهمة أهملها انجلز حين اقترح هدم وتدمير هذه البيوت.
وقد يخطر في الذهن: ان مراد انجلز من تدمير البيوت، كونه مقدمة لبنائها ثانية بشكل أفضل. إلا ان هذا بعيد عن فهم العبارة، فان التدمير يتضمن معنى الابادة والازالة. ولو أراد إعادة البناء لعبّر بالتجديد.
الفقرة الحادية عشرة: حق الميراث المتساوي للابناء الشرعيين وغير الشرعيين وهذا منطقي جدا بالنسبة إلى الشيوعية التي ألغت الأسرة. إلا ان هنا اعتراضا قد يرد على هذا الاقتراح من حيث ان هذه الفقرة هل تطبق في الطور الشيوعي الأعلى أو تطبق قبله. فان طبقت في ذلك الطور، كان الميراث والملكية الخاصة كلها منتفية فلا مجال لهذه الفقرة بالمرة. وان طبقت قبله، كانت الأسرة لا زالت مقدسة ولها وجود واضح، ولا زال الاحساس الاجتماعي تجاه الابناء الشرعيين وغير الشرعيين مختلفا. ومن الواضح عدم إمكان تطبيق هذه المادة في جو اجتماعي من هذا القبيل. إلا بشكل مثير للعواطف والحزازات.
واما في الدولة العالمية، فهو غير منطقي تماما، لأجل عدة خطوات:
الخطوة الأولى: انه لا يكاد يوجد هناك ابناء غير شرعيين، لانه لا يوجد من يفكر بذلك فضلا عن ان يفعله، بعد التربية السريعة والعميقة التي تقوم بها الدولة، وغربلة المنحرفين والتخلص منهم في أول تأسيسها، كـما عرفنا في [تاريخ ما بعد الظهور].
الخطوة الثانية: انه لو حصل ذلك، فقد وضعت عليه أشد العقوبات، على الاتصال غير المشروع بين الجنسين، مما يجتث جذور هذه الجريمة تماما.
الخطوة الثالثة: لو تنزلنا - جدلا - عن كل ذلك، وفرضنا وجود الابناء غير الشرعيين في ذلك المجتمع, فسوف لن يكون الارث لهم مشروعا باعتبار ما عرفنا من سريان قانون الارث الذي ينص عليه الاسلام إلى ذلك الزمان. ومن واضحات قانون الارث عدم وصوله إلى الولد غير الشرعي.
ولكن هذا الولد لا يحمل جريرة بطبيعة الحال, ومن هنا لا بد أن يكون مكفولا للدولة, تيسر له سبل الحياة الكريمة المرفهة تدريجا... لو كان للولد غير الشرعي وجود.
الفقرة الثانية عشرة: مركزة جميع وسائل النقل بأيدي الدولة.
هذا صحيح في الدولة العالمية, لا بمعنى الاعلان عن الملكية الخاصة لوسائط النقل, كما يرمي اليه انجلز, وإنما بمعنى أخذ الدولة بزمام المبادرة اليها, إلى حد تسقط أهمية المشاريع الشخصية تدريجا وتلقائيا.
فهذه جميع الفقرات التي اقترحها انجلز, مع التعليق عليها, بحسب ما استطعنا إقامة القرائن عليه من أحكام وخصائص الدولة العالمية العادلة.
-4-
وأما الطور الأول الشيوعي المسمى بالاشتراكية, فأهم خصائصه التي يختلف بها عما سواه - كما عرفنا - كما يلي:
أولا: استمرار وجود الدولة التي هي في طريق الفناء.
ثانيا: ارتفاع الاستغلال الرأسمالي إلى حد بعيد.
ثالثا: رفع الملكية الخاصة لكل وسائل الانتاج المهمة.
رابعا: تكون القاعدة الاقتصادية الأساسية هي القائلة: من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله.
خامسا: من لا يعمل لا يأكل.
سادسا:تتخذ الملكية العامة شكلين سبق تعريفهما: ملكية الدولة والملكية التعاونية.
سابعا: تكون التربية العلمية عالية ومركزة, وخاصة علم الآلة [الميكانيك] وعلم الحمضيات... بمقادير لم تعرفها البلاد الرأسمالية.
فهذه أهم الخصائص التي عرفناها وناقشناها, فهل هي صادقة على الدولة العالمية؟. سنفحص كل خصيصة في ناحية مستقلة:
الناحية الأولى: بالنسبة إلى بقاء الدولة, سبق أن برهنا على ضرورة وجودها, وسيأتي مزيد من الحديث عن ذلك عند التعرض إلى [الطور الأعلى], حيث ترى الماركسية انعدامها.
الناحية الثانية: ان الاستغلال بكل أشكاله، وبأبسط أنواعه سوف يكون مرتفعا تحت راية العدل الكامل. حسبنا من ذلك تحريم الربح التجاري وإعطاء الفرصة للأفراد للنيل من المصادر الطبيعية من معادن وغيرها مجانا، وحتى ان الدولة تقوم بتوزيع الأموال مجانا أحيانا. ومن الواضح الضروري انه لا يمكن أن يكون للرأسمال بالمعنى الرأسمالي وجود حينئذ، فضلا عن تحرك الأطماع الرأسمالية لأي شيء أو أية مزية زائدة، إلا إذا أمكن ان يكون بعض أسنان المشط أعلى من الآخر.
الناحية الثالثة: ان ملكية الدولة لوسائل الانتاج سوف تحدث وسوف ينحصر بها أيضا بالتدريج... كل ما في الأمر ان ذلك سوف لن يكون بنحو القهر والاغتصاب الذي ينفر الأفراد ضد السلطات، ويحملهم على الانحراف ويكون خطوة سيئة ضد مستواهم التربوي المطلوب.
ان القطاع الخاص من وسائل الانتاج سيذوب تدريجا تحت سيطرة الحكومة سيطرة كلية على موارد الانتاج والتصدير من الناحيتين الصناعية والزراعية. سيذوب تدريجا في ظرف توفير الرفاه للناس إلى حد سوف يستغني أصحاب القطاع الخاص عما تحت أيديهم، وهم شاكرون لدولتهم العادلة.
الناحية الرابعة: ان إلزام الأفراد جميعا للعمل بكل طاقاتهم، وعدم تموينهم بشيء بدون ذلك، كـما هو منطوق قاعدة [من كل حسب طاقته] وقاعدة [من لا يعمل لا يأكل]... إن هذا الالزام ليس منطقيا بالمرة في الدولة العالمية، إلا إذا أمرت به الدولة لمصالح وقتية. اما بناء القاعدة الاقتصادية على ذلك بصورة مستمرة، فهو مما لا معنى له... لعدة وجوه:
أولا: ان الرفاه الذي يحدث في العالم يومئذ لا يحتاج إلى كل هذا الزخم بل يكفي فيه جهد أقل من ذلك. وخاصة بعد ان لاحظنا كثرة المال من مصادره التي منها الاستيلاء على البنوك وتيسير الزراعة والتعدين، ومنها انعدام الحروب وصرف ميزانيتها فيما ينفع الناس. هذا إلى ما عرفناه في [تاريخ ما بعد الظهور][[571]]، من تعاون الكون والطبيعة مع النظام العادل في زيادة الانتاج، فيحدث من العمل القليل نتاج كثير. وقد سبق ان حملنا عن هذا فكرة كافية هناك.
ثانيا: ان شعور الفرد بالمسؤولية تجاه دولته وتجاه التخطيط العام, يحدوه إلى العمل بمقدار ما يشعر بالحاجة من أجل الصالح العام. ومع وجود الرغبة, لا معنى للالزام.
ثالثا: إن الرفاه سوف يصل - تلقائيا!! - إلى الجميع, من عمل ومن لم يعمل, وكلهم سيعيش عيشة عالية, كل ما في الأمر أن العاملين سوف تكون مزيتهم المعنوية واحترامهم الخاص. طبقا لقوله تعالى:
"وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ..."[[572]].
وقوله تعالى:
"... وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا"[[573]].
والعمل في سبيل الصالح العام في المجتمع العادل، له مرتبة الجهاد. ومن الواضح ان القيمة الأخلاقية ستكون ذات نفع كبير في ذلك المجتمع، طبقا للدافع الايماني الخالص.
رابعا: اننا لا نريد بالرفاه والسعادة كثرة المال والحاجات الاستهلاكية فقط، كما قدرته الماركسية من جانبها المادي، بل الجانب النفسي جانب مهم أيضا، فينبغي ان يكون الفرد غير معانٍ لحزن شديد أو ضيق كبير أو لأزمات نفسية، ليكون سعيدا. ومن الواضح ان الالزام بالعمل قد يسبب في كثير من الأحيان للفرد ضيقا وازعاجا، مما ينافي مستوى السعادة المتوقعة يومئذ.
فلو فرضنا ان الديدن العام كان على إلزام كل الأفراد على العمل, كان الغالب هو وجود الضيق المنافي للسعادة. وإذا كان أغلب الناس في ضيق, فلمن تكون السعادة.
هذا, مضافا إلى ما ناقشنا به هذه القاعدة خلال مناقشة الطور الأول فيما سبق.
اذن, فبغض النظر عن المصالح الثانوية التي تقتضي أحيانا إلزام الدولة للأفراد بالعمل... سوف لن يكون هذا الالزام ساري المفعول. بل [من كل حسب إرادته] من العمل بحسب الوقت والنوع معا. وهو لا محالة يختار - ان كان سويا رشيدا -: ان يعمل بمقدار ما يطيق أولا, وبالنوع الذي يعرفه أو يختص به ثانيا, وبالمقدار الذي ييسر له العيش المرفه ثالثا. والأغلب في ذلك المجتمع، ان ما ييسر له هذا المستوى، لا يحتاج إلى بذل الكبير من الطاقة. ثم هو يوفر الباقي من طاقته ووقته لنيل السعادة والتربية التي توفرها الدولة وتخطط لها.
وسوف يكون [لكل فرد معيشة مرفهة] و[للعاملين تقديرا أخلاقيا خاصا]، خلافا لما تتسالم عليه أكثر المجتمعات في العصر السالف من استقباح العمل واستحقاره.
الناحية الخامسة: قد فهمنا الرأي في القاعدة القائلة: من لا يعمل لا يأكل... في الناحية السابقة، وعرفنا انها غير صحيحة وان [الاكل] يصل إلى العامل وغير العامل على حد سواء. وان كان العامل أعظم شأنا، قد يكون أكثر رفاها نتيجة لعمله.
الناحية السادسة: بالنسبة إلى أشكال الملكية، سوف لن تكون مقتصرة على الشكلين اللذين تراهما الماركسية. بل نستطيع ان نسلسل المطلب، كـما يلي:
الملكية قد تكون خاصة وقد تكون عامة. فالملكية الخاصة تكون فيما له ندرة نسبية في المجتمع، وكان محازا للفرد وغير مملوك للدولة. والملكية العامة، قد لا تكون مشروطة بالندرة النسبية، لإمكان تصرف الدولة حتى في ما هو متوفر توفرا مطلقا. وهي تنقسم إلى عدة أقسام:
القسم الأول: ملكية الدولة، بشكل خاص أو مطلق... تكون من قسم من الأراضي وما تأخذه من ضرائب وما تستربحه من أموال.
القسم الثاني: ملكية الدولة مع الاذن للناس بالاستفادة منها إذنا عاما. كالأراضي البوار والنبات الطبيعي والمعادن قبل استخراجها [بالعمل الشخصي] وبعد الاستخراج مما أخرجته الدولة أو كان فائضا عن الحاجة الفردية... والمياه... إلخ.
القسم الثالث: ملكية الأمة عموما. وهو الحكم الثالث في أيامنا هذه على الأراضي [المفتوحة عنوة] أي بالجهاد الاسلامي المسلح... وان عددا من القرائن السابقة دالة على استمرار الحكم وعدم إلغائه في الدولة العالمية... كـما هو واضح لمن يفكر.
وأما الملكية الكولخوزية التي عرضتها الماركسية... فان فهمناها بالخصائص الماركسية كلها، كان هذا متفرعا على أخذ الدولة العالمية بنظام الكولخوزات في الزراعة، وهو مما لا دليل عليه، بل لا حاجة إليه... ولا نريد أن ندخل في تفاصيل ذلك الآن.
وان فهمنا من الملكية الكولخوزية معنى عاما، يعبر عن أمر الدولة أو إذنها بحجز قسم من أموالها لجهة خاصة ذات عمل نافع اجتماعيا تأييدا لها وتسهيلا لأعمالها... فهذا أمر منطقي جدا وصحيح، ولكنه غير ماركسي على أي حال.
الناحية السابعة: بالنسبة إلى التربية العلمية بالمعنى التكنيكي... لا شك في وجوده في الدولة العالمية على أعلى مستوى. وربما تتوصل البشرية يومئذ إلى نتائج مهمة وغير متوقعة في العصر الحاضر... ولا اختصاص للميكانيك وعلم الحمضيات، كـما توقعت الماركسية، بل يشمل سائر الحقول التي تمت إلى الخدمات الصناعية بصلة.
كـما يشمل الاهتمام سائر العلوم التي تنتج النفع الاجتماعي، كالطب وعلم الاجتماع وعلم النفس، وغيرها، وقد تعطى لها صيغ جديدة صحيحة لم تكن معروفة من قبل.
ولكن المهم في ذلك هو وقوع كل هذه العلوم، بل كل مناحي الحياة، في طريق التربية، المتجهة نحو الهدف الأعلى. إذن ما دامت الصناعة والزراعة والرفاه الاقتصادي والاجتماعي، كلها مكرسة في هذه السبيل، فمن المنطقي ان تكون العلوم المنتجة لذلك مكرسة في نفس السبيل. وهذا ما لا تستطيع الماركسية أن تضع بإزائه شيئا، بعد ان اعتبرت الرفاه الاقتصادي غاية لا وسيلة.
ومعنى تكريس العلوم لذلك الهدف، انطلاقها من زاويتين - على الأقل -:
الزاوية الأولى: كون العلوم عموما، والعلوم الكونية منها على الخصوص، ليست غير بيانات لتدبير الخالق لخلقه والمكون لكونه، وليس لها أي جدوى أو معنى بدون ذلك.
الزاوية الثانية: كون هذه العلوم غير ذات معنى ولا جدوى بدون الشعور بالمسؤولية الانسانية والأخلاقية عموما، وتجاه التخطيط العام على وجـه الخصوص. وإذا كان هذا الشعور موجودا، كان التكريس للهدف واعيا وواضحا في الذهن، ومطبقا في الحياة العملية.
الناحية الثامنة: أكدت الماركسية - فيما عرفنا عنها - على ان الشكل المفضل إداريا للدولة هو الحكم بطريقة [المجالس السوفييتية]. وقد وجدنا لدى المناقشة ان هذا الرأي لم يؤخذ به في بعض الدول الشيوعية فضلا عن غيرها. فقد وجد الناس لأنفسهم أساليب أفضل من ذلك، وأنسب بمجتمعاتهم منه. فمن الطبيعي - إذن - ان نعطي [الحرية] للدولة العالمية العادلة في ان تختار شكلها الاداري المفضل، حسب ما ترى من المصلحة، ولا حاجة الآن إلى محاولة فهمه.
-5-
ها قد وصلنا إلى الطور الشيوعي الأعلى للشيوعية الذي هو [الهدف العظيم للحزب الشيوعي والشعب السوفييتي] وهو أيضا [حلم الانسانية طيلة قرون] وهو أيضا [الانسان وقد تحرر من أوصاب الملكية الخاصة ومن عبودية الماضي الروحية]... كـما سمعنا ذلك من التعاريف الماركسية لذلك اليوم.
وإذا وصلنا إلى هذه المرحلة اكتسب البحث أهمية خاصة، من حيث أننا نقارن بين هدفين إنسانيين لآيديولوجيتين مختلفتين، وكلاهما موجود في ضمير المستقبل ولمّا يتحقق لحد الآن.
على اننا ذكرنا ان حدوث الدولة العالمية ليس هو الهدف الأعلى من التخطيط العام، بل الهدف هو المجتمع المعصوم. فاستطعنا اثبات أفضلية نظام الدولة العادلة على الطور الأعلى، فكانت أفضلية المجتمع المعصوم عنه أولى بطبيعة الحال، فنستغني عن البحث فيه من جديد.
وقد سمعنا تعاريف الشيوعية، وقارناها وناقشناها، وعرفنا انطباق جملة منها على نتيجة التخطيط العام أيضا. ويحسن بنا الآن ان نسير خطوة جديدة.
فليس فقط [ستترسخ فيه الارادة الذاتية الاجتماعية ويغدو فيه العمل لخير المجتمع الحاجة الحيوية الأولى في نظر المجتمع] كـما تريد الماركسية، وان كان هو أمرا صحيحا ومتحققا في الدولة العالمية. ولكن سيكون التركيز على التكامل الفردي موجودا ورئيسيا أيضا، ولا معنى للتكامل والتربية الاجتماعية إلا بالتكامل الفردي، فلا وجود لما تريده الماركسية من تمحيض الفرد للجماعة واندكاكه في المجتمع والصالح العام، بل سيكون للجانبين الفردي والاجتماعي أهميتهما.
ولا نعني بالجانب الفردي التركيز على الأنانية والغرور، بل نعني التكامل الفردي بالمعنى الحقيقي، المنافي تماما مع الأنانية والغرور، وكل جوانب الاسفاف المصلحية. وهذا المعنى من التكامل، هو الذي يكرس الجانب الاجتماعي لتربيته... إذ لا معنى للعناية بالمجتمع إلا من أجل تكامل أفراده.
كـما ان الدولة العالمية ليس فقط [تنظيم اجتماعي عاقل يعتمد على قاعدة تكتيكية عالية التطور] بل يعطي إلى جانب ذلك الجوانب الأخرى المهمة في التربية والتكامل التي عرفناها.
كـما ان نظام تلك الدولة، ليس فقط [ظاهرة تاريخية عالمية] كـما تريد الماركسية لطورها الأعلى. بل هي نظام عالمي كامل وعادل. وإنما يصح التعبير بالظاهرة لدى وجود دولة فضلى بين عدة دول مغايرة لها وموقتة الوجود نسبيا... وهذا غاية ما تطمع به الماركسية على ما يبدو. واما حين تحكم الدولة الفضلى كل العالم، فلا يمكن التعبير عنها بكونها [ظاهرة]. وخاصة إذا لم تتوقع لها الزوال على طول الزمن... بل لها الرسوخ والنمو والانتاج الواقعي للهدف الأعلى. إذن، لا بد لنا ان نختار لفظا آخر يدلنا على الطريق.
وقالت الماركسية: [انه لا مراء في ان التشكيلة الشيوعية ستكون عامة شاملة، وان جميع الشعوب ستبلغ في آخر المطاف مستوى واحدا، فيبدأ آنذاك تاريخ واحد لبشرية واحدة...].
إن الماركسية تتوقع وصول المجتمعات إلى الطور الأعلى تدريجا واحدا بعد الآخر. وهذا ما تتوقعه في مدى بعيد قد يبلغ مئات السنين، الأمر الذي يجعل المجتمعات التي تصل إلى الطور الأعلى مهددة بالانتكاس أو الغزو الخارجي، وخاصة مع انعدام الحكومة المركزية [الدولة] فيها، وعدم الجيش وعدم القانون، كـما سمعنا فيما سبق.
وأما في التخطيط العام، فالعالم يدخل في الدولة العالمية، سوية، بحيث لا يكون هناك زمان مهم بين جزء وآخر، إلا المدة التي يتم للقائد المهدي السيطرة على العالم... وقد حددت هذه المدة بثمانية أشهر، كـما سمعنا في تاريخ ما بعد الظهور.
ومعه فاحتمال الانتكاس غير موجود، باعتبار التوجيه المركزي للدولة نفسها. كـما ان احتمال الغزو الخارجي غير موجود، لعدم وجود دولة أخرى مقابلة في العالم على الاطلاق.
ان التطور الفكري للبشرية - عموما - سيكون مشتركا في التخطيط الثالث، بحيث يجعلها كلها مؤهلة للحكم العالمي، وهو خصيصة كل تخطيط كـما سبق، وليس - كـما تتصور الماركسية - ان هناك تفاضلا ضخما من ناحية الاتجاه نحو الهدف.
... هذا ولا مانع بعد تأهيل البشرية عموما للحكم العادل، ان تبقى استثناءات - قد تكون عديدة - ذات مستويات منحفظة عقليا أو ثقافيا أو عقائديا أو حضاريا. ان الحكم العادل سيشملهم جميعا، ويتكفل تربيتهم جميعا كل بحسب ما يحتاجه من أساليب الرعاية والتوجيه.
فهذه نظرة نحو التعاريف الماركسية لطورها الأعلى، مضافا إلى ما ذكرناه في الفقرة الثالثة من مناقشات ذلك الطور.
-6-
ويتسم الطور الأعلى بعدة صفات عرفناها وناقشناها. ولا بد الآن ان نتساءل عن انطباقها على الدولة العالمية:
الصفة الأولى: زوال الدولة تماما. باعتبارها أداة طبقية للصراع والقمع الطبقيين، وبعد زوال الطبقات لا يبقى من ينبغي قمعه، فلا يبقى للدولة موضوع.
وللماركسية كلمة أخرى حول زوال الدولة. قال لينين:
"ان الأساس الاقتصادي لاضمحلال الدولة اضمحلالا تاما هو تطور الشيوعية تطورا كبيرا يزول معه التضاد بين العمل الفكري والعمل الجسدي، ويزول بالتالي ينبوع من أهم ينابيع اللا مساواة الاجتماعية الراهنة"[[574]].
الصفة الثانية: انعدام الطبقات، بعد انعدام الرأسمال والرأسماليين، فلا يبقى إلا الأفراد العاملون في الصناعة والزراعة... فقط!!...
الصفة الثالثة: ستتحقق في ذلك الطور الديمقراطية بمعناها الصحيح ماركسيا، كـما سبق ان سمعنا.
الصفة الرابعة: ستكون القاعدة السائدة اقتصاديا هي القائلة: [من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجاته، أو حسب إرادته]... وقد رأينا التذبذب الماركسي حول ذلك.
الصفة الخامسة: سيصبح العمل الحاجة الأولى للحياة، حيث يعتاد البشر على إنجاز واجباتهم الاجتماعية دون أجهزة خاصة للالزام، وحيث العمل لا أجرة له في سبيل الخير العام...
الصفة السادسة: انه بوجود هذا الطور ستزول الويلات في العالم.
الصفة السابعة: إلغاء الملكية الخاصة إلغاءا تاما. وقد سمعنا التذبذب الماركسي بين إلغائها تماما، وإلغائها عن وسائل الانتاج خاصة.
الصفة الثامنة: سيعتمد الاقتصاد القومي على مخطط معتمد على تقنية عليا في الميدانين الصناعي والزراعي، مدعـما بالعلوم والفنون المنتجة لها... بشكل لم يكن له نظير فيما سبق.
الصفة التاسعة: ستتحقق الحرية بمعناها الكامل والصحيح ماركسيا.
الصفة العاشرة: سيزول القانون، ويتبدل إلى الأخلاق، حيث هي التي ستكون القائدة الآيديولوجية للمجتمع.
هكذا وصفت الماركسية طورها الأعلى، كـما سمعنا ذلك وناقشناه. وينبغي لنا فيما يلي مقارنته بنظام الدولة العالمية السابقة على المجتمع المعصوم، كـما أسلفنا. ولا بد لنا ان نتكلم عن كل صفة من هذه الصفات في ناحية مستقلة.
-7-
الناحية الأولى: بالنسبة إلى بقاء الدولة وزوالها.
ستكون الدولة العالمية العادلة، محتاجة إلى فكرة الحكومة والدولة... لعدة أسباب أساسية:
السبب الأول: ان تأسيس الدولة العالمية أساسا منطلق من هذه الزاوية، وهي: ان القائد المهدي D فتح العالم كله، وإذا تمّ له ذلك كان مستحقا ان يمارس الحكـم فيه، طبقا للاتجاه العالمي المعاصر الذي يرى من حق الثورات الناجحة ان تسيطر وان تحكـم في المناطق التي هي فيها.
مضافا: إلى ان فتحه للعالم لم يكن بقصد التوصل إلى السلطة ولا بشهوة الحكم، بل لأجل تطبيق العدل، ومعه فتخليه عن الحكم بعد إتمامه لفتح العالم يعني التنازل عن مسؤوليته وبالتالي عن التخطيط العام بلا مبرر.
السبب الثاني: الجانب العام الذي تحتاج إليه المجتمعات عموما إلى الدولة، وهو ما أشرنا إليه في غضون مناقشة الطور الأعلى من ان الدولة تحفظ المصالح العامة التي لا يمكن للأفراد الحفاظ عليها. فان هذا الجانب متوفر في الدولة العالمية بشكل أوضح، لجسامة هذه المصالح وتشعبها ووضوح استحالة قيام الأفراد بها مهما كثروا، ما لم يكن هناك لهم قيادة مركزية.
السبب الثالث: ان المجتمع الذي تبدأ به الدولة العالمية، مجتمع غير ناجز التر بية بالشكل المطلوب في التخطيط الرابع الذي نتحدث عنه، وإنما لا زال في أول الطريق. وستنال البشرية تربيتها المطلوبة منه عند نهايته، وهي إبتداء المجتمع المعصوم.
وسنعرف أن الدولة أو الحكومة، سوف تبقى حتى لو تحقق المجتمع المعصوم، وان اختلف شكل تكوينها. فكيف والمجتمع لم يصل بعد إلى العصمة. كل ما في الأمر، ان سبب وجودها يقتصر على الـسبب الثاني خاصة دون الأول والثالث، على ما سنعرف.
الناحية الثانية: في الحديث عن وجود الطبقات وعدمها في الدولة العالمية:
لا شك أنه بمجرد أن يتم إنجاز القوانين المهدوية والمستوى الجديد العالي للوعي والتفكير الذي يريده المهدي D، وبالتالي يريده التخطيط العام... تنعدم تماما أهمية الطبقات وما قد يحدث بينها من نزاع.
إن ما قالته الماركسية من استعار الصراع بين الطبقات باستمرار، مما لا دليل عليه، بعد ان عرفنا بطلان أدلة الماركسية على ذلك. إلا أن هذا الصراع قد يحدث أحيانا في المجتمعات الاعتيادية، كـما قد يحدث الصراع بين الأفراد وبيـن المجتمعات وبين الحكومات، وهكذا. ان كل هذه الصراعات سوف تتلاشى تماما تحت مجهر الوعي العالي والعدل الكامل والتلاحم الأخوي نحو الهدف الأعلى الذي يزرعه المهدي في نفوس البشر أجمعين.
إن أهمية الطبقات ستزول... ولن يكون هناك أيضا وجود للرأسمالية والرأسمالين بأي حال، بعد كل الذي عرفناه من مبررات اضمحلال القطاع الخاص إلى حد بعيد. كـما لا وجود للاستغلال على المستوى الشخصي فضلا عن الطبقي أو غيره، كـما هو جلي من عدد من الأحكام السابقة.
ولكن ماذا يبقى؟... يبقى الناس سواسية كأسنان المشط، ينال كل منهم أفضل شكل من المستوى الاقتصادي من ناحية ومن التربية والتكامل من ناحية أخرى. ولكن لا كـما تعتقده الماركسية من تحول الشعب إلى صناع وزراعين فقط. ان الهدف الأعلى لا يمكن ان يتحقق بمجرد ذلك. فهناك الاختصاصيون في العلم والمعرفة من كل نوع. والاختصاصي يفاضل غيره بطبيعة الحال [هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون]. كـما ان هناك من هو أكثر أداء للسلوك المخلص، ومن ثم أقوى إرادة وأكثر انسجاما مع التخطيط من الآخرين. وهؤلاء يتزايدون بالتدريج نتيجة للتخطيط التربوي السابق على العصمة. وليس كل الناس سواسية في ذلك حتى في ذلك العهد "... فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ ... عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى...". وقد عرفنا ان قواعد القرآن الكريم لا يمكن أن تتغير يومئذ.
ومن زاوية هذا التفضيل، سيتخذ الأكثر إخلاصا طريقه إلى المشاركة في الحكم والادارة العامة. أما في أول الدولة فيكون الحكام هم الأكثر نجاحا في التخطيط الثالث السابق واما بعد ذلك، فسوف يختار الأكثر نجاحا من الناس، مضافا إلى كفاءاته العلمية، ليأخذ طريقه في هذا الاتجاه.
إذن، فما تذكره الماركسية من كون الدولة ممثلة لطبقة معينة، غير صحيح بالمرة في الدولة العالمية، كـما هو - أيضا - غير صحيح كقاعدة عامة على ما عرفنا. فهذه الدولة لا يمثل حكامها العمال ولا الفلاحين ولا الرأسمالين ولا الاقطاعيين، ولا غيرهم ممن يخطر في ذهن الماركسيين... وإنما يمثلون الصالحين في العالم مهما كان عملهم. والدولة تشعر بمصلحتهم جميعا، وبعاطفة إلابوة والأخوة نحوهم أجمعين.
الناحية الثالثة: في تحقق الديمقراطية في الدولة العالمية.
إن قصدنا من الديمقراطية، ما هو المصطلح لها، وهو اختيار الشعب لحكم نفسه في الاسلوب واشخاص الحكام، فهذا شيء غير موجود في الدولة العالمية، تماما. بل لا معنى له فيها، بعد الالتفات إلى إسلوب تكونها والتخطيط له، والتخطيط التربوي الذي تتخذه، الأمر الذي يتعذر على الجماعة إنجازه وحدها، كـما يتعذر عليها معرفة الاشخاص الذين ينجزونه، لو كان لهم وجود بغض النظر عن القيادة المهدوية.
وإن قصدنا منها الاخلاص في الانتخاب وصحته، بدون تزوير حين تعيّن الحاجة إلى ذلك، لو احتاج المجتمع إلى مجالس موقتة أو دائمية تقوم على أساس الانتخاب... فهذا أمر صحيح. ولكن صحة الانتخاب هذه لا تقوم على تقديس مفهوم [الديمقراطية]، بل لأجل الجهة الأخلاقية القائلة بشناعة الاستغلال والخيانة. ولا شك ان اللعب في الانتخاب يحتوي على استغلال للمرشحين الآخرين وخيانة للهدف المطلوب، وبالتالي لكل المجتمع الذي يستفيد من هذا الهدف.
نعم، سيكون للديمقراطية بمعناها المصطلح وجود في المجتمع المعصوم كـما سبق ان أشرنا، وسيأتي عند الكلام عن التخطيط الخامس.
الناحية الرابعة: في القاعدة الماركسية القائلة: من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته.
وقد عرفنا اننا لو أردنا بديلا عن هذه العبارة - ونحن على أي حال في غنى عنها - في الدولة العالمية، لقلنا: من كل حسب إرادته ولكل أكثر من حاجته. وهو مستوى لم تفكر به الماركسية، بل لا تستطيع التفوه به لانه يستلزم ان يترك عمالها أعمالهم، بخلاف الدولة العالمية، التي عرفنا أساليبها في حثّ الأفراد على العمل للصالح العام.
الناحية الخامسة: هل سيصبح العمل الحاجة الأولى للحياة.
إن الماركسية تريد من ذلك تكريس الجهود كلها، وبدون إلزام حكومي أو قانوني، لزيادة الانتاج الذي هو هدفها الأساسي في البشرية. وقد رأينا انها غير ناجحة في ذلك، باعتبار: ان الانسان المكرس تكريسا اقتصاديا عميقا طبقا لمفاهيم المادية التاريخية، يستحيل ان لا يكون أنانيا من الناحية الاقتصادية، وإذا كان أنانيا كان تفكيره في العمل في سبيل المجموع أو الصالح العام متعذرا. ولا يمكن الجمع بـين الاندكاك في الجماعة، وبين الأنانية الاقتصادية، كـما توقعت الماركسية.
وأما العمل في الدولة العالمية، فينبغي ان نفهم منه العمل في سبيل التربية والهدف الأعلى، إذ ان العمل الصناعي والزراعي، مكرس - في واقعه - في سبيل ذلك، فضلا عن غيرها من الأعمال الأخرى التي تكون أوضح اندراجا في هذا السبيل وأجلى تسبيبا له.
وإذا فهمنا ذلك، كان العمل - حقا - الحاجة الأولى للحياة. باعتبار ان الحياة وكل أعمالها مكرسة في سبيل الهدف الأعلى الذي وجدت من أجله. كما برهنا، لا باعتبار الاهتمام بزيادة الانتاج خاصة، كـما تريد الماركسية... وان كانت هذه الزيادة موجودة بأوسع وأعمق أشكالها. فكأن الفرد الماركسي: يعيش ليأكل والفرد العادل يأكل ليعيش.
الناحية السادسة: انه بوجود الدولة العالمية العادلة ستزول الويلات عن العالم. لا باعتبار إلغاء الدولة والملكية الخاصة وصراع الطبقات، بل باعتبار الآيديولوجيه المعمقة المطبقة يومئذ، المكونة من مفاهيم وقانون واعيين بدرجة عالية جدا. ومن أهم فقراتها منع الخيانة والاستغلال وزرع الشعور بالأخوة المستلزمة للعمل المتكاتف في سبيل الهدف الأعلى. وقد عرفنا كثيرا من التفاصيل المندرجة في هذا الصدد، فلا حاجة إلى التكرار.
الناحية السابعة: في إلغاء الملكية تماما أو عن وسائل الانتاج خاصة، اما إلغاؤها عن وسائل الانتاج، في الدولة العالمية، فهو صحيح، على ما سمعنا. لا بمعنى التأميم أو إصدار [مرسوم] بهذا الخصوص يعيد ملكية وسائل الانتاج إلى الأمة، مع التعويض أو بدونه. بل بمعنى تكفل الدولة الثقل الأهم في هذا الصدد، وتوزيع خيرات ذلك على الناس - طبقا لأساليب نظامية معينة - إلى حد تضعف معه أهمية القطاع الخاص، حتى عند أصحابه... بعد ان كان الخير والرفاه الواصل إليهم من الدولة أضعاف عملهم. ويسير تدريجا في طريق الفناء. بمعنى أنه يأتي يوم لا يهتم فيه أي شخـص بأن يكون له مصنع أو معمل. وبذلك تتمحض الصناعة للدولة.
وأما إلغاء الملكية تماما، فقد رأينا عدم إمكانه... إذ لا معنى لإصدار [مرسوم] بهذا الخصوص كـما هو واضح. واما تلاشيها - كـما تتوقع الماركسية - فهذا غير ممكن بالنسبة إلى كل ما له ندرة نسبية، وهو عدد لا يستهان به من الأشياء، كـما عرفنا.
على أن إلغاءها بالمرة، حتى في مأكل الانسان وملبسه، يحتوي على رد فعل نفسي مؤسف، كـما سبق أن قلنا، وهو ينافي التربية العادلة التي تتوخاها الدولة، ومناف للسعادة والرفاه الموجود فيها. بخلاف ذوبان الملكية في الأمور المتوفرة جدا التي تنعدم فيها الندرة النسبية، فانها تخلو من هذا المردود.
وقد يقول القائل: ان كل السلع الاستهلاكية، ستصبح متوفرة بهذا المقدار، فليس لهذا المردود النفسي وجود بالنسبة إليها. وأما الأمور النادرة، فإلغاء الملكية بالنسبة إليها لا يحدث أي مردود نفسي، لقلة أهميته عن تلك المواد.
وجواب ذلك من زاويتين:
الزاوية الأولى: إن إلغاء الملكية بالنسبة إلى الأمور النادرة نسبيا، لا يكون إلا بـ[مرسوم]، ولا يعقل ذوبانها التلقائي ما دامت نادرة، كـما هو واضح. والماركسية لا تدعي صدور [مرسوم] من هذا القبيل، وليس في الطور الأعلى دولة لتصدره. إذن، فالبرهنة على بقاء الملكية في الأمور النادرة نسبيا يسجل إشكال على الماركسية.
الزاوية الثانية: لو فرض صدور [مرسوم] بإلغاء الملكية عن الأمور النادرة نسبيا، فهو يحتوي في كثير من الحالات على نفس المردود النفسي، أو على بعض درجاته على الأقل، الأمر الذي ينافي التربية والرفاه معا، كـما أشرنا. ويمكننا بهذا الصدد، الالتفات إلى أمرين:
الأمر الأول: ان الندرة قد تحدث في المواد الاستهلاكية أحيانا، فيكون إسقاطها عن الملكية أو إسقاط الملكية عنها، حاملا لنفس المردود النفسي. فلو ان إنسانا احتاج إلى الماء في برية جافة، وكان لديه منه ما يروي عطشه. فجاء شخص آخر عطشان وأخذ الماء منه بحجة انه ليس ملك الأول، لانه ألغيت الملكية [بمرسوم]!!... كان ظالما له في الضمير العقلائي العام.
الأمر الثاني: ان عدد من الأمور النادرة نسبيا، مما لا يمكن فيها ارتفاع هذه الصفة... قد لا تقل أهميتها - أحيانا - عن المواد الاستهلاكية، ومن ثم يكون إلغاء ملكيتها حاويا على نفس المردود. فلو ان ابن أحد المشاهير، كإنشتاين مثلا، كانت لديه من أبيه مخطوطات، لا يرى في العالم لها بديلا، فسلبت منه سلبا حكوميا أو فرديا، بحجة إسقاطها عن الملكية... كان الفاعل ظالما لا محالة ومنتجا لنفس المردود في نفس هذا الانسان.
الناحية الثامنة: بالنسبة إلى المستوى الصناعي والتكنيكي للدولة العالمية، سبق ان عرفناه وناقشناه فلا حاجة إلى التكرار.
الناحية التاسعة: بالنسبة إلى وجود الحرية في الدولة العالمية، كما هو موجود في الطور الأعلى، في رأي الماركسيين.
ويمكن أن نفهم من الحرية عدة معان، يهمنا منها ما يلي:
المعنى الأول: الحرية بمعناها المطلق الشامل لكل الميادين، في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وهذا المعنى غير صحيح، ولا تريده الماركسية لان فيه إعتداء على حقوق الآخرين، وإباحة لأعمال الخيانة والاستغلال، وإباحة للاعتقاد بغير الفلسفة الماركسية المطلوبة!!...
المعنى الثاني: الحرية من الاستعمار، بمعنى أن لا يكون على المجتمع رأي مفروض من مجتمع آخر أقوى منه، عقائديا أو اقتصاديا أو غيره.
المعنى الثالث: الحرية في التصرف والرأي، ضمن الآيديولوجية المعترف بها في ذلك المجتمع، ويساوق ذلك منع كل تصرف ينافي تلك الآيديولوجية. وكلا هذين المعنيين الأخيرين تفترض الماركسية وجودهما في الطور الأعلى، بل فيما قبله من عهود الاشتراكية أيضا. وهما أيضا متوفران تماما في الدولة العالمية.
اما وجود المعنى الثاني للحرية في الدولة العالمية، فهو واضح جلي، إذ ليس هناك مجتمع أعلى من هذه الدولة ليفرض رأيه عليها، بعد ان أصبح مجتمعها هو العالم كله.
وأما سيطرتها هي على العالم، فلا يعتبر من نوع الاستعمار، فان الاستعمار هو السيطرة المساوقة مع الاستغلال والتحكم واللعب بخيرات ومقدرات الشعوب. وأما إذا كانت السيطره بقصد أبوي لأجل خير البلاد المفتوحة نفسها، وإذا كانت الدولة المسيطرة تستطيع ان تخدم الشعب المفتوح أكثر مما يستطيع هو أن يخدم نفسه، وإذا كان واضحا في ذهن الشعب المفتوح بحيث فرح بهذا الفتح الجديد، وبالخلاص من [أوصاب الماضي] كما تعبر الماركسية... إذن لا يكون للاستعمار وجود، شأنه في ذلك شأن الفتح الاسلامي الذي أخرج الشعوب المفتوحة من ذلّ العبودية والظلم وأدخلها في الدين الفاتح نفسه بل ولغته أيضا أحيانا.
واما المعنى الثالث للحرية فهو ضروري الوجود في الدولة العالمية، لكونه من المؤثرات الرئيسية في التربية المتوخاة لها... لما عرفناه فيما سبق من ان الاختيار وحرية التصرف من الأركان الرئيسية في التخطيط المستهدف لكمال البشرية... لا يختلف في ذلك الاختيار بقسميه الكوني والتشريعي.
فالناس في حدود الآيديولوجية العامة للدولة، والوعي المهدوي الجديد، أحرار تماما... في كل تصرفاتهم الاجتماعية والاقتصادية والعبادية والأخلاقية وغيرها.
إلا ان هذا يساوق المنع عن كثير من التصرفات والآراء غير المنسجمة مع تلك الآيديولوجية، إلا ان هذا المنع سوف لن يكون له أثر واضح، بعد أن يكون الأمر قد استتب للدولة من زاوية السيطرة القوية من ناحية وزاوية الدعوة إلى الحياة الفكرية الجديدة التي تكون مقنعة للناس بشكل واضح وتلقائي في الغالب. وخاصة بعد أن يتم لهم المقارنة بين نتائج هذه الدولة والنظم السالفة عليها. وهي مقارنة تتم تلقائيا في الذهن أيضا بالنسبة إلى أي إنسان ملتفت معاصر لتأسيس هذه الدولة منذ أول تكوينها.
واما بعد ذلك، فالأمر أسهل، إذ يكون الناس قد تمّ اقتناعهم الكامل بالمستوى الفكري الجديد، ولا يوجد من لا يقتنع بذلك. فقد أصبح البشر أجمعين هادفين ومتآخين في سبيل الهدف الأعلى، وبالتالي منسجمين مع التخطيط العام. وإذا أصبح الفرد هادفا أصبحت كل تصرفاته منطلقة من هدفه. فهو يطبق حريته تلقائيا على هذا النوع من التصرفات، ويستنكر غيرها. وهذا معنى كونه حرا في حدود الآيديولوجية المعترف بها في ذلك المجتمع، من دون أن يشعر بأية حزازة فيما تستتبعه هذه الحرية من منع وحجر. بل انه يرى مثل هذا المنع والحجر لكل مخالف حقا وصحيحا، بعد اقتناعه بتلك الآيديولوجية واستهدافه لهدفها.
الناحية العاشرة: في سيادة الأخلاق بدل القانون، كما حاولت الماركسية.
إن الأخلاق بمعناها الواسع المعمق، ستكون سائدة لا محالة في الدولة العالمية، لكنها ستكون موجودة إلى جنب القانون، لانها لا تغني عنه. ولا يمكنه أيضا أن يغني عنها.
اما ان الأخلاق وحدها لا تفي بالقيادة ولا تغني عن القانون، فلان القضايا الأخلاقية الواضحة قليلة وغير كافية لدقائق القيادة الاجتماعية العامة. يكفينا من ذلك ان ندرك بوضوح أن الأخلاق وحدها لا تستطيع ان تحدد موقفا كاملا بإزاء القانون المدني أو الجزائي أو بإزاء خطة أو إسلوب اقتصادي معين.
وتحويلنا على التقاليد، كما سمعنا من الماركسية، لا يسد هذا النقص، لان في التقاليد أمورا ضحلة وفاسدة ومشوشة، تمنع من جعلها محكا للقيادة. وهي في الدولة العالمية أشد بعدا عن ذلك، لان التقاليد السابقة على وجود هذه الدولة فاسدة جملة وتفصيلا و لا بد من اجتثاثها وتغييرها. والتقاليد اللاحقة لوجود هذه الدولة، إنما توجد طبقا لتوجيهات هذه الدولة، لا انها توجد تلقائيا لتأخذ الدولة منها نظامها.
وكذلك القانون لا يمكن أن يقوم بمهمته بدون أخلاق، وخاصة المهمة التربوية المطلوبة في الدولة العالمية. صحيح ان القانون سيكون موجها توجيها تربويا... إلا ان هذا لا يعني شيئا بالنسبة إلى التربية إذا كانت طاعته لمجرد القوة وعلى غير اقتناع أخلاقي. وإنما تنطلق التربية من حيث الانقياد الاختياري للقانون العادل. وهذا الانطلاق الاختياري المغني عن العقاب، يعتبر من أهم مهمات الأخلاق.
ولا نعني بذلك عدم وجود العقوبات، كيف والقرآن الكريم ينص على عدد منها. وقد عرفنا أنه يكون مطبقا تطبيقا كاملا في ذلك العصر. وإنما المراد انه بانتشار الوعي الجديد والاقتناع بآيديولوجية الدولة، يبدأ الناس بالطاعة الاختيارية الواعية تدريجا. وكلما ازدادت نتائج التربية ازداد ذلك، فيكون المجتمع في غنى تدريجا عن قوانين العقوبات، وان بقيت سارية المفعول أساسا، لتطبق في الاحوال الضرورية، وإن كانت نادرة.
إذن، فالقانون موجود ليتكفل التنظيم العام في الدولة، والأخلاق موجودة لكي تدعم تطبيق القانون بدل القوة... وبذلك يتساند القانون والأخلاق في الاتجاه نحو الهدف الأعلى نحو المجتمع المعصوم.
-7-
وأخيرا... تحسن الوقفة مع الماركسية في عدة من الاعتراضات التي وجهت ضد تحقق الطور الأعلى الماركسي. وقد ذكرها الماركسيون أنفسهم - كـما سمعنا - وناقشوها. وقد رأينا صحتها وعدم إمكان التخلص منها ماركسيا. فهل هي واردة يصح الاعتراض بها ضد الدولة العالمية الموعودة، أو لا؟!...
وكانت بعض الاعتراضات تنطلق من القانون السائد في الطور الأعلى القائل: من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته. وبعد أن عرفنا ان هذا التعبير لا موضوع له في الدولة العالمية، إذن فكل اعتراض يرد من زاويته سيكون غير ذي موضوع، غير اننا نعرضها مع إيضاح جوانبها ليكون أبسط للقارئ.
الاعتراض الأول: ما سمعناه عن لينين، ومؤداه: انه لو أخذ الناس [لكل حسب حاجته] لأخذ الناس الأموال بلا حساب، وبخاصة وان الدولة غير موجودة لتراقب وتحاسب.
وقد سمعنا مناقشات ذلك، وتوصلنا إلى صحته باعتبار ان الانسان المتربي على مفاهيم المادية التاريخية الاقتصادية، يستحيل أن لا يكون أنانيا من زاوية اقتصادية. وإذا كان أنانيا اقتصاديا كان مندفعا بطبعه إلى ان يأخذ من الأموال بلا حساب.
واما في الدولة العالمية، فبالرغم من أنه يعطي للفرد أكثر من حاجته، لا بقدرها فقط... إلا انه يتم ذلك تحت عاملين مهمين يمنعان التسيب: أحدهما: الاشراف المركزي القوي للدولة. والثاني: الدافع الأخلاقي في التنازل عن الأنانية في سبيل الغير وفي سبيل الهدف الأعلى والتربية التكاملية. وليس في الدولة العالمية تربية على ترسيخ المفاهيم الاقتصادية وقيادتها للحياة، حتى تكون عاملا معاكسا لذلك.
الاعتراض الثاني: ما سمعناه عن بوليتزر: انه لو كان التوزيع حسب الحاجات، لكانت مداخل الأفراد متقاربة، ومعناه تساوي العاملين: من عمل عملا قليلا، ومن عمل عملا كثيرا... ومعه لا يبقى أي دافع نفسي لأداء المقدار الزائد من العمل. وبذلك يخسر المجتمع أهم ما يمكن أن يحصل عليه من الأعمال الفنية والاختصاصية.
وقد عرفنا صحة هذا الإشكال بالنسبة إلى الانسان الأناني اقتصاديا، الذي لا يمكنه بأي حال ان يكون له دافع إلى العمل خارج هذه الدائرة المغلقة.
وأما في الدولة العالمية، فقد أشرنا فيما سبق أن دخل الناس أجمعين سيكون عاليا. ولكن العمل سيكون موجودا كما ينبغي، لوجود التفضيل الاجتماعي والأخلاقي لمن يؤدي العمل الزائد على من يؤدي العمل الأقل أو من لا يعمل بدون عذر. وقد عرفنا ما للأخلاق من دافع قوي في ذلك اليوم. مضافا إلى أنه ينبغي القول: بأن دخل العامل أكثر نسبيا من غيره نتيجة لعمله، كما أشرنا.
الاعتراض الثالث: انه مع تساوي الدخل سيتساوى دخل العامل البسيط مع دخل الاختصاصي، والكفوء وغير الكفوء والقوي وغير القوي بل لأمكن أن يكون دخل الرجل الأحسن والأكمل أقل ممن هو دونه إذا كانت حاجاته أقل. وبذلك يفقد الاختصاصي مزيته، وبالتالي يفقد دوافعه للعمل أيضا.
إن هذا الاعتراض يشير إلى النقص من حيث الاختصاص وما قبله يشير إلى النقص في ساعات العمل. وهو أيضا وارد وصحيح بالنسبة إلى الانسان الأناني اقتصاديا. ولكنه أيضا غير ذي موضوع بالنسبة إلى الدولة العالمية لوجود التفضيل الأخلاقي الكبير بالنسبة إلى الاختصاصي علما وعملا.
"... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ..."[[575]].
"... فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى..."[[576]].
الاعتراض الرابع: وهو اعتراض غير منطلق من تلك القاعدة الاقتصادية.
وهو ما ذكره كوفالسون من استبعاد وجود اليوم الذي تسعد به البشرية وترتفع به آلامها. ان هذا ليس إلا حلما طوبويا غير قابل للتحقيق. وقد حاول هو الجواب عليه، كما سبق.
واما منطلقنا إلى الجواب، فملخص بيانه: ان الانسان ما دام يعيش في العصر الذي يرى فيه رسوخ الحضارة الأوروبية وأشباهها، ومفاهيم الدول الكبرى في العالم، ويتمثل جذور المشاكل السابقة والمعاصرة التي عاشتها البشرية على مدى التاريخ... إن هذا الانسان هو الذي ينبثق تفكيره عن هذا الإشكال.
واما بعد ان برهنا مفصلا، على تأصل الخير في العالم، ووجود الهدف الصالح للكون عموما وللبشرية خصوصا، وبرهنا على مرحلية الظلم وكونه موقوتا زائلا، مهما بدا مهما ومتعاظما. إذن فسوف تصير البشرية إلى المستقبل الخيّر الصالح بالضرورة. ولا نحتاج في تصور ذلك إلا إلى انطلاق يسير من الحدود الفكرية التي يفرضها المكان والزمان على الذهن البشري.
الاعتراض الخامس: ما ذكره كوفالسون أيضا: من ان هناك تهديدا بفناء الحضارة والقضاء عليها في حرب حرارية نووية عالمية، فأين يمكن ان يوجد المستقبل السعيد مع وجود هذه الحرب.
وقد رأينا هذا الاعتراض واردا على الطور الأعلى الماركسي. ولكنه لحسن الحظ غير وارد على الدولة العالمية. ويمكن النظر إلى ذلك على مستويين:
المستوى الأول: ان التخطيط الثالث المنتج للدولة العالمية، يعمل عمله سواء وجدت الحرب العالمية أم لا، ولا تعتبر هذه الحرب معيقة له بأي حال.
وذلك: ان الشروط الأساسية لليوم الموعود أو الدولة العالمية كـما سبق، ثلاثة، لا تضر بها الحرب، وستكون متوفرة جميعا في ذلك اليوم:
الأول: وجود الاطروحة العادلة الكاملة التي تكون قابلة للتطبيق في تلك الدولة.
ان هذه الحرب سوف لن يتسنى لها القضاء على كل المفكرين الحاملين لهذه الاطروحة، بل ولا الكثير منهم. اذ انهم يعيشون في بلدان صغيرة ومنزوية عن تيار الدول الكبرى، وليست لهم أية مشاركة في الحرب مهما كانت بعيدة. وإنما الخسارات الكبرى في الأنفس والأموال والحضارة ستكون للدول والجيوش المشاركة، وخاصة الكبرى منها.
الثاني: وجود القائد المؤهل للقيادة العالمية يومئذ، وهو متوفر في شخص الامام المهدي D. وهو ممن لا تناله الحرب العالمية بسوء طبقا لكل المذاهب الاسلامية المؤمنة به.
أما إذا ذهبنا إلى الرأي العامي القائل بميلاده في حينه، فيكون خلال الحرب العالمية غير موجود، أو موجودا ولا يقتل، لوضوح ان من يقتل في هذه الحرب لا يصلح للمهدوية بعدها... وإنما يوجد المهدي فيمن لا يقتل، بطبيعة الحال.
وأما إذا ذهبنا إلى الرأي الامامي القائل بطول عمر المهدي D وغيبته... فقد برهنا في تاريخ الغيبة الكبرى[[577]]، على ضرورة طول العمر والغيبة له، حتى يتسنى له عمق القيادة العالمية بعد ظهوره. وبرهنا، في هذا الكتاب، على ان كل ما له تسبيب إلى مصلحة تلك القيادة، فهو ضروري الوجود في التخطيط الالهي. ومعه يكتسب الامام المهدي D حصانة خاصة ضد هذه الحرب، من أجل دوام بقائه لأجل قيامه بوظيفته الأساسية في المستقبل المشرق.
وليس معنى كونه محصنا ضد هذه الحرب كونه لا يموت حتى مع استعمال السلاح ضده. وإنما - في الأغلب - بمعنى: انه يستطيع شخصيا التخطيط الخاص لأجل نجاته من ضرر الحرب، وهذا التخطيط واجب عليه لأجل حفظ حياته للمستقبل الموعود.
الثالث: وجود العدد الكافي من المخلصين الذين يمكنهم السيطرة على العالم في اليوم الموعود، تحت القيادة المهدوية. وقد حملنا فكرة متكاملة عن ظروف التمحيص التي تستلزم وجودهم.
والحرب العالمية تكون مؤكدة لظروف التمحيص هذه، لانها - في حقيقتها - الدليل الكبير على فشل القوى المادية المزيفة بكل أشكـالها ومعسكراتها، الأمر الذي يوجب دعم إيمان المؤمنين وايضاح الفكرة للرأي العام العالمي، وبالتالي يوجب تزايد العدد المطلوب، وترسيخ إخلاص الموجود منهم.
وأما حول القضاء عليهم في هذه الحرب ولو صدفة، فالحديث عنه ليس بأعقد من الحديث عن الموت الاعتيادي الذي سيواجهونه كما يواجه غيرهم. والجواب على كل حال واحد، وهو ان ظروف التمحيص ستكون باقية وعميقة ومستمرة حتى توجب أن يوجد في جيل واحد مشترك كل العدد الكافي من هؤلاء الممحصين. فان قضى الموت على بعضهم بسبب الحرب أو غيرها، أمكن الانتظار فترة أخرى حتى يوجد البديل الكافي ويتكامل العدد، إذ ليس للتخطيطات بطبيعتها أمد خاص أو تاريخ محدد تقف عنده.
المستوى الثاني: اننا لا نكتفي بالقول بان الحرب العالمية المتوقعة ليست مضرة باليوم الموعود فقط، بل يحتمل ان تكون نافعة له أيضا وفي مصلحته، على تقدير حدوثها.
وذلك: ان هناك سؤالا يتردد في كثير من الأذهان، عرضناه مع أجوبته في [تاريخ ما بعد الظهور][[578]]، وهو ان المهدي D حين يظهر بشكل أعزل مواجها القوى العالمية الضخمة، كيف يستطيع السيطرة عليها واخضاعها، لأجل ان يؤسس دولته العالمية الموعودة.
ولهذا السؤال أكثر من جواب، كما سبق هناك، إلا ان من أجوبته الرئيسية هو حدوث الحرب العالمية قبل إنجاز اليوم الموعود، حيث تتحطم القوى الكبيرة في هذه الحرب الطاحنة، ويظهر القائد المهدي D على البشرية الباقية، فيستطيع السيطرة على العالم بسهولة نسبية.
إذن، فوجود الحرب العالمية ستكون في صالح اليوم الموعود، ولن تكون ضده، على كل حال.
الاعتراض السادس: وهو موجه إلى الفكر الماركسي فيما يخص الحالة المتوقعة بعد الطور الأعلى، نتيجة للتغير الضروري الناتج عن الديالكتيك أو تطور قوى الانتاج. وقد عرفنا عجز الماركسية عن الجواب عنه.
وهذا الاعتراض لا معنى له بالنسبة إلى الدولة العالمية، بعد التوصل إلى نفي النظريات الماركسية العامة، وإمكان عدم التغيير الذي تتوقعه الماركسية. فان هذه الدولة ستبقى في الوجود إلى ان يتحقق هدفها الأعلى في التخطيط الرابع وهو المجتمع المعصوم. فإذا وجد ذلك المجتمع بقيت الدولة أيضا، لكن مع بعض الاختلاف في نظامها بالشكل الذي يمكنه ان يواكب المستوى الجديد العميق ويزيده كمالا ورفعة.
وبهذا نختم الحديث عن الماركسية، ومقارنتها بالدولة العالمية ومذهبها الاقتصادي.
-8-
واما الحديث مع الرأسمالية ومقارنتها بالمذهب الاقتصادي [الموعود]. فينبغي ان يكون حديثا منتهيا بعد الذي عرفناه من الاختلافات الشاسعة بين المذهبين الاقتصاديين، من خلال الحديث عن الماركسية.
وايضاحا للقارئ نذكر الفروق التالية مستنتجة مما سبق:
الفرق الأول: عدم وجود المفهوم المذهبي الأول للدولة العالمية، في الرأسمالية... وهو حق الدولة في السيطرة على الحقول الاقتصادية بشكل عام. فان هذا الحق منافٍ مع الحرية الاقتصادية التي تؤمن بها الرأسمالية بعمق، وتلغي حق الدولة في التدخل في حياة الفرد، إلا في حدود الضرورة.
الفرق الثاني: عدم وجود المفهوم المذهبي الثالث للدولة العالمية، في الرأسمالية... وهو الملكية في نطاق محدود، فان ذلك ينافي بصراحة حق الملكية المطلق الذي تقدسه الرأسمالية.
الفرق الثالث: حرمة الربح، بشكليه الربوي والتجاري في الدولة العالمية... مما هو مجاز ومدعم بالقانون في الدول الرأسمالية. فان البنوك الربوية. بل إيمان الرأسماليين بعمق إمكان قيامها بدونها، يعتبر من واضحات عالم اليوم.
الفرق الرابع: عدم وجود المفهوم المذهبي الرابع للدولة العالمية في الرأسمالية... وهو أخلاقية الاقتصاد وقيام نظامه على التسامح ونكران الذات. وهذا واضح لمن استعرض العلاقات الاجتماعية في الدول الرأسمالية، فان الصداقة والعداوة والحب والبغض والزواج والطلاق والحرب والسلم... وغيرها، كلها قائمة على أساس اقتصادي أناني صرف، ليس للمفاهيم الأخرى خلاله أي مجال.
الفرق الخامس: ان النظام الاقتصادي في الدولة العالمية هادف - بالضرورة - للتربية العامة والخاصة نحو الهدف الأعلى، مع العلم ان الرأسمالمة خالية من أي هدف سوى الحفاظ على نظامها وتوسيع وجودها في الانتاج والتوزيع.
وقد عرفنا ان وجود الرأسمالية وغيرها من أنظمة عالم اليوم، إنما هو وجود موقت بالضرورة، يقع ضمن تخطيط عام لتمحيص الأفراد والأنظمة معا، واثبات الصالح والطالح منها أمام الرأي العام العالمي، مقدمة لليوم الموعود، يوم الدولة العالمية العادلة.

