لتسجيل اسمك بالزيارة نيابة
ادخل هنا
عدد الزوار الحالى 8 عدد الزوار اليوم 2720 عدد الزوار الكلى 1484693 عدد الزوار الشهر الماضى 101753 عدد الزوار العام الماضى 720354
تفسير الوحي والعلوم الإلهية بما وراء الطبيعة
لاشك أن ظاهرة الوحي الإلهي للأنبياء تنتمي إلى محيط العلوم الإلهية التي جاءت على لسان الأنبياء ونادت بها الكتب السماوية على أنها حقائق إلهية من قبيل العرش والكرسي واللوح والقلم والملائكة وكذلك الوحي، وقد اختلف المحققون في هذا المجال على عدة نظريات تكفّلت الوصول إلى حقيقة هذه المفاهيم( وما يهمّنا من هذه النظريات هي النظرية التي فسّرت معاني هذه الحقائق بما وراء الطبيعة وأنها أمور فوق المادّة وآثارها. تنطلق النظرية من تصوّر يفيد أن المفهوم وإن كان واحداً إلاّ أن المصاديق يمكن أن تكون مختلفة بعضها مادّي وبعضها مجرّد عن المادّة، فعندما يستخدم القرآن الكريم لفظ الميزان، القلم، العرش، الكرسي، الرؤية، اللوح وغير ذلك فليس من الضروري أن تنطوي هذه المفاهيم على مصداق واحد هو المصداق المادّي، بل يمكن للمصداق أن يتنوّع وهو يمتدّ ليشمل بالإضافة إلى المصداق المتداول في حياتنا الحسّية مصاديق أخرى فوق العالم المشهود. لهذه النظرية بذور كامنة في ممارسات علمية سابقة، بيد أنها اكتسبت مع الشيخ محمد محسن بن مرتضى المعروف بالفيض الكاشاني (ت1091 هـ) صياغة واضحة، وتحوّلت على الأثر إلى قاعدة تفسيرية ساقها المؤلف في إطار اثنتي عشرة قاعدة تمثّل منهجه التفسيري وتعكس رؤيته في التعاطي مع كتاب الله، على ما ذكره في مقدّمات تفسيره الموسوم تفسير (الصافي)
يعرض الكاشاني للمسألة في المقدّمة الرابعة من مقدّمات تفسيره، ويقدّم لها بما يدلّ على أهمّيتها الفائقة لما يترتّب عليها من نتائج وافرة، حيث يقول: إن الكلام بما هو: «من جنس اللباب، وفتح باب من العلم ينفتح منه لأهله ألف باب». ثم يعرض لجوهر تصوّره، بما يلي: «إن لكلّ معنى من المعاني حقيقة وروحاً، وله صورة وقالب، وقد يتعدد الصور والقوالب لحقيقة واحدة، وإنما وضعت الألفاظ للحقائق والأرواح ولوجودها في القوالب تستعمل الألفاظ فيهما على الحقيقة لاتّحاد ما بينهما» ينتقل بعدئذ ليوضّح مراده بعدد من الأمثلة التطبيقية، منها القلم، فلفظ القلم إنما وضع لآلة نقش الصور في الألواح من دون اعتبار أن تكون هذه الآلة من قصب أو حديد أو غير ذلك، بل ولا أن يكون القلم جسماً أو أن يكون النقش محسوساً أو معقولاً، ولا كون الألواح التي يكتب عليها من قرطاس أو خشب، بل مجرّد كونه منقوشاً فيه، وهذه وحدها حقيقة اللوح وروحه، فإن كان في الوجود شيء يتسطّر بواسطة نقش العلوم في ألواح القلوب، فأخلق به أن يكون هو القلم، قال سبحانه: )الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ! عَلَّمَ الإِْنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ( بل هو القلم الحقيقي حيث وُجد فيه روح القلم وحقيقته وحدّه، من دون أن يكون معه ما هو خارج عنه. الشيء نفسه يقال عن مثال آخر هو الميزان، فإنه موضوع لمعيار يعرف به المقادير، وهذا معنى واحد هو حقيقته وروحه، وله قوالب مختلفة وصور ومصاديق شتى، بعضها جسمانيّ مادّي وبعضها روحانيّ مجرّد، كما يوزن به الأجرام والأثقال مثل ذي الكفّتين والقبّان ومايجري مجراهما، وما يوزن به المواقيت والارتفاعات كالأسطرلاب، وما يوزن به الدوائر كالفرجار، وما يوزن به الأعمدة كالشاقول، وما يوزن به الخطوط كالمسطرة، وما يوزن به الشعر كالعروض، وما يوزن به الفلسفة كالمنطق، وما يوزن به بعض المدركات كالحسّ والخيال، وما يوزن به العلوم والأعمال كما يوضع ليوم القيامة، وما يوزن به الكلّ كالعقل الكامل إلى غير ذلك من الموازين ثم يخلص إلى القول: «وبالجملة ميزان كلّ شيء يكون من جنسه، ولفظة الميزان حقيقة في كلّ منها باعتبار حدّه وحقيقته الموجودة فيه، وعلى هذا القياس كلّ لفظ ومعنى» في هذا الضوء ليس ضروريّاً أن يكون مصداق العرش والكرسي والقلم، واللوح، وما يقع على شاكلتها مصداقاً مادّياً، بل يمكن أن تكون لها حقائق وراء عالم المادّة، وهذا نهج بالفهم يتفارق عن الذي سبقه، الذي أراد أن يفسّر الحقائق الإلهية في ضوء المادّة وقوانينها.