الأحد 28 جماد ثاني 1433
((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الصادق (عليه السلام) مَن ماتَ وليسَ عليهِ إمامٌ حيٌ ظاهرٌ ماتَ مِيتَةً جاهلّيةً  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الصادق (عليه السلام ) نحنُ أصلُ كلِّ خيرٍ ، ومِن فروعِنا كُلُ بِرًّ  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الصادق (عليه السلام ) نحنُ أصلُ كلِّ خيرٍ ، ومِن فروعِنا كُلُ بِرًّ  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الصادق (عليه السلام) مَن ماتَ وليسَ عليهِ إمامٌ حيٌ ظاهرٌ ماتَ مِيتَةً جاهلّيةً  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الرضا (عليه السلام) إن الإمامةَ أسُّ الإسلامِ النامي وفرعُهُ السامي  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الباقر (عليه السلام ) حُبُّنا أهل البيتِ نظامُ الدِّين   ((رسالة النجف الاشرف))قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الإمامة نِظامُ الأمة   ((رسالة النجف الاشرف))قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الإمامة نِظامُ الأمة   ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الباقر (عليه السلام ) حُبُّنا أهل البيتِ نظامُ الدِّين   ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الرضا (عليه السلام) إن الإمامةَ أسُّ الإسلامِ النامي وفرعُهُ السامي  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الصادق (عليه السلام) مَن ماتَ وليسَ عليهِ إمامٌ حيٌ ظاهرٌ ماتَ مِيتَةً جاهلّيةً  ((رسالة النجف الاشرف))قال الإمام الصادق (عليه السلام ) نحنُ أصلُ كلِّ خيرٍ ، ومِن فروعِنا كُلُ بِرًّ  ((رسالة النجف الاشرف))قال الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم): أفضل الاعمال العلم بالله . إن العلم ينفعك معه قليل العمل وكثيره، وإن الجهل لا ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي(عليه السلام): ما يسرني لومت طفلا وأدخلت الجنة ولم أكبر فأعرف ربي عزّ وجل.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي (عليه السلام): أعلم النّاس بالله أكثرهم له مسألة.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي (عليه السلام): ينبغي لمن عرف الله سبحانه أن لا يخلو قلبُهُ من رجاءه وخوفه.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم): إن الله خلق يوم خلق السموات والارض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والارض. فجعل منها في الارض رحمة. فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض وأخر تسعا وتسعين فإذا كان يوم القيامة أكملها به  ((رسالة النجف الاشرف))قال الرسول الاكرم(صلى الله عليه واله وسلم): من اطاع الله عزّ وجلّ فقد ذكر الله وإن قلت صلاتُهُ وصيامُهُ وتلاوتُهُ للقرآن  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي (عليه السلام): الذكر يؤنس اللب ويستزِلُ الرحمة  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي (عليه السلام): أُذكروا الله ذكرا خالصا تحيوا به أفضل الحياة، وتسلكوا به طُرُق النّجاة  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام السجاد (عليه السلام): إن قسوة البطنة وفترة الميلة وسُكر الشبع وعزّة المُلك مما يثبّط ويُبطيءُ عن العمل وينسي الذّكر  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام الصادق (عليه السلام): أوحى الله عزّ وجل الى موسى (عليه السلام)، لا تنسني على كل حال،ولا تفرح بكثرة المال، فإن نسياني يُقسي القلوب، ومع كثرة المال كثرةُ الذنوب