التخطيط الخامس
المنتج للحفاظ على المجتمع المعصوم وتكامله
-1-
ان الفكرة التي ينبغي ان نحملها عن العصمة الآن بسيطة إلى حد كبير... فاننا إذا عرفنا العصمة بأنها [الالتزام بالعدل بدون ان يكون هناك احتمال معقول للانحراف] أو إذا عرفناها بانها تحصل [حين يصبح تطبيق العدل لذة حقيقية] بدل الالتذاذ بالانحراف والشهوات. أو إذا عرفناها بانها [التعود التام على تطبيق العدل بحيث يكون التخلي عنه موجبا للالم] تماما كاعتياد التدخين من هذه الناحية. إذا عرفناها بكل ذلك لا نكون قد جانبنا الصواب. ومقصودنا من العدل: ذلك النظام العقائدي والتشريعي المنسجم مع التخطيط العام، وبالتالي مع الأهداف البشرية الكونية العامة.
وبذلك نكون قد تجنبنا الجدل [الكلامي] الذي يقع بين المذاهب الاسلامية، في اقتران العصمة بامتناع الخطأ والسهو والنسيان أو اقترانها بالالهام وعدمه.
ان تجنبنا عن ذلك ضروري فعلا، لأننا لا نعني من العصمة في المجتمع المعصوم أكثر من ذلك. ولا دليل على عصمة أفراد المجتمع يومئذ عن الخطأ والنسيان أيضا، مضافا إلى العصمة عن التورط عمدا في الذنوب والانحراف. وان كان ذلك محتملا في المراحل البعيدة من التكامل.
وبذلك اختلاف مفهوم العصمة الذي نريده عن العصمة التي يلتزم بها الاماميون لأئمتهم الاثني عشر G وللانبياء عموما. وقد يفرق بينهما إصطلاحا بالتعبير بـ[العصمة الواجبة] بالنسبة إلى الائمة والانبياء، وبـ[العصمة غير الواجبه] بالنسبة إلى ما قصدناه... وان كان هذا الاصطلاح لا يخلو من ايحاءات غير صحيحة.
ولعل العصمة بالمعنى الذي أردناه، ثابتة لجماعة من الصحابة والشهداء والصالحين على مرّ عصور التاريخ الاسلامي. فلا بُعد في ان يصبح العالم كله معصوما بهذا الشكل.
ولا يخفى ما للمجتمع الصالح عموما من دعم للسلوك المعصوم بهذا المعنى، إذ الفرد الصالح في المجتمع المنحرف يكون مهددا بالانحراف تحت الضغوط العالية المعاكسة لسلوكه، بخلاف حاله في المجتمع الصالح الذي يكون ملائما مع سلوكه كل الملائمة. ومن هنا يكون تكّون الأفراد المعصومين في المجتمع الصالح منطقيا ومعقولا.
والعصمة بهذا المعنى يمكن تصور وجودها في كل فهم مبدئي متكامل نسبيا عن الكون والحياة. فالماركسية حين تعطي المفاهيم والتشريعات، ويكون الفرد منسجما معها تماما ومعتادا على تطبيق كل تعاليمها، يمكن ان نسميه معصوما من الناحية الماركسية، وسيكون وجود هذا الفرد في مجتمع ماركسي دعما لعصمته هذه... وهكذا. وما نتوخاه الآن هو العصمة على مستوى التخطيط العام والاطروحة العادلة الكاملة.
والعصمة قابلة للتكامل والتربية والنمو، فكلما ازداد الفرد إخلاصا وملاحظة لأقواله وأفعاله تجاه العدل، وكلما تعمق في الغيرية من ناحية وفي الشعور بأهمية طاعة الله عزّ وجلّ من ناحية ثانية... إلى صفات أخرى قد يكتسبها... كلما ازداد الفرد عصمة وصعد في درجاتها العليا. وهذا هو الذي سميناه [بتكامل ما بعد العصمة]، وبرهنا في [تاريخ الغيبة الكبرى] على إمكانه.
-2-
وكما يمكن أن يكون الفرد معصوما، يمكن أن يكون الرأي معصوما. فعصمة الفرد تحمل معنى ان يكون احتمال مخالفته ضعيفا جدا، وغير معقول كـما أشرنا في التعريف، وعصمة الرأي تحمل معنى أن يكون احتمال مخالفته للواقع ضعيفا جدا، وغير معقول. وعصمة الفرد تتعلق بأفعاله الاختيارية من قول أو فعل، وتنشأ من علمه بمتطلبات العدل وقوة إرادته في تطبيقها. وعصمة الرأي تتعلق بمداليل الأقوال بصفتها معانٍ أو أفكار أو عقائد. وتنشأ من إطلاع صاحب الرأي على الواقع الموضوعي للوقائع أو للمصالح.
والرأي قد يكون [خبرا] وقد يكون [انشاءا] أو تشريعا. فالخبر المعصوم ناشئ من الاطلاع على الوقائع الموضوعية، والتشريع المعصوم ناشئ من الاطلاع على المصالح الحقيقية للمجتمع، وهو تشريع عادل بالضرورة.
وليس هناك ترابط كامل بين عصمة الفرد وعصمة الرأي. فقد يكون الفرد معصوما في أفعاله غير معصوم في رأيه. فان عصمة الفرد [غير الواجبة] لا تقتضي أكثر من ان يكون تعمده للكذب غير معقول، ولكن قد يكون رأيه غير مطابق للواقع على غير عمد منه. وقد يكون الفرد معصوما في أفعاله ورأيه، وذلك لا يكون إلا في العصمة [الواجبة] أو ما يساوقها من المراتب العليا.
كـما قد يكون الفرد معصوما في رأيه غير معصوم في أفعاله. نذكر لذلك مثالين:
المثال الأول: ان فردا إعتياديا، التقط [خبرا معصوما] من فرد واجب العصمة. فيكون إعتقاد هذا الفرد بصحة هذا الخبر [رأيا معصوما] من دون ان يكون صاحبه معصوما.
المثال الثاني: ما سنذكره في الفقرة التالية من وجود الرأي العام المعصوم. حيث لا يفترض العصمة بأي فرد في المجتمع، ولكن ما حصل عليه اتفاقهم واجماعهم من الآراء خبرا أو تشريعا، كان معصوما. وهو ينشأ من كون الوقائع أو المصالح التي اتفق المجتمع المعين على وجودها فهي موجودة بالفعل. ويكون احتمال اتفاقه على الخطأ من هذه الناحية موهونا وغير معقول.


-3-
سبق أن أوضحنا في [تاريخ ما بعد الظهور][[579]]، ان المجتمع الذي يعيش على منهج التربية المركز الذي تقوم به الدولة العالمية، سوف يمر بمرحلتين من العصمة، يكون الثاني تركيزا وترسيخا للأول... نعرضهما الآن على ضوء الأسس التي عرفناها في هذا الكتاب:
المرحلة الأولى: ان يكون الرأي العام معصوما دون الأفراد... ولكنهم صالحين بالمقدار الكافي.
ولهذا المستوى أمثلته في عالمنا اليوم على المستوى الاسلامي وغيره:
اما على المستوى الاسلامي فـ[الاجماع] الذي تحتج به المذاهب الاسلامية، على اختلافها، باعتباره ضروري المطابقة للواقع. فان علماء الاسلام حين يكونون صالحين إلى درجة كافية، يكون الرأي المتفق عليه بينهم معصوما واحتمال مخالفته للواقع موهون وغير معقول. ومن هنا كان الاجماع دليلا كافيا بل أكيدا على الحكم الشرعي الاسلامي.
وأما على المستوى غير الاسلامي، فالمجالس النيابية والمؤتمرات ونحوها، إذا اتفقت على أي شيء يكون المفروض فيه عند أهله كونه صوابا ونافذا على الناس. انه سيكون نافذا لمجرد حصول أكثرية الأصوات فيها فضلا عن [الاجماع] إذا حصل. فان حصل كان هذا الرأي [مقدسا] وضروريا وليس معصوما فقط.
وحين تترسخ هذه المرحلة تحت الاشراف التربوي المركز للدولة، وتحت قيادة الحاكم المعصوم والتشريع المعصوم... يعتاد الأفراد بالتدريج في هذا المجتمع الصالح على تطبيق العدل ويجدون فيه لذتهم المفضلة، ويجدون في تخلفه أسفا وألما نفسيا غير مريح، حتى يصبح احتمال مخالفتهم للعدل موهونا وغير معقول.
ومن هنا [يولد] في هذا المجتمع الأفراد المعصومون بالتدريج، ويبدؤون بالتكاثر، ومن ثم تبدأ المرحلة الثانية بالوجود.
المرحلة الثانية: المجتمع الذي يكون أغلب أفراده أو كل أفراده معصومين بـ[العصمة غير الواجبة]. والمهم في نسبة تواجد المعصومين هو ان تكون [الصبغة العامة] للمجتع هي العصمة، بحيث لو قبضت على فرد غير معين في الشارع، كان احتمال كونه معصوما كبيرا جدا. ولا ينافي ذلك وجود أفراد قلائل نسبيا غير معصومين. مثاله: انك إذا قبضت على يد فرد في الشارع في بلد إسلامي، فان احتمال ان يكون مسلما كبيرا جدا، لان الصبغة العامة للمجتمع هي الاسلام، ولا ينافي ذلك وجود أفراد غير مسلمين، بنسبة غير كبيرة.
وينبغي أن نلتفت بهذا الصدد، إلى أن العصمة هي قمة عليا من قمم التربية، ولا يصل إليها الفرد إلا بعد تركيز تربوي كبير. وهو أمر متوفر في المجتمع الصالح الذي تحكمه الدولة الصالحة، غير ان احتياج تطبيق هذا المنهج إلى فترة زمنية من عمر الانسان، يجعل الأفراد الذين هم في طريق التربية غير معصومين بطبيعة الحال. وكل مجتمع يحتوي - بالضرورة - على أناس في طريق التربية، وهي الفترة التي تقع بين سنّ التكليف أو تحمل المسؤولية وما بين العصمة. وهي فترة تزيد وتنقص بالنسبة إلى الأفراد بطبيعة الحال.
إن المجتمع الذي يحتوي بالضرورة على هؤلاء، لا يمكن أن يكون كل أفراده معصومين... إلا أن هذا لا يشكل نقطة ضعف في عصمته، بعد ملاحظة أمرين:
الأمر الأول: ان وجود هؤلاء غير المعصومين لا ينافي وجود [الصبغة العامة] للعصمة، في المجتمع.
الأمر الثاني: ان هؤلاء ليسوا متمردين بل منسجمين مع العصمة ومتهيئين للوصول إليها.
فوجودهم مشابه لوجود المعصومين إلى حد كبير، وليس مغايرا له أو منافيا معه.
فهذا هو المجتمع المعصوم... إن العالم... إن البشرية كلها سوف تصبح على هذا الشكل بالتدريج، طبقا للتخطيط الالهي العام، وسيكون هذا التخطيط قد وصل إلى هدفه الأعلى. ولكن حيث ان سلم التكامل لا نهائي الدرجات، سيكون تجاه المجتمع العالمي المعصوم، فرصة واسعة جدا للتربية والنمو.
-4-
إننا بعد ان عرفنا وبرهنا على أنه يتعذر على الباحث في هذا العصر التعرف على العمق الحقيقي والكامل للوعي والتشريع في دولة العدل العالمية... سيكون هذا التعذر أولى وأوضح في المجتمع المعصوم لانه أشد تركيزا وأبعد زمانا من الدولة العالمية.
وينتج من ذلك، أننا وان استطعنا التعرف على بعض معالم المذهب الاقتصادي في الدولة العالمية، قبل وجود المجتمع المعصوم، ولكن ذلك وكثير غيره سوف يكون متعذرا تماما في المجتمع المعصوم.
ومن هنا ينبغي أن نكفكف من غلواء الطمع، ونقتصر على بيان بعض الصفات للمجتمع المعصوم، مما يمكن أن يقودنا إليه أو يدلنا عليه الدليل.
-5-
إن ما يمكن أن نتعرف عليه من خصائص المجتمع المعصوم، عدة أمور:
الخصيصة الأولى: انه بينما عرفنا ان الدولة العالمية، تحدث في العالم كله، دفعة واحدة نسبيا... لا انها توجد بالتدرج البطيء، كـما توقعت الماركسية لطورها الأعلى... نرى المجتمع المعصوم يحدث بالتدريج، تبعا لما يناله كل مجتمع محدود من التربية وما يتقبله ويتجاوب معه منها. ان المجتمعات تختلف في ذلك اختلافا غير قليل تبعا لمستوياتها الثقافية والعقلية والحضارية والعقائدية.
فالمراد بالمجتمع، إذن هو المجتمع المحدود المكون من بلدة أو منطقة أو قطر أو إقليم. ان كل مجتمع سوف يمر تحت العناية والتركيز التربوي القويين، سوف يمر بالمرحلة الأولى للعصمة ثم يتجه إلى الثانية حتى تتحقق فيه... وكذلك المجتمع الآخر. وهكذا. وسيكون هدف الدولة يومئذ تكوين المجتمع العالمي المعصوم بمختلف أشكاله ومستوياته، الذي هو الهدف الأساسي لوجود البشرية.
إن المجتمع المعصوم يتفق في صفة التدريجية - إلى حد ما - مع الطور الأعلى الماركسي[[580]]. ولكننا قلنا ان مجتمعا ما إذا وصل إلى الطور الأعلى سيكون مهددا بالغزو الخارجي والانهيار تحت ضرباته من قبل الدول المعادية له في العالم، وخاصة مع خلوه عن الدولة والقانون. إلا أن هذا الاعتراض غير وارد على المجتمع المعصوم، كما هو واضح... لوجود الدولة القوية فيه من ناحية، وعدم وجود دول أخرى معادية بالمرة، لانها دولة عالمية لا ثاني لها.
وبهذا التسلسل الفكري استطعنا السيطرة على الاعتراض الذي قد يرد إلى الذهن، وهو ان العالم يحتوي على مجتمعات متخلفة جدا وبدائية. كما يحتوي على مجتمعات متطرفة جدا في عقائدها ضد التخطيط العام. فكيف يتسنى للدولة العالمية صياغة العالم كله بصفة العصمة؟!...
فان جواب ذلك هو ان الحديث عن أمثال هذه المجتمعات ينبغي أن يكون منتهيا قبل وجود أي مجتمع معصوم في العالم. ان الفترة المتخللة بين تأسيس الدولة العالمية ووجود المجتمع المعصوم، فترة التخطيط الرابع، كافية لتأهيل المجتمعات عموما لاتخاذ صفة العصمة، سواء من ناحيتها الحضارية بمحاولة الارتفاع بمستواها إلى مصاف المجتمعات العالية، أو من ناحيتها العقائدية، بالسيطرة الايمانية الكاملة على البشرية كلها في أوائل تأسيس الدولة العالمية.
إذن، فالتأهيل لاتخاذ صفة العصمة سيكون موجودا بانتهاء التخطيط الرابع لكل البشرية. غير ان التفاوت في وجود هذه الصفة موجود باعتبار اختلاف المجتمعات في خصائص أخرى.
والهدف الأعلى للتخطيط العام، لن يتحقق إلا بعد حصول كل المجتمعات في العالم على صفة العصمة. لكننا ينبغي أن لا ننسى الحديث عن [الصبغة العامة] ان تحقُق هذا الهدف يكفي فيه ان تكون الصبغة العامة للعالم هي صفة العصمة... ولا يضر في ذلك وجود عدد من المجتمعات غير المعصومة، ولكنها غير متمردة بل هي في طريق العصمة.
تماما، كالحضارة في عالم اليوم... ان الصبغة العامة للعالم كونه متحضرا ولا ينافي ذلك وجود عدد من المجتمعات غير المتحضرة، وإنما هي في طريق الحضارة.
نعم، لا شك ان حصول كل المجتمعات في العالم على صفة العصمة، بارتفاع كل المستويات المنخفضة إلى القمة العليا يعتبر تركيزا قويا للهدف البشري الأعلى، وهو مما يستهدفه التخطيط الخامس نفسه.
الخصيصة الثانية: تحول الحكم إلى الشورى أو الانتخاب، بعد ان كان على الشكل المتعين.
والسر في ما أشرنا إليه في تاريخ الغيبة الكبرى[[581]]، من أن مفهوم الشورى أو الانتخاب أو الديموقراطية بالمعنى الاصطلاحي، لا يصح تماما في الآراء الفجة والناقصة والمنحرفة... فان مجموع الآراء الناقصة تمثل رأيا ناقصا لا محالة. واتفاق الناقصين على شيء لا يعني أي شيء.
واما بعد وصول البشرية إلى سنّ الرشد والنضج، إلى العصمة، فيكون الرأي العام معصوما غير قابل للخطأ ويكون الفرد أقرب جدا إلى إدراك مصالحه الحقيقية، ومعرفة ممثليه الصالحين من غيرهم... بما لا يقاس من عصر ما قبل العصمة.
ومن هنا ينفتح له المجال في المشاركة الفعلية في سنّ الأنظمة واتخاذ القرارات الجماعية، وانتخاب الممثلين على مختلف المستويات بما فيها منصب الرئاسة العليا. ويكون المنتخبون أنفسهم معصومين بطبيعة الحال. بل من أكمل أفراد المجتمع المعصوم.
وسيكون الشيء الوحيد الذي لا يكون قابلا للتغيير هو الأحكام القطعية المتبناة للاسلام... للاطروحة العادلة الكاملة المطبقة يومئذ. وإن كنا لا نعرف بالتحديد ما الذي سوف يكون قطعيا أو لا يكون من الأحكام. ولكن بعض ما هو موجود الآن نعلم بعدم قابليته للتغيير أيضا.
وينبغي أن نلتفت إلى ان الرئاسة لا يمكن ان تكون انتخابية، إلا بعد ان يصبح المجتمع منتجا لأشخاص معصومين كاملين، يمكنهم أن يقوموا بنفس المهمة التربوية التي كان يقوم بها الرؤساء السابقون الذين تولوا الحكم بالتعيين، انطلاقا من الأسس العامة التي اقتضتها الاطروحة العادلة من ناحية. وتوجيهات القائد الأول المهدي عليه السلام، من ناحية أخرى.
ولكن متى يصبح المجتمع منتجا لأفراد معصومين، لتكون الرئاسة انتخابية. إن هذا سوف لن يحدث عادة حين دخول المجتمع بالدور الأول من العصمة. فان مجرد اتصاف الرأي العام بالعصمة لا يعني اتصاف الأفراد بها، كما سبق، وإذا لم يكن الفرد معصوما كان من الصعب تكفله للمنهج التربوي للعصمة والمحافظ عليها.
إذن، سيدخل المجتمع في عهد الانتخاب بعد هذا العهد، حين يستطيع إنتاج الأفراد المعصومين، ولو بشكل قليل. وهذا قد يحدث في الدور الأول للعصمة قبل ان يتكاثر المعصومون ليشكّلوا الدور الثاني.
هذا، ولا ينبغي ان نتوقع الاطلاع على أكثر من ذلك، من تفاصيل وأساليب الانتخاب وعدد المنتخبين ومناصبهم، وغير ذلك... فان كل ذلك ينبغي أن يبقى في ضمير الغيب. على أننا ذكرنا عددا من التفاصيل في تاريخ ما بعد الظهور، لا حاجة إلى تكرارها.
الخصيصة الثالثة: ان المجتمع سيستغني بالتدريج عن عدد من القوانين التي كان محتاجا إليها من أول وجوده إلى الآن. كقوانين القضاء والجرائم والعقوبات، وكل ما يمت إلى محاولة رفع القصور والتقصير من الناس الاعتياديين السابقين على مجتمع العصمة... بعد ان ارتفع ذلك فعلا في حدود المعطى القانوني. ولكن هذا لا يعني إلغاءها تلافيا للمضاعفات، إلا إذا أصبح كل العالم معصوما.
وسيكون البناء القانوني للمجتمع، في حدود ما نستطيع فهمه الآن، متكونا من عناصر ثلاثة:
العنصر الأول: الأحكام الضرورية للقرآن الكريم... بالفهم الموجود في ذلك العصر.
العنصر الثاني: الأنظمة التي تحدد العلاقات بين الناس، ويكون مصدرها المجتمع نفسه عن طريق الشورى أو الديموقراطية، حيث يسنها المجتمع ويوافق عليها عن طريق التصويت المباشر، أو تكون نافذة عليه من قبل الرؤساء المعصومين الذين يحكمونه بالانتخاب.
العنصر الثالث: الأخلاق، وهي قضايا عملية واقعية تحدد العلاقات بين الناس. وهي دائما داعمة للقانون العادل والدولة الصالحة. وتكون أحيانا أعلى من القانون تأثيرا وتحديدا وأهمية... وخاصة في مستوى الوعي العالي الذي يكون عليه المجتمع المعصوم... فان التوقعات الأخلاقية تتعمق وتتوسع بتعمق الوعي والثقافة والشعور بالمسؤولية. فإذا بلغت هذه الأمور ذروتها بلغت المسؤولية الأخلاقية ذروتها أيضا.
وهي - بهذا المعنى - أعقد من القوانين، إذ ان عددا من الآراء والتصرفات يصعب على القوانين تحريمها والمنع عنها، على حـين تعتبر في المفهوم الأخلاقي العميق محضورا تاما على فاعله ومعاقبا عليه، بفعله أو بتركه. وبذلك تكون الأخلاق: قانون ما بعد القوانين.
وهذا هو المستوى الذي يتوفر للمجتمع المعصوم من الأخلاق، لا المستوى الذي تصورته الماركسية لمجتمعها الذي ليس له أية نسبة في الوعي والمسؤولية بإزاء هذا المجتمع المعصوم. ومع ذلك فان الأخلاق لا تستطيع ان تقف وحدها، كما توقعت الماركسية، وإنما صحت لها السيادة مع العنصرين الأولين بطبيعة الحال.
الخصيصة الرابعة: مشاركة المجتمع المعصوم في البناء الكوني.
حيث سبق أن برهنا في الأسس العامة للتخطيط العام، ان كل ما هو موجود في الكون - بما فيه البشرية - له مشاركة بالضرورة في الأهداف الكونية العليا، وان الجزء الكوني كلما كان أفضل وأكمل، كانت مشاركته بشكل أحسن. ومن هنا وجد التخطيط العام لتكامل البشرية مستهدفا تربيتها إلى أقصى ما يمكن لها من التربية. وتكون في ذلك الحين قد وصلت إلى ذلك، أو إلى بعض مراحله العليا. ومن هنا يكون لها بالضرورة مشاركة كونية فعالة بطبيعة الحال.
وبرهنا في الأسس الخاصة للتخطيط ان هذا الكمال الذي تناله البشرية إنما هو العبادة المحضة لله عزّ وجلّ الخالق الحكيم وتكريس كل العقيدة والسلوك له، إلى درجة العصمة عن الانحراف عنه، وانتشار ذلك في أفراد البشرية أجمعين. فهذا هو المجتمع الذي يكون منسجما مع التخطيط الكوني العام ومشاركا في بناء أهدافه. وإنما تعتبر المشاركة للمجتمعات السابقة عليه، باعتبارها منتجة له.
وأما شكل هذه المشاركة، فينبغي أن تبقى رهن المستقبل، إذ يستحيل على الباحث إعطاء معالمه.
كل ما في الأمر اننا ينبغي ان نتعقل هذه المشاركة ولا نستنكرها.. فان لها في التوراة والانجيل والقرآن الكريم والسنة الشريفة أمثلة عديدة.. نقتصر فيما يلي على الجانب الاسلامي من الشواهد، ونحيل الباقي على الجزء الخاص به من هذه الموسوعة.
إن القرآن الكريم يحتوي على كثير من حوادث مشاركة الكون أو الطبيعة مشاركة إيجابية مع جانب التكامل البشري والطاعة لله عزّ وجلّ، ومشاركة سلبية مع جانب العصيان على العدل.
الجانب الأول: المشاركة الايجابية مع الطاعة. ومثاله، جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم عليه السلام[[582]]... وخروج النبي يونس D من بطن الحوت لكونه من المسبّحين[[583]]، وقد نبتت له بعد خروجه شجرة من يقطين[[584]]، وانفلاق البحر للنبي موسى D لدى عبوره بالمؤمنين من مصر إلى فلسطين خلال البحر الاحمر[[585]].
ويدل على إمكان هذه المشاركة أيضا قوله تعالى:
"فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ [83] وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ [84] وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُبْصِرُونَ [85] فَلَوْلاَ إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ [86] تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ"[[586]].
فانها تدل - فيما تدل عليه - على ان الفرد إن كان صادقا وغير مَدين بذنب يمكنه أن يرجع الروح عند وداعها البدن. وإنما يعجز الناس عن ذلك باعتبارهم مدينين بالذنوب وغير صادقين في أعمالهم وأقوالهم. وهذا من أعظم المشاركات الكونية على سطح الأرض بالنسبة للصالحين. فأحر بالمجتمع المعصوم أن يكون كذلك.
ويدل على ذلك أيضا، الآيات التي تدل على تعاون الكون مع التطبيق التشريعي العادل، كقوله تعالى:
"وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا"[[587]].
وقوله تعالى نقلا عن نوح عليه السلام:
"فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا [10] يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا [11] وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا"[[588]].
إلى غير ذلك من الآيات.
الجانب الثاني: المشاركة السلبية مع التمرد على العدل وعصيان تطبيقاته. والآيات بذلك كثيرة، تنطق عن عدد من العقوبات التي نزلت بالعصاة، من أوضحها الطوفان[[589]]، الذي استأصل العصاة والمتمردين على نوح عليه السلام، وسيل العرم[[590]]، الذي أخذ العصاة من [سبأ]. والحجارة من سجيل التي أمطرت على قوم لوط أولاً[[591]]. وعلى جيش إبرهة الأشرم عند غزوه للكعبة ثانيا[[592]].
واما السنة الشريفة، فعلى أشكال ومستويات عديدة، نذكر منها اثنين، سبق ان سمعناهما في تاريخ ما بعد الظهور:
المستوى الأول: ما روي عن طريق العامة والخاصة من انه مع وجود النظام العادل يتحقق الأمن على نطاق كوني حتى ترعى الشاة مع الذئب، ويلعب الصبيان بالأفاعي لا يضروهم شيئا، ويمشي العجوز بين كربلاء والنجف، لا يهيجها لصّ ولا يرعبها سبع. وقد سردنا الروايات الناطقة بذلك هناك[[593]].
المستوى الثاني: ما سمعناه هناك أيضا[[594]]، من الأخبار التي اتفق عليها الفريقان أيضا، من تحقق هذه الظاهرة عند تطبيق النظام العادل، وهي ان الأرض تلقي بأفلاذ كبدها كأمثال الاسطوانات من الذهب والفضة وسائر المعادن، يراها الناس على وجه الأرض، ولا حاجة لهم إلى التنقيب الشديد عنها في داخل الأرض.
إن كل هذه أساليب مختلفة من نتائج الطاعة، والتجاوب الكوني مع العدل، أو قل: تجاوب العدل مع الكون. فان البشرية بعد تكاملها أصبحت عاملا مباشرا لصيقا بالتخطيط الكوني وأهدافه العليا، فأحر بها أن يكون لها درجة كافية في التصرف بالكون، وأحر بالكون أن يكون له درجة كافية من الانسجام والتعاون معها... بعد أن كان تخطيطه واعيا واختياريا، منطلقا من الحكمة الازلية وإن بدت قوانينه اضطرارية قسرية. إلا أننا عرفنا ان الغاية هي التي تحدد الواسطة: ان القسر في [قوانين] الكون إنما وجد من أجل تلك الغاية العليا، فإذا اقتضت تلك الغاية الاستغناء عن هذه القسرية أحيانا أو في كثير من الأحيان، كان ذلك ضروريا، وقد عرفنا ان كل ما في الكون، منسجم مع تلك الغايات، غير زائد عليها وغير ناقص عنها. ولا يبقى مانع عن تعقل ذلك إلا مجرد عدم الألفة والاعتياد.
الخصيصة الخامسة: طول المدة لبقاء المجتمع المعصوم. حيث سبق في [تاريخ ما بعد الظهور] ان برهنا على أن المدة المتخللة من تأسيس الدولة العالمية إلى فناء البشرية مدة طويلة جدا تفوق المدة السابقة عليها بكثير.
وكان السبب الرئيسي للالتزام بذلك، هو ان البشرية عاشت الآلام والويلات آلافا من السنين مقدمة لوجود مستقبلها الموعود، المتمثل بالدولة العالمية وما بعدها. فليس من المعقول ان يوجد ذلك المستقبل لفترة قصيرة من الزمن، بحيث تكون آلام البشرية أكثر من سعادتها، أو أن أجيالا ضخمة من الناس يضحى بها في سبيل عدد قليل من الأجيال، ان هذا غير حسن في الحكمة الالهية بكل تأكيد. بل ولا يحسن أن تكون السعادة بمقدار الآلام. ان هذه التضحية لا تصح إلا إذا كانت السعادة أضخم بكثير من الآلام، بحيث تصدق عليها فكرة: التضحية بالمصلحة الخاصة من أجل المصلحة العامة. وتكون الأجيال السابقة على الدولة العالمية بالرغم من كثرتها، قليلة بمنزلة المصلحة الخاصة والأجيال اللاحقة لها كثيرة بمنزلة المصلحة العامة، لكي تكون التضحية بالأجيال البشرية معقولة ومنطقية.
فإذا عرفنا ان الحكمة الأزلية المخططة للبشرية كمالها، لا تختار إلا الأفضل دائما، ولا يمكن أن تختار ظلما أو قبيحا... يتبرهن أن تكون البشرية اللاحقة للدولة العالمية، مارة بالمجتمع المعصوم، أطول عمرا مما قبلها بأضعاف كثيرة، لا أقل من عشرة[[595]].
فإذا أضفنا إلى ذلك مشاركة المجتمع المعصوم في البناء الكوني العام وتخطيطه وأهدافه، والبناء الكوني عادة بطيء الانتاج طويل الأناة... إذن نعرف، على نحو الاجمال، المقدار الزمني الطويل الذي ينبغي للمجتمع المعصوم ان يعيشه على سطح هذه الأرض.
وبذلك يكون هذا المجتمع أعظم وأطول حضارة علمية وعقائدية منذ مولد البشرية إلى فنائها. فلئن تمّ البرهان وصحّ الدليل على أن الحضارات مؤقتة مهما طالت، وان يوم فنائها لا محالة وارد إلى عالم الوجود، إلا هذه الحضارة الجبارة فان الدليل قد قام على تساوقها مع البشرية إلى نهايتها. وخاصة إذا أخذنا بالاطروحة الأولى الآتية في التخطيط الخامس.
فإذا عطفنا على ذلك ما عرفناه مفصلا، بأن الحقبة السابقة لوجود البشرية على طولها واختلاف عصورها، إن هي إلا مقدمات لوجود هذه الحضارة العظيمة. استطعنا القول حينئذ ان هذه الحضارة بمقدماتها ووجودها تستوعب البشرية أجمعين، لكي يتم على التحقيق الوجود الكامل لقوله تعالى:
"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِي"[[596]].
بالفهم الذي سبق ان ذكرناه وكررناه.

التخطيط السادس
المنتج لفناء البشرية
-1-
سبق ان ذكرنا في [تاريخ ما بعد الظهور][[597]]، ان لفناء البشرية إطروحتين محتملتين، نذكر مؤداهما فيما يلي:
الاطروحة الأولى: اننا لو سرنا حسب التسلسل الفكري السابق لخصائص المجتمع المعصوم، بدون ان نلحظ شيئا آخر، لأنتج النتيجة التالية:
إن المجتمع المعصوم يستمر في التكامل، في تكامل ما بعد العصمة، الذي تصورناه وبرهنا عليه. طبقا لخطين مقترنين:
الخط الأول: التربية المركزة الذي تمارسه الدولة باستمرار حسب حاجة كل عصر، مما ينتج ان كل جيل أفضل من الجيل الذي سبقه، وهكذا... وان كانت مشتركه في صفة العصمة.
الخط الثاني: المشاركة الكونية المستمرة التي توجد بوضوح بمجرد وجود المجتمع المعصوم وتبدأ بالترسخ والتكثر تدريجا، عاما بعد عام وجيلا بعد جيل.
فإذا بلغت المشاركة الكونية نسبة عليا، وأصبحت مائة بالمائة، اندمجت البشرية بالكون العام واستنفدت أغراضها عن وجه هذه الأرض... وقد يكون التعبير الاسلامي بالملائكة صادقا إلى حد كبير. ان الجيل الأخير يصبح كله كالملائكة تماما، لا حاجة لهم بالبقاء على سطح الأرض، وإنما لهم الشوق الكامل إلى المشاركة في بناء الكون وإنجاز أهدافه من زوايا أعظم وأهم. وبذلك يحصل الانفصال النسبي[[598]]، بين الأرض والبشر.
الاطروحة الثانية: اننا لو عطفنا على التسلسل الفكري السابق ما وجدناه مرويا في أخبار الفريقين[[599]]، بأن [الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق]... أي ان فناء البشرية لا يكون إلا على جيل شرير... إذن، لا بد لنا من رفع اليد عن الاطروحة الأولى، باعتبارها لا تتضمن هذه الفكرة بالضرورة.
قد يكون ذلك لأجل الشفقة على الأجيال المعصومة ان تواجه أهوال القيامة... وقد يكون لأسباب أخرى. وعلى أي حال، فالأخبار الواردة بهذا المضمون غير مؤكدة الصحة وان كان بعضها ذا أسناد جيدة، وهي مروية بطرق الفريقين، إلا انها خبر واحد، وهو لا يكفي للبتّ في مثل هذه الأمور العميقة.
ومعه، فالمرجح هو صحة الاطروحة الأولى، وان كنا سنعطي فكرة عن هذه الاطروحة الثانية أيضا.
-2-
إن عصر التخطيط الخامس، بكلا إطروحتيه، حيث كان في بعد سحيق عن العصر الحاضر، نجهل مقداره بالتحديد، فمن هنا لا يمكن ان نعطي أية صفات تفصيلية عن ذلك، ومن هنا ينبغي لنا أن ندور في فلك الصفات العامة، مقتصرين على البعض الممكن منها فقط.
إن الاطروحة الأولى أولى بأن تكون مجهولة، فاننا إذ لم نستطع ان نعرف من صفات المجتمع المعصوم إلا القليل، فكيف بنا في مجتمع [ما بعد العصمة]. غير ان الاطروحة الثانية أهون فهما بطبيعة الحال، لكونها تفترض حدوث المجتمع المنحرف المشابه لعصرنا الحاضر، ولا يحول دون فهمها إلا بُعد الزمن.
-3-
إذا أخذنا بالاطروحة الأولى، فقد يمكن الاكتفاء بتخطيطات خمسة لعمر البشرية المديد، ولا يبقى للتخطيط السادس مجال، لان التخطيط الخامس، سيتكفل المحافظة على المجتمع المعصوم وتكامله، ودخول البشرية في [مجتمع ما بعد العصمة] ليس إلا من تكامل المجتمع المعصوم نفسه.
وهذا الكلام له درجة من الوجاهة، غير انه يمكن للفترة البشرية التي يبدأ فيها المجتمع المعصوم بالمشاركات الكونية الفعالة، ان نعزل تخطيطها بعنوان ورقم مستقلين، هو تخطيط ما بعد العصمة يكون هو القسم السادس من التخطيط العام.
وأما بالنسبة إلى صفات هذا المجتمع، فكل ما يمكن التعرف عليه هو وجود الخصيصتين الثالثة والرابعة من خصائص المجتمع المعصوم فيه بشكل أكثر أصالة وعمقا.
أما الخصيصة الثالثة، فكان المهم منها سيادة تعاليم القرآن مقترنا بالأخلاق. واما الرابعة، فهي المشاركة الكونية الفعالة التي عرفناها تزداد وتتعمق بالتدريج.
-4-
وقد يخطر في الذهن انه كيف ينسجم وجود هذا المستوى العالي في البشرية، مع وجود أهوال يوم القيامة، التي نطق بها القرآن من تسجير البحار وانتثار النجوم وطي السماء وغيرها. وهل ذلك إلا عقوبة للبشرية على ذنوبها. مع العلم ان الجيل الذي تقوم عليه القيامة طبقا للاطروحة الأولى، خال من الذنوب، بل خير البشر السابقين عليه على الاطلاق... وبذلك قد تترجح الاطروحة الثانية على الأولى.
إلا انه يمكن الاستغناء عن هذا السؤال بعدة أوجه:
الوجه الأول: ان القرآن الكريم حين وصف أهوال القيامة السابقة على الحساب والعقاب، أعني بها تسجير البحار وانتثار النجوم ونحوها... لم ينص على ان البشرية سوف تكون موجودة في ذلك الحين. ومعه فلا ارتباط لهذه الظواهر بالبشرية... وإنما هي تمثل فناء الأرض أو المجموعة الشمسية حين يحين حينها. واما وجود البشرية إلى ذلك الحين، فهو مما لا دليل عليه، وإن كان هو الأوفق باتجاه الفكر الحديث.
الوجه الثاني: اننا لو تنزلنا - جدلا - عن الوجه الأول، وفرضنا وجود البشرية مع تلك الحوادث، فلا ارتباط لها بالذنوب والعقوبات بالمرة، وإنما هي حوادث كونية لا بد من حدوثها مع استنفاد المجموعة الشمسية لأغراض وجودها، حسب التخطيط العام الكوني، وليست عقابا على شيء ولا احتقارا لأحد. ومعه لا مانع من وجودها على المجتمع المعصوم.
الوجه الثالث: اننا بعد ان فرضنا ان الأجيال الأخيرة من مجتمع [ما بعد العصمة] يكون لها المشاركة الفعالة في بناء الكون وتسلسل حوادثه، ممكن أن تكون مشاركة في إيجاد هذه الظواهر المشار إليها، بشكل وآخر لا نستطيع تحديده الآن بطبيعة الحال. ومن الواضح ان من يتضرر بهذه الحوادث إنما هو من وجدت ضده، لا من شارك في إيجادها مشاركة فاعلية. فان ذلك يكون من كماله ونفعه لا من ضرره بطبيعة الحال.
بل قد يمكن ان نتصور انها ليست غريبة في نظرهم، بل تبدو اعتيادية ومتوقعة ومفهومة بالنسبة إليهم، بعد ان تعودوا المشاركة في البناء الكوني، وتشربوا أساليبه.
إذن، فالاطروحة الأولى، هي الطبيعية الانسجام مع التسلسل الفكري للتخطيط [البشري] العام. إذ تكون البشرية قد سارت خلاله سيرا تكامليا واضحا من الصفر إلى المائة لو صحّ هذا التعبير. وإنما تحتاج الاطروحه الثانية إلى تصور مبرراتها وأساليبها، لكونها بمنزلة الاستثناء من هذا التسلسل الفكري.

-5-
واما بالنسبة إلى الاطروحة الثانية، فيكفي في إمكان دحضها عدم تصور المبرر المعقول لوجودها، بعد الذي قلناه في الاطروحة الأولى من عدم تنافي حوادث يوم القيامة مع المجتمع المعصوم، وعدم وجود الدليل الكافي على صحتها، لان ما دلّ عليها خبر واحد لا يكفي للاثبات ولم ينص القرآن الكريم أو السنة القطعية على ذلك.
هذا مضافا إلى عدم انسجامها مع مجتمع [ما بعد العصمة] إذ يستحيل - عادة - أن تعود البشرية إلى الفسق والانحراف بعد أن ذاقت طعم الحق والعدل ومارسته بأوضح صوره وشاركت في البناء الكوني مشاركة حقيقية. فإذا عرفنا أن مجتمع ما بعد العصمة سيوجد لا محالة، لان المجتمع المعصوم سيبقى المدة الطويلة التي تكفي - مع التربية المركزة المستمرة - لتحوله إلى مجتمع ما بعد العصمة. إذن يتبرهن عدم صحة الاطروحة الثانية.
إلا ان نقطة الضعف في هذا البرهان الأخـير، هو احتمال عدم استمرار التركيز في التربية بعد حدوث مجتمع العصمة وبقائه المدة الكافية. لان الاطروحة الثانية لو اكتسبت مبرراتها الكافية، كان لا بد في وجودها من سحب هذا التركيز لا محالة، ليبدأ التنازل التدريجي في المستوى الثقافي والمعنوي للبشر بالتدريج حتى تخرج أولا عن العصمة التي اكتسبتها ردحا من الزمن، وتبدأ بالهبوط إلى الانحراف، ومعه لا يكون لمجتمع ما بعد العصمة وجود، ليكون تحول البشرية منه إلى الانحراف مستحيلا.
إلا أن الاطروحة الثانية تبقى غير مؤكدة، باعتبار ما برهنا عليه من استمرار المجتمع المعصوم ردحا طويلا جدا من الزمن يفوق عمر البشرية السابق عليه أضعافا مضاعفة. وهي مدة كفيلة بأن تربي البشرية وتدخلها في عصر ما بعد العصمة. ومع وجوده لا مجال للاطروحة الثانية، كـما قلنا.
وعلى أي حال، فلو صحت الاطروحة الثانية - جدلا - فسوف يخطط لها، وهو التخطيط السادس لفناء البشرية، بايجاد تنزل عمدي للتربية البشرية، من النواحي العقائدية والقانونية والأخلاقية، وسينقطع التركيز التربوي العالي وستولد أجيال قليلة التربية فتميل إلى العصيان. وتبدأ البشرية بالتنازل التربوي بالتدريج حتى تفقد التربية تماما... تمهيدا ليوم القيامة الذي لا يمكن أن يقوم - طبقا للاطروحة الثانية - إلا على شرار الخلق.
حتى يصبح البشر كالبهائم تماما من حيث معرفتهم للحق، وان كانت قد تكون لهم حضارة مهمة... وحتى لا يقال: الله الله[[600]]، يعني تنتفي طاعة الله والتعبد له عن وجه الأرض تماما.
ولا نعرف، ولا يهمنا أن نعرف خصائص ذلك المجتمع، غير انه سيبقى هناك لهم مرشد أو إمام يمثل طرف الحق لمن يريد أن يهتدي أو يسأل... إلا أن نشاطه سوف يتضاءل تدريجا إلى ان ينعدم. وبذلك لا يبقى لوجوده حاجة، فيموت طبقا لتخطيط الاطروحة الثانية، وذلك قبل يوم القيامة بأربعين يوما، كما حددته الروايات[[601]]. فيبقى البشر بهائم بدون راعي، كلهم فسق وانحراف، وهم شرار الخلق الذين تقوم عليهم القيامة، وقد ورد انها "لا تقوم إلا على شرار الخلق"[[602]].
وبذلك تتم للبشرية خاتمة سيئة للغاية طبقا للاطروحة الثانية، بخلافها طبقا للاطروحة الأولى التي تكفل للبشرية أفضل خاتمة.
والمظنون، ان الفترة الزمنية التي يستغرقها التخطيط السادس طبقا للاطروحة الثانية، لن تكون كبيرة جدا، كـما كانت عليه فترة التخطيط الخامس. لان الانزلاق نحو الفسق والانحراف أسهل على النفس البشرية من التكامل العادل. واما طبقا للاطروحة الأولى، فقد يبقى [مجتمع ما بعد العصمة] فترة كبيرة من الزمن.
هذا هو ختام الحديث عن التخطيط السادس، وبه ينتهي الحديث عن التخطيطات الخمسة التي تمثل التخطيط العام لتكامل البشرية.
وبه تنتهي المرحلة الثانية من القسم الثالث من هذا الكتاب.

المرحلة الثالثة
في تطبيقات ومناقشات حول التخطيط العام
تمهيد:
خصصنا هذه المرحلة للكلام عن أمرين لا يخلوان عن أهمية، ويلقيان ضوءا كافيا على فهم التخطيط العام:
الأمر الأول: في ذكر بعض التطبيقات للتخطيط العام، من حوادث حصلت للبشرية خلال تاريخها الطويل. ويأتي ذلك بعد أن تمّ البرهان في أسس هذا التخطيط على ان كل حادثة تستمد مبررات وجودها الاستهدافية من التخطيط بالضرورة.
إذن، يكون من المستحسن، ايضاحا للفكرة، أن نذكر بعض الحوادث المهمة في التاريخ، أو بعض المجموعات من الحوادث المترابطة. من أجل التعرض إلى تفسيرها تفسيرا تخطيطيا. وان لم يكن لها ارتباط مباشر باليوم الموعود أو قضيه المهدي D. لكي تزداد هذه الفكرة رسوخا في الذهن، وهي ان التخطيط العام هو البديل الأفضل للمادية التاريخية، فبينما عجزت المادية التاريخية عن تفسير التاريخ، لا يقصر اتجاه التخطيط العام عن تفسيره بكل جدارة وعمق.
وسنقتصر على ذكر بعض الحوادث الرئيسية في التاريخ لعدم إمكان استيعاب التاريخ بطبيعة الحال. وهو عدد كاف يفتح المجال أمام القارئ لتفسير الحوادث الأخرى، يعرّفه على الاسلوب الصحيح للتفلسف والاستنتاج.
الأمر الثاني: في التعرض إلى بعض الاعتراضات التي قد ترد على التخطيط العام ككل، بمختلف الأساليب والمستويات، مع محاولة مناقشتها والتعرف على الحقيقة من خلالها.

تطبيقات التخطيط العام
-1-
يختلف شكل انتساب الحوادث إلى التخطيط العام، فهناك ما يكون انتسابه مباشرا لا يحتاج إلى واسطة، وهي تلك الأمور التي تعتبر بمنزلة الجزء من التخطيط، ولها فيه مشاركة هامة. كالتمحيص في التخطيط الثالث والسيطرة المهدوية على العالم في التخطيط الرابع وحذف التركيز التربوي في التخطيط السادس طبقا للاطروحة الثانية.
وهناك من الأشياء ما ينتسب إلى التخطيط بالواسطة، بمعنى انه يكتسب أهميته التخطيطية باعتباره سببا لما هو السبب. خذ إليك مثلا: ان تعمق العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء والطب - كما سيأتي - سبب لإنتاج الصناعات الثقيلة والفعاليات العلمية المختلفة، وهذه الفعاليات والصناعات سبب، بدورها، يشارك في صياغة المستوى الصناعي العالي للدولة العالمية الموعودة.
وهناك من الأشياء ما ينتسب إلى التخطيط لمجرد كونه اختياريا للفرد البشري. وقد عرفنا ان عنصر الاختيار له القسط المهم في بناء التخطيط العام. كقرائتك لهذا الكتاب أو ممارستك لعملك الاعتيادي في الحياة كالتجارة أو شيء من الحرف أو التعليم.
كما أن هناك من الحوادث ما ينتسب إلى تخطيط واحد، من التخطيطات الستة، كالسبي البابلي الذي ينتسب إلى التخطيط الثاني، ومنها ما ينتسب إلى أكثر من تخطيط واحد، فهو يوجد في عصر أحد التخطيطات، ويمتد له أثر مهم إلى تخطيط أو أكثر بعده. كوجود الاسلام الذي يعتبر - كما عرفنا - نتيجة للتخطيط الثاني، وجزءا من التخطيط الثالث، ومن التخطيط الرابع والخامس أيضا. وكوجود الدولة العالمية التي تعتبر نتيجة للتخطيطات الثلاث السابقة عليها، وهي - أيضا - العنصر الأساسي للتخطيطين الرابع والخامس، والتخطيط السادس طبقا للاطروحة الأولى السابقة.
-2-
ذكرنا في الأسس العامة للتخطيط ان التخطيط يتكفل السبب الاستهدافي أو العلة الغائية، وان هذا السبب لا ينافي السبب الموجد أو العلة الفاعلية، بل ينسجم معه، بل هو مكرس من أجله.
ومن هنا، يوجد للوقائع الآتية، مبررات [فاعلية]، اذ تستمد كل واقعة وجودها من زاوية تاريخية أو جغرافية أو اقتصادية أو غيرها، مضافا إلى استنادها إلى الخالق الحكيم جلّ وعلا. ومع ذلك، فهي منتسبة إلى التخطيط العام، بمعنى انها تشارك في بناء الهدف الأعلى منه، ولو مشاركة ضعيفة وتكون السببية الاستهدافية منطلقة من هذه الزاوية.
والاغراض الاستهدافية، قد توجد على نطاق ضيق أو [قريب] للحادثة، تحددها المصالح التي يشعر بها الأفراد في حدود الزمان والمكان الذي يعيشوه، وينتهون من تلك الاغراض إلى آراء وتصرفات معينة، قد يكون بعضها ما نحاول تفسيره. وهي لا تنافي الاغراض [الاستهدافية] التي يتوخاها التخطيط العام، كـما سبق ان برهنا وقلنا ان الفرد يخدم - في الـوقت نفسه - أغراض نفسه وأغراض التخطيط من حيث يشعر أو لا يشعر.
وقد تكون هذه الاغراض [القريبة] ذات مصالح عامة صحـيحة وفعالة، إلا انها لا تخرج عن انها وقتية محددة بالزمان والمكان. وتعتبر صغيرة وقريبة بالنسبة إلى اندراجها في التخطيط العام.
وقد يكون الشخص الفاعل ملتفتا - أيضا - إلى اندراج الواقعـة في التخطيط العام، ولكنه ليس مضطرا إلى الاعراب عن أهدافها التخطيطية، وإنما تعني المصلحة في الغالب في بيان الاغراض القريبة، باعتبار مناسبتها مع المستوى الاجتماعي وأسرع هضما من الاغراض البعيدة. وسيأتي في تصرفات وأقوال نبي الاسلام 9 وغيره ما يدل على ذلك.
ومن هنا يحسن بنا، إذا دخلنا في التفاصيل، أن نشير إلى عدد من الأهداف القريبة، إذا كانت ذات أهمية خاصة، ونتبعها ببيان الغاية الاستهدافية القصوى. لنرى بكل وضوح عدم التنافي بين الاستهدافين، سواء كانت الأهداف [القريبة] منسجمة مع التخطيط العام أو منافرة معه.
-3-
وسنعرض فيما يلي خمسين سؤالا، في ضمن عشرة موضوعات أو عناوين، نتحدث فيها عن مختلف جوانب الحياة التي تهم القارئ عادة. هي: العقيدة والمفاهيم والفكر الاسلامي والتاريخ الاسلامي والتاريخ الوسيط والتاريخ الحديث والعلوم الطبيعية. ثم تاريخ ما قبل الاسلام وصور من الدولة العالمية الموعودة، وشيء عن الفكرة المهدوية.
ان ما نعرفه فيما سبق من الأمور سنشير إليه مختصرا، أو نكتفي بالتحويل على محلها، ان كان ما سبق كافيا في الايضاح. وما يعتبر جديدا بالنسبة إلينا يكون لنا فرصة التحدث عنه بشيء من التفصيل. وسنعطي لكل عنوان رقما مستقلا.
1- العقيدة:
نطرح هنا الأسئلة التالية:
السؤال الأول: لماذا تعددت أشكال العقيدة الالهية بين الأمم، فكان كل جماعة يعطون إسما ووصفا مختلفا للخالق عن الجماعات الأخرى؟!...
وجوابه: انه لا أهمية للاسم من هذه الناحية، إذ انه أمر لغوي يختلف باختلاف اللغات واختلاف الأمم والأجيال، وان اتحدت العقيدة. وتعتبر كل الأسماء مشيرة إلى ذات واحدة، هو خالق الكون اللا متناهي في الحكمة والقدرة.
واما الصفات، فلاختلافها منشاءان، كلاهما منتسب إلى التخطيط:
المنشأ الأول: ما عرفناه من تطور الفكر البشري من خلال تربية النبوات. فكل نبوة تذكر من الصفات ما يناسب التربية العقلية العامة للمجتمع، وفهمها لهذه الصفات. وتهمل كل ما يكون فهمه متعذرا عليها... الأمر الذي توكله كل نبوة إلى التي بعدها. وقد ذكرنا في [تاريخ الغيبة الكبرى][[603]]، أمثلة لذلك.
المنشأ الثاني: الانحراف الناشئ من الاختيار الذي هو أحد أركان التخطيط... حيث أصبحت بعض الأمم تؤمن بتعدد الآلهة وتوالدها، وبعضها تؤمن بالاثنينية، وبعضها يؤمن بانطباقها على موجـودات طبيعية... وهكذا.
وربما كان المنشأ الأول، أعني سكوت الأنبياء عن الايضاح الكامل، تبعا للمستوى الذهني، من مسببات المنشأ الثاني في ظرف الذهنية البشرية الضئيلة. وقد سمعنا لذلك بعض الأمثلة في [تاريخ الغيبة الكبرى].
السؤال الثاني: لماذا تعددت النبوات؟!...
إن هذا يمت بصلة إلى التربية البشرية ضمن التخطيط الثاني. لان مستواها لم يكن مساعدا على فهم المستويات المعمقة منذ أول نشأتها، كـما هو واضح، فكان اللازم التدرج بالتعليم والتربية إلى حين بلوغها سنّ الرشد.
وكانت كل نبوة تتكفل تربية البشرية ردحا من الزمن، حتى ما إذا أدت مفعولها أصبح من اللازم ابدالها بنبوة جديدة، وهكذا. ومن هنا تأتي النبوة اللاحقة [ناسخة] لتعليم النبوة السابقة، وان اتحدت معها في الخط العقيدي العام، لتعطي مفاهيم زائدة وتعاليم معمقة أكثر نسبيا... وهكذا. السؤال الثالث: لماذا وجد الاسلام في آخر الأديان؟!...
باعتبار ما عرفنا من بلوغ البشرية درجة كافية من الرشد العقلي الذي يؤهلها لفهم العدل الكامل. ومن هنا كان الاسلام هو الاطروحة العادلة الكاملة التي تطبق في دولة العدل العالمية المهدوية، راجع ما قلناه في فصل [التخطيط الثالث] من هذا الكتاب.
السؤال الرابع: لماذا نزل القرآن الكريم؟!...
ليبقى هو الكتاب الرئيسي للهداية أبد الدهر ما دامت البشرية موجودة، يمدها بالعطاء باستمرار وعلى مختلف المستويات:
فان من أهم مميزات هذا الكتاب العظيم:
أولا: كونه معجزا لغويا وبلاغيا وأدبيا، باستمرار، ومهما ترقى الذوق البشري من هذه الناحية. وأدل برهان على ذلك كون التحدي الموجود فيه بالاتيان بمثله، شاملا لكل الدهور. فالبشرية ستبقى عاجزة عن معارضته طول عمرها الطويل، وشاعرة باعجازه وسيطرته على مستواها الذهني باستمرار.
ثانيا: تكفله لبيان قانون تشريعي عادل كامل قابل للتطبيق على مختلف الدهور والعصور. لا يختلف في ذلك عصر الانحراف عن عصر الدولة العالمية عن عصر المجتمع المعصوم عن عصر مجتمع ما بعد العصمة. حيث يتكفل بقواعده العامة تربية كل هذه الأجيال الطويلة. وهي خصيصة إعجازية أيضا لم تتوفر في أي تشريع آخر سماوي أو أرضي.
ثالثا: ان الانسان كلما ترقى وتكامل في المستويين الثقافي والايماني ينكشف له معان جديدة للقرآن، لا يمكن الالتفات إليها في المستويات الواطئة.
وهذا معناه - على المستوى العام - ان البشرية ستفهم بالتدريج معان جديدة من القرآن تكون مربية لها. فإذا بلغت غاية مرحلتها، ودخلت مرحلة أخرى فهمت معان جديدة تربيها، وهكـذا.
خذ إليك مثلا تقريبيا، كتاب [كليلة ودمنة] الذي [جعل الكلام على ألسن البهائم والسباع والوحش والطير، ليكون ظاهره لهوا للعامة وباطنه سياسة للخاصة، متضمنا ما يحتاج الانسان إليه من أمر دينه ودنياه وآخرته على حسن طاعة الملوك ومجانبا ما تكون مجانبته خيرا له][[604]]. بل قالوا ان هذا الكتاب ليس ذا مستويين فقط، بل أربعة مستويات، يختص كل مستوى منها بمجموعة من البشر[[605]]. فإذا أمكن ذلك العدد، أمكن الزيادة عليه بطبيعة الحال حين يصل إلى مستوى الاعجاز.
السؤال الخامس: لماذا احتاج الدين الاسلامي إلى وجود الهداة بعد النبي 9. وهم الخلفاء أو الأئمة، على اختلاف المذاهب الاسلامية.
ينبع هذا الاحتياج من عدة أمور: من أهمها: ضرورة تربية الأمة على الدين الجديد أو الاطروحة الجديدة، وتمحيصها عليها وتربية الاخلاص طبقا لها، تحت إشراف مركز ومركزي فترة كافية من الزمن. ولا يتم ذلك بشكله الكافي بدون ذلك.
ويقوم هؤلاء الهداة مضافا إلى ذلك، بحفظ الاطروحة الجديدة لتبقى سارية المفعول بين البشر ليمكن تطبيقها في الدولة العالمية وما بعدها من العصور. إذ مع اندثارها لا معنى لتطبيقها، كـما هو واضح، إلا بنبوة جديدة، ليس المفروض وجودها بعد الاسلام، ولا حاجة إليها، بعد إمكان حفظه بهؤلاء الهداة.
-5-
2- المفاهيم:
ونعرض هنا الأسئلة التالية:
السؤال الأول: ما هو مفهوم التقوى؟!...
ينطلق هذا المفهوم من زاوية لغوية من الاتقاء أي تجنـب شر معين متوقع الحصول. وحيث قد هددت الشريعة بالعقاب على العصيان، كان اللازم اتقاء هذا الشر عن طريق الالتزام بترك مسبباته من فعل المحرم وترك الواجب.
ومن هنا يمكن الانطلاق إلى تعريف التقوى بكونها التطبيق الكامل للاطروحة العادلة الكاملة، أو تعريفها بانها الانسجام التام مع التخطيط العام، لوضوح ان مخالفة التعاليم يحتوي على المنافرة مع التخطيط.
السؤال الثاني: كيف يتربى الاخلاص في النفس؟!...
ينطلق مفهوم الاخلاص لغويا من الخلوص وهو النظافة والتجرد عن الأدران، ومن هنا يكون تطبيقه الخاص على أنه هو النزاهة والتجرد عن كل ما ينافي العدل وينافي التخطيط العام.
وقلنا في [تاريخ الغيبة الكبرى][[606]]، بان الاخلاص والقدرة على التضحية لا تنمو إلا في جوّ ظالم معاكس للعدل ليتدرب المؤمنون أكثر فأكثر على المصاعب والمحن، لتكون لهم أهلية القيام بالواجبات الحقيقية الكبيرة في دولة العدل العالمية.
السؤال الثالث: ما هو مفهوم الاستخلاف في القرآن؟!...
ينطلق المفهوم اللغوي للاستخلاف من معنى جعل الخليفة أو النائب أو الوكيل أو الوارث - أحيانا -. ومن هنا كان أهم موردين استعمل فيهما القرآن هذا المفهوم، هما:
أولا: إعتبار كون وجود البشرية مستخلفة عن الله عزّ وجلّ في الاستفادة من خيرات الأرض وتدبير شؤون الحياة. فبدلا عن ان تكون القيادة لله تعالى مباشرة، جعلها للبشرية بالمعنى الذي سنشير إليه.
قال الله تعالى:
"وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ..."[[607]].
وغير ذلك من الآيات.
ثانيا: كون الدولة العالمية مستخلفة على الأرض. وذلك: اما بمعنى كونها خليفة عن الله تعالى في القيادة نحو تطبيق العدل وتحقيق الهدف الأعلى، أو بمعنى كونها وارثة للنظم السابقة عليها والبديل الأفضل لها جميعا. قال الله تعالى:
"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ..."[[608]]. إلخ الآية.
وكلا المعنيين يمتان إلى التخطيط العام بصلة وثيقة:
أما المعنى الأول: فباعتبار ان استخلاف البشرية في القيادة، لا يعني بأي حال إيكال الأمر إليها على نحو مطلق. فانه خلاف صريح آيات قرآنية عديدة، منها قوله تعالى:
"وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا"[[609]].
وإنما المراد إيكال التربية والتكامل البشري إلى اختيار البشرية نفسها، بدلا عن ان يكون المربي هو الله عزّ وجلّ. بما في ذلك التكامل الفردي والقيادة الاجتماعية العادلة.
ومن هنا كان الفرد الأهم لتطبيق هذا الاستخلاف هو المربي البشري الكبير، المتمثل في جهتين:
الجهة الأولى: موكب الأنبياء والأولياء والصالحـين، السابقين على الدولة العالمية. فانهم متكفلون للقسط الأكبر من هذه التربية والقيادة المطلوبة.
الجهة الثانية: الدولة العالمية التي هي نتيجة لجهود ذلك الموكب كله، ولجهود الانسانية كلها في العصور السابقة عليها. وهي تتولى التربية أيضا لكن بشكل أعمق وأوسع.
وأما مع تحقق الهدف الأعلى، وهو المجتمع المعصوم والذي يليه، فهو الذي يكون خليفة وقائدا بمجموعه بطبيعة الحال... لان كل فرد منه ممثل للشكل الأفضل من التربية المطلوبة.
وبهذا نكون قد عرفنا كيف يمت المعنى الثاني للاستخلاف إلى التخطيط.
واما كون الدولة العالمية وارثة للنظم السابقة عليها، فقد قلنا ان مقتضى التخطيط الثالث هو تمحيص تلك النظم وكشف جوانب النقص والظلم فيها تدريجا، وايضاح فشلها، ليكون ذلك أكبر ممهد لتلقي النظام الجديد في الدولة العالمية.
السؤال الرابع: ما هو المفهوم الذي تعبر عنه الآية الكريمة:
"... إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ..."[[610]].
إن هذا - بحسب فهمي - مفهوم تربوي يراد به - أيضا - إيكال تربية البشرية إلى نفسها واختيارها. لكن المنظور هنا جانب النتائج. فكل عامل، فردا كان أو مجتمعا، هو الذي يتحمل مسؤولية عمله، سواء كان خيرا أو شرا. فالله عزّ وجلّ يحافظ على النتائج الخيرة ما دام العمل خيرا، ولا يغيرها إلى السوء - وهو القادر المطلق - إلا مع تعمد التغيير السيء من قبل العاملين أنفسهم... والعكس أيضا صحيح، إذ لا معنى لوجود النتائج الحسنة مع العمل السيء.
وهذا القانون، كـما يشمل كل مجتمع بشكل منفصل، يشمل البشرية على وجـه المجموع فمثلا: إذا توصلت البشرية بأعمالها الاختيارية إلى إنتاج التخطيط الثالث، وأصبحت على مستوى تأسيس الدولة العالمية، فقد غيرت ما بنفسها، فيمّن الله تعالى عليها بالتغيير الجذري باعطاء الفرصة الكافية للقائد المهدي D للسيطرة على العالم واحقاق الحق والعدل فيه، ورفع كل ما كانت تشكوه البشرية من المشاكل والآلام.
السؤال الخامس: ما هو مفهوم العبادة الموجود في الآية الكريمة:
"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِي"[[611]].
وقد شرحنا ذلك مفصلا في تاريخ الغيبة الكبرى[[612]]، وأعطينا عنه فكرة في هذا الكتاب في فصل [الأسس الخاصة]. واعتبرنا الآية دليلا على ماهية السبب الاستهدافي الذي وجدت من أجله البشرية، وهو تحقيق العبادة الخالصة الشاملة لكل مناحي الحياة، وبأعمق أشكالها متمثلة بوجود الدولة العالمية أولا، وبالمجتمع المعصوم ثانيا.
-6-
3- الفكر الاسلامي:
ونجيب فيه على الأسئلة التالية:
السؤال الأول: ما هي وظيفة الفقه الاسلامي عموما، وفي التخطيط الثالث على الخصوص:
الفقه الاسلامي، هو الأحكام المستخرجة من القرآن الكريم والسنة الشريفة، على اختلاف الفقهاء في كيفية الاستخراج ونتائجه. ومن هنا كان هو المرآة الكاشفة عن أحكام الاسلام: الاطروحة العادلة الكاملة. وهو الاسلوب الرئيسي الوحيد في الاطلاع عليها.
ومن هنا كانت وظيفته هي وظيفة أحكام الاسلام نفسها، خلال التخطيط المشار إليه... وهو تدبير الأمة وتربيتها باتجاه الهدف الأعلى خلال هذه الفترة بمقدار قابليتها لذلك.
وأما بعد حدوث الدولة العالمية فسيختلف الفقه بمقدار ما كـما سبق أن عرفنا، حيث يجدد المهدي D ما اندرس منه ويضيف إليه عددا جديدا من الأحكام، ويحذف منه كثيرا من الأمور التي أصبحت عيالا عليه خلال العصر السابق الطويل.
ومهما كان الأمر، فهو الآن الاسلوب الرئيسي للتعرف على أحكام الاسلام. وتعتبر التضحية في سبيله والاخلاص له إخلاصا للاسلام. كيف والمقصود هو بذل التضحية والاخلاص في طريق الهدف، وهو يحصل بالبذل في سبيل الفقه بصفته ممثلا للاسلام: الاطروحة العادلة الكاملة.
السؤال الثاني: ما هو أثر تقدم الفكر العالمي في تقدم الفكر الاسلامي عامة، والفقه الاسلامي خاصة؟!...
لا شك أن لتقدم الفكر العالمي أثرا مهما في هذا الصدد، من عدة نواح:
الناحية الأولى: وجود مجالات جديدة لم تكن مبحوثة في الفقه فيما سبق، أصبح في الامكان البحث عنها من جديد، بعد ان فتح التقدم الصناعي فكر البشرية على ذلك، كالبحث عن جواز التلقيح الصناعي وعن الصلاة على القمر... إلى كثير من المسائل.
الناحية الثانية: قابلية الفقيه المطلع على تطور الفكر العالمي، من فهم واستخراج الأحكام من الكتاب والسنة بشكل أعمق وأركز من غيره ممن لم يواكب هذا التطور.
الناحية الثالثة: قابلية الفكر العالمي لفهم الفقه الاسلامي، وللاطلاع - على وجه الخصوص - على استيعابه لكل مناحي الحياة، وعدم اختصاصه بالعبادة الشخصية.
الناحية الرابعة: إمكان عرض الفقه الاسلامي بلغة حديثة، وخاصة، بلغة القانون الحديث، مع التوفر على المقارنة بين الاسلوبين والمضمونين، والتوصل إلى الأفضل والأجدر بالبقاء منهما.
السؤال الثالث: ما هو أثر الجانب الحضاري الأوروبي [أعني الآيديولوجية العامة غير العلمية] على الفكر الاسلامي.
إن هذه الحضارة بصفتها مادية ومنكرة للأديان والأخلاق، سوف تجعل الفكر الاسلامي متصاعدا في عدة حقول:
الحقل الأول: إنتاج البحوث لمحاولة مناقشة هذه الحضارة في أفكارها وعرض البديل الأفضل لها على مختلف المستويات.
الحقل الثاني: عرض الفقه على أساس انه الاطروحة التشريعية الكاملة التي يمكنها إزالة المشاكل العالمية، بدل الاطروحات المعروضة في عالم اليوم، كـما سبق ان برهنا.
الحقل الثالث: الالتفات إلى ضرورة التكاتف والتآلف والشعور بالأخوة بين المسلمين، كـما هو المطلوب منهم في شريعتهم، ونسيان الاضغان من أجل الاتحاد بوجه العدو المشترك، وهو الحضارة المادية اللا أخلاقية التي غزتهم في عقر دارهم.
السؤال الرابع: ما هو أثر حقول الفكر الاسلامي المختلفة في إيجاد الشرط الثالث من شرائط [اليوم الموعود].
لا شك ان الفكر الاسلامي طَرق ويطرق حقولا مختلفة من المعرفة كالعقيدة والاقتصاد والاجتماع والفقه والتاريخ وغيرها، ولا زال المفكرون الاسلاميون يمارسون جهودهم باستمرار بحثا وتدقيقا وتحقيقا.
ولكل من هذه الحقول أثره المهم في إيجاد الشرط الثالث الذي هو الاخلاص الايماني الكبير لتعاليم الاسلام، كـما سبق أن فصلناه. خذ إليك مثلا: إن حقل [العقيدة] هو الجزء الأهم الذي ينبغي الاخلاص له. و[الفقه] هو التشريع الكامل الذي ينبغي أن يتربى الاخلاص من خلاله. و[التاريخ] يعرض لنا صور التضحيات الايمانية الكبيرة والاخلاص الكبير التي ينبغي احتذاؤها. وبذلك يترسخ الاخلاص ويكون الشرط الثالث في طريقه إلى النجاز.
السؤال الخامس: كيف يثرى الفكـر الاسلامي ويتكـامل، عنـد المسلمين؟!...
يتكامل الفكر الاسلامي الموجود خلال التخطيط الثالث لدى المسلمين، نتيجة لعدة عوامل:
العامل الأول: الكتاب والسنة أعني القرآن الكريم والأخبار الواردة عن قادة الاسلام الأوائل G... بما يحمل هذان المصدران من مبدأ متكامل وتشريع عادل وعِبر بليغة.
العامل الثاني: جهود المفكرين الاسلاميين، بما يبذلونه من تضحيات في سبيل تنمية ما ورثوه من أفكار ومحاولة تطبيقها على حاجات العصر.
العامل الثالث: ما يفتحه الجانب [العلمي] الحديث أمام الذهن البشري من آفاق سواء من ذلك ما يكشفه من جوانب التدبـير والحكمة في قيادة الكون وخلقته، أو ما يثيره إلى جنب ذلك من مشكلات فلسفية ومنطقية تجد طريقها في الفكرالاسلامي إلى الحل أولاً بأول.
العامل الرابع: جانب التخلف الأخلاقي والاسفاف الاجتماعي الذي يعيشه أغلب أفراد العالم اليوم، في العالم الاسلامي وغير الاسلامي، كنتيجة للتمحيص على ما سبق ان أوضحنا. الأمر الذي يحدو بالفكر الاسلامي أن يقف باستمرار تجاه هذا التيار، لأجل الكفكفة من غلوائه، والتقليل من توسعه وعمق أثره.
ولعل هناك بعض العوامل الأخرى التي لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها.
-7-
4- التاريخ الاسلامي:
نختار في هذا الحقل الأسئلة التالية، وسيكون بعضها منطلقا من الفهم [الامامي] للتاريخ الاسلامي، إلى جانب البعض الآخر المنطلق من الزاوية المشتركة لفهم الاسلام.
السؤال الأول: لماذا حدثت واقعة بدر الكبرى؟!...
المبرر الذي أعلنه النبي 9 بين أصحابه حين اقترح عليهم التعرض لإبل قريش، ذلك التعرض الذي أنتج واقعة بدر الكبرى... ليس أكثر من قوله 9: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها[[613]]. ولكن كانت من وراء هذه [الثورة] الاسلامية الأولى عدة أغراض [قريبة] وبعيدة، نذكر منها اثنين أحدهما [قريب] والآخر [تخطيطي].
الهدف الأول: اثبات وجود الجماعة الاسلامية الجديدة وقوتها، وتحطيم أطماع قريش بتحطيمها... الأمر الذي جعل لها الهيبة والأهمية الاجتماعية التي استطاعت بها أن تقوم بنشاطها على نطاق واسع وكامل لأول مرة.
الهدف الثاني: البدء بتركيز الاسلام وترسيخه ليبقى مدى الدهر ليؤدي الدور الضخم الذي عرفناه للاطروحة العادلة الكاملة... في عصري التخطيط الثالث والرابع، بل وما بعده إلى فناء البشرية. ان الخطوة المهمة في هذا التركيز كانت متمثلة بغزوة بدر الكبرى.
وقل ذلك في كل الغزوات على الاطلاق بصفتها تتضمن تقوية الاسلام أحيانا والدفاع عنه أحيانا وتوسيع نطاقه أحيانا... وكلها مقدمات لأداء الدور الضخم الذي عرفناه.
السؤال الثاني: لماذا انحرفت الخلافة الاسلامية بعد عصر النبوة، حتى أصبحت [ملكا عضوضا] وخرجت عن حقيقة مهمتها الاسلامية المخلصة متمثلة في الخلافة الأموية أولا، والعباسية ثانيا، والعثمانية ثالثا. فان الحديث عنها من هذه الناحية حديث مشترك. فانها جميعا تتصف بالتفسخ الديني والانصراف إلى الملذات من ناحية، أو المشاحنات الداخلية من ناحيه أخرى... مما أوجب الهبوط بالمستوى الاسلامي هبوطا مروعا حتى أنتج زوال الخلافة عن مسرح المجتمع زوالا كاملا. فأي مصلحة تخطيطية اقتضت ذلك؟!...
ينبغي أن يكون الجواب على ذلك مفهوما، بعد كل الذي قلناه... حيث يمكن انطلاقه من زاويتين:
الزاوية الأولى: عنصر الاختيار الممنوح للبشرية عموما بما فيهم أشخاص الخلفاء وقوادهم... ذلك الاختيار الذي عرفنا له الأصالة والأهمية في التخطيط. فإذا اقترن الاختيار بضعف في الثقافة الاسلامية، وقلة في الاخلاص والشعور بالمسؤولية، والنظر إلى الخلافة الاسلامية، كمنصب منفعي تجاري لا كمهمة تربوية للأمة... إذا حصل كل ذلك فالنتائج التي حصلت متوقعة بطبيعة الحال، بما في ذلك زوال الخلافة وسيطرة المادية الملحدة بدلها على العالم الاسلامي.
الزاوية الثانية: إننا سمعنا أنه لا بد للبشرية من أجل تحقيق الشرط الثالث لليوم الموعود خلال التخطيط الثالث، وهو توفـير الاخلاص والمخلصين، لا بد ان تمر البشرية عموما والعالم الاسلامي خاصة بصفته الحامل للاطروحة العادلة الكاملة، ان تمر بظروف الظلم والانحراف. وان أول خطوة لذلك هو التخطيط لايجاد خلافة منحرفة. لا بمعنى حمل الخلفاء على الانحراف، بل بسحب الصراحة في [النص الجلي] أولا، وتقليص التركيز في التربية ثانيا، ليتيسر مع هذين العنصرين للمنحرفين أن يحكموا المجتمع الاسلامي وللشجرة الملعونة في القرآن ان تأخذ دورها الكامل لتمثل بنفسها وبنتائجها الوخيمة ظروف الظلم والانحراف المسببة لإنجاز الشرط الثالث.
السؤال الثالث: لماذا حصلت ثورة الحسين عليه السلام، التي استشهد فيها مع ثلة من أصحابه وأهل بيته.
إن لهذه الثورة المهمة المقدسة عدة أغراض [قريبة] بالمعنى الذي اصطلحنا عليه. وهو المستوى الذي أمكن إعلانه في ذلك المجتمع. وقد أعرب عنها الامام الحسين D نفسه في عدة مواطن، وكلها ممكنة ومطابقة للقواعد الاسلامية العامة.
ويمكن أن ترقى هذه الاغراض إلى عدة أشكال:
الشكل الأول: قوله عليه السلام:
"إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب"[[614]].
الشكل الثاني: إيكال ذلك إلى القضاء الالهي الذي لا يُرد، بقوله:
"وقد شاء عزّ وجلّ أن يرى حرمي ورهطي مشردين وأطفالي مذبوحيـن مأسورين مقيدين وهم يستغيثون فلا يجدون ناصرا"[[615]].
الشكل الثالث: إن بني أمية عازمون على قتله على كل حال...
"إنهم لن يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي. فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم من يذلهم"[[616]].
وإذا كانوا على ذلك، كان الأولى مناجزتهم القتال.
الشكل الرابع: انه D رأى جده نبي الاسلام 9 في المنام، فأمره بالمضي في وجهته وعدم العدول عنها، وقال:
"حبيبي يا حسين كأني أراك عن قريب مرملا بدمائك مذبوحا بأرض كربلا، بين عصابة من أمتي، وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى وظمآن لا تروى"[[617]].
الشكل الخامس: وهو الشكل الرسمي أو القانوني للثورة الحسينية، وهو كونها استجابة لطلب أهل الكوفة القدوم عليهم ووعده بنصرتهم ضد الأموين حيث نسمعه يقول - فيما قال - مخاطبا لأهل الكوفة:
"انها معذرة الله عزّ وجلّ وإليكم واني لم آتكم حتى أتتني كتبكم، وقَدمت بها علي رسلكم أن أقدم علينا فانه ليس لنا إمام. ولعل الله يجمعنا بك على الهدى"[[618]].
وكلما توفر للقائد الاسلامي المقدار الكافي من الناصرين والمؤازرين. وجب عليه إسلاميا اجتثاث حكم الظالمين. وأما حصول مقتله فباعتبار غدرهم به وخيانتهم له، بدلا عن ان ينصروه.
ولا نريد الآن الدخول في تفاصيل ذلك، فمن أراده فليرجع إلى مصادره.
وإنما المهم الاطلاع على المبرر [التخطيطي] لهذه الثورة المقدسة.
وحاصل فكرته: اننا قلنا فيما سبق أن ظروف الظلم والانحراف لا يمكن ان تكفي في وجود المخلصين ما لم تقترن بالأسس الاسلامية الموفرة للاخلاص. وإلا فان هذه الظروف تكون موجبة لضلال البشرية وانطماس العدل، وفشل التخطيط العام في النتيجة.
وان من أهم الأسس لتوفير الاخلاص وتقوية الارادة في أذهان الأمة، هو إيجاد القدوة والمثال الأعلى للتضحية أمام الفرد في مجابهة تلك الظروف الظالمة. وقد كانت ثورة الحسين D أعظم مثال لذلك، حيث أفهمت الأمة بأجيالها المتطاولة والبشرية بمجتمعاتها المختلفة، مقدار ما ينبغي أن يكون عليه الفرد من درجة الاخلاص والصمود وقوة الارادة ونكران الذات تجاه العدل، ومن أجل محاربة الظلم والانحراف... والتضحية بالنفس والنفيس والصحب والأهل والولد.
وقد كان لهذه الثورة، خلال عصر التخطيط الثالث الذي نعيشه، الأثر الأهم في إيجاد التحسس العام من أي ظلم، ذلك التحسس المنتهي بالثورة، صغيرة كانت أو كبيرة. وكشفت هذه الثورة أمام المخلصين، لزوم عدم اعتدادهم بأنفسهم، والاكتفاء بما هم عليه، وضرورة الصعود في خط التكامل التدريجي والتربية الحقيقية في هذا الطريق. انهم مهما أدوا من تضحيات سيكون الحسين D وأصحاب الحسين D أمامهم مثالا يحتذى لن يصلوه إلا بعد لأيّ.
وسيكون الفرد - نتيجة لذلك - شاعرا بكل وضوح بأهمية إطروحته العادلة، ومُثّمنا ضرورة الاخلاص لها، ومتجها بكل رحابة صدر إلى تقديم المصلحة العامة على كل مصالحه الخاصة، لكي يكون مؤهلا بالتدريج للقيادة بين يدي القائد المهدي D، ومشاركا بالتالي في إنجاز الشرط الثالث.
وسيكون لهذه الثورة صداها المؤثر الكبير، خلال عصر التخطيط الرابع، حتى ورد ان الامام المهدي D يعلن خلال حربه للسيطرة على العالم شعار الأخذ بثأر جده الحسين D[[619]]. وسيكون المؤدي الحقيقي لهذا الصدى الكبير شعور الأفراد في ذلك الحـين بضرورة إطاعة الحق المتمثل بالقائد المهدي D ودولته العالمية، كـما سبق للحسين عليه السلام، أن ضحى في سبيل هذا الحق نفسه، باعتبار ان الاطروحة العادلة الكاملة، هي نفسها التي كانت لدى الحسين D ستكون لدى المهدي D.
السؤال الرابع: لماذا صالح الامام الحسن D معاوية بن أبي سفيان، مع انه يعتقد بكونه ظالما وغير صالح للخلافة، وهلاّ اتخذ خطوة كخطوة أخيه الحسين D في محاولة الاجهاز على الجهاز الحاكم وفضحه وتقوية إرادة الأمة عن هذا الطريق؟!...
وينبغي لنا ونحن في صدد الجواب، ان نفترض القارئ مطلعا على التاريخ الاسلامي لهذه الحقبة، لئلا يطول بنا الحديث. بما في ذلك محاولة الامام الحسن D - أولا - منازلة معاوية عسكريا، ثم محاولة معاوية كسب قواد جيش الامام الحسن D إلى جانبه، ونجاحه في ذلك على مختلف المستويات، بما كانت الأمة قـد بلغته من ضعف في الارادة وطمع في اللذاذة. وبما في ذلك شروط الـصلح التي اتفق عليها الطرفان بعد ذلك. ثم خيانة معاوية لهذه الشروط، وإعلانه بصراحة عدم العمل بها.
ان الصلح حين يأتي في مثل هذه الظروف يكتسب غرضين، أحدهما [قريب] والآخر [تخطيطي]:
الغرض الأول: وهو القريب: القيام بمسؤوليته تجاه الجماعة المؤمنة التي يتولى قيادتها من الناحيتين الدينية والدنيوية. حيث استطاع الامام الحسن D بعد انعدام الفرصة الكافية للمنازلة العسكرية، ان يحرز - طبقا لشروط الصلح - سلامة أو كرامتهم ومستواهم الاقتصادي، والتحفظ عليهم في الدين والدنيا. واستطاع في نهاية المطاف ان يكشف نوايا معاوية العدوانية بخيانته لهذه الشروط واعتدائه عليها وبالتالي على الجماعة المؤمنة، وإمامها أيضا.
الغرض الثاني: وهو الأهم والأبعد: ان الامام الحسن D حين يرى ان الحق متمثل فيه وفي جماعته، وانهم هم الحاملون الحقيقيون للاطروحة العادلة الكاملة. ويرى - إلى جنب ذلك - ان المنازلة العسكرية، بعد الخيانات التي حصلت في جيشه والاشاعات الهدامة التي انبتت فيه، يرى ان المنازلة مستبطنة للقضاء عليه وعلى كل المؤمنين به واستئصالهم، وهذا يعني انعدام جانب الحق في العالم، وبقاء معاوية على مسرح الاسلام ليدعي أنه هو الحامل الحقيقي للاسلام. وبذلك تنطمس تماما الاطروحة العادلة الكاملة، ومع انطماسها لا معنى لتربية المخلصين تجاهها، كما هو معلوم. وبذلك يتخلف شرطان من شرائط اليوم الموعود أو الدولة العالمية، وهما:
الشرط الأول: وجود الاطروحة العادلة الكاملة التي تطبق في اليوم الموعود، وجودها معلنة بين البشر.
الشرط الثاني: وجود العدد الكافي من المخلصين تجاه هذه الاطروحة الذين يشاركون في إنجاز اليوم الموعود.
ومع تخلف الشرطين يكون التخطيط العام كله قد فشل. ولذا كان من الواجب تلافي الأمر أساسا لكي لا يحدث الفشل. وذلك بايجاد هذا الصلح مع معاوية، لأجل إحراز بقاء حاملي الاطروحة العادلة، وبالتالي استمرارها ضمن الأجيال لتكسب المخلصين الممحصين بالتدريج.
بل انه طبقا للفهم الامامي للفكرة المهدوية، فان الشرط الآخر لليوم الموعود يكون منخرما أيضا بدون هذا الصلح، وهو وجود القائد المؤهل لإنجاز الدولة العالمية. فانه بعد تعيينه - أعني المهدي - في شخص الامام محمد بن الحسن بن علي G وهو من ذرية الحسين D، نستطيع ان نتصور أن منازلة الامام الحسن D لمعاوية كانت تعني الاجهاز عليه وعلى جميع تابعيه بما فيهم أخيه الحسين D. وإذا قتل الحسين وذريته كان وجود نسله بلا موضوع. فينتفي الشرط الثالث أيضا.
ومن هنا نستطيع ان نتصور الأهمية التخطيطية لهذا الصلح التاريخي العظيم. ان المحافظة على الامام الحسين D نفسه كان مستهدفا في صلح أخيه D، كـما ان المحافظة على ولده علي بن الحسيين زين العابدين عليه السلام، خلال حرب كربلاء، كان مستهدفا أيضا، من التخطيط أيضا، لكي ينتج - فيما ينتجه - إيجاد القائد المهدي عليه السلام، إنجاز هذا الشرط من شرائط اليوم الموعود.
كـما ان الفكرة القائلة بان صلح الامام الحسن D كانت مقدمة لثورة الحسين D، بمعنى أنها وفرت لها الظروف الموضوعية، فكرة صحيحة من ناحية تخطيطية، فان الحفاظ على الجماعة المؤمنة من قبل الامام الحسن D مكنها بعد بضع عشرات من السنين ان تقوم بالمهمة الثورية بين يديّ الحسين D. فتحظى آنئذ بنتائجها العظيمة من دون ان تتعرض للاستئصال لاتساع هذه الجماعة في ذلك الحيـن، وبقاء الامام علي بن الحسين D بينهم.
السؤال الخامس: لماذا إتخذ الأئمة المعصومون G، وخاصة في عصرهم المتأخر، إبتداء بالامام الجواد D ومن بعده، موقف [السلبية] والملاينة الظاهرية مع الجهاز الحاكم الذي عاصروه، مع انهم يعتقدون انهم أحق منه بممارسة الحكـم، وكانت أخطاء الحكام وسوء تصرفهم يومئذ واضحا للعيان؟!...
إن القسم الأول من [تاريخ الغيبة الصغرى] عموما للجواب عن هذا السؤال. وقد بينا هناك حقيقة الغرض [القريب] لذلك. وهو ان إعلان المعارضة كان يستدعي يومئذ استئصال الامام وكل المؤمنين به وقواعده الشعبية للظروف التي شرحناها هناك مفصلا. ومعه كانت وظيفة الامام D لأجل إحراز أقصى ما يمكن من المصلحة للحق الذي يعتقده في نفسه وأصحابه، إتخاذ مسلك [السلبية] تجاه الدولة، بحيث لا يمكن لها أن تمسك ضده أي دليل... لأجل ضمان بقاء ذلك الحق مع بذل الجهد المضاعف لاحراز مقدار معقول من المصالح الاجتماعية والاقتصادية في مجتمع كان يعزلهم اجتماعيا واقتصاديا.
واما الهدف [التخطيطي] فهو نفسه الذي ذكرناه لصلح الامام الحسن عليه السلام. وهو الحفاظ على الحق من أجل حفظ الاطروحة العادلة الكاملة سارية المفعول في البشرية، وعدم انحصار إدعاء الاسلام بالجهات الحاكمة المنحرفة. كـما يراد به حفظ الامام نفسه لأجل إنجاب الامام المهدي نفسه، طبقا للفهم الامامي.
كل ما هناك... ان الفرق بين عصر الامام الحسن عليه السلام، وعصر الائمة المتأخرين G: ان الامام الحسن عليه السلام، كانت له الفرصة ليفرض شروطه على معاوية بن أبي سفيان، باعتبار ان معاوية لم يكن ناجز الخلافة يومئذ، وإنما أصبح خليفة بالتمام [!!] بعد هذا الصلح، بخلاف الائمة المتأخرين، فانهم كانوا فاقدين لهذه الفرصة وأمثالها باعتبار وجود الدولة القوية الناجزة المعترف بصحتها في قواعد شعبية كبيرة من المسلمين.
-8-
5- التاريخ الوسيط:
ونقصد به التاريخ الاسلامي المتخلل ما بين ضعف الدولة العباسية المتأخرة عن عصر المتوكل العباسي، إلى عصر الاستعمار الأوروبي للبلاد الاسلامية، في العصر الحديث.
وهي فترة تستمر حوالي ثمانية قرون، تتخللها الكثير من الحوادث المهمة، نقتصر منها على التساؤل عن خمسة منها ذات جانب من الأهمية:
السؤال الأول: لماذا حدثت الحروب الصليبية؟!...
السؤال الثاني: لماذا حدث الغزو المغولي لبلاد المسلمين؟!...
هذان سؤالان متشابها الاتجاه، باعتبارهما يحتويان على هجوم الكافرين ضد المسلمين. ومن هنا يكون الاتجاه في الجواب أيضا متشابها.
ان الهدف [القريب] حين نتحدث عنه هنا، إنما نتحدث عنه في حدود ما كان يتصوره الغزاة أنفسهم، واما البلاد الاسلامية فلم يكن لها إلا الدفاع حينا والاستسلام حينا.
ان الهدف [القريب] لكلا الغزوين معلن وواضح، فقد كان هدف الصليبين - في حدود فهمهم - تخليص [أرض الميعاد] و[كنيسة القيامة] و[بيت لحم] موضع ميلاد المسيح، من احتلال المسلمين؟!...
وكان هدف المغول التوسع في السيطرة والملك والحصول على المغانم. ولم يثبت أنهم كانوا يفكرون أو يعملون من زاوية دينية.
ولم يكن الهدف [القريب] للبلاد الاسلامية إلا دفع الغزاة. وأهم قيادة ناجحة حصلت لتحقيق هذا الهدف هي قيادة [صلاح الدين الأيوبي] ضد الغزو الصليبي، بعد فشل [عماد الدين زنكي] في تحقيق هذا الهدف.
وأما الاستهداف [التخطيطي] من وراء هذه الغزوات، أو بمعنى آخر مقدار ارتباطها بالتخطيط الثالث، وهو معنى يشمل بشكل وآخر - الاستعمار الأوروبي الحديث -، فيتلخص في الوجوه التالية:
الوجه الأول: ان هذه الغزوات تنطلق من الاختيار، الذي عرفنا له الأهمية في التخطيط. فان الاختيار الذي يملكه الغزاة اقترن بقناعات منحرفة وأفكار متطرفة، أنتج تجاه هؤلاء الناس إلى الغزو والقتل والتخريب.
الوجه الثاني: ان هذه الأعمال تمتثل نتيجة لظروف التمحيص السابقة عليها، وتعتبر فشلا فيه من الزاوية الايمانية الموازية مع خط التخطيط العام.
الوجه الثالث: المشاركة في ايجاد ظروف تمحيص جديدة للبلاد التي وقع الغزو ضدها. باعتبار انها تكون محكا للمسلمين والمؤمنين والمخلصين في الوقوف ضدها والحد منها ان أراد المسلم النجاج في التمحيص، أو الممالأة معها والانصياع لها إن أراد الفشل.
وقد واجهت هذه الحملات بالفعل مواجهات عنيفة ومخلصة من قبل المسلمين، كان من أهمها قيادة صلاح الدين نفسه، من زاوية كونه مطهرا للأرض الاسلامية المقدسة من الوجود الصليبي. وقد سمعنا في تاريخ الغيبة الكبرى[[620]]، بشارة النبي 9 بذلك...
وقد ووجه الاستعمار الحديث أيضا مواجهات دموية، إبتداءا بغزو نابليون لمصر، وانتهاءا بغزو الانكليز للعراق خلال الحرب العالمية الأولى. وقد كان الاتجاه العام لهذه المواجهات هو التضحية في سبيل الاسلام المنتج للنجاح في التمحيص... إلى ان حاولت المادية المعاصرة السيطرة على الآيديولوجية العامة للثورات في عالم اليوم.
السؤال الثالث: لماذا وجدت الدولة البويهية؟!...
السؤال الرابع: لماذا وجدت الدولة السلجوقية؟!...
السؤال الخامس: لماذا وجدت الدولة الصفوية؟!...
وهي أسئلة تندرج في نطاق متشابه، من حيث سيطرة دولة [مذهبية] مسلمة على أقاليم من البلاد الاسلامية.
وإذا تجردنا عن الصفة المذهبية تماما، أمكننا عرض الاستهداف التخطيطي كما سنذكره بعد الاعتراف بان الغرض [القريب] لكل منها، حبّ النفوذ والسيطرة أولا، وخدمة المذهب الاسلامي الذي يعتنقه حكام هذه الدول. وإنزال الحيف أحيانا، بأفراد المذاهب الأخرى من المسلمين.
ان ارتباط هذه الدول بالتخطيط يشبه الأمور الثلاثة التي ذكرناها للاستعمار منظورا إليه من زاويتهم. وقد تصعد الأمور إلى أربعة:
الأمر الأول: الاختيار الذي كان يملكه حكام هذه الدول، في سيطرتهم الأولى وطريقة حكمهم وإسلوب معاملتهم لشعوبهم، مع وجود قناعات خاصة لدى كل منهم وأن يسلكوا على هذا الشكل دون سواه.
الأمر الثاني: كونها نتيجة للتمحيصات السابقة، حيث كان الحكام مع ما يحملون من قناعات وآيديولوجيات ابناء مجتمعاتهم التي أنتجتهم بما تحمل من نقاط قوة وضعف، وبما تملك من ردود فعل تجاه ظروف التمحيص العامة.
الأمر الثالث: كون هذه الدول سببا لتمحيص الشعب المحكوم بها، حيث يجعل أفراده على المحك في الرضاء بالقرارات الصالحة التي تتخذها الدولة، والمنافرة مع القرارات الظالمة التي قد تتبناها.
الأمر الرابع: جعل الحكام أنفسهم على المحك، وتعميق تمحيصهم لوضوح انه مع اتساع المسؤولية للفرد يتسع التمحيص ويتعمق، بمعنى التوقعات في ردود الفعل تجاه المواقف والمشاكل المختلفة سوف تزداد، وتتركز أكثر بكثير من الفرد العادي، كـما ان أثر الأفعال التي يقوم بها مثل هذا الفرد سوف يكون أعمق أثرا في المجتمع من الفعل الذي يصدر عن الفرد الاعتيادي.
فبمقدار ما يؤدي الحاكم المنفعة للناس، وبمقدار ما يتجاوب - روحا - مع التخطيط العام، يعتبر ناجحا في التمحيص، وبمقدار ما يخالف ذلك من السلوك يعتبر فاشلا فيه.
وكل هذه الأمورمن زاوية ارتباطها بالتمحيص، تكون مندرجة في الأسباب الموجدة للشرط الثالث من شرائط اليوم الموعود، وهو إيجاد الاخلاص والمخلصين. لاننا عرفنا ان ارتباط التمحيص بكل مستوياته بالتخطيط الثالث ليس إلا من هذه الزاوية.
-9-
6- التاريخ الحديث:
ونقصد به تاريخ أوروبا منذ نهضتها الصناعية إلى العصر الحاضر. نقتصر منه على بعض النماذج السياسية والفكرية من خلال الأسئلة التالية:
السؤال الأول: لماذا وجدت النهضة الأوروبية الحديثة؟!...
لهذه النهضة عدة جوانب، بعضها نقاط ضعف وأخرى نقاط قوة:
النقطة الأولى: جانب التقدم العلمي الذي كان ولا يزال يتقدم، وهذا ما سبق أن بحثنا جهته التخطيطية في الجانب الرابع من الفصل الخاص بالجانب الدنيوي في التخطيط الثالث.
النقطة الثانية: جانب التقدم الفلسفي والرياضي والفكري عموما. وهذا ما بحثناه في الجانب الثالث من ذلك الفصل.
النقطة الثالثة: جانب ما تحتويه أوروبا من مبادئ وحلول للمشاكل الاجتماعية، وأهمها الرأسمالية والشيوعية. وهذا ما بحثناه في الجانب الأول من ذلك الفصل.
النقطة الرابعة: الجانب القانوني المتمثل بالقانون الروماني والجرماني وغيرهما. وقد بحثناه في الجانب الثاني منه.
وإنما المهم الآن النظر إلى نقطتين جديدتين:
النقطة الأولى: الجانب التاريخي، بمعنى التساؤل عن المصلحة التخطيطية التي أوجبت هذا التسلسل التاريخي لأوروبا، هذا الذي نسبته الماركسية إلى المادية التاريخية.
النقطة الثانية: الجانب الأخلاقي، من حيث عدم إلتزام المجتع بواضحات الأخلاق من النواحي الجنسية والمالية والاجتماعية. فما هي المصلحة التخطيطية لهذا الانحراف، وما هو مقدار تسبيبها للوصول إلى الهدف الأعلى.
وسنبحث عن كلا من هاتين النقطتين في جهة مستقلة.
الجهة الأولى: في المصلحة التخطيطية للجانب التاريخي لأوروبا، ومقدار وكيفية مشاركتها في الهدف الأعلى.
يتمثل ذلك في عدة أمور:
الأمر الأول: الاختيار الذي هو أحد أركان التخطيط، بالانضمام إلى الأهداف [القريبة] التي كان الناس في مختلف الأجيال يتوخونها من وراء تصرفاتهم الاختيارية. وهي في الغالب أهداف مصلحية متخذة من مجموع الفهم الذي يحمله الفرد عن بيئته ومجتمعه المتصف بحالة حضارية وثقافيه معينة.
إن الاقطاعي كان يتوخى في هدفه القريب مصلحته ويفهمها من زاوية توسيع ممتلكاته والضغط على فلاحيه لزيادة الانتاج الذي يعود عليه بالربح. ومثل ذلك يفكر مالك الأرقاء. وأما الحرفي فهو يرى من مصلحته تحسين إنتاجه وتوسيع بيعه. وكذلك يفكر مالك المصنع التعاوني [المانيفكتورة]. والرأسمالي يرى مصلحته في زيادة أعماله وأمواله، وعن طريق السيطرة على الآخرين وقهر الشعوب الضعيفة.
إن هذه الأفكار توجد في أذهان أصحابها نتيجة لمجموع الحالة الاجتماعية والمدنية والحضارية معا، ولا تختص بوسائل الانتاج. وبعد ان يحمل الفرد فكرته الخاصة عن هدفه [القريب] يطبق ما يملكه من [اختيار] على أعماله ونشاطه متوخيا تحقيق هدفه.
وليس لوسائل الانتاج من أثر في غير حقل الانتاج نفسه.
الأمر الثاني: ان هذا التسلسل التاريخي للظروف التمحيصية السابقة عليه. أو بالأصح، ان كل حادث إنما هو نتيجة للظروف السابقة التي تمثل سير التاريخ من ناحية والتمحيص العام من ناحية أخرى... تلك الظروف التي كانت وما زالت تمثل الفشل في التمحيص.
الأمر الثالث: ان هذا التسلسل التاريخي سبب لتمحيص جديد، بالنسبة إلى كل واقعة، وذلك من ناحيتين على الأقل:
الناحية الأولى: تمحيص الأفراد الأوروبيين أنفسهم، من حيث النظر إلى ردود أفعالهم تجاه الوقائع، وهل هي ردود فعل صالحة أو فاسدة.
ان فشل النظام الاقطاعي وفشل النظام الرأسمالي بعده، على مستوى الرأي العام العالمي، واتجاه الاشتراكية إلى نفس النتيجة أيضا... يدل كل هذا بوضوح على ان ردود الفعل كانت مجافية للانسانية وللاسلوب الصالح الذي كان ينبغي أن تسير عليه.
الناحية الثانية: تمحيص الأفراد الآخرين في العالم من غير أوروبا، أولئك الذين ذاقوا نير الاستعمار والاستغلال أزمنة طويلة. من حيث مجابهتهم للاستعمار وشجبهم لكل أشكاله، أو مواكبتهم له واندماجهم في تياره المادي الجارف.
الجهة الثانية: في المصلحة التخطيطية للانحراف الأخلاقي في أوروبا، ومقدار وكيفية مشاركتها في الهدف الأعلى.
إن نفس الأمور السابقة تصدق تماما في هذا الصدد أيضا، من زاوية النظر إلى هذه الجهة بطبيعة الحال.
فالاختيار الذي يتصف به البشر، منظّما إلى الاستنتاجات والمفاهيم التي يقتبسها الأفراد من حالة مجتمعهم الثقافية والحضارية والاقتصادية، وغيرها. حيث يرى الفرد ان [الحرية] الجنسية والاقتصادية، حتى لو استلزم الاعتداء على الآخرين، والحرية العقائدية في ان يلتزم الفرد بالعقيدة التي يرغب بها مصلحيا لا العقيدة التي يقوم عليها الدليل الصحيح... يرى الفرد كل ذلك حريات مقدسة لا يمكن الحد منها.
واما ان هذه الاتجاهات نتيجة لظروف تمحيصية سابقة، ومنتجة لظروف تمحيصية جديدة، للأوروبيين أولا، ولغيرهم ثانيا، إن هذا أوضح من ان يذكر.
وهذا يعني بوضوح، مجافاة الوضع الأوروبي بكل صراحة، مع التخطيطين الثاني والثالث على الخصوص والتخطيط العام على العموم. وقد عرفنا وقوع التمحيص في طريق تحقيق الشرط الثالث من شرائط اليوم الموعود. على أن نأخذ بنظر الاعتبار نقاط القوة للمدنية الأوروبية التي تفيد التخطيط العام كـما سمعنا، من حيث لا تعلم أوروبا ولا تتوقع.
وبمعرفة هذه الكيفية [التخطيطية] للحضارة الأوروبية، يمكننا أن نجيب على عدد من الأسئلة حول حدوث كثير من الوقائع الرئيسية في أوروبا، كـما سنرى في الأسئلة التالية:
السؤال الثاني: لماذا حدثت الثورة الفرنسية عام 1789م؟.
تعتبر الثورة الفرنسية، إبتداء من الهجوم على الباستيل وانتهاء بجمهورية نابليون بونابرت وما استطاع هو ان يحققه لفرنسا من اصلاحات... تعتبر جزءا من أهم أجزاء النهضة الأوروبية فكريا واجتماعيا واقتصاديا وصناعيا... فهي تحمل نفس نقاط القوة والضعف لتلك النهضة، كـما تحمل نفس المبررات التخطيطية التي تحملها تلك النهضة، والتي سبق ان ذكرناها مفصلا.
ولكنها - على أي حال - تحتوي على مزيتين تشاركان مشاركة إيجابية في التخطيط العام:
المزية الأولى: انها تحتوي لأول مرة في البشرية المعروفة[[621]]، على الشعور الاجتماعي العام الواعي المنظم بالظلم والحيف... وانه لا يزول إلا بالثورة الدموية، التي تجتث الظالمين من جذورهم، لكي يتسنى البدء بالبناء الاجتماعي من جديد.
وهذه الفكرة، بهذه الصياغة، أمر صحيح تماما. وقد طبقته الأنظمة المختلفة، كل من وجهة نظره، في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وروسيا الشيوعية، وغيرها من البلدان في خارج أوروبا كالجزائر وكوبا.
وستكون هذه الفكرة، بعد فهمها من زاوية تخطيطية، مطبقة في أول تأسيس الدولة العالمية، تحت قيادة القائد المهدي عليه السلام.
المزية الثانية: ان الثورة الفرنسية حاولت لأول مرة - في أوروبا - ان تنظر إلى البشرية نظرة شاملة، فتقرن الثورة باعلان حقوق الانسان والمواطن. فتعترف فيه للمظلومين ببعض الحقوق الرئيسية في نظرها، فيبدو بوضوح ان الثورة لا يمكن أن تكون ذات مضمون بدون نظام واعٍ جديد، وبدون ان يكون هذا النظام ذا صيغة بشرية شاملة.
ولا أقصد بذلك الاعتراف بصحة ما ورد فيه، أو ان واضعيه قد نجحوا في إعطائه الصيغة العادلة... كيف وقد ناقشنا ذلك وأبرزنا زيفه بوضوح في كتابنا [نظرات إسلامية في إعلان حقوق الانسان].
وإنما المقصود فهم الفكرة العامة من عملهم، وان الرأي العام العالمي سوف يرى ضرورة اقتران الثورة الناجحة بقانون واعٍ جديد، لكي تكون ناجحة فكريا، كـما تكون ناجحة عسكريا... الأمر الذي سيكون بنفسه مطبقا في الدولة العالمية.
السؤال الثالث: لماذا حدثت الثورة الروسية الحمراء؟!...
تشابه هذه الثورة سابقتها الفرنسية من عدة جهات، على ما سنذكر، وهي في هذه الجهات لها نفس المبررات التخطيطية التي ذكرناها، ولكن نقاط القوة المشتركة تحفظ للثورة الفرنسية مزية السبق. وتختلف الثورة الروسية عنها في جهات أخرى على ما سنرى.
انها تحتوي على النقطة الأولى التي ذكرناها في السؤال الأول، وهي التقدم التكنيكي بلا شك... كـما تحتوي على النقطة الثالثة وهي المبدأ الذي يحاول حلّ مشاكل العالم، متمثلا بالماركسية أو الشيوعية. ولكنها تفقد النقطة الثانية وهي التقدم الفلسفي والرياضي، لانها لا تعترف بفلسفة لا تندرج في نظريتها العامة. فالحديث عن فلسفتها حديث عن مبدئها نفسه. واما الرياضيات فليس لها تقدم أكثر من دول أوروبا وأمريكا الرأسمالية.
كـما انها تفقد النقطة الرابعة، وهي الجانب القانوني، لان قوانينها جميعا تندرج في نظريتها العامة، وليس لها استقلال - قوانين أوروبا الرأسمالية - لتتخذ نقطة مستقلة. وبتعبير أوضح: ان قوانينها تعبر عن الاشتراكية العلمية نفسها التي تحاول بها حلّ مشاكل العالم. وليست شيئا آخر.
والنقطة الخامسة، وهو تسلسل الحوادث التاريخية، فمبرره التخطيطي هو ما ذكرناه لا النهضة الأوروبية نفسها، وليس فيها زيادة مهمة. وكذلك النقطة السادسة وهي التخلف الأخلاقي، مع زيادة هي نكران مفهوم الأخلاق أساسا إلا من زاوية طبقية واقتصادية، كـما عرفنا.
واما المزيتان اللتان تتصف بهما الثورة الفرنسية، فهما مطبقتان فعلا في الثورة الروسية من وجهة نظرها، إلا أنها تعتبر لها مزية، لان المزية هناك كانت هي إيجاد تلك المفاهيم والأفكار لأول مرة على الصعيد الأوروبي... بينما كانت هذه الأفكار موجودة قبل الثورة الروسية.
السؤال الرابع: لماذا وجد الفكر الماركسي... من زاوية تخطيطية؟!...
هذا ما أجبنا عليه أكثر من مرة، حيث أشرنا إليه مختصرا في تاريخ الغيبة الكبرى. وفصلناه في أول هذا الكتاب عند البحث عن [مناشئ الفكر الماركسي] في المنشأ أو الاطروحة الثالثة منها. وأعطينا عنه فكرة عند البحث عن الجانب الدنيوي في التخطيط الثالث. فلا حاجة إلى التكرار.
السؤال الخامس: إلى متى تبقى الحضارة المادية في العالم؟!...
برهنا خلال الحديث عن التخطيط الثالث ان هذه الحضارة بما جرّت من ويلات على العالم، بما فيها الحربين العالميتين، والتهديد بحرب ثالثة أدهى وأمر... ليست صفة أبدية أو صفة سرمدية. وإنما وجدت، وكان وجودها ضروريا في التخطيط العام لأجل أن تؤدي دورها التمحيصي وغيره الذي عرفناه فيه. وسيكون زوالها ضروريا أيضا حـين تستنفد أغراضها التخطيطية. ويتمخض التمحيص عن وجود الشرط الثالث لليوم الموعود. فيكون موعد قيام الدولة العالمية ناجزا، وبقيامها تزول هذه الحضارة بالضرورة.
وقد تزول قبل ذلك نتيجة لحرب حرارية طاحنة، تكون - في الواقع - إحدى الاطروحات لتذليل مصاعب اليوم الموعود وإنجاح التخطيطين الثالث والرابع معا، كـما سمعنا مفصلا.
-10-
7- العلوم الطبيعية:
وهي المنتجة للتطور الصناعي الهائل في أوروبا، بعد عصر النهضة وإلى العصر الحاضر... كالفيزياء والكيمياء والفلك والطب وغيرها. وقد عرفنا في [الجانب الدنيوي للتخطيط الثالث] جملة من الأفكار عن ارتباطها بالتخطيط، مما يسهل علينا الجواب على الأسئلة التالية كثيرا:
السؤال الأول: ما هو منطلق هذه العلوم من زاوية التخطيط العام؟!...
إن منطلقها - بكل بساطة - هو منطلق التخطيط نفسه. ان التخطيط [البشري] العام ينطلق من زاوية دعمه للتخطيط [الكوني] العام ومشاركته في البناء الكوني، ولولاه لم يبق له وجود واضح، كـما سبق ان عرفنا. فكذلك تنطلق هذه العلوم من حيث كونها معبرة عن أساليب التدبير والضبط الذي سار عليه التخطيط في اتجاه أهدافه.
وهي - بالطبع - تكشف عن تلك الأساليب بمقدار ما توصل إليه الفكر البشري من ذلك، وهي دائما في طريق التطور... وتبقى تلك الأساليب أعمق من كل تلك العلوم بمقدار الفرق بين الحكمة الموجودة في الكون... في تخطيطه وأهدافه... وبين الفكر البشري القاصر، الذي يحبو- بالتدريج البطيء - نحو الكمال.
السؤال الثاني: ما هي وظيفة هذه العلوم الطبيعية، من زاوبة تخطيطية؟!...
تتكفل هذه العلوم عدة أغراض في المجتمع الانساني:
الغرض الأول: المشاركة في تسهيل الحياة الفردية والاجتماعية، وبناء مستوى عالٍ من الرفاه. كالاسراع بشفاء المرض واختصار وقت السفر، والتقليل من العمل العائلي، وتسهيل وتوسيع الانتاج الصناعي والزراعي.
الغرض الثاني: المشاركة في الكشف عن أسرع الطرق وأوسعها في القتل الفردي والجماعي، حين تعن الحاجة إلى الحروب.
وهذان الغرضان [القريبان] هما اللذان توختهما أوروبا حين فكرت بتعميق هذه العلوم. وكان للغرض الثاني أعمق الأثر في بذل الدولة الأموال الطائلة في هذا الطريق.
وكلا هذين الغرضين سوف يصبحان [تخطيطين] حين نعرف إمكان الاستفادة منهما على نطاق تخطيطي في الدولة العالمية، إبتداءا من الحرب لأجل تأسيسها وانتهاءا بالرفاه العظيم الذي يسودها.
الغرض الثالث: المشاركة في بناء [الشرط الثالث] لليوم الموعود، من زاوية بناء جماعة من المخلصين الكاملين المشاركين في قيادة تلك الدولة، على مستوى الاختصاص في مختلف ميادين العلوم.
الغرض الرابع: الكشف عن منطلقها الأساسي الذي تحدثنا عنه في جواب السؤال الأول... من حيث كونها تعرض للبشرية صورة واضحة - مهما كانت صغيرة - عن التدبير الكوني. وهكذا ينبغي ان تعرض في مصادرها الخاصة، لا بالشكل المادي أو [العلماني] الذي التزمته أوروبا على طول الخط. وهذا الكشف عن المنطلق الأساسي هو الاسلوب الذي سوف يكون مطبقا في الدولة العالمية، عند بناء الأفراد الاختصاصين المتجاوبين مع التخطيط.
السؤال الثالث: ما الغرض من تعمق هذه العلوم؟!...
يمثل تعمق هذه العلوم مراتب عليا من الفهم البشري العميق للقوانين التي تعبر عنها هذه العلوم. فكل الأغراض التي عرفناها لوجودها موجودة بشكل أعمق عند تعمق هذه العلوم.
ومن هنا يصدق القول: بأن الغرض من تعمقها هو الوصول إلى تعمق تلك الأغراض لأجل البناء التخطيطي نفسه. لا أقل من ان نتصور ان الغرض الأول وهو تسهيل الحياة، لا يكفي فيه المستوى الموجود فعلا من التعمق في هذه العلوم، بل يحتاج المجتمع العالمي إلى مستوى علمي عميق وواسع إلى أقصى حد، لينال الرفاه المعمق إلى أقصى حد. تماما كـما قالته الماركسية في طورها الأعلى، وقد وجد الآن بشكل مركز في التخطيط العام.
السؤال الرابع: هل ينقطـع تطور هذه العلوم؟!...
إن الاتجاه المادي الذي تسير به هذه العلوم فعلا، في البلدان الشيوعية والرأسمالية، على السواء يسير بها نحو الفناء لا محالة. من زاوية ان الغرض الثاني الذي قلناه سوف يسبب إلى فناء الحضارة والمدنية الحـديثة في حرب حرارية مستعرة الأوار. في لحظة من أشد اللحظات شؤما على هذه الحضارة.
إلا ان التخطيط العام لا يمكن أن يكون متجها نحو ذلك، لعدة أسباب:
أولا: لأن الحرب العالمية ليست مؤكدة الوقوع تماما. ومن الواضح انها لو لم تقع، تبقى هذه المدنية على حالها إلى عصر تأسيس الدولة العالمية.
ثانيا: لأن هذه الحرب لو وجدت فانها لا تقضي على كل معالم الحضارة العالمية، بحيث يعود الناس إلى الشكل البدائي للحياة، وتكون الحرب الرابعة بالعصا والحجارة، كـما يتصور البعض... كلا، لانها لن تدوم طويلا، وإنما تقضي وبسرعة، على المراكز العسكرية المهمة في العالم وعلى مصانع الأسلحة بشكل عام وعلى عواصم الدول الكبرى وبعض مدنها المهمة بما فيها العواصم. وبذلك تسبب فشل الأطراف المتحاربة كلها، وانهيارها عسكريا واقتصاديا. ولا حاجة إلى افتراض نتائج أوسع من ذلك.
... نعم، توجد قنابل لإفناء البشرية في لحظة، إلا انها لن تستعمل بطبيعة الحال، لان الدولة [الضاربة] - أيا كانت - لا تريد القضاء على نفسها بطبيعة الحال، وإنما تضرب من الأسلحة النووية، بمقدار ما تقضي به على خصمها فقط. وهذا المقدار من تضارب القنابل لا يستلزم أكثر من النتائج التي أشرنا إليها.
ومعه ففي الامكان بقاء المدنية [العلمية] في البشر، الأمر الذي يجعل الدولة العالمية وارثة له.
ثالثا: اننا بعد ان عرفنا ان التخطيط متجه بالضرورة إلى الدولة العالمية، ونعرف وجدانا توقف الرفاه الكامل المطلوب فيها، على مستوى محترم ومتكامل من التقدم التكنيكي، إذن فلا بد ان نفترض ضرورة انخفاض هذا المستوى المطلوب في البشرية السابقة على تلك الدولة، لتكون تلك الدولة هي الوارث الشرعي له. وهي في عين الوقت سوف تسير به قدما إلى الأمام.
ويتم حفظ هذا المستوى بشكلين: إما بافتراض عدم قضاء الحرب عليه، واما - ان قضت الحرب عليه - رجوعه إلى البشرية قبل تأسيس الدولة العالمية. وحيث برهنا على ضرورة وجود هذا المستوى عند تأسيسها، إذن فلا بد ان يكون مخططا له ضمن التخطيط الثالث، وموجودا بالضرورة...
السؤال الخامس: ما هي كيفية الانتفاع بهذه العلوم في الدولة العالمية وما بعدها؟!...
يكفينا في الجواب على ذلك، ما عرفناه من معالم هذه الدولة إلى الآن، وما ذكرناه من مستوى الرفاه الاقتصادي في [تاريخ ما بعد الظهور]. ذلك المستوى الذي تشارك فيه هذه العلوم وأجهزتها ومعاملها العلمية أكبر مشاركة. واما ما يزيد على ذلك من التفاصيل فلا حاجة إليه وينبغي ان يبقى موكولا إلى عصره.
-11-
8- تاريخ ما قبل الاسلام:
وهذا ما سبق ان عرفناه مفصلا من خلال حديثنا السابق، وخاصة التخطيط الثاني، فنقتصر هنا على مجرد الاشارة إلى الجواب:
السؤال الأول: لماذا وجدت البشرية؟!...
وجدت البشرية لأجل المشاركة في البناء الكوني ضمن تخطيطه العام. تلك المشاركة التي هي العبادة الحقيقية الكاملة التي أشارت إليها الآية الكريمة: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِي".
السؤال الثاني: لماذا وجد خط الأنبياء والمرسلين؟!...
لأجل إيجاد الشرط الأول لليوم الموعود، وهو تربية الفكر البشري بحيث يكون قابلا لاستيعاب الاطروحة العادلة الكاملة التي ستكون مطبقة في الدولة العالمية.
السؤال الثالث: لماذا وجدت الشريعة الموسوية بعينها، أو الشريعة العيسوية؟!...
وجد كل منها لأجل المشاركة في إيجاد هذا المستوى المشار إليه، كمرحلة من مراحله.
السؤال الرابع: لماذا حصلت عبادة الأصنام والكواكب وغيرها من العقائد المنافرة مع التخطيط العام؟!...
حصل ذلك نتيجة للتمحيص كرد فعل للتربية البشرية التدريجية المساوقة مع التخطيط، حيث كانت ردود الفعل لأغلب البشرية غير صالحة، مما أنتج الانحراف العقائدي والسلوكي لدى أغلب البشر، وعلى أشكال واتجاهات مختلفة، كل بحسب ما يبدو له نتيجة لفهمه لمصلحته ومجتمعه والأساطير والعادات الشائعة فيه مسبقا.
السؤال الخامس: لماذا تطور التاريخ في تلك العصور، ذلك التطور المعروف، بما في ذلك وجود الدولة الفرعونية في مصر والآشورية في العراق والرومانية في أوروبا وغيرها... الأمر الذي نسبته الماركسية إلى تطور وسائل الانتاج، إلى عصري الرق والاقطاع؟!...
ينطلق الجواب على ذلك من نفس الأسباب الاستهدافية التي ذكرناها في النقطة السادسة من [التاريخ الحديث]، بعد اعطائها الصيغ المناسبة مع عصر سؤالنا هذا. ونلخصها فيما يلي:
الأمر الأول: الاختيار الذي هو أحد أركان التخطيط، بالانضمام إلى الأهداف [القريبة] التي يسعى إليها الأفراد والمصالح التي يدركونها.
الأمر الثاني: ان كل تطور تاريخي هو نتيجة لظروف تمحيصية سابقة عليه.
الأمر الثالث: ان كل تطور هو محك لتمحيص عام للأفراد من حيث ردود فعلهم وهل هي مساوقة مع التخطيط أو منافرة معه.
الأمر الرابع: تمحيص الحكام ومن إليهم، من حيث ان زيادة مسؤولياتهم تستلزم عمق التمحيص لهم وزيادة وسرعة الفشل ان نافروا التخطيط العام وأهدافه.
-12-
9- الدولة العالمية:
نختار عنها الأسئلة التالية، كنموذج... بعد أن عرفنا أجوبتها جميعا.
السؤال الأول: كيف تتأسس هذه الدولة؟!...
تتأسس الدولة العالمية بجهود القائد المهدي عليه السلام، وأصحابه المخلصين الممحصين، وقد عرفنا في تاريخ الغيبة الكبرى وما بعده مدى عمق التخطيط الثالث في إيجاد القيادة العالمية والجيش الكافي المدرع بالاخلاص العظيم، الذي يكون له شرف المشاركة في إيجاد العدل المطلق في ربوع البشرية.
السؤال الثاني: لما تتأسس هذه الدولة؟!...
تتأسس باعتبارها نتيجة للتخطيطات السابقة عليها، وبصفتها من المقدمات الأساسية لوجود الهدف البشري الأعلى وهو المجتمع المعصوم، كـما سبق ان برهنا.
السؤال الثالث: ما هو نظام تلك الدولة العالمية؟!...
يتكون نظامها من الاطروحة العادلة الكاملة، معروضة بالشكل المساوق مع الوعي الموجود بعد تأسيسها، والأحكام التي يضيفها القائد المهدي إليها، بالشكل الذي تكون مربية للبشرية باتجاه هدفها المنشود.
السؤال الرابع: ما الذي تستهدفه هذه الدولة؟!...
تستهدف تطبيق الاطروحة العادلة الكاملة، عاجلا، والوصول إلى الهدف البشري الأعلى، وهو وجود المجتمع المعصوم، آجلا.
السؤال الخامس: متى تنتهي البشرية؟!...
تنتهي البشرية عند استنفاد أغراضها، أو تحقق أهدافها - بتعبير أصح - وذلك ببلوغ المستوى البشري إلى الحد الذي يكون له مشاركات فعلية كبيرة في التخطيط الكوني.
-13-
10- الفكرة المهدوية:
نختار فيها الأسئلة التالية كنموذج، ونجيب عليها مختصرا بعد ان عرفنا أجوبتها المفصلة.
السؤال الأول: كيف وجدت الفكرة المهدوية في الذهن البشري؟!...
سبق أن برهنا بكل وضوح نشوؤها عن طريق تبليغات الأنبياء وخاصة نبي الاسلام 9 الذي أعطى هذه الفكرة أصالتها وعمقها الكامل. وبرهنا على عدم إمكان نشوئها من الشعور بالظلم بمجرده.
السؤال الثاني: لماذا اختلف الناس في تعيين المهدي المنقذ؟!...
أعطينا لذلك التبرير الكامل، من زاوية أن كل دين سماوي - بعد العصور الأولى - يحتوي على التبشير بالفكرة المهدوية، بالمقدار المناسب مع المستوى الذهني البشري في عصره، فيتخيل الناس ان ذلك النبي هو الذي سيكون [المنقذ] وأن شريعته هي التي ستسود العالم. مضافا إلى الانحرافات التي منيت بها هذه الفكرة خلال العصور، كأي فكرة أخرى تعيش الحياة العقلية غير المعمقة، دينية كانت أو غير دينية.
السؤال الثالث: من هو المهدي المنقذ باعتقاد المسلمين؟!...
هو من عترة النبي 9 وذريته، ومن ولد فاطمة ابنته عليها السلام، من ولد الحسين D. هو سمي رسول الله 9، يملأ الأرض قسطا وعدلا كـما ملئت ظلما وجورا. وهذا كله متفق عليه بين المسلمين، ومتواتر عن نبيهم صلى الله عليه وآله.
ويرى المذهب الامامي الإثنا عشري، ان المهدي هو ثاني عشر الأئمة المعصومين G، وهو من ضروريات مذهبهم وعليه تواتر الروايات أيضا، كـما سنذكره مفصلا في الجزء المخصص له من الموسوعة.
كان منذ ولادته مختفيا، وكان له سفراء أربعة بعد وفاة أبيه D إلى نهاية غيبته الصغرى. وبانتهائها بدأت الغيبة الكبرى، حيث لا ظهور إلا بإذن الله عزّ وجلّ. ثم يظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا بتطبيق الاطروحة العادلة الكاملة في دولته العالمية.
السؤال الرابع: لماذا وجدت الغيبة الصغرى؟!...
عرفنا في [تاريخها] وأشرنا في هذا الكتاب إلى أنها وجدت للتمهيد الذهني لوجود الغيبة الكبرى، لان الغيبة الكبرى لو وجدت رأسا، لاندرس اسم المهدي D بالمرة، وبذلك تنقطع حجة الله على عباده، ولا يكون، التمحيص الساري المفعول في التخطيط الثالث منتجا للشرط الثالث من شرائط اليوم الموعود.
السؤال الخامس: لماذا وجدت الغيبة الكبرى؟!...
برهنا في [تاريخ الغيبة الكبرى] بتفصيل على أثر هذه الغيبة في عدة أمور مقترنة، تكون ضرورية لليوم الموعود، أي لتأسيس الدولة العالمية.
أولا: تعميق القيادة المهدوية العالمية من التكامل الذي سميناه بتكامل ما بعد العصمة.
ثانيا: تعميق الفكر الاسلامي بشكل يساعد على استيعاب العمق الضروري في الوعي والقانون والأخلاق، لأجل سيادة العدل الكامل في ربوع البشرية كلها.
ثالثا: إيجاد العدد الكافي من المخلصين الممحصين لغزو العالم بالعدل.
رابعا: اليأس العالمي من الاطروحات التي تدعي حلّ مشاكل البشرية وتذليل مصاعبها. وذلك خلال التجارب والتمحيص الذي تمر به هذه الاطروحات والمبادئ من خلال تطبيقها الطويل.
وبهذا انتهت العناوين العشرة والأسئلة الخمسين، التي استطعنا تغطيتها بالجواب انطلاقا من التخطيط العام، كنماذج من أي سؤال يخطر في الذهن البشري.
وهذا يعني استيعاب هذا البديل الصالح للمادية التاريخية لكل الشؤون البشرية بشكل لم تستطع المادية التاريخية تغطيتها إلا بعد مجموعة من المبررات والاعتذارات والاستثناءات. حتى لم يبق لها ولا تطبيق واحد منطبق على كل شرائطها التي أرادتها.
هذه نهاية الكلام في تطبيقات التخطيط العام من المرحلة الثالثة من القسم الثالث من هذا الكتاب.

مناقشات
حول التخطيط العام
هناك بعض المناقشات التي قد تورد على التخطيط [البشري] العام ككل، منها ما هو منطلق من زاوية قرآنية، ومنها ما هو منطلق من زوايا أخرى. نود أن نوردها مع محاولة الجواب عليها، لتكون نظرية التخطيط العام متكاملة تماما قبل الانتهاء من هذا الكتاب. وستكون هذه المناقشات هي مسك الختام.
ولهذه المناقشات عدة أسس. فبعضها ذو أساس قرآني، وبعضها ذو أساس من السنة الشريفة، وبعضها ذو أساس من الاتجاهات الحديثة للتفكير. ونحن نبدأ بهذه الأسس تباعا.

الأساس الأول
الأساس القرآني

ويحتوي هذا الأساس على مناقشتين واردتين ضد فكرة التخطيط العام:
المناقشة الأولى: ما دلّ من القرآن على الانحراف إلى يوم القيامة. ومعنى ذلك ان الهدف الذي ذكرناه للتخطيط العام - وهو وجود المجتمع المعصوم - غير صحيح. ولا يمكن تحققه مع بقاء الانحراف في العالم.
... هناك آيتان في سورة المائدة تدلان على بقاء اليهود والنصارى إلى يوم القيامة.
الأولى: قوله تعالى:
"وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمْ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ"[[622]].
الثانية: قوله تعالى:
"وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ"[[623]].
ويمكن بيان بقاء الانحراف إلى يوم القيامة، من أحد منطلقات ثلاثة:
المنطلق الأول: المنطلق الاسلامي الذي يقول: بأن اليهود والنصارى معا على غير الحق، فهم كفار ومنحرفون. فيكون بقاؤهم إلى يوم القيامة دالا على بقاء المنحرفـين إلى ذلك الحين.
المنطلق الثاني: بعد الغض عن المنطلق الأول، أن الدين الحق واحد على وجه الأرض، واحد على أي حال، ومعه لا يمكن أن يكون مجموع اليهود والنصارى على حق. بل أما أحدهما على باطل أو كلاهما. فبقاؤهما معا إلى يوم القيامة - كـما هو مقتضى الجمع بين دلالتي الآيتين - يقتضي الالتزام ببقاء دين غير محق إلى يوم القيامة.
المنطلق الثالث: بعد الغض عن المنطلقين الأولين، بمعنى احتمال أن يكون كلا هذين الدينين على حق - جدلا -. لكن القرآن يتحدث عن أناس أشرار مع أتباع هذين الدينين، وإن لم يمثلوا مجموع المتدينين منهم... ويقول - بظاهره -: ان هؤلاء الأشرار باقون إلى يوم القيامة.
وعلى كل تقدير، لا يمكن ان يتحقق المجتمع المعصوم، مع بقاء الانحراف. فإذا كان هذا المجتمع غير قابل للتحقق، بقي التخطيط العام بلا هدف، فيكون لاغيا والالتزام به باطلا.
ويتركز هذا الإشكال مع الالتفات إلى العداوة والبغضاء التى تكون مستعرة بينهم، فانها تكون منافية للمجتمع المعصوم الذي تسوده الأخوة والاطمئنان. إلا ان هذه المناقشة لا تصح لعدة وجوه:
الوجه الأول: إن النتيجة المشار إليها في الآية، وهي وجود البغضاء والعداوة إلى يوم القيامة، منوط في القرآن بقضايا معينة... ولا يمكن ان تدوم هذه النتيجة بعد زوال هذه القضايا.
فبالنسبة إلى النصارى أنيطت النتيجة لهم بكونهم قد نسوا حظا مما ذكروا به. وبالنسبة إلى اليهود أنيطت النتيجة بكونهم معتقدين بأن يد الله سبحانه مغلولة، غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا.
فلو حدثت الظروف الملائمة التي رفعت هذه القضايا، فجعلت النصارى يتذكرون ما ذكروا به وعلى استعداد لتطبيقه في عالم الحياة... وجعلت اليهود يرفعون أيديهم عن الاعتقاد بالقضايا الباطلة والعقائد المنحرفة. إذن ترتفع تلك النتيجة بالضرورة. ومعه لا يبقى دلالة في الآيتين على بقائهم إلى يوم القيامة.
فان قال قائل: ان ظاهر الآيتين، كون تلك النتيجة عقوبة لليهود والنصارى ومعه ففي الإمكان بقاؤهما إلى ما بعد زوال الذنوب.
أقول: هذا صحيح بالنسبة إلى جيل واحد، من حيث ان أفراده المذنبين يعاقبون إلى آخر حياتهم. وأما بقاء العقوبة إلى الأجيال الأخرى غير المذنبة... فهذا خلاف العدل الالهي. وقد قال الله تعالى في القرآن: "وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" أي لا تتحمل نفس جريرة نفس أخرى، فكيف بجيل كامل أو عدة أجيال تكون متأخرة عن الأجيال المذنبة، تكون خالية عن الذنب، فكيف تتحمل العقوبة؟...
إذن - فبالضرورة - تكون هذه العقوبة، منوطة بالأجيال المذنبة نفسها ولا يمكن أن تتعداها، فإذا وجدت أجيال خالية عن الذنوب، كانت هذه النتيجة مرتفعة عنها حتما.
فإذا استطاع التخطيط العام - وهو فاعل ذلك جزما - أن يوجد الظروف الملائمة لارتفاع تلك القضايا المنحرفة، كان ذلك سببا لارتفاع تلك النتيجة لا محالة.
فان قال القائل: فان الآية ظاهرة ببقاء الأجيال المذنبة إلى يوم القيامة، فتكون النتيجة مساوقة معها باستمرار.
قلنا: هذه مكابرة في الاستدلال، فان الآية دالة على بقاء النتيجة لا على بقاء الذنب، كـما هو واضح لمن قرأها، نعم، هي دالة - بمقدار ما - على أن الذنب الموقت كافٍ لبقاء العقوبة إلى يوم القيامة. إلا ان هذا الظهور بالخصوص لا بد من رفع اليد عنه. للعلم بكونه على خلاف العدل الالهي، ومنافاته لنص تلك الآية التي ذكرناها، والقرآن يكون بعضه مفسرا لبعض ودليلا على تحديد المراد منه.
الوجه الثاني - لجواب المناقشة -: إن كل وصف منوط - لا محالة - بوجود الموصوف، ولا معنى لبقاء الوصف بعد ارتفاع الموصوف، فمثلا لا معنى لبقاء دماثة خلق هذا الفرد أو شراهته للطعام أو شبابه أو غير ذلك، إلى ما بعد موته. كما لا معنى لبقاء رائحة الورد بعد موته، أو نتن الجيفة بعد جفافها... وهكذا...
فكذلك الحال بالنسبة إلى اليهود والنصارى، فان العداوة والبغضاء، بصفتها وصفا لهم من الزاوية الاجتماعية، منوطة ببقائهم لا محالة. فإذا تحول الجميع عن أديانهم واتبعوا [الاطروحة العادلة الكاملة] واندكوا في تعاليم الدولة العالمية... لم يبق اليهود يهودا ولا النصارى نصارى، بل سوف توجد أجيال جديدة متبعة للحق وحده. ومعه لا معنى لبقاء صفتهم... فان الآيات واضحة في كونها صفات لهم بما هم يهود ونصارى، لا لأجيالهم كيف كان حالهم.
الوجه الثالث: اننا لو تنزلنا عن الوجهين السابقين، وفرضنا - جدلا - بقاء اليهود والنصارى مع عداواتهم إلى يوم القيامة... إلا أن هذا لا ينافي وجود المجتمع المعصوم الذي برهنا على وجوده. وذلك انطلاقا من أحد مستويين.
المستوى الأول: لنتذكر ما قلناه من [الصبغة العامة] للمجتمع. فلئن فرضنا - جدلا - أن التربية المركزة والمستمرة في الدولة العالمية عاجزة عن صهر كل الأفراد في العالم في بوتقة الحق والعدل. فلا أقل من إنجازها ذلك بالنسبة إلى غالب الناس بحيث يبقى أفراد أو مجتمعات قليلة غير ملفتة للنظر، تحتوي على الكفر والانحراف والعداوات.
ومع افتراض دلالة هاتين الآيتين على بقاء اليهود والنصارى إلى يوم القيامة، بعد التنزل عن الوجهين السابقين... لا بد من الالتزام ببقائهم على نطاق ضيق جدا، لا ينافي وجود [الصبغة العامة] في البشر إلى جانب الحق والعدل... وبالتالي إلى جانب الاتصاف بالعصمة.
المستوى الثاني: انه يمكن أن نطرح [اطروحة] محتملة موافقة لبعض ظواهر الكتاب والسنة، وان كانت مخالفة لظواهر أخرى على ما سنرى.
ومضمونها: عدم المنافاة بين وجود اليهود والنصارى بالخصوص[[624]]، وبين وجود المجتمع المعصوم، بمعنى أنهم يكونون معصومين مع التزامهم بأديانهم أنفسها كما ان المسلمين سيصبحون معصومين بصفتهم مسلمين.
ويدل على ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى:
"قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ..."[[625]].
وقوله تعالى:
"إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلاَ تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ"[[626]].
وقوله تعالى:
"وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ"[[627]].
إذن، فأحكام التوراة والانجيل المنزلة من قبل الله تعالى، تتصف بما تتصف به الاطروحه العادلة الكاملة، من صفة العدل، وصفة عدم جواز التخلف عن تطبيقها إلى الآن، واعتبار ذلك كفرا وفسقا... وصفة انها منتجة للرفاه الاجتماعي العام "لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ"[[628]].
وقد نشأ ضلال اليهود والنصارى، لا باعتبار اتصافهم بهذين الاسمين أو من اتباعهم للنبيين موسى وعيسى عليهما السلام. وإنما نشأ ضلالهم من أمرين مقترنيين:
الأمر الأول: عدم إيمانهم بصدق نبي الاسلام 9 الأمر الذي أقام عليه القرآن كل حجة واضحة...
"... وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا..."[[629]].
الأمر الثاني: عدم تطبيقهم لأحكام أديانهم الواقعية، وإنما حرفوها وعصوها.
"يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ..."[[630]].
فهم - بحسب منطوق الاطروحة - مكلفون بالايمان بصدق رسول الاسلام 9 عقائديا إلى جنب صدق أنبيائهم. وأما من الناحية السلوكية أو القانونية، فهم يمكنهم ان يطبقوا أحكام أنبيائهم، والمراد بها الأحكام الواقعية المنزلة عليهم من ربهم، لا الأحكام المحرفة المعترف بها لديهم عادة.
ومن طبق هذين الأمرين فهو على حق، قال الله تعالى:
" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ"[[631]].
وبدون ذلك، فانهم من أشد الناس فسادا...
"سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ..."[[632]].
"كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [79] تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ"[[633]].
وعندئذ يكون حراما على المسلمين مصادقتهم وموالاتهم:
"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"[[634]].
ولكن مما يؤسف له ان كل اليهود والنصارى في عالم اليوم، هم من القسم المنحرف، لما عرفناه تفصيلا من عوامل التحريف في دينهم وكتبهم، إلى حد لم يبق منها شيء يذكر.
والسر في هذه [الاطروحة] المستفادة من هذه الآيات، هو وحدة الدعوة الدينية الالهية في خط الأنبياء. فاتباع كل من هؤلاء الأنبياء الصالحين وتطبيق تعاليمهم يكون مجزيا منتجا للعدل وموجبا لرضاء الله ونيل الثواب.
إلا ان هذا حكم خاص باليهود والنصارى والصابئة باعتبار أهمية أديانهم في خط الأنبياء... حيث يكون لهم تطبيق أحكامهم أو أحكام الاسلام. كـما ان الحاكم الاسلامي، النبي 9 أو غيره، مخـير في ان يطبق عليهم أحكامهم أو أحكام الاسلام، كـما يفتي به الفقهاء عادة، مستفادا من قوله تعالى:
"... فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ..."[[635]].
واما غير هؤلاء، فيتعين عليهم إتباع أحكام الاسلام، بما فيهم المشركـين والملحدين والثنوية وغيرهم.
والفهم الكلاسيكي للآيات السابقة التي تأمر باقامة التوراة والانجيل، تطبيقها من زاوية تبشيرها بنبوة نبي الاسلام 9، فيكون ذلك مستبطنا أمرهم بالدخول في الاسلام، من دون ان يكون لهم أي خيار.
وفي هذا - بلا شك - تضييق للمفهوم الذي يستفاد من القرآن، فان معنى إقامة التوراة والانجيل إقامتها بكل تفاصيلها. وخاصة مع قوله تعالى: "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ" مطبقا على حكم التوراة. وقوله تعالى: "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ" مطبقا على حكم الانجيل.
إلا اننا قد نضطر إلى هذا التضييق الكلاسيكي إذا لم تتم الاطروحة التي عرضناها وكانت الأدلة ضدها صحيحة وناجزة. إذ ينحصر معنى إقامة التوراة والانجيل حينئذ، بالأخذ بتبشيرها بالاسلام بالخصوص.
وقد انعكست هذه الاطروحة المستفادة من القرآن الكريم على السنة الشريفة كقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب D - فيما روي عنه -:
"لو ثنيث لي الوسادة، لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الانجيل بأنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم"[[636]].
والحكم بهذه الأحكام يعني تطبيق هذه الاطروحة بكل وضوح.
وكذلك ما دلت على ان المهدي D سوف يطبق في دولته هذه الاطروحة نفسها، كالحديث الذي أخرجه النعماني في [الغيبة][[637]]، عن الامام الباقر عليه السلام، يقول فيه عن المهدي D :
"ويستخرج التوراة وسائر كتب الله عزّ وجلّ من غار أنطاكية، ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة وبين أهل الانجيل بالانجيل وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن..." الحديث.
ولا ينافي ذلك ما أخرجه البخاري[[638]]، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله 9:
"والذي نفسي بيده، ليوشكّن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير".
فان استعمال الصليب وأكل لحم الخنزير، ليست من المسيحية الأصلية، وإنما هي من الأمور المنحرفة المحدثة في الأزمنة اللاحقة لها... وسوف تزول بارجاعهم إلى واقع دينهم كما نزل به نبيهم. ولعل الفائدة الرئيسية لنزول عيسى بن مريم D في تلك الدولة العالمية هو ارجاعهم إلى أحكامهم الواقعية، مع التركيز على صدق نبي الاسلام أيضا، فيجتمع كلا الأمرين اللذين ذكرناهما للمسيحيين في الدولة العالمية. ولا بد انهما يجتمعان - بشكل وآخر - لليهود والصابئة أيضا. لكي يعيش هؤلاء على طبقهما، وتستمر تربيتهم على أساسها.
فان قال قائل: إن قوله تعالى:
"وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ..."[[639]].
دال على حذف حكم الشريعتين الموسوية والعيسوية تماما، وكل شريعة أخرى، واختصاص الحكم بالاسلام.
قلنا: تدل هذه الآية على هيمنة الاسلام على تينك الشريعتين. وهذا صحيح. ويكفي فيه ان تكون الكثرة الكاثرة في المجتمع مسلمة، ويكون الحكم إسلاميا بكل تفاصيله. وهذا لا ينافي ان يكون تطبيق هؤلاء لأحكام دينهم بشكل شخصي مجزيا وكافيا لهم في تطبيق العدل وإنجاز التخطيط. وخاصة مع الالتفات إلى تتمة هذه الآية:
"... لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ..."[[640]].
والابتلاء هو الاختبار والتمحيص.
فان قال قائل: إن قوله تعالى:
"وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ..."[[641]].
يدل على انحصار الشريعة بالاسلام بشكل لا يعوض عنه شيء.
قلنا: هذا الاستدلال يحتوي على جهل بمعنى الاطروحة التي ذكرناها والأمرين اللذين أشرنا إليهما. فان اليهود والنصارى، إن طبقوا كلا الأمرين كانوا بحكم المسلمين فعلا... أما من الناحية العقائدية، فلإيمانهم بصدق نبي الاسلام. واما من الناحية السلوكية، فلان دين الاسلام أجازهم باتباع دينهم، على ما هو المفروض في هذه الاطروحة المستفادة من القرآن الكريم.
وخاصة إذا إلتفتنا إلى الآية السابقة على هذه الآية الأخيرة التي ذكرها السائل، وهي قوله تعالى:
"قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"[[642]].
حيث دلت على وحدة خط الأنبياء وصدقهم جميعا، الأمر الذي انطلقت منه هذه الاطروحة.
فإذا صدقت هذه الاطروحة، لا يكون وجود اليهود والنصارى منافيا مع وجود المجتمع المعصوم، بل انهم سوف ينالون العصمة بصفتهم يهودا ونصارى، كما سينالها المسلمون بصفتهم مسلمين. وبذلك يتم المستوى الثاني من الجواب الثالث على المناقشة الأولى للتخطيط العام.
إلا ان هناك من الأدلة ما يصلح لنفي هذه الاطروحة، مما يضطرنا إلى ان نفهم من إقامة التوراة والانجيل خصوص التبشير بوجود الاسلام، طبقا للفهم الكلاسيكي الذي أشرنا إليه، وتكون كل الخصائص الأخرى التي استعرضناها، مختصه بذلك أيضا. وتطبيق المهدي D للتوراة والانجيل لا يعني أكثر من ذلك أيضا.
ونذكر من هذه الأدلة ما يلي:
الدليل الأول: ان الديانتين اليهودية والمسيحية في مفهوم الاسلام والقرآن، وطبقا للتخطيط العام الذي عرفناه، تعتبر ديانات مرحلية تتكفل تربية البشرية لحقبة معينة من الزمن، وقد انقضت تلك الحقبة. ولا يمكن للمناهج المرحلية ان تربي الفرد أو المجتمع على العدل الكامل... ولا ان توصله إلى درجة العصمة المطلوبة المستهدفة للبشرية.
وأما وحدة خط الأنبياء، فهو أمر صحيح تماما، ويمثل وحدة التخطيط العام الذي ساروا عليه والدعوة الالهية التي دعوا إليها. إلا انها وحدة عقائدية وليست وحدة في الأحكام، كما تفترض هذه [الاطروحة]. ومعه فتنحصر الأحكام بأحكام الاسلام، ما لم توجد مصلحة استثنائية لاقرار بعض الأجيال من اليهود والنصارى على أحكام دينهم موقتا، ريثما يندمجون في العدل الكامل... كـما ربما يكون هو المقصود من إقامة الانجيل والتوراة من قبل المهدي D.
الدليل الثاني: الآيات الدالة على وجوب تطبيق أحكام الاسلام والشاملة لليهود والنصارى، كقوله تعالى:
"قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [31] قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ"[[643]].
إلى غيرها من الآيات.
وقد أناطت حبّ الله تعالى بالاتباع، ونصت على ان عصيانه موجب للكفر... وليس مضمون الاتباع والاطاعة إلا تطبيق الأحكام. وليس مؤداها عقائديا محضا كـما هو واضح.
مضافا إلى ان هذه الاطروحة لا تنفع في ما هو المقصود، وهو الجواب على المناقشة الأولى، وذلك انطلاقا من أمرين:
الأمر الأول: ان الآيتين نفسيهما التي استدللنا بهما على المناقشة لا تنسجمان مع هذه الاطروحة. حيث دلتا - بعد التنزل عن الأجوبة الأخرى - على بقاء العداوة والبغضاء بين اليهود والنصارى إلى يوم القيامة. ومعنى ذلك عدم وصولهم إلى العصمة، للمنافاة الواضحة بين العداوة والبغضاء وبينها. فما اقترحته الاطروحة من وصولهم إلى العصمة حال كونهم يهودا ونصارى... كأنه غير محتمل.
الأمر الثاني: الوضوح الاسلامي المؤيد بالنسبة المستفيضة التي ذكرناها في [تاريخ ما بعد الظهور] بأن المهدي D سوف يطبق الاسلام وتزول كل الملل والأديان، ولا يبقى على وجه الأرض إلا الاسلام.
وهذا هو المطابق للتخطيط العام بالضرورة، والمطابق مع طبائع الأشياء التي عرفناها للدولة العالمية. فمن غير المحتمل ان التربية المركزة والطويلة فيها، تكون فاشلة في تحويل البشرية إلى الاسلام. كيف وهي تستهدف عصمة البشر، فكيف بمجرد اعتناق الاسلام الذي توجد العصمة على أساسه.
وببطلان هذه الاطروحة يبطل المستوى الثاني للجواب الثالث عن المناقشة الأولى التي نحن بصددها على التخطيط العام. ويبقى الجواب عن هذه المناقشة متوفرا في الأجوبة الأخرى والمستوى الأول من الجواب الثالث.
وقد عرفنا - ضمنا - ان إقامة التوراة والانجيل، وما تستتبعها من الخصائص، تحتمل أحد معان:
المعنى الأول: وجوب الدخول في الاسلام نفسه، بصفته الدين الذي بشر به هذان الكتابان المقدسان في واقعهما غير المحرف.
المعنى الثاني: إمضاء التعاليم الواقعية لليهود والنصارى، على أحد مستويين:
المستوى الأول: ما كان عليه بعض أهل الكتاب في عصر صدر الاسلام، من حيث ان المستفاد من بعض الآيات وجود أحكامهم وكتبهم الواقعية لديهم يومئذ. كقوله تعالى:
"وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ..."[[644]].
فهم يُقرّون عليها موقتا ريثما تدخل أجيالهم في الاسلام، تدريجا.
المستوى الثاني: ما سيكون عليه حال أهل الكتاب في أول تأسيس الدولة الاسلامية، من حيث انه ستتضح لهم أحكامهم الواقعية، كـما تدل عليه الروايات، فيسمح لمن أراد ان يعمل عليها، ان يعمل مع التزامه بصدق نبي الاسلام 9 عقائديا... ريثما تدخل أجيالهم في الاسلام وانسجامهم مع العدل الكامل تدريجا. ومعه يكون الأمران اللذان أشرنا إليهما فيما سبق مجتمعين، لكن بشكل مرحلي موقت غير مؤبد. وهو - ولا شك - مُنتهٍ قبل وجود صفة العصمة بزمن غير قليل تحت التربية المركزة المستمرة للدولة العالمية.
المعنى الثالث: ما عليه الفقهاء المسلمون خلال عصورنا: عصر التخطيط الثالث، من إقرار أهل الكتاب على أحكامهم بالشكل يؤمنون بها وطقوسهم التي يقيمونها، إلى جنب تطبيق أحكام الاسلام، لو وفق بعض المسلمين إلى ذلك خلال هذا العصر.
وكل هذه المعاني صحيحة، من زاوية اختلاف العصور، وتعدد جهات النظر.
الوجه الرابع: للجواب عن المناقشة الأولى: اننا لو غضضنا النظر عن الأجوبة الثلاثة السابقة. وفرضنا - جدلا - ان اليهود والنصارى مع ما يقع بينهم من عداوات، باقون إلى يوم القيامة، بشكل ينافي مع وجود المجتمع البشري المعصوم.
فكل ما تستلزم هذه الفكرة: الالتزام بعدم وجود المجتمع المعصوم، ومن ثم فهو ليس هدفا للتخطيط العام. لكن لا يستلزم ذلك بطلان التخطيط العام وكونه لاغيا، كـما تخيل صاحب المناقشة. بل يبقى للتخطيط العام هدفه المهم الكبير وهو تأسيس الدولة العالمية. وهو هدف يعلو بخصائصه على الهدف الأعلى الماركسي على ما عرفنا. كل ما في الأمر انه يفترض وقوف البشرية عند هذا الحد، ووجود الموانع عن وجود الخطوة التي بعدها المتمثلة بوجود المجتمع المعصوم.
هذا، ولكن الالتزام بهذا الجواب الرابع جدلي، وليس واقعيا، بعد إقامة الدليل الكامل، على وجود المجتمع المعصوم فـما بعده.
***
المناقشة الثانية: المنطلقة من الأساس القرآني.
يدل ظاهر القرآن الكريم على قلة المؤمنين عموما، في الدنيا والآخرة. وهو يدل على عدم وجود المجتمع المعصوم... إذ لو كان هذا المجتمع موجودا، وخاصة بالشكل المتطاول الذي فهمناه، لكان المؤمنون كثيرين.
وما يدل على ذلك من القرآن الكريم، على قسمين:
القسم الأول: الآيات الدالة على قلة المؤمنين في الدنيا. وهي قوله تعالى:
"... وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ"[[645]].
وقوله تعالى:
"... إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ..."[[646]].
القسم الثاني: ما دلّ على قلة المؤمنين في الآخرة. وهي قوله تعالى:
"وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [10] أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [11] فِي جَنَّاتِ النَّعِيم ِ[12] ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ [13] وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ"[[647]].
وكذلك قوله تعالى - بعد ذلك بقليل -:
"وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ [27] فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ [28] وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ".
إلى ان يقول:
"إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً [35] فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا [36] عُرُبًا أَتْرَابًا [37] لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ [38] ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ [39] وَثُلَّةٌ مِنْ الآخِرِينَ"[[648]].
ونتكلم عن كل قسم في ناحية:
الناحية الأولى: في الآيات الدالة على قلة المؤمنين في الدنيا. وقد سمعناها.
وهي ان كانت دالة على قلتهم في كل أجيال البشرية، كانت المناقشة صحيحة. إلا ان الأمر ليس كذلك. فان هذه الآيات التي ذكرناها واردة في سياق معين يجعلها محددة بحدوده لا محالة. ولا معنى للاستدلال بالفقرة من دون السياق العام، لوضوح أنه يلقي الضوء الكافي على المراد من الآيات.
وكلا الفقرتين واردتين - على ما سنرى - حول المجتمع اليهودي في الفترة ما بين خروجهم من مصر والسبي البابلي، أي أبّان حكمهم في فلسطين.
فالفقرة الأولى: وردت ضمن الحديث عن النبي سليمان D أبّان حكمه... حيث تعطي الصفات الرئيسية له، وتقول:
"وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ...".
إلى ان قال عزّ وجلّ:
"يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ"[[649]].
والفقرة الثانية وردت ضمن الحديث عن الخصمين اللذين تسورا المحراب على داود عليه السلام. فانه قال بعد ان سمع كلام المعتدى عليه:
"قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ..."[[650]].
ونحن لو نظرنا إلى المستوى الايماني لشعب هذين النبيين عليهما السلام، فضلا عن مجموع البشرية في ذلك العصر، وقد سبق ان حملنا عنه فكرة تفصيلية من خلال الحديث عن التخطيط الثاني، لو نظرنا إلى ذلك، لوجدنا الآيتين صادقتين تماما في ذلك العصر، فان من يؤدي الشكر الكامل لله عزّ وجلّ، ومن يعمل العمل الصالح المطلوب، كان في غاية الندرة، ولا زال كذلك إلى العصر الحاضر.
إذن، فالآيتان خاصتان بذلك العصر، أو قل بعصر الانحراف، وغير شاملتين لمجموع البشرية، لتكونا نافيتين للمجتمع المعصوم ودالتين على عدمه.
الناحية الثانية: في الآيات الدالة على قلة المؤمنين في الآخرة، وقد سمعناها.
ولا بد قبل الاستدلال بها، ان نتأكد من معناها. فان المراد بالسابقين قد يكون هو السبق إلى الايمان بالنبي 9 قبل الآخرين، كـما فهمه الشيخ الطوسي[[651]]، فجرى مجرى قوله تعالى:
"وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ..."[[652]].
وقد يكون المراد به: المتقدمون إلى ثواب الله وجنته بالأعمال الصالحة، كـما فهمه الأصفهاني في مفرداته[[653]]. والثلة: الجماعة[[654]].
وأما [الأولين] و[الآخرين] بالكسر... فهما مفهومان نسبيان، لا يكون لهما مفهوم محدد، لو لاحظناهما باستقلالهما، لمدى ترامي الأجيال البشرية وطولها. غير الظاهر جعل عصر نزول القرآن الكريم - بصفته هو المتحدث - محكا في ذلك. فالسابقون عليه هم [الأولين]، والمعاصرون له ومن بعدهم هم [الآخرين]. ولا يوجد احتمال معقول في إرادة أي معنى آخر.
فإذا إلتفتنا إلى هذه المعاني... أمكننا ان نلتفت إلى الآية الأولى تارة، والى الآية الثانية، تارة أخرى...
الآية الأولى: وهي قوله تعالى:
"وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [10] أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [11] فِي جَنَّاتِ النَّعِيم ِ[12] ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ [13] وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ"[[655]].
وقدسمعنا لها قبل قليل فهمين:
الفهم الأول: ما فهمه الشيخ الطوسي من المراد بالسابقين: السابقون إلى الايمان بالاسلام، إذ نسمعه يقول: إنما قال ذلك، لان الذين سبقوا إلى إجابة النبي 9 قليل من كثير ممن سبق إلى النبيين[[656]].
وهذا الفهم يجعل الآية غير مربوطة بالاستدلال، من حيث انها تتعرض إلى من آمن بالأنبياء من معاصريهم، وليس لها أي شمول للمؤمنين في البشرية بشكل عام. فلا تكون دالة على قلة المؤمنين في مجموع البشرية، ليكون للمناقشة مجال.
الفهم الثاني: ما فهمه الراغب الأصفهاني، من ان المراد بالسابقين: المتقدمون على غيرهم بالايمان والأعمال الصالحة. ومعه فلعل الآية دالة على قلة هؤلاء السابقين بالنسبة إلى غيرهم، فيكون للمناقشة مجال.
وحينئذ، فلا بد ان ننظر إلى مفهومي [الأولين] و[الآخرين] في الآية، هل يشملان مجموع البشرية من أولها إلى آخرها، بشكل يشمل المجتمع المعصوم أو لا؟.
لا شك أنه لا ينبغي ان يشمل العهد البشري الأول، أعني عصر ما قبل الوعي والتفكير. وذلك لسببين:
أولا: لكون ذلك العهد دون المستوى الذي يمكن التحدث عنه، باعتبار عدم قابلية الشعور بالمسؤولية لديه، مما يجعل ظهور الآية منصرفا عنه.
ثانيا: لكونه مغرقا في القدم، بحيث يكون التعرض له غير مناسب مع مستوى التفكير العام في العصر الذي نزل فيه القرآن الكريم. فيكون مخالفا مع قانون [كلم الناس على قدر عقولهم] الضروري دائما في النصوص الاسلامية.
إذن، فأقصى ما يمكن الوصول إليه من ناحية الماضي، في مدلول الآية، هو أول عهد التفكـير إلى مبدأ عصر الاسلام.
وأما من ناحية المستقبل، فالذي يبدو اننا لا نستطيع ان نتوسع كثيرا أيضا. لان ذلك على خلاف القانون المشار إليه أيضا. فلا أقل من استثناء المجتمع المعصوم الذي يعتبر بالنسبة إلى معاصري الرسول 9 ومستوى الفكر السائد لديهم، مغرقا في البعد، بحيث لا يمكن ان يدركوه بوضوح، فيكون ظهور الآية منصرفا عنه أيضا.
وإذا لم تكن دلالة الآية شاملة للمجتمع المعصوم، كانت المناقشة بدون موضوع أيضا. لان مفهوم الأولين والآخرين يبدأ منذ عصر التفكير وينتهي قبل تأسيس المجتمع المعصوم، ويتوسطها عصر نزول الاسلام. وهذا المفهوم منعزل عن المجتمع المعصوم، فلا يكون نافيا لوجوده.
فان قال قائل: ان عصر الدولة العالمية السابق على المجتمع المعصوم يكون مشمولا للآية، في قوله تعالى: "وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ". فيكون معناه ان السابقين إلى الأعمال الصالحة قليل في ذلك المجتمع.
وجواب ذلك: اننا بعد ان فهمنا من مفهوم [الآخرين]: منذ أول عصر الاسلام إلى آخر عصر الدولة العالمية، وهما عصرا التخطيط الثالث والرابع، فقد تكون النسبة في المجموع هي قلة السابقين إلى الايمان. وذلك بعد الالتفات إلى أمرين:
الأمر الأول: ان عصر الدولة الاسلامية بالنسبة إلى عصر المجتمع المعصوم، صغير جدا، فان التربية المركزة للدولة العالمية، قابلة للوصول بالبشرية إلى مجتمع العصمة بسرعة نسبية، وقد سبق في [تاريخ ما بعد الظهور][[657]]، ان حددنـاه بسبعة قرون.
الأمر الثاني: ان التربية المركزة في الدولة العالمية، لا تنتج ثمارها الكاملة من أول يوم، بل يحتاج إلى فترة من الزمن، لكي تصل البشرية إلى وجود الأكثرية الصالحة بين ربوعها.
فإذا تمّ هذان الأمران، كان من يوجد من [السابقين] في مجموع عصر [الفتن والانحراف] السابق على تأسيس الدولة العالمية، وأول عصر تأسيسها... قليلا بطبيعة الحال. ويكون ذلك كافيا في صدق الآية الكريمة.
مضافا إلى: ان مفهوم [السابقين] مفهوم نسبي يتضمن التعبير عن أفضل الأفراد في كل عصر، والأفضل في كل عصر قليل نسبيا لا محالة. صحيح، ان أي فرد في شعب الدولة العالمية يعادل الصالحين في العصر السابق عليه، إلا أن أفضلهم بالنسبة إلى عامتهم قليل أيضا، بطبيعة الحال.
فان قال قائل: بأن نسبة الأفاضل في الأولين أيضا قليل بالنسبة إلى عامتهم، مع ان ظاهر الآية كون النسبة في [الأولين] أعلى منها في [الآخرين] حيث قال عزّ وعلا: "ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ, وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ".
قلنا: ينبغي ان نتذكر ان ظاهر الآية جعل عصر وجود الاسلام ونزول القرآن، هو الحد الفاصل بين مفهوم الأولين ومفهوم الآخرين. ومن المعلوم دينيا ان العصرالسابق عليه يحتوي على أنبياء كثيرين وتربية مهمة... الأمر الذي يجعل نسبة السابقين إلى الأعمال الصالحة نسبة عالية بمقدار ما.
وأما عصر ما بعد الاسلام، فهو شامل لعصر [الفتن والانحراف] إلى جنب شموله لعصر الدولة العالمية، كـما سبق أن أشرنا في الأمرين السابقين. وبشموله لعصر الفتن يكون السابقون بالنسبة إلى مجموع البشر في عصري التخطيط الثالث والرابع، أقل من نسبتهم في العصر السابق على الاسلام، عصر التخطيط الثاني. فيصدق قوله تعالى: "ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ, وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ".
مضافا إلى أن هذه الاستفادة، وهي ان [الثلة] أكثر نسبيا من الفقرة التي تليها... غير صحيحة. بل ان احتمال العكس احتمال قائم، وهو ان تكون نسبة الثلة أقل من الفقرة التي تليها. ومعه فلا يبقى مجال لهذا الحديث.
إذن، فالآية الأولى، لا يمكن الاستدلال بها للمناقشة في وجود المجتمع المعصوم.
وأما الآية الثانية، وهي قوله تعالى: "وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ..." إلى قوله: " ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ, وَثُلَّةٌ مِنْ الآخِرِينَ"، فالجواب فيها هو نفسه الجواب في الآية الأولى، بشكل أوضح وأولى، على ما سنرى.
فان مفهوم الأولين والآخرين المستعمل فيها محدد أيضا بما بعد وجود مجتمع الوعي والتفكير، وما قبل المجتمع المعصوم، لنفس الدليل الذي ذكرناه، فلا تكون الآية دليلا على عدم وجوده.
مضافا إلى إمكان الجواب من ناحية أخرى تكون بها أوضح من الآية الأولى، وهي: ان الآية الأولى قالت: "وقليل من الآخرين" على حين قالت الآية الثانية: "وثلة من الآخرين" والثلة الجماعة كما عرفنا، والجماعة لا تتحدد بمقدار معين. فحتى لو كانت جماعة المتأخرين أضعاف جماعة الأولـين، يصدق أيضا قوله: "ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ, وَثُلَّةٌ مِنْ الآخِرِينَ".
فان قال قائل: الآية واضحة في أن جماعة من المتأخرين، مهما كبرت، هي الصالحة التي تدخل الجنة، لا جميع المتأخرين.
قلنا: نعم، وهو واضح بعد الذي أوضحناه من شمول الآية لعصر التخطيطين الثالث والرابع. ولا شك ان عددا مهما من الأفراد في عصر التخطيط الثالث، بل أكثرهم لا يدخل الجنة.
فان قال قائل: ان مجموع الآيتين دال على نسبة الداخلين إلى الجنة في مجموع البشر نسبة ضئيلة إلى حد ما كالجماعة بالنسبة إلى المجتمع. وهذا مخالف لما قلناه من ان العصر اللاحق لتأسيس الدولة العالمية إلى نهاية البشرية يعدل أضعاف العصر السابق عليه. لانه عندئذ يكون الداخلون إلى الجنان أكثر بكثير من نصف البشرية. وهو مما ينفيه ظاهر الآية.
وجوابنا على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: إن مجموع مفهومي [الأولين] و[الآخرين] في الآية، يشمل عصور التخطيط الثاني والثالث والرابع فقط. ومعه فقد تكون نسبة الصالحين إلى غيرهم في هذا المجموع ليست بالكبيرة. وإنما تكون كبيرة جدا بضم المجتمع المعصوم الذي لا يشمله هذان المفهومان.
الوجه الثاني: اننا لو لاحظنا مجموع الصالحـين الذين ذكرتهم الآيات، لا نجد نسبتهم أقل من النصف بأي حال، فان المقربين هم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، وأصحاب اليمين هم ثلة من الأولين وثلة من الآخرين. فإذا فهمنا من الثلة: الجماعة بمعناها الواسع، كان مجموع الصالحين الذين تذكرهم الآية كبيرا جدا.
الوجه الثالث: إنه لا دليل على أن الآيات تعرضت إلى مجموع من يدخل الجنة. بحيث لا يوجد مؤمن آخر. كل ما في الموضوع انها تعرضت إلى ثواب [المقربين] وثواب [أصحاب اليمين]... ولا دليل على إنحصار المؤمنين بهؤلاء.
بل يمكن إضافة قسمين آخرين - على الأقل - إلى هذين القسمين. وبضمهما تكون نسبة المؤمنين كبيرة، كـما هو المتوقع والملائم مع التخطيط العام.
وهذان القسمان الاضافيان، هما كما يلي:
القسم الأول: المؤمنون الذين يكونون أكبر إيمانا من المقربين، ويكون جزاؤهم أعلى من جزاء المقربين. حتى ان الجنة لا تكفي لجزائهم. بل سيكون جزاؤهم روحيا معنويا عاليا جدا، مقترنا بمشاركات كونية ضخمة.
ولعل هذا هو الشأن في عدد من الرسل والصالحين، وفي [مجتمع ما بعد العصمة] وعدد من أفراد المجتمع المعصوم أيضا. وهذا المجموع ليس بالقليل أبدا.
القسم الثاني: من يكون أقل إيمانا من [أصحاب اليمين]. وصفتهم المهمة أنهم غير مستحقين للثواب وإن كانوا غير مستحقين للعقاب. وإنما يدخلون الجنة برحمة من الله عزّ وجلّ محضا، أو لا يدخلون الجنة أصلا، وإنما يجعلهم الله في مكان ثالث أقل من الجنة وأفضل من النار على أي حال.
فإذا فهمنا من المؤمنين، من لا يكون مستحقا للعقاب أو لا يعد من المذنبين، كان هذا القسم شاملا لجماعات كثيرة منهم: من أوجبت سيئاتهم إحباط حسناتهم. وقد غفر الله لهم السيئات، فلم تبق لهم حسنات ولا سيئات. ومنهم: من مات بعد الايمان مباشرة من دون عمل سيء ولا حسن. ومنهم: من مات طفلا أو مجنونا، ونحوه، ممن لا يكون على مستوى الشعور بالمسؤولية أساسا.
ومما لا شك فيه ان هذه الأقسام الأربعة شاملة للنسبة الأكبر للبشرية. وإن كان الباقي أيضا كثيرا جدا يصدق فيه قول الله جلّ وعلا: "قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ [84] لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ"[[658]].
فهذه هي المناقشات القائمة على الأساس القرآني. وقد وجدنا كلها غير صالحة للتأثير على نظرية التخطيط العام أو هدفه الأعلى.

الأساس الثاني
السنة الشريفة
وهو أيضا يحتوي على مناقشتين:
المناقشة الأولى: ما دلّ من الأخبار على أنه لا خير في العيش بعد المهدي عليه السلام. كالخبر الذي أخرجه الكنجي في [البيان][[659]]، بسنده عن أبي سعيد الخدري، قال: "قال رسول الله 9: أبشركم بالمهدي، يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كـما ملئت ظلما وجورا. إلى ان قال: ثم لا خير في العيش بعده، أو قال: لا خـير في الحياة بعده".
وتنطلق المناقشة من زاوية ان نظام الدولة المهدوية، لو كان يتطور إلى الأفضل، حتى يصل إلى المجتمع المعصوم، فلا يمكن ان يصدق قوله: "ثم لا خـير في العيش بعده". وحيث ان هذه الرواية صرحت بذلك، إذن فنظامها لن يتطور إلى الأفضل، ومن ثم فهو لا يصل إلى المجتمع المعصوم.
إلا ان هذه المناقشة غير صحيحة لوجهين رئيسيين:
الوجه الأول: انه خبر واحد، لا يصلح للاثبات التاريخي باستقلاله. فاننا لو فهمنا منه ما تريده المناقشة يكون معارضا بالادلة التي أقمناها على التخطيط العام من القرآن الكريم - أولا - والدليل [الاستهدافي] - ثانيا -... فيكون ساقطا عن الاثبات بطريق أولى.
الوجه الثاني: انه يمكن أن يصدق قوله: لا خير في العيش بعده، بالرغم من التطور الذي أثبتناه وبرهنا عليه.
فان التطور مهما كان مستمرا، فان فرقا كبيرا بـين شخصية الامام المهدي D وقيادته، وبين شخصية وقيادة من يخلفه بعده، لما يتصف به الامام المهدي D من مميزات ضخمة جدا لا توجد عند أحد من معاصريه، ولا في الأعم الأغلب من الأجيال البشرية، إلى مجتع [ما بعد العصمة] على الأقل.
فسيجد المجتمع فرقا واضحا في القيادة، وأسفا شديدا لموت القائد العظيم، يصدق معه هذا التعبير الوارد في الحديث بكل وضوح. وهذا لا ينافي بقاء التطور والتربية الصالحة طبقا للمناهج التي يضعها القائد المهدي D حتى يصل المجتمع إلى العصمة.
وهذا واضح طبقا لما رجحناه في [تاريخ ما بعد الظهور][[660]]، من أن خلفاء المهدي D هم أولياء صالحون يربيهم المهدي خصيصا، ويوكل إليهم الخلافة بنص خاص... ريثما يصل المجتمع إلى عصر الشورى والانتخاب وهذا هو الذي سرنا عليه في هذا الكتاب أيضا.
واما إذا رجحنا في خلافة المهدي D احتمالات أخرى، سبق أن سمعناها في الكتاب المشار إليه، فقد نضطر في الجواب على المناقشة إلى الاقتصار على الوجه الأول. إلا انها احتمالات غير صحيحة على أي حال.
المناقشة الثانية - المستفادة من السنة الشريفة -: ما دلّ من الأخبار على قصر عمر البشرية وقلة بقائها بعد المهدي D .
فقد ذكر الطبرسي[[661]]: ان أكثر الروايات انه لن يمضي - أي المهدي D - من الدنيا إلا قبل القيامة بأربعين يوما. أقول: ولكن هذه الكثرة لم نجد ما يدل عليها خبرا واحدا أصلا. وإنما يمكن استنتاجها من أحد أمرين مستفادين من الأخبار:
الأمر الأول: ما ورد عن النبي 9 مستفيضا: "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورا" وهو بألفاظ عديدة ومضامين متقاربة.
فقد يستفاد منه ان البشرية لا تعيش بعد المهدي D أكثر من يوم واحد.
الأمر الثاني: ما دلّ من الأخبار على ارتفاع الحجة قبل يوم القيامة بأربعين يوما. وقد أخرجناها في [تاريخ ما بعد الظهور]. وفيها ما هو صحيح السند.
فقد يستفاد منها ان البشرية لا تعيش بعد المهدي أكثر من أربعين يوما. إذاكان المراد بالحجة - في الحديث - شخص المهدي D.
إلا ان كلا الأمرين واضح الفساد:
أما الأمر الأول: فلوضوح أن الخبر المشار إليه يراد منه التأكيد على أهمية ظهور المهدي D وضرورة حدوثه... وليس المراد بقاء يوم واحد من الدنيا بعد ظهوره على وجه الحقيقة. والا كان ظهوره غير منتج لشيء في مصلحة البشرية. ويكفينا من الناحية اللغوية أنه استعمل [لو] الامتناعية التي تعني عدم إمكان تحقق مدخولها، وهو بقاء البشرية يوما واحدا.
وأما الأمر الثاني: فقد ناقشناه مفصلا في [تاريخ ما بعد الظهور][[662]]، وأهم ما فيه انه لا يتعين ان يكون الحجة المشار إليه في الرواية هو الامام المهدي D. بل هو الحاكم الأعلى للدولة الاسلامية يومئذ. وقد شرحنا الظروف التي تقتضي ذلك خلال الحديث عن التخطيط السادس من هذا الكتاب.


الأساس الثالث
الأساس الفكري الحديث

عرضنا خلال الحديث عن التخطيط الرابع عدة اعتراضات، كانت واردة على الطور الماركسي الأعلى، ومنطلقة من هذا الأساس الثالث. وبرهنا على عدم ورودها على مجتمع الدولة العالمية، فضلا عن المجتمع المعصوم.
وبقي هناك اعتراض واحد قد يورد على نظرية التخطيط العام، كما هو وارد على النظرية الماركسية أيضا. وإن لم تلتفت إليه الماركسية في مصادرها.
يقول هذا الاعتراض: انه أثبت العلم الحديث، أن عمر البشرية طويل جدا بقي ويبقى ملايين السنين، وربما عشرات أو مئات الملايين والتاريخ المعروف للبشرية إلى الآن ثمانون مليون سنة، وقد يزيد على ذلك بكثير. ولا بد ان البشرية تبقى إلى حين فناء المجموعة الشمسية ونفاد طاقاتها الحرارية، وهو أمر لا يحدث إلا بعد لأي.
فإذا كان عمر البشرية بهذا المقدار الاسطوري الضخم، فلا مجال فيه لأي تخطيط أو نظرية اجتماعية، سواء كانت إسلامية أو ماركسية أو أي مبدأ آخر. فان هذه النظريات، مهما طالت، فانها سوف تستغرق قسما قليلا من عمر البشرية، ويبقى الباقي فارغا يحتاج إلى تفسـير. فكل نظرية اجتماعية تدعي تفسير تاريخ البشرية على طوله، لا تصلح، لانها تدعي لنفسها حكما أكبر من طاقتها وقابليتها.
والجواب على ذلك من زاوية التخطيط العام لعدة وجوه:
الوجه الأول: إنه لم يقم دليل صحيح على طول عمر البشرية بهذا المقدار.
فانه بغض النظر عن أن نص التوراة وظاهر القرآن على خلاف ذلك... فان علماء الآثار والجيولوجيا إنما عرفوا ذلك في جانب الماضي، مع انهم غير مشاهدين له، باعتبار ملاحظة الجماجم والعظام التي يجدونها للانسان القديم فيدرسونها من حيث التكوين الخلقي أولا، ومن ناحية التفاعل والاستهلاك ثانيا. فيستنتجون تاريخ وجود أصحابها على الأرض عن هذا الطريق. وتكون النتيجة إعتقادهم بقدم الانسان ملايين السنين.
إلا ان هذا الاستنتاج ناشيء من نظرة مبدئية أو فلسفية لقوانين الكون ثبت عدم صحتها. ولا نريد ان ندخل الآن في تفاصيل [البديل الصالح] لها. يكفينا ما قلناه في هذا الكتاب من نفي وجود القوانين الكونية القائمة على الأساس المادي. وان المحرك الأساسي للكون هو العوامل العليا الميتافيزيقية. وإذا توصلنا إلى هذه، لم تبق لتلك النتيجة الجيولوجية أية أهمية كـما هو غير خفي على من يفكر.
مضافا إلى التشكيك في الأساليب التي يمكن بها معرفة: ان هذه الحالة للعظم - مثلا - لا تحصل إلا بعد عشر ملايين سنة - مثلا -. إن هذا ليس مشاهدا للعلماء بطبيعة الحال. وإنما هو استنتاج من تفاعلات مختبرية معينة... ومن الواضح ان احتمال الفرق بين التفاعلات المختبرية والتفاعلات الأرضية الطبيعية على العظم أو غيره، احتمال قائم وجيه، لصعوبة ضبط العوامل المؤثرة جميعا في المختبر. ومعه فالنتيجة المأخوذة مختبريا قد لا تصدق في عالم الطبيعة.
الوجه الثاني: ان ما هو المضر بالاستدلال ضد التخطيط العام. ليس هو الماضي، بل هو المستقبل.
فان الفكر الحديث حين يعتقد طول عمر البشرية بملايين السنين، يعتقد انها جميعا مضت في حال عدم دخول البشرية في عصر الوعي والتفكـير، وإنما دخلت البشرية في هذا العصر في العشر الأخير من المليون الأخير...
إذن، فمن المستطاع القول: ان التخطيط الأول المنتج لمستوى الوعي والتفكير، استمر عشرات الملايين من السنين. واما. التخطيطات اللاحقة له، فهي أقصر عمرا منه بكثير. وهذا ممكن بالنسبة إلى التخطيط على أي حال، لما عرفناه من ان فكرة التخطيط خالية عن التحديد بالزمان.
وإنما يتوجه الإشكال - شكليا - بالنسبة إلى المستقبل، كـما سمعنا في الاعتراض. وهنا نستطيع القول انه لا يمكن إقامة الدليل [العلمي] على طول عمر البشرية في المستقبل. فان العلم قد يتوصل إلى طول عمر الأرض أو المجموعة الشمسية وتعيين زمان فنائها. إلا ان هذا لا يشمل الانسان، ولا دليل على ارتباط فناء الانسان بفناء الأرض. فان المهلكات الطبيعية والتخريبية عديدة. وان كثيرا من أنواع الحيوان انقرض وبعضها يكاد ان ينقرض، قبل فناء الأرض والمجموعة الشمسية بكثير. فقد يأتي فيه الزمان الذي ينقرض فيه الانسان. ومن غير الممكن ان نبرهن على بعد هذا الزمان عنا بملايين السنين.
وقد يخطر في الذهن: ان ظاهر القرآن ارتباط فناء الانسان بيوم القيامة ويوم القيامة يعبر عن يوم فناء المجموعة الشمسية، فيكون فناء الانسان، مرتبطا بفناء المجموعة الشمسية، فيلزم القول ببقاء البشرية إلى ذلك الحين.
إلا ان هذا غير صحيح، لما أشرنا إليه فيما سبق من ان القرآن خال تماما من الدلالة على وجود الانسان عند أهوال يوم القيامة. فربما زال قبل ذلك بكثير.
مضافا إلى انه لا دليل على بعد يوم القيامة نفسه بهذا المقدار من ملايين السنين... فاننا لو قبلنا من الفكر الحديث احتياج زوال المجموعة الشمسية وفنائها إلى هذا المقدار من السنين، وهو أيضا محل المناقشة لنفس ما قلناه في طول عمر العظم ونحوه من أجزاء الانسان، فليرجع القاريء إليه ويفكر. لكن لو قبلناه، فان غاية ما للفكر الحديث ان يقوله: هو ان عمر المجموعة الشمسية منوط بمرور هذا الأمر الطويل طبقا للتسلسل الطبيعي للكون، أو ما يسمى بالقوانين الطبيعية. واما بعد ان أنكرنا وجود القوانين بالمعنى المادي كما سبق ان برهنا عليه، وعلمنا ما للعوامل الميتافيزيقية من تأتّي في حركة الكون، إذن يبقى هذا الكلام بلا موضوع، ولا أقل من احتمال ان تزول المجموعة الشمسية عن الوجود، قبل اقتضاء [القوانين] الطبيعية لذلك، باعتبار مصلحة في التخطيط الكوني العام.
فحتى لو كان الانسان باقيا على وجه الأرض إلى يوم القيامة، تنزلا عما قلناه أولا... فان يوم القيامة لن يبطيء بالبشرية، ذلك البطء الذي يتوقعه الفكر الحديث. ولا أقل من انه لا دليل على ذلك، فلا يصلح دليلا ضد التخطيط العام.
هذا، وقد توجد وجوه أخرى في الجواب على هذا السؤال الأخير لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها.
الوجه الثالث: في الجواب على الاعتراض الأساسي في هذا الفصل.
ان نظرية التخطيط العام بأقسامها الخمسة ليست محددة بزمان. بل تتبع عمر البشرية أيا كان. فان كان قصيرا كان بدوره قصيرا، وان كان طويلا، كان بدوره طويلا... ولا ضرر في ذلك.
لا يبقى إلا الاستبعاد في بقاء نظام واحد لعدة ملايين أو لمئات الملايين من السنين، لو قبلنا طول عمر البشرية في المستقبل، خلافا لما قلناه في الوجه السابق.
إلا انه يمكنه التنازل عن هذا الاستبعاد:
أولا: ان التعبير بالنظام الواحد،لا يخلو من مسامحة، فان الاتجاه العام منذ تأسيس الدولة العالمية إلى نهاية البشرية اتجاه واحد - لا محالة - نحو الهدف الأعلى. الا ان النظام بالمعنى الكامل والمحدد لهذه الكلمة ليس واحدا، بعد الذي عرفناه من انقسام هذه الفترة إلى عدة أقسام لا يمكن ان يتحدد النظام بشكل واحد. ضرورة ان النظام الذي يصلح لفترة معينة من تلك الفترات قد لا يصلح لفترة أخرى.
فإذا كانت الأنظمة مختلفة كان الاعتراض مرتفعا, وأمكن لنا ان نتصور الاستمرار الطويل.
ثانيا: ان طبيعة العدل الكامل الذي سوف يكون مطبقا منذ أول عهد الدولة الاسلامية فما بعدها, منسجم تماما مع طول الزمن.
فان ما هو المعتاد والمعهود من عدم بقاء الأنظمة طويلا, في عالم الحياة والمجتمع, إنما هو نتيجة أحد أمرين:
الأمر الأول: ان تكون الأنظمة نفسها أنظمة ظالمة, يتضح فشلها نتيجة للتجربة الحياتية التي تعيشها.
الأمر الثاني: ان عملا تخريبيا يجهز عليها بسرعة أو تدريجا, كما للدولة النبوية الاسلامية.
واما إذا لم يحصل كلا الأمرين, فكان النظام كاملا ليس فيه أية نقطة ضعف, ولم يكن له معارض في العالم, وكان أقوى من كل المعارضات والتقصيرات, إذن, فسوف يكون نظاما قابلا للبقاء مدى الدهر, مهما طالت ملايين السنين.
وهناك بعض الوجوه الأخرى في مناقشة هذا الاعتراض, لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها.
هذا... وان هذا الاعتراض أولى في الورود على النظرية الماركسية, لانها بحسب اتجاهها العام ترفض الأجوبة التي قلناها. فماذا سوف يكون موقف الماركسيين حينئذ... ان هذا مما لا حاجة إلى الدخول في تفاصيله أيضا.
وبذلك يتم الكلام في الاعتراضات المحتملة الورود على نظرية التخطيط العام. وقد رأينا ان شيئا منها غير وارد على هذه النظرية. فبذلك يترسخ برهان هذه النظرية كبديل صالح للمادية التاريخية,لا يمكن ان تقاس به من حيث الأهمية والعمق.
وبذلك يتم الكلام في المرحلة الثالثة, في تطبيقات ومناقشات حول التخطيط العام... وبه ينتهي القسم الثالث في التخطيط الالهي العام. وهو نهاية مقصودنا من هذا الكتاب. وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
تمّ على يد المحتاج إلى رحمة ربه الكريم محمد بن محمد صادق بن محمد مهدي بن إسماعيل الصدر.


محمد الصدر
الأربعاء: 12/1/1396هـ
الموافق: 14/1/1976م






مصادر الكتاب
أهم ما روجع لهذا الكتاب من المصادر الماركسية:
1- أسس الفلسفة الماركسية. تأليف: ق. افاناسييف.ترجمة: عبد الرزاق الصافي. الطبعة الثانية. دار الفارابي - بيروت. دار النهضة - بغداد.
2- أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة. انجلس. ترجمة: إلياس شاهين. دار التقدم - موسكو, الاتحاد السوفييتي. مهمل من تاريخ الطبع.
3- أصول الفلسفة الماركسية. تأليف:جورج بوليتزر وجي بيس وموريس كافين. تعريب: شعبان بركات. جزءان في مجلد واحد. المكتبة العصرية - صيدا, بيروت. مهمل من تاريخ الطبع.
4- الاقتصاد السياسي للاشتراكية, تأليف: جماعة من الاساتذة السوفييت. ترجمة: خيري الضامن. دار التقدم - موسكو. قبل عام 1972.
5- انتي دوهرنك, ثورة الهر أوجين دوهرنك في العلوم. تأليف: فردريك انجلس. ترجمة: الدكتور فؤاد أيوب. الطبعة الأولى 1965. دار دمشق للطباعة والنشر, مطبعة طربين.
6- بؤس الفلسفة. كارل ماركس. ترجمة: اندريه ناجي. دار اليقظة العربية ودار مكتبة الحياة. سورية - لبنان, 1967.
7- البيان الشيوعي. كارل ماركس وفردريك انجلز. الشركة اللبنانية للكتاب. بيروت - لبنان. مهمل من تاريخ الطبع.
8- دليل القارئ لدراسة الفلسفة الماركسية. مهدي الحافظ. دار الفارابي. دمشق.
9- دور الفرد في التاريخ. تعريب: إحسان سركيس. دار ابن الوليد. المقدمة مؤرخة في عام 1956.
10- رأس المال, نقد الاقتصاد السياسي. كارل ماركس. ترجمة: محمد عيتاني. منشورات مكتبة المعارف, في بيروت. عشرة أجزاء في خمسة مجلدات. مهمل من تاريخ الطبع.
11- الشيوعية العلمية, ماركس, انجلز, لينين. ترجمة: فؤاد أيوب. دار دمشق للطباعة والنشر. الطبعة الأولى1972.
12- فلسفة التاريخ, المفهوم المادي للتاريخ. بليخانوف. دار دمشق للطباعة والنشر. مهمل من تاريخ الطبع.
13- لودفيغ فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية. فردريك انجلز. مع ملحق كارل ماركس موضوعات عن فورباخ. دار التقدم - موسكو 1967.
14- المادية التاريخية, دراسة في نظرية المجتمع الماركسية. فلاديسلاف كيللي وماتفي كوفالسون. دار التقدم - موسكو. الاتحاد السوفياتي. مهمل من تاريخ الطبع.
15- المادية التاريخية. تأليف: ف. كيللي. م. كوفالسون. عرّبه عن الروسية: أحمد داود. أعاد النظر فيه ودققه: الدكتور بدر الدين السباعي. إصدار دار الجماهير, دمشق, 1971.
16- المادية الديالكتيكية والعلوم الطبيعية. تأليف: البروفسور خ فاتالييف. تعريب وشرح: هنري دكر. دار الفارابي - بيروت، دار الجماهير - دمشق.
17- المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية, النظرية الفلسفية العامة لتطور الكون والمجتمع. ستالين. ترجمة: خالد بكداش. منشورات دار البديع. الطبعة الثانية 1959.
18- مختارات لينين. المقدمة بتوقيع: معهد الماركسية - اللينينية لدى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي. خمسة مجلدات. مهمل من تاريخ الطبع. دار التقدم - موسكو - الاتحاد السوفييتي.
19- نصوص حول أشكال الانتاج ما قبل الرأسمالية. كارل ماركس. ترجمة: لجنة باشراف الدكتور صادق جلال العظم ومراجعته. دار ابن خلدون للطباعة والنشر. بيروت - لبنان. الطبعة الأولى 1974.
20- نصوص مختارة. فردريك انجلز. اختيار وتعليق: جان كانابا ترجمة: وصفي البني. منشورات وزارة الثقافة. مطبعة وزارة الثقافة - دمشق1972.
21- نظرات علمية في الاقتصاد السياسي. سيغال. الطبعة الأولى.

أهم المصادر غير الماركسية:

1- القرآن الكريم.
2- الارشاد. للشيخ محمد بن نعمان الملقب بالمفيد. ط طهران, عام 1377هـ.
3- الاشاعة لأشراط الساعة. للسيد محمد بن رسول الحسيني البرزنجي. الطبعة الأولى1370, القاهرة - مصر.
4- إعلام الورى بأعلام الهدى. تأليف: أبي الفضل بن الحسن الطبرسي. ط طهران.مط الحيدري. عام 1338 هجري شمسي.
5- إنجيل برنابا. ترجمه من الانكليزية: الدكتور خليل سعادة. مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده بميدان الأزهر بمصر. المقدمة مؤرخة في عام 1908م.
6- تاريخ الغيبة الصغرى. للمؤلف. ط بيروت عام 1972م.
7- تاريخ الغيبة الكبرى. للمؤلف. ط بيروت عام 1395 - 1975م.
8- تاريخ ما بعد الظهور. مخطوط حين النقل منه. ولذا أحلنا على أبوابه وفصوله لا على صفحاته.
9- التبيان في تفسير القرآن. تأليف: الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي. المطبعة العلمية في النجف الاشرف. 1376هـ - 1957م.
10- الخرايج والجرايح. للشيخ قطب الدين أبي الحسن سعيد هبة الله ابن الحسين الراوندي. ط الهند. على الحجر عام 1301هـ.
11- السيرة النبوية: لابن هشام. تحقيق كل من: مصطفى السقا وإبراهيم الابياري وعبد الحفيظ شلبي. ط الثالثة 1391هـ - 1971م. دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان.
12- صحيح البخاري. لإبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي. مطابع الشعب - مصر. 1378هـ.
13- صحيح مسلم. لأبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري. مطبعة محمد علي صبيح وأولاده. مصر.
14- الصواعق المحرقة, في الرد على أهل البدع والزندقة. للمحدث شهاب الدين أحمد بن حجر الهيثمي المكي. ط مصر. عام 1312هـ.
15- العهد القديم والعهد الجديد. نشر جمعية التوراة البريطانية والاجنبية. ط بريطانيا - كمبردج.
16- الغيبة: للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي. ط النجف. ط الثانية عام 1385هـ.
17- فجر الاسلام. تأليف: أحمد أمين. ط الثانية. المقدمة بتاريخ 1933م. مطبعة الاعتماد. مصر.
18- قصة الانسان. الدكتور جورج حنا. الطبعة الخامسة1973. دار العلم للملايين - بيروت.
19- قصة الديانات. سليمان مظهر. دار الوطن العربي للطباعة والنشر. مهمل من تاريخ الطبع.
20- كليلة ودمنة. عبد الله بن المقفع. علّق عليها الشيخ الياس خليل زخريا. دار الاندلس للطباعة والنشر. بيروت. ط الأولى 1382هـ - 1963م.
21- المسيحية نشأتها وتطورها.شارل جنبيز. ترجمة: الدكتور عبد الحليم محمود. المكتبة العصرية. صيدا - بيروت. مهمل من التاريخ.
22- مقتل الحسين أو حديث كربلاء. عبد الرزاق الموسوي المقرم. مطبعة النجف في النجف 1376 - 1956.
23- وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة. للشيخ الحسن ابن الحر العاملي. ط الحجر - طهران. عام 1314هـ.




[[1]] انظر، أسس الفلسفة الماركسية، افانا سييف، ص20وما بعدها. والمادية الديالكتيكية لجماعة من الكتاب السوفييت، ص44.
[[2]] انظر، ص261.
[[3]] انظر، لودفيج فورباخ لانجلز، هامش ص 46.
[[4]] انظر، البيان الشيوعي، ص 6.
[[5]] المصدر نفسه، ص 19.
[[6]] المادية التاريخية،كيللي و كوفالسون، ص 27- 28.
[[7]] المصدر، ص 28.
[[8]] المصدر و الصفحة.
[[9]] مختارات لينين، جـ 1 ص 16.
[[10]] المصدر، ص 23.
[[11]] فلسفة التاريخ، بليخانوف، ص 4.
[[12]] الدولة و الثورة، من مختارات لينين، جـ 2 ص 217.
[[13]] رسالة إلى المؤتمر، من نفس المصدر، جـ 4 ص 271.
[[14]] المصدر , ص273.
[[15]] رسالة إلى العمال الامريكيين، من مختارات لينين، جـ 32 ص 194.
[[16]] لودفيج فورباخ، انجلز، ص 10.
[[17]] المادية التاريخية، كوفالسون، ص 26.
[[18]] مختارات لينين، جـ 1 ص22.
[[19]] المصدر ص22.
[[20]] المصدر والصفحة.
[[21]] المادية التاريخية, كوفالسون, ص33.
[[22]] المصدر: ص30.
[[23]] المادية التاريخية، ستالين، هامش ص13.
[[24]] المصدر نفسه، ص13– 15 ملخصا.
[[25]] أصول الفلسفة الماركسية، جـ 1 ص58.
[[26]] المصدر، ص63.
[[27]] المصدر و الصفحة.
[[28]] مختارات انجلز، ص 76.
[[29]] مختارات لينين , جـ 1 ص 32.
[[30]] مختارات انجلز , ص 67.
[[31]] لودفيج فورباخ , انجلز , ص 33-34.
[[32]] المصدر, ص24.
[[33]] مختارات انجلز، ص61-62. و انظر، لودفيج فورباخ، ص20 ومابعدها. وكذلك، المادية التاريخية لكوفالسون, ص13. وغيرها من المصادر.
[[34]] المادية التاريخية لستالين، ص24.
[[35]] لودفيج فورباخ، انجلز، ص21.
[[36]] المصدر نفسه, ص22.
[[37]] مختارات انجلز, ص 104.
[[38]] المصدر نفسه، ص105.
[[39]] المصدر، ص 108.
[[40]] المصدر، ص109.
[[41]] المصدر، ص111.
[[42]] المادية التاريخية، ستالين، ص19.
[[43]] مختارات انجلز، ص117.
[[44]] المصدر، ص117– 118.
[[45]] المصدر نفسه، ص113.
ا[3] المصدر والصفحة.
[[47]] رأس المال، كارل ماركس، ج3 ق2 ص1138.
[[48]] المادية الديالكتيكية، ص305.
[[49]] المادية الديالكتيكية لستالين، ص15-16.
[[50]] المصدر، ص18.
[[51]] المصدر والصفحة.
[[52]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر، ص179-181.
[[53]] المادية الديالكتيكية والعلوم الطبيعية، ص119.
[2] لا يخفى ان القانون المشار اليه، صحيح ولا مناص للماركسيين من الاعتراف به في بعض الحدود التي سنذكرها [انظر المصدر السابق، نفس الصفحة]. ولكنه يحتاج إلى تقييدات محتملة، نذكرها مع ما ينبغي ان يكون موقفنا وموقف الماركسية منها:
التقييد الاول: ان هذا القانون إنما يصح في المادة المتناهية المحدودة، فقط، دونما إذا قلنا بانها لامتناهية. كما أشار اليه المصدر السابق [الصفحة نفسها]. وهذا صحيح، لان المادة اللامتناهية تكون قابلة لاشعاع الحرارة في أمد لا متناهي، فلا يوجب ذلك فناء الكون وان كان ازليا.
إلا ان الالتزام بلا تناهي الكون امر غير صحيح... اما من وجهة نظر المؤلف فباعتبار وجود البرهان على ذلك في الفلسفة...ولا حاجة إلى ذكره. واما من وجهة نظر الماركسية فلان هذا الموقف يتضمن [مثالية] متطرفة وميتافيزيقية مكثفة، لانه يتضمن الاعتراف بوجود أشياء يستحيل الاطلاع عليها حسيا أو اقامة البرهان عليه عمليا. مضافا إلى ما ذكرناه في المتن اعلاه فراجع.
التقييد الثاني: عدم الاعتراف بقانون فناء المادة اعني القانون القائل بان المادة يستحيل ان توجد أو ان تفنى... فان القانون المشار اليه في المتن إنما يصح لو انركنا هذا القانون الأخير، واما لو قلنا باستحالة فناء المادة، فهو يعني إستحالة فناء الكون. وهذا ما أشار اليه المصدر السالف الذكر [ص121].
الا ان هذا التقييد غير صحيح... اما من زاوية نظر المؤلف فلعدم قيام الدليل عليه، اذ يمكن وجود المادة وإنعدامها من ناحية فلسفية. واما من زاوية أعم من ذلك: فلان الحديث في هذا القانون عن المادة بمعناها القديم المغاير للطاقة... وهذا ما أثبتت الفيزياء الحديثة بطلانه بعد إمكان تحول المادة إلى طاقة. وهذا هو الذي يفيد الماركسيين لانهم يحرصون على ازلية المادة بهذا المعنى.
وأما لو كان الحديث في هذا القانون عن الطاقة نفسها، وانها لا توجد ولا تنعدم، فهذا ما قالته
الفيزياء الحديثة، إلا انه قول بلا دليل لتعذر إقامة الدليل التجريبي عليه- في المدى البعيد- كما هو واضح، فان عدم تمكن العالم من إعدامها في المعمل لا بمعنى عدم إمكان ذلك أساسا، والتعميم يحتوي على [مثالية] مقيتة لانتناسب مع التفكير الماركسي.
التقييد الثالث: ان قانون الفناء الحراري للكون يصح في المادة بمعناها القديم، ولا يشمل الطاقة.فان الاشعاع الحراري يحول المادة إلى طاقة، لا انه يسبب فناءها بالمرة.
وهذا التقييد صحيح- شكليا- إلا انه غير منتج في نفع الماركسيين:
أولا: ان إستمرار الاشعاع في مدى ازلي، يقتضي في الكون المحدود - كما هو مقتضى التجاوز عن التقييد الاول- تحوله جميعا إلى طاقة. ومعنى ذلك اننا لا يمكن ان نجد إلا الطاقة، ومنذ امد بعيد.
وقد يخطر في الذهن: اننا لا نجد الآن إلا الطاقة، فعلا، بعد ان ثبت في الفيزياء الحديثة ان المادة ان هي إلا طاقة [مضغوطة].
وجوابه: ان معنى التحول إلى الطاقة: إنعدام الطاقة بشكلها المضغوط، وتحولها إلى باقة [مشتتة] ليست ذات وجود [مادي] متميز. فيكون معنى الفكرة التي قلناها: انه لو كان الكون ازليا لأصبح الكون منذ امد بعيد طاقة مشتتة، ولم نجد فيه أنواع المادة واشكالها المعروفة، على حين نجد ذلك وجدانا، ومعناه ان الكون ليس ازليا.
ثانيا: ان قانون الفناء الحراري للكون يمكن ان يشمل الطاقة نفسها. وذلك على أحد مستويين:
المستوى الاول: ان المادة المعروفة ان تحولت إلى طاقة محضة ومشتتة، فسوف تكون متجانسة بمعنى متشابهة الاجزاء خالية من الاشكال المعروفة... ثم انها تستمر بحركتها الدائبة والسريعة بالتفرق حتى لا يبقى لجزيئاتها أي تماسك أو تأثير. وهذا يعني الانعدام من الناحية العملية، لان كل جزيء بمفرده لا يمكن ان نسميه مادة ولا طاقة، وغير مؤثر في أي تكوين.
المستوى الثاني: انه ثبت في الفيزياء الحديثة ان الطاقة إنما توجد مع إستمرار الحركة واما مع السكون فالطاقة تنعدم. وبتعبير آخر: ان الجزيء إنما يكون له وجود مع حركته دون حالة سكون.
فإذا صح ذلك، أمكننا ان نقول: بان جزيئات الطاقة المشتتة للكون تؤول في نهاية المطاف إلى السكون بعد ان لم يعد لوجودها أي فائدة، بما في ذلك الاجتماع مرة أخرى، لانها في حركتها تتباعد لا تتقارب، طبقا للقانون الحراري. ولا أقل من ان افتراض السكون مما لا يمكن نفيه [علميا]، فهو يعدل القول بازلية الكون الذي لا يمكن إثباته [علميا] أيضا.
وإذا سكنت جزيئات الكون إنعدمت... فإنعدم الكون.
التقييد الرابع: عدم الالتزام بعالم الروح الموجود في رأي الالهيين – وراء المادة والطاقة معا -.
فاننا ان تحدثنا عن فناء الكون الحراري، بمعناه المختص بالمادة أو الشامل للطاقة، كان لهذا القانون معنى مفهوم. واما إذا ان المراد من الكون ما يشمل الوجود الروحي المجرد، فلا معنى لهذا القانون، لان الاشعاع المستمر [أو تناقض الوجود بالاشعاع] خاص بالمادة، وغير شامل للروح، ولا أقل من ان هذا مجال يستحيل على المستوى العلمي التجريبي ان يناله ولا إثبات، فليس من حقه ان يكون إتجاهه أي كلمة.
وهذا تقييد صحيح، إلا انه خاص بالاعتراف بوجود العالم الروحي، ولا يستلزم – إلى جانب ذلك – كذب هذا القانون، لانه مختص بمجاله المعين وهو المادة. وإنما المهم في مناقشة الماركسية هي التقييدات السابقة.
هذا مضافا، إلى ان الماركسيين، حين يعممون معنى المادة إلى الطاقة ويعترفون بالتحول التدريجي إلى الطاقة، طبقا للفيزياء الحديثة، يتناسون قوانينهم الكلاسيكية... فان لنا ان نتساءل عن كون هذه الطاقة هل هي مشمولة لها أو لا؟، وما هو معنى االطباق والتركيب إذا كانت [أطروحة]، وما هو معنى التغيير الكيفي إذا كانت حركة الطاقة تغيرا كميا؟؟!!... وهلم جرا... يبدو ان االماركسية تحدثت في قوانينها عن المادة بمعناها القديم، الذي كان في زمن ماركس وانجلز... واما لو تقدمنا وتقدم العلم خطوات، كانت قوانين الماركسية فاشلة!..
[[55]]إن أول من فكر في هذا الاسلوب في إستحالة التسلسل، حسب إطلاعنا، هو: عبد اللطيف بري، في كتابه: نقد الفكر المادي والديني، ص 25. نذكره حفظا للحقيقة.
[[56]]المادية الديالكتيكية لستالين، ص 30.
[[57]]المادية التاريخية لكوفالسون، ص37.
[[58]] نفس المصدر، ص39.
[[59]] المادية الديالكتيكية لستالين، ص10.
[[60]] المصدر، ص21.
[[61]] المصدر، ص23.
[[62]] لودفيج فورباخ، انجلز، ص53.
[[63]] فلسفة التاريخ، بليخانوف، ص39.
[[64]]المصدر، ص15.
[[65]]المصدر، ص17.
[[66]] نفس المصدر.
[[67]] دور الفرد في التاريخ، بليخانوف، ص25 وما بعدها.
[[68]] المصدر، ص97- 98.
[[69]] المادية التاريخية، كوفالسون، ص43.
[[70]] المصدر نفسه، ص45.
[[71]] المصدر أيضا، ص48.
[[72]] فلسفة التاريخ، ص48.
[[73]] المادية الديالكتيكية لستالين، ص48.
[[74]] نفس المصدر، ص42.
[[75]] المصدر نفسه، ص43.
[[76]] المادية الديالكتيكية، ستالين، ص59، من مقدمة كتاب: مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي لماركس.
[[77]] المادية الديالكتيكية،ايضا، ص45.
[[78]] المصدر، ص45.
[[79]] فلسفة التاريخ، بليخانوف، ص45.
[[80]] نصوص مختارة، انجلز، ص179.
[[81]] المصدر والصفحة.
[[82]] المادية الديالكتيكية، ص48.
[[83]] المادية التاريخية، كوفالسون، ص60.
[[84]] نصوص مختارة لانجلز، ص180.
[[85]] المصدر، ص191- 192.
[[86]] نصوص مختارة، انجلز، ص49.
[[87]] المادية التاريخية، كيللي و كوفالسون، ص86.
[[88]] أصل العائلة، انجلز، ص35.
[[89]] المادية الديالكتيكية، ستالين، ص59.
[[90]] انظر فلسفة التاريخ، بليخانوف، ص44.
[[91]] وخاصة في العصور الاشتراكية، إبتداء من [دكتاتورية البروليتاريا] فما بعدها،على ما سنسمع ذلك مفصلا.
[[92]] فلسفة التاريخ، بليخانوف، ص47.
[[93]] المادية الديالكتيكية، ستالين، ص45.
[[94]] المصدر والصفحة.
[[95]] المصدر، ص46.
[[96]] المصدر السابق، ص60.
[[97]] البيان الشيوعي لماركس وانجل، ص36.
[[98]] لودفيج فورباخ، انجلز، ص58، وانظر أيضا نصوص مختارة، انجلز، ص159.
[[99]] نفس المصدر، ص38.
[[100]] نفس الصفحة من المصدر.
[[101]] المادية التاريخية، كوفالسون، ص195.
[[102]] نفس المصدر والصفحة.
[[103]] أصل العائلة، انجلز، ص227.
[[104]] لودفيج فورباخ، انجلز، ص60.
[[105]] المصدر نفسه، ص61.
[[106]] المصدر، ص61.
[[107]] لودفيج فورباخ، انجلز، ص64.
[[108]] أصول الفلسفة الماركسية، جورج بوليتزر وآخرين، جـ1 ص241.
[[109]] المصدر نفسه، جـ1، ص243.
[[110]] انظر: نصوص مختارة لانجلز، ص179.
[[111]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون،ص28.
[[112]] لودفيج فورباخ، انجلز، ص10.
[[113]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص26.
[[114]]المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون.
[[115]] المصدر نفسه، ص26.
[[116]] نصوص مختارة، انجلز، ص160.
[[117]] المصدر نفسه، ص159.
[[118]] المصدر، ص160.
[[119]] نصوص مختارة، انجلز، ص162وما بعدها.
[[120]] أصل العائلة، لانجلز، ص227.
[[121]] طبقا للمفاهيم الحديثة تقدم البشرية عشرات الملايين من السنين. وهو مما تعترف به الماركسية. وسنناقشه عند الحديث عن التخطيط الالهي.
[[122]] فلسفة التاريخ، بليخانوف، ص8.
[[123]] فلسفة التاريخ، بليخانوف، ص8.
[[124]] المادية التاريخية، كوفالسون، ص10.
[[125]] نصوص مختارة، انجلز، ص177.
[[126]] آل عمران: 3/169.
[[127]] المادية الديالكتيكية، ستالين، ص48.
[[128]] المادية التاريخية،كوفالسون، ص125.
[[129]]المصدر، ص142.
[[130]] المادية الديالكتيكية، ستالين، ص53.
[[131]] أصل العائلة لانجلز، ص229.
[[132]] المادية الديالكتيكية، ستالين، ص49.
[[133]] المادية التاريخية، كوفالسون، ص132.
[[134]] مختارات لينين، جـ1، ص44.
[[135]] وهذا ما يحدث بين مجتمعين بدائيين لو اراد أحدهما السيطرة على الآخر. وقد يحدث في داخل المجتمع الواحد، ولو نادرا.
[[136]] أصل العائلة، انجلز، ص67.
[[137]] أصل العائلة لانجلز، ص230.
[[138]] نصوص مختارة، انجلز، ص123 وما بعدها.
[[139]] المصدر، ص128 وما بعدها.
[[140]] المصدر، ص129 وما بعدها.
[[141]] المصدر نفسه، ص162.
[[142]] أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، انجلز، ص25 وما بعدها.
[[143]] المصدر نفسه، ص27.
[[144]] المادية الديالكتيكية، ستالين، ص48وما بعدها.
[[145]] نظرات علمية في الاقتصاد السياسي، سيغال، ص12 وما بعدها.
[[146]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر وآخرين، جـ2، ص59.
[[147]] المصدر نفسه، ص58.
[[148]] المادية التاريخية، كوفالسون، ص123.
[[149]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر، جـ2 ص60 وما بعدها.
[[150]] المادية التاريخية، كوفالسون، ص124 وما بعدها.
[[151]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر، جـ2 ص63.
[[152]] فلسفة التاريخ لبليخانوف، ص71.
[[153]] أصل العائلة،انجلز، ص31.
[[154]] أصل العائلة لانجلز، ص67.
[[155]] لوديج فورباخ، ص16.
[[156]] لا يحتمل ان يكون بين وضع القصص وتسجيلها زمان طويل يزيد على الالف عام مثلا، لان هذه المدة كفيلة بمحو القصص من الأذهان. ومن هنا يكون وضع القصص في "قلب المشاعة" مستلزما لتسجيلها في الانجيل في نفس العصر، ومعنى ذلك: ان تأليف الانجيل قد تم خلال نفس العصر أيضا.
[[157]] سفر التكوين 12/14- 16.
[[158]] المصدر، 13/ 5-10.
[[159]] المادية التاريخية، كوفالسون، ص125.
[[160]] المصدر والصفحة.
[[161]] المادية الديالكتيكية، ستالين، ص49.
[[162]] المصدر والصفحة.
[[163]] نظرات علمية في الاقتصاد السياسي، سيغال، ص21.
[[164]] المادية الديالكتيكية، ستالين، ص49-50.
[[165]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر وآخرين، جـ2 ص70.
[[166]] المادية التاريخية، كوفالسون، ص128.
[[167]] أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، انجلز، ص140-141.
[[168]] المصدر، ص148.
[[169]] المصدر، ص171.
[[170]] نظرات علمية، سيغال، ص22.
[[171]] المادية التاريخية، كوفالسون، ص129.
[[172]] نظرات علمية، سيغال، ص22.
[[173]] المصدر، ص25 نقلا عن أصل العائلة لانجلز.
[[174]] المصدر، ص25-27.
[[175]] المادية التاريخية، كوفالسون، ص128.
[[176]] أصل العائلة، ص144.
[[177]] المصدر، ص149.
[[178]] المصدر، ص169.
[[179]] المصدر، ص155. ويلاحظ ان انجلز يذكر هذه الأرقام بدون الاعتماد على أي مصدر.
[[180]] انظر أصل العائلة أيضا، ص169.
[[181]] نظرات علمية، سيغال، ص25.
[[182]] المادية التاريخية لعدد من الكتاب السوفييت، ص166 وما بعدها.
[[183]] وهذا السبب هو الذي أكد عليه ستالين في كتابه المادية التاريخية ص50 وما بعدها.
[[184]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر، جـ2 ص72.
[[185]] المادية التاريخية، كوفالسون، ص129.
[[186]] المصدر، ص130.
[[187]] المادية الديالكتيكية، ستالين، ص50.
[[188]] نظرات علمية في الاقتصاد السياسي، سيغال، ص28.
[[189]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر وآخرين، جـ2 ص72.
[[190]] المصدر والصفحة.
[[191]] نظرات علمية لسيغال، ص30.
[[192]] نظرات علمية، ص25.
[[193]] المادية التاريخية، ص131.
[[194]] نظرات علمية لسيغال، ص25.
[[195]] أصول الفلسفة الماركسية، ص72.
[[196]] نظرات علمية لسيغال، ص29.
[[197]] نظرات علمية في الاقتصاد السياسي، سيغال، ص30.
[[198]] المصدر، ص32.
[[199]] رأس المال، كارل ماركس، جـ3 ص513.
[[200]] المصدر، ص475 ومابعدها.
[[201]] المصدر، ص483.
[[202]] المصدر والصفحة.
[[203]] المصدر، ص484.
[[204]] المصدر، ص485.
[[205]] المصدر، ص477.
[[206]] المصدر، ص479.
[[207]] المصدر والصفحة.
[[208]] المصدر، ص480.
[[209]] المصدر، ص481.
[[210]] المصدر، ص482.
[[211]] المصدر، ص495.
[[212]] المصدر، ص478.
[[213]] المصدر، ص491.
[[214]] المصدر، ص476.
[[215]] المصدر، ص503.
[[216]] المصدر، ص 508-509.
[[217]] المصدر، ص509.
[[218]] المصدر، ص495.
[[219]] المصدر السابق، ص475.
[[220]] نظرات علمية، سيغال، ص24، عن انجلز في كتابه [أصل العائلة...].
[[221]] قد تجد في بعض المصادر، تفسير البرجوازية بأصحاب الملكية المتوسطة. وهذا صادق إلى الزمن الاول لوجودهم. واما من الزاوية الماركسية فالبرجوازية والرأسمالية بمعنى واحد، والرأسماليون هم برجوازيون، وان وصلوا إلى نهاية الشوط. وذلك: لاتحاد الاتجاه الاجتماعي من جهة وحدة [القيمة الفائضة] غير المشروعة ماركسيا، بين كل عصور الرأسمالية، من جهة أخرى.
[[222]] نظرات علمية في الاقتصاد السياسي، سيغال، ص33 ومابعدها.
[[223]] المادية الديالكتيكية، ستالين، ص51 ومابعدها.
[[224]] المادية التاريخية، كوفالسون وكيللي، ص133 ومابعدها.
[[225]] المصدر نفسه، ص134-135.
[[226]] المصدر، ص136.
[[227]] البيان الشيوعي، ص45-47.
[[228]] نظرات علمية، سيغال، هامش ص34.
[[229]] المادية التاريخية، كوفالسون وكيللي، ص628.
[[230]] الاقتصاد السياسي للاشتراكية، ص31.
[[231]] مختارات لينين، جـ4 ص158.
[[232]] الاقتصاد السياسي للاشتراكية.
[[233]] المادية الديالكتيكية لستالين، ص51.
[[234]] المادية التاريخية، كوفالسون وكيللي، ص135.
[[235]] وقد اقتضى هذا المستوى المتشابه الاشتراكية هنا والرأسمالية هناك، على خلاف قواعد المادية التاريخية أيضا.
[[236]] رأس المال لماركس، جـ2 ص262 ومابعدها.
[[237]] المصدر، جـ4 ص756 ومابعدها.
[[238]] المصدر، جـ2 ص295.
[[239]] ص228 منه.
[[240]] رأس المال، جـ2 ص228.
[[241]] نصوص مختارة، انجلز،ص36.
[[242]] المصدر والصفحة.
[[243]] رأس المال، كارل ماركس، جـ3 قـ1 ص885.
[[244]] المصدر، جـ3 قـ2 ص1055.
[[245]] المصدر، جـ3 قـ1 ص901.
[[246]] المصدر، ص397.
[[247]] المصدر، جـ3 قـ2 ص1137.
[[248]] المصدرنفسه، ص1138.
[[249]] المصدر، جـ3 قـ1 ص905.
[[250]] المصدر، جـ3 قـ2 ص1138.
[[251]] رأس المال، كارل ماركس جـ3 قـ2 ص1050.
[[252]] المصدر، ص1055.
[[253]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص49.
[[254]] يحسن بالقارىء ان يعيد قراءة العبارة ويتاملها في الفقرة الثانية من الحديث عن التراكم الاولي.
[[255]] البيان الشيوعي، ص44.
[[256]] راجع الفقرة [3] من الحديث عن التراكم الاولي.
[[257]] المادية التاريخية, كيللي وكوفالسون، ص135.
[[258]] مختارات لينين، جـ2 ص82.
[[259]] رأس المال، كارل ماركس، جـ1 قـ2 ص231.
[[260]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص358.
[[261]] انظر، ص44 منه.
[[262]] مختارات لينين، جـ2 ص25- 26.
[[263]] مختارات لينين، جـ2 ص120، وانظر، ص167 منه.
[[264]] مختارات لينين، جـ2 ص71.
[[265]] المصدر، ص113.
[[266]] المصدر، ص91.
[[267]] المصدر، ص167- 168.
[[268]] المصدر، ص120.
[[269]] المصدر، ص136.
[[270]] المصدر، ص119.
[[271]] المصدر، ص120.
[[272]] المصدر ، ص145.
[[273]] المصدر والصفحة.
[[274]] المصدر نفسه، [الدولة والثورة] ص213.
[[275]] المصدر والصفحة.
[[276]] المصدر، ص286.
[[277]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص358.
[[278]] مختارات لينين، جـ2 ص169.
[[279]] المصدر السابق، ص120.
[[280]] المصدر والصفحة.
[[281]] المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، ستالين، ص52- 53.
[[282]] البيان الشيوعي، ماركس وانجلز ص54.
[[283]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر، ص111جـ2.
[[284]] يقصد المادية التاريخية.
[[285]] الحزب الثوري أي الحزب الشيوعي في هامش الكتاب، ص114.
[[286]] المصدر نفسه، ص114.
[[287]] المصدر، ص117.
[[288]] المصدر والصفحة.
[[289]] المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، ستالين، ص60.
[[290]] المادية التاريخية، تعريب احمد داوود، ص249.
[[291]] مختارات لينين [مرض اليسارية الطفولي الشيوعية]، جـ4، ص119.
[[292]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر جـ1، ص409-412.
[[293]] المصدر، ص410. قارن هذا وما قبله بما قلناه في النقطة الخامسة من مناقشة العصر الثالث للرأسمالية.
[[294]] المادية التاريخية، كوفالسون وكيللي، ص137.
[[295]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر، جـ2 ص67.
[[296]] محتارات لينين، جـ1 ص252.
[[297]] المصدر والصفحة.
[[298]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص138.
[[299]] انظر بهذا الصدد الفلسفة الماركسية، بوليتزر، جـ2 ص185.
[[300]] مختارات لينين، جـ2 ص281.
[[301]] المصدر، نفس الصفحة وما بعدها.
[[302]] المصدر، ص286.
[[303]] الشيوعية العلمية، ص261 عن المؤلفات الكاملة لماركس جـ7، ص433.
[[304]] المصدر نفسه، ص268 عن المؤلفات الكاملة للينين، جـ31 ص17- 18.
[[305]] مختارات لينين، جـ2، ص285[الدولة والثورة].
[[306]] المصدر، ص286.
[[307]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص261.
[[308]] مختارات لينين، جـ2 ص 286.
[[309]] الشيوعية العلمية، ص278 عن الدولة والثورة، لينين، ط2 ص21.
[[310]] مختارات لينين، جـ2 ص286 [الدولة والثورة].
[[311]] الشيوعية العلمية، ص275 عن الدولة والثورة، ص110- 111.
[[312]] المادية التاريخية، كللي وكوفالسون، ص261.
[[313]] المصدر، ص266 ومابعدها.
[[314]] الشيوعية العلمية، ص278 عن المؤلفات الكاملة، لينين جـ32 ص227.
[[315]] مختارات لينين، جـ2 ص290 [الدولة والثورة].
[[316]] المصدر ذاته، ص292.
[[317]] انظر الشيوعية العلمية، ص271- 272 عن مبادئ الشيوعية لانجلز، ص23- 25. وانظر نصوص مختارة، انجلز، ص47 مع اختلاف بسيط في الالفاظ يعود إلى الترجمة.
[[318]] الشيوعية العلمية، ص336 عن [مرض الشيوعية الطفولي] للينين، المؤلفات الكاملة، ص42- 44 جـ31.
[[319]] المصدر، ص333 عن المؤلفات الكاملة للينين، جـ28 ص225- 227.
[[320]] المصدر والصفحة عن المصدر والصفحة.
[[321]] المصدر، ص329 عن مصدره جـ28 ص69.
[[322]] المصدر والصفحة عن مصدره جـ3 ص126.
[[323]] يعني المرحلة الرأسمالية الثالثة.
[[324]] انظر ص45.
[[325]] الشيوعية العلمية، ص280، عن المؤلفات الكاملة للينين، جـ29 ص424.
[[326]] نصوص مختارة، انجلز، ص34.
[[327]] انظر الفقرة السابعة من حديثنا عن دكتاتورية البروليتاريا.
[[328]] انظر الفقرة ذاتها.
[[329]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص262.
[[330]] المصدر السابق، ص261- 262.
[[331]] نفس المصدر، ص262.
[[332]] مختارات لينين، جـ2 ص288 [الدولة والثورة].
[[333]] المصدر نفسه، ص289.
[[334]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر، جـ2 ص161.
[[335]] المصدر، ص191.
[[336]] المادية التاريخية، كوفالسون كيللي، ص266.
[[337]] مختارات لينين، جـ2 ص290 [الدولة والثورة].
[[338]] المصدر، ص293.
[[339]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر، جـ2 ص162.
[[340]] المصدر والصفحة.
[[341]] المصدر، ص187.
[[342]] الشيوعية العلمية، ص269.
[[343]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص267.
[[344]] المصدر، ص268.
[[345]] المصدر والصفحة.
[[346]] نصوص مختارة، انجلز، ص34.
[[347]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص142. وانظر أيضا ص399 منه.
[[348]] الشضيوعية العلمية، ص382.
[[349]] المصدر، ص139.
[[350]] أصول الفلسفة الماركسية، جـ2 ص153.
[[351]] المصدر، ص183.
[[352]] أسس الفلسفة الماركسية، ص195.
[[353]] مختارات لينين، جـ2 ص297 [الدولة والثورة].
[[354]] المصدر، ص297.
[[355]] المصدر، ص289.
[[356]] المادية التاريخية، ص139.
[[357]] انظر الفقرة السابعة من حديثنا عن دكتاتورية البروليتاريا.
[[358]] الاقتصاد السياسي للاشتراكية، ص62.
[[359]] الاقتصاد السياسي للاشتراكية، ص68.
[[360]] المصدر، ص69.
[[361]] المصدر، ص70.
[[362]] المصدر، ص70- 71.
[[363]] أصول الفلسفة الماركسية، جـ2 ص185.
[[364]] المصدر، ص189- 190.
[[365]] الشيوعية العلمية، ص382 عن المؤلفات الكاملة، لينين، جـ30 ص108- 109.
[[366]] المصدر، ص284.
[[367]] مختارات لينين، جـ2 ص292 [الدولة والثورة].
[[368]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص120.
[[369]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر، جـ2 ص161.
[[370]] المصدر، ص162.
[[371]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص120.
[[372]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر وآخرين، جـ2 ص178.
[[373]] المصدر، ص164.
[[374]] المصدر، ص166.
[[375]] الشيوعية العلمية، ص377.
[[376]] المصدر، ص382.
[[377]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر وآخرين، جـ2 ص163.
[[378]] المصدر، ص187.
[[379]] المصدر نفسه، ص178.
[[380]] مختارات لينين، جـ2 ص291 [الدولة والثورة].
[[381]] أسس الفلسفة الماركسية، افاناسييف، ص191.
[[382]] مختارات لينين، جـ3 ص289.
[[383]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر وآخرين، ص214.
[[384]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص144.
[[385]] مختارات لينين، جـ2 ص294.
[[386]] نصوص مختارة، انجلز، ص34.
[[387]] أسس الفلسفة الماربكسية، افاناسييف، ص195.
[[388]] المصدر، ص194.
[[389]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر وآخرين، جـ2 ص214.
[[390]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص142. وانظر أسس الفلسفة الماركسية، افاناسييف، ص196. كلأهما عن برنامج الحزب الشيوعي.
[[391]] المادية التاريخية، ص399.
[[392]] الشيوعية العلمية، ص506، عن المؤلفات الكاملة، لينين، جـ31 ص537.
[[393]] المصدر، ص504،عن مخطوطات عام 1844 لماركس، ص87.
[[394]] أصل العائلة، انجلز، ص229- 230.
[[395]] مختارات لينين، جـ2 ص287 [الدولة والثورة].
[[396]] المصدر، ص285.
[[397]] المصدر، ص294.
[[398]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص269.
[[399]] المادية التاريخية، ترجمة: احمد داود، ص190.
[[400]] المصدر نفسه، ص480.
[[401]] مختارات لينين، جـ2 ص302 [الدولة والثورة].
[[402]] المادية التاريخية، ترجمة: احمد داود، ص187.
[[403]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص269.
[[404]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر وآخرين، جـ2 ص198.
[[405]] مختارات لينين، جـ2 ص285 [الدولة والثورة].
[[406]] المصدر، ص286.
[[407]] المصدر، ص293.
[[408]] المصدر، ص294.
[[409]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص144.
[[410]] الشيوعية العلمية، ص521.
[[411]] مختارات لينين، جـ2 ص293 [الدولة والثورة].
[[412]] الشيوعية العلمية، ص510، عن المؤلفات الكاملة للينين، جـ4 ص77- 78.
[[413]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر وآخرين، جـ2 ص185.
[[414]] مختارات لينين، جـ2 ص293 [الدولة والثورة].
[[415]] الشيوعية العلمية، ص507، عن المؤلفات الكاملة، لينين، جـ3 ص205.
[[416]] المصدر، ص508، عن مصدره، ص295.
[[417]] المصدر، ص509،عن مصدره، ص530.
[[418]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر وآخرين، جـ2 ص211 ومابعدها.
[[419]] المصدر، ص509، عن ماركس وانجلز، المؤلفات الكاملة، ص542.
[[420]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص66.
[[421]] البيان الشيوعي، ماركس وانجلز، ص56.
[[422]] المصدر والصفحة.
[[423]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص64.
[[424]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر وآخرين، جـ2 ص198.
[[425]] أسس الفلسفة الماركسية، افاناسييف، ص191- 192. الفقرة وما قبلها.
[[426]] المصدر ص197- 198. الفقرة وما قبلها.
[[427]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص144.
[[428]] مختارات لينين، جـ2 ص295 [الدولة والثورة].
[[429]] المصدر والصفحة.
[[430]] أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر وآخرين، جـ2 ص192.
[[431]] المصدر، ص193- 194.
[[432]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص145- 146. كل الفقرات المنقولة عنه.
[[433]] المادية التاريخية، ترجمة: احمد داود، ص190.
[[434]] أصل العائلة، انجلز، ص227.
[[435]] نصوص مختارة، انجلز، ص160- 161.
[[436]] المادية التاريخية، كيللي وكوفالسون، ص304.
[[437]] المادية الديالكتيكية لستالين، ص60.
[[438]] نصوص مختارة لانجلز، ص179.
[[439]] فطبقا للوجه الثالث يجب ان يوجد الفرد الذي لايود زيادة مدخوله على عمله، ومن ثم لا يتجنب التعرض للامراض. وفي الوجه الرابع يجب ان يوجد الفرد الذي يستغني عن المال الزائد عن حاجته حتى مع عدم الرقيب. وفي الوجه الخامس ذلك الفرد الذي يؤدي بمقدار طاقته من العمل غير مهتم بمقدار الأجر. وفي الوجه السادس يجب ان يوجد ذلك الفرد الذي يؤدي من العمل بمقدار كفائته واختصاصه بالرغم من تساويه في الأجر مع غير الكفوء وغير الاختصاصي. وكل هذا يعود إلى نكران الذات من الناحية الاقتصادية والى قلة الاهتمام بالجانب الاقتصادي في الحياة. وهو ما يستحيل على الماركسية ايجاد نموذج له.
[[440]] المادية التاريخية ، كيللي و كوفالسون، ص 144.
[[441]] المادية التاريخية، كيللي و كوفالسون، ص 66.
[[442]] ولا شك ان من أهم اسباب السعادة الكاملة في المجتمع ، السعادة التي تريد الماركسية توفيرها في الطور الاعلى، هذا الشعور النفسي وهو: ان الفرد يعمل إذا اراد بمقدار ما اراد، لا ان يكون العمل غلا في عنقه، يكون مهددا بالموت مع تركه.
[[443]] انظر أسس الفلسفة الماركسية، أفانا سييف، ص191-192.
[[444]] المصدر، ص191.
[[445]] وقد يخطر في الذهن: انه لماذا لم يوجد الخالق الكون كاملا من اول الامر، فيكون في غنى عن مقدمات سيره نحو الكمال، التي قد تكون بعضها في غاية الصعوبة.
وجواب ذلك ممكن في عدة وجوه نذكر منها اثنين:
اولا: ان ايجاد الكون كاملا إبتداءا، ان كان معناه وجوده لا نهائيا ومطلقا من جميع الصفات، فهذا مستحيل كما تم البرهان عليه في محله. وان كان معناه وجوده دون اللا نهاية، فمعنى ذلك بقاء خطوات لا نهائية وسلسلة غير محدودة من خطوات التكامل امامه، لم نطرقها بعد، ويكون له ان يسير فيها دون ان يبلغ آخرها. فقد عدنا إلى التكامل ومقدماته التي هرب منها السائل.
ثانيا: اننا نحتمل - على أقل تقدير - ان ايجاد الكمال بعد المقدمات الطويلة والصعبة. أصلح واحسن انتاجا من ايجاد الكمال من اول االامر، ومن هنا وقع الاختيار عليه.
[[446]] اعني وضعه وسيلة في طريق الهدف. وسيتكرر هذا الاستعمال فلاحظ.
[[447]] انظر الفصل الخاص بمناقشة الديالكتيك في القسم الثاني من هذا الكتاب.
[[448]] انظر الفصل الخاص بذلك.
[[449]] انظر تاريخ الغيبة الكبرى، ص233، وما بعدها إلى عدة صفحات.
[[450]] الذاريات: 51/56.
[[451]] الذاريات: 51/56.
[[452]] انظر –مثلا- تاريخ الغيبة الكبرى، ص234.
[[453]] تاريخ مابعد الظهور، الفصل الاول من الباب الاول.
[[454]] انظر، ص242.
[[455]] انظر، ص243 ومابعدها.
[[456]] انظر، تاريخ مابعد الظهور، الفصل الاول من الباب الاول من القسم الاول.
[[457]] انظر، سفر التكوين، 2/8 وما بعده.
[[458]] نريد هنا بالتشريع مايشمل التكليف بالعقائد والمفاهيم أيضا.
[[459]] ولا يشفع لذلك وجودها في المستنقعات، كما يجزم به علماء الاثار[قصة الانسان للدكتور جورج حنا، ص8] أو نشوءها من مواد بروتينية، كما جزم به [اوبارين] العالم السوفييتي [المصدر، ص10] وانجلز [نصوص مختارة، ص100 وما بعدها] أو نزولها من كوكب آخر، كما ذهب اليه آخرون، لا يشفع لذلك، لان السؤال عن إمكان الوجود الاول للحياة في الكون المادي وكيفيته يبقى موجودا. كما ان عدم تكرر ذلك يكون غريبا... والاعتذار عنه بانه لا حاجة اليه بعد وجود طريقة التوالد... ان دل على شئ، فإنما يدل على وجود التدبير والوعي في قيادة الكون أكثر من أي شئ آخر. كما ذهب اليه [اوبارين] في [قصة الانسان، ص10].
[[460]] البقرة: 2/213.
[[461]]يونس: 10/19.
[[462]] اقتصادنا، محمد باقر الصدر، جـ2 ص359.
[[463]] طه: 20/121.وانظر الاعراف: 7/22.
[[464]] حيث نفهم من هذه الاية الكريمة انهما إلتفتا إلى قواعد السلوك - في الجملة - بما فيها لزوم التستر عن الناظرين وانه لا ينبغي على حالة العري الكامل. وعرفا كيفية سد هذه الحاجة، وهو وضع اوراق الشجر على الجسم. وهذا أول الوعي البشري. وتدل التوراة على ذلك بوضوح وانهما إلتفتا إلى الخير والشر [تكوين: 3/22].
[[465]] البقرة: 2/31. وتدل التوراة على ذلك أيضا، تكوين: 2/20-21.
[[466]] منها: قوله عز وجل: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا" [شورى: 42/13]. إذا فهمنا من هذه الوصية إنزال درجة من درجات التشريع، وخاصة وهو يعد بعد [نوح عليه السلام] أولئك الأنبياء الذين اقترنت نبواتهم بالشرائع. ولم يذكر نبيا قبله في هذه الوصية. ومنها: كون نوح D من أولي العزم، والمفهوم دينيا ان الأنبياء من أولي العزم لهم شرائع. ومنها: امره اعني نوحا قومه باطاعته، كقوله تعالى على لسانه: "ان اعبدوا الله واتقوه واطيعون" [نوح: 71/3] والطاعة شاملة للعقيدة والتشريع معا.
[[467]] انظر: المذاهب الاجتماعية الحديثة، محمد عبد الله عنان، ص14.
[[468]] انظر، ص477 وما بعدها إلى عدة صفحات.
[[469]] المصدر نفسه، ص482 وما بعدها.
[[470]] انظر، ص501 وما بعدها.
[[471]] تاريخ الغيبة الصغرى، للمولف، ص261.
[[472]] تاريخ الغيبة الكبرى، للمولف، ص246 وما بعدها.
[[473]] آل عمران: 3/179.
[[474]] الانفال: 8/42.
[[475]] انظر، ص247 وغيرها.
[[476]] انظر، تاريخ ما بعد الظهور، الفصل الثالث من الباب الثالث من القسم الثاني.
[[477]] انظره في الجهة الثالثة من المقدمة.
[[478]] لان الرأي لا يتخذ صفة العصمة إلا إذا كان كذلك.
[[479]] ولا موجب للاتزام بان الكون ينتهي مع البشرية اذ ليس عليه دليل ديني ولا علمي. وتبعثر المجموعة الشمسية في يوم القيامة، كما يستفاد من ظاهر القرآن الكريم، مع انتهاء مجموع الكون، كما هو معلوم. بل ان العلم أصبح يقيم القرائن على قلة أهمية الانسان في الكون، كما لا يخفى على المطلعين.
[[480]] انظر الفصل الرابع من الباب الثاني من القسم الثاني.
[[481]] لان نتيجته ليست إلا إيجاد المستوى الفكري اللائق لفهم الاطروحة العادلة الكاملة، والفكر البشري المجرد عن التوجيه لا يمكنه ان يصل إلى ذلك المستوى:
أولا: لان ادراكه للحقائق لا على المستويين القانوني والتاريخي مشوب بسيطرة العاطفة والمصلحة الخاصة، على طول الخط.
ثانيا: لان هذا الادراك قد يمنى بنكسات مهمة نتيجة لحروب عامة أو الأوبئة التي قد تستأصل مجتمعا أو مجتمعات.
[[482]] بالرغم من ان الادلة التي ذكرناها على وجود شريعة للنبي نوح D شاملة لإبراهيم D، إلا انه توجد إستبعادات اضافية على ذلك، أهمها عدم نقل القرآن شيئا من شريعته بالرغم من اهتمامه بنقل التفاصيل عنه، وكذلك التوراة بشكلها المتداول. وهذا لا ينافي وجود التعاليم الشخصية أو البسيطة التي لا تشكل شريعة كاملة ولا تسم اتجاهه العام بميسمها.
[[483]] انظر: الاويين، الاصحاح السادس والعشرون عموما. وانظر، التثنية، 2/15 فما بعده. وكلاهما بلسان موسى عليه السلام.
[[484]] انظر، أخبار الايام الثاني، 36/14- 18.
[[485]] كما دلت عليه التوراة المتداولة، ولم يدل القرآن الكريم على خلافه.
[[486]] انظر، الملوك الاول، 8/13- 54.
[[487]] انظر، أصل العائلة لانجلز، ص67. وأصول الفلسفة الماركسية لبوليتزر، جـ2 ص64.
[[488]] إلا بالمقدار الذي يدل عليه قوله تعالى: "قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا ان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين". الاعراف،7/128.
[[489]] انظر، قصة الديانات لسليمان مظهر، ص359.
[[490]] انظر ، الخروج: 32/33 ، والتثنية: 27/26.
[[491]] القصص: 39/69. ألم السجدة: 32/3.
[[492]] اما في العهد الاول، اعني بعد الخروج من مصر، فلبعد الطريق وصعوبة الوصول. واما بعد ذلك فلاشتغال دولتي اليهود بالخلافات والبعد عن التعاليم الأصلية والدعوة الدينية. مضافا إلى شعورهم أنئذ بالأهمية القبلية، وحصر دينهم في هذا النطاق.
[[493]] آل عمران: 3/68.
[[494]] انظر السيرة النبوية لأبن هشام، جـ1 ص203، ط3، عام 1391هـ-1972م.
[[495]] المصدر، جـ1ص194.
[[496]] انظر، ص416-426 منه. واعلم ان هذه الفكرة الخامسة ذات مفهومين:
المفهوم الأول: الخضوع للحاكم ولكل ظالم وعدم مقارعة الظلم بالظلم [من ضربك على خدك الايمن فقدم له خدك الايسر]. فهذه صورة مكثفة ومنحرفة عن مفهوم صحيح وهو [التقية] التي أشرنا اليها في المتن.
المفهوم الثاني: الخضوع لتعاليم الحكام الدنيويين وقوانينهم، من دون ان يكون للدين شريعة خاصة به [دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله]. وهذا ناتج من الشعور بقلة التعاليم الدينية وضرورة عدم التسيب في المجتمع، فيكون من الاحجى إيكال تنظيمها إلى الدولة الدنيوية. وهذا من القرائن على عدم وجود تعاليم كافية أساسا في الشريعة المسيحية، وربما كان ذلك باعتبار الظروف الصعبة التي مر بها المسيح D فلم يكن من الصالح إنزال شريعة متكاملة عليه. ولا مجال الآن للاطالة بالحديث عن ذلك.
[[497]] انظر، إنجيل برنابا، ترجمة الدكتور خليل سعادة، ص320.
[[498]] انظرعلى سبيل المثال، شارل جنيبير في كتابه المسيحية نشأتها وتطورها، ترجمة الدكتور عبد الحليم محمود، ص49 وما بعدها. واميل لودفيغ في كتابه إبن الانسان، ترجمة عادل زعيتر، ص205، ط مصر 1947.
[[499]] انظر، ص504 وما بعدها.
[[500]] وهذا لا يعني المناقشة فيهم أجمعين. فقد يوجد بين طلاب المسيح من يكون صالحا تقوم الدلائل على إيمانه واخلاصه.
[[501]] لعلنا نتوفر لذكر عدد من هذه التناقضات في الجزء الخاص من الموسوعة بهذا الموضوع. ونذكر هنا على سبيل المثال: أ- انفرد يوحنا في انجيله بانه ظهر يسوع لتلاميذه ثلاث مرات [21/15]. بينما الأناجيل الأخرى واضحة في المرة الواحدة. ب- انفرد متى بوصية المسيح بتعميد المسيحيين باسم الاب والابن والروح القدس [28/20]. ولم يذكر الآخرون ذلك مع انهم كانوا بصدد إستيعاب كلام المسيح ووصاياه. جـ- انفرد لوقا بتصريح المسيح بانه قتل من أجل تكفير خطايا الأمم [21/47-48]. ولم يذكره الآخرون مع انهم كانوا بصدد الاستيعاب. إلى غير ذلك من نقاط التهافت.
[[502]] انظر مثلا، 5/13 و 12/11 و 16/27 و 19/12-13 وغيرها كثير.
[[503]] ترجمة جورج فتاح، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت.
[[504]] ترجمة الدكتور عبد الحليم محمود، ط المكتبة العصرية، صيدا- بيروت.
[[505]] قصة الديانات، سليمان مظهر، ص441.
[[506]] انظر فكرة مختصرة عن ذلك في تاريخ الغيبة الكبرى للمؤلف، ص261.
[[507]] الاعراف: 7/158.
[[508]] الأحزاب: 33/40.
[[509]] الذاريات: 51/56.
[[510]] آل عمران: 3/191. واسم الاشارة راجع إلى خلق السماوات والارض في الاية.
[[511]] الدخان: 44/38-39. وانظر الانبياء:21/16-17.
[[512]] انظر، ص278 وما بعدها.
[[513]] انظر، ص497 وما بعدها.
[[514]] انظر، ص246 وما بعدها.
[[515]] انظرالتطبيق الثالث، ص268، وانظر التطبيق الرابع، ص511، وما بعدها أيضا، ص514 وما بعدها.
[[516]] اعني بها المستوى المهضوم والمعمول عليه إجتماعيا، لا المستوى المفهومي الموجود في الاطروحة الكاملة، فانه يكفي فكريا للمنع عن الانحراف.
[[517]] انظر، ص49 وما بعدها إلى عدة صفحات.
[[518]] انظر، ص514.
[[519]] انظر، تاريخ الغيبة الصغرى، ص630.
[[520]] انظر فجر الاسلام لأحمد أمين، ص185.نقلا عن المسعودي.
[[521]] انظر، ص251 وما بعدها إلى عدة صفحات.
[[522]] نوح: 71/2- 4.
[[523]] هود: 11/84- 88.
[[524]] نوح: 71/11- 12.
[[525]] هود: 11/52.
[[526]] هود: 11/86.
[[527]] انظر، الخرايج والجرايح للقطب الراوندي, ص199 . ووسائل الشيعة للحر العاملي, كتاب المزار, جـ1 ص468 . والمراد بالبقية: كونه D المتبقي في الأرض من خط الانبياء والاولياء السابقين عليه. وهذا يعطي بوضوح كون عمله نتيجة كبيرة وحقيقية لمجموع أعمالهم, كما برهنا عليه في هذه الموسوعة.
[[528]] انظر، مثلا، ص237 منه.
[[529]] النور: 24/55.
[[530]] انظر، المزامير: 37/19 و23 و30.
[[531]] انظر، مثلا، ص247 فما بعدها.
[[532]] انظر، تاريخ الغيبة الكبرى، ص501. وتاريخ ما بعد الظهور، ص78 وما بعدها.
[[533]] انظر، تاريخ الغيبة الكيرى، ص521 وغيرها. وتاريخ ما بعد الظهور، ص151 وما بعدها.
[[534]] انظر، ص514 وغيرها.
[[535]] انظر، ص296 وما بعدها.
[[536]] انظر، تاريخ ما بعد الظهور، الجهة الثالثة من المقدمة.
[[537]] انظر، نفس المصدر، القسم الثاني من الكتاب.
[[538]] المصدر، الفصل الرابع من الباب الاول من القسم الاول.
[[539]] المصدر، الباب الاول من القسم الثالث.
[[540]] المصدر، الفصل السابع من الباب الثالث من القسم الثاني.
[[541]] المصدر، الفصل السادس من الباب الثالث من القسم الثاني.
[[542]] انظر، تاريخ ما بعد الظهور، الفصل الاول من الباب الثالث من القسم الثاني.
[[543]] انظر، المصدر نفسه والفصل نفسه.
[[544]] وسائل الشيعة للحر العاملي، كتاب الخمس، أبواب الانفال، باب4.
[[545]] نفس المصدر ونفس الباب.
[[546]] المصدر والباب.
[[547]] يراد بعهد الهدنة ما هو اوسع من عهد الغيبة. فان عهد الغيبة يبدأ باول الغيبة الصغرى وينتهي بعد الظهور.واما عهد الهدنة فيشمل مضافا إلى ذلك ما قبله منذ وفاة النبي 9.
[[548]] وسائل الشيعة، جـ2 ص616 [كتاب التجارة].
[[549]] البقرة: 2/275.
[[550]] انظر، الغيبة للنعماني، ص124.
[[551]] صحيح مسلم، جـ8 ص185، هذا الحديث والذي قبله.
[[552]] الصواعق، ص98، هذا الحديث والذي قبله.
[[553]] صحيح البخاري، جـ9 ص73- 74.
[[554]] انظر، الصحيح، جـ3 ص84.
[[555]] الارشاد، ص342.
[[556]] انظر، الفصل السابع من الباب الثالث من القسم الثاني.
[[557]] تاريخ ما بعد الظهور، نفس الفصل.
[[558]] ص125 منه.
[[559]] البقرة: 2/275.
[[560]] نفس السورة والآية.
[[561]] المائدة: 5/38.
[[562]] المائدة: 5/1.
[[563]] النساء: 4/29.
[[564]] النساء:4/11.
[[565]] انظره في الفصل الرابع من الباب الاول من القسم الثاني.
[[566]] انظر، الفصل الثالث من الباب الثاني من القسم الثاني.
[[567]] انظر، الفصل الرابع من الباب الثالث من القسم الثاني.
[[568]] الأحزاب: 33/36.
[[569]] هذه هي نسب الزكاة, كما هو معروف لمن راجع الفقه الاسلامي. واما الخمس فهو يمثل 20% من المال, إلا انه يؤخذ من الربح لا من أصل المال - في الغالب - فإذا الربح ربع المجموع كانت الضريبة خمس الربع, أي 5% فقط. اذن فلا تكاد تزيد اعلى الضرائب الاسلامية عن 10% في الأعم الأغلب.
[[570]] بل أصبح الآن من الواضح فشل هذه النظرية، بعد ان عاشت التطبيق حقبة من الزمن في البلدان الاشتراكية، حتى أجاز الاتحاد السوفييتي الملكية الخاصة في الزراعة، لانه رأى بوضوح ان الانتاج سوف يكون أوفر بشكل كبير. وهو - أيضا - بصدد ذلك في الصناعة أيضا. وبذلك تفشل النتائج الرئيسية التي توختها الماركسية لتطور وسائل الانتاج.
[[571]] انظر، الفصل السابع من الباب الثالث من القسم الثاني.
[[572]] التوبة: 9/ 105.
[[573]] النساء: 4/95.
[[574]] مختارات لينين، جـ2 ص294 وما بعدها.
[[575]] الزمر: 39/9.
[[576]] النساء: 4/95.
[[577]] ص، 511 وما بعدها إلى عدة صفحات.
[[578]] انظر، الفصل الثالث من الباب الثاني من القسم الثاني.
[[579]] انظر، الفصل الخامس من الباب الاول من القسم الاول، تحت عنوان [الأسس العامة لتخطيط ما بعد الظهور].
[[580]] يحول دون التدريج البطيء في المجتمع المعصوم، ما قلناه فيما سبق من ان نتائج التخطيط - أيا كان - تكون متشابه إلى حد كبير في البشرية كلها. فالتدرج وان كان ثابتا إلا انه ليس بطيئا بالمعنى الحقيقي. وبهذا يختلف عن التدرج في الطور الأعلى الماركسي.
[[581]] ص480.
[[582]]انظر الانبياء: 21/29.
[[583]] انظر الصافات: 37/143- 144.
[[584]] السورة، آية 146.
[[585]] انظر، الشعراء: 26/63.
[[586]] الواقعة: 56/83- 87.
[[587]] الجن: 72/16.
[[588]] نوح: 71/11.
[[589]] انظر هود: 11/37- 48.
[[590]] انظر سبأ: 34/15- 16.
[[591]] انظر، هود: 11/82- 83. وسورة الحجر: 15/73- 74.
[[592]] انظر، الفيل: 105/1- 5.
[[593]] في الفصل السابع من الباب الثالث من القسم الثاني.
[[594]] في الفصل نفسه.
[[595]] كما يمكن ملاحظة البشرية السابقة من أولها إلى إبتداء الدولة العالمية... كذلك يمكن ملاحظتها من أول وعيها إلى تلك الدولة, إسقاطا لفترة ما قبل الوعي عن الاعتبار لقلة أهميتها. ومن المسلم علميا إلى جنب التسالم الديني أن فترة الوعي إلى الآن لا تزيد على حوالي الخمسة الآف سنة, وقد لا تحتاج إلى إبتداء الدولة العالمية إلى اضافة الف آخر. ومن هنا يمكن أن يكتفي في تحديد فترة التخطيطين الرابع والخامس. بخمسين الف سنة. واما إذا أخذنا بالفهم العلمي الحديث من أن فترة ما قبل الوعي تستمر عدة ملايين من السنين قد تصل إلى عشرات الملايين, وأخذنا هذه الفترة بنظر الاعتبار في أخذ النسبة. اذن, يلزم القول ببقاء المجتمع المعصوم عدة مئات من ملايين السنين. وليس هذا التحديد مهما بعد الالتفات إلى حقيقتين, الاولى: ان التخطيطات بطبيعتها لا تتحدد بالزمان. والثانية: ان فترة الدولة العالمية والمجتمع المعصوم سيواكب البشرية إلى حدود فنائها سواء طال عمرها أم قصر.
[[596]] الذاريات: 51/56.
[[597]]انظر، الباب الثاني من القسم الثالث.
[[598]] قد يكون العمل الكوني المسند إلى بعض البشر ممارسا في الارض نفسها فلا يكون الانفصال تاما، وإنما يكون الانفصال نسبيا ثابتا للبشرية على وجه العموم.
[[599]] انظر، تاريخ ما بعد الظهور، الباب الثاني من القسم الثالث.
[[600]] الاشاعة لأشراط الساعة، ص178.
[[601]] انظر، الغيبة للشيخ الطوسي، ص218.
[[602]] المصدر والصفحة بمعناه.
[[603]] انظر، ص255 وما بعدها إلى عدة صفحات.
[[604]] كليلة ودمنة، تحقيق: إلياس خليل زخريا ط دار الاندلس – بيروت، ص83.
[[605]] المصدر، ص95. لاحظ قوله: أقسام الكتاب واغراضه [المعاني الباطنة].
[[606]] انظر، ص245 وما بعدها.
[[607]] الانعام: 6/165.
[[608]] النور: 24/55.
[[609]] الأحزاب: 33/36.
[[610]] الرعد: 13/11.
[[611]] الذاريات: 51/56.
[[612]] انظر، ص234 منه.
[[613]] انظر، السيرة النبوية لابن هشام، جـ2 ص258. هذا وينبغي ان نضع المبرر الذي ذكره النبي 9 في موضعه الاجتماعي والتاريخي الخاص، من حيث ان الناس لم يكونوا ليستوعبوا هدفا أبعد من الحصول على المال، ولعل الذكي منهم يلتفت إلى حصول القوة للجماعة من هذا المال.
[[614]] مقتل الحسين D أو حديث كربلاء، عبد الرزاق المقرم، ط2 النجف، ص139.
[[615]] المصدر، ص135.
[[616]] المصدر، ص193.
[[617]] المصدر، ص131.
[[618]] المصدر، ص195.
[[619]] انظر، تاريخ ما بعد الظهور في الفصل الثالث من الباب الثاني من القسم الثاني.
[[620]] انظر، ص550- 560.
[[621]] كانت هذه الفكرة في صدر الاسلام مطبقة عمليا، ولكنها غير مفهومة للعموم لعدم استيعاب الذهنية العامة لها. واما الثورة الانكليزية فقد كانت بيضاء غير دموية فهي لا تنطبق على هذه الفكرة تماما. واما الثورة الامريكية فقد كانت أقل تنظيما وأضعف في الآيديولوجية الفكرية من الثورة الفرنسية.
[[622]] المائدة: 5/14.
[[623]] المائدة: 5/64.
[[624]] أعني ان هذه الاطروحة تخصهم، ولا تشمل سواهم.
[[625]] المائدة: 5/68.
[[626]] المائدة: 5/44- 47.
[[627]] المائدة: 5/66.
[[628]] نفس السورة والآية.
[[629]] المائدة: 5/68.
[[630]] نفس السورة والآية.
[[631]] المائدة: 5/96.
[[632]] المائدة: 5/41.
[[633]] المائدة: 5/80.
[[634]] المائدة: 5/51.
[[635]] المائدة: 5/42.
[[636]] انظر، ارشاد القلوب للديلمي، جـ2 ص6، ط بيروت.
[[637]] انظر، ص124.
[[638]] انظر، جـ4 ص205.
[[639]] المائدة: 5/48.
[[640]] نفس السورة والآية.
[[641]] آل عمران: 3/85.
[[642]] آل عمران: 3/84.
[[643]] آل عمران: 3/31- 32.
[[644]] المائدة: 5/43.
[[645]] سبأ: 34/13.
[[646]] ص: 38/24.
[[647]] الواقعة: 56/10- 14.
[[648]] الواقعة: 56/27- 40.
[[649]] سبأ: 34/12- 13.
[[650]] ص: 38/24.
[[651]] التبيان في تفسير القرآن، ط النجف، جـ9 ص490.
[[652]] التوبة: 9/100.
[[653]] المفردات، ص222.
[[654]] المصدر، ص81. وانظر التبيان، جـ9 ص490.
[[655]] الواقعة: 56/10- 14.
[[656]] التبيان، جـ9 ص490.
[[657]] انظره في الباب الاول من القسم الثالث.
[[658]] ص: 38/ 84-85.
[[659]] انظر، ط النجف، ص84-85.
[[660]] الباب الاول من القسم الثالث.
[[661]]اعلام الورى باعلام الهدى، ط طهران، ص435.
[[662]] في الباب الثاني من القسم الثالث.



1484695
جميع الحقوق محفوظة لموقع رسالة النجف الاشرف2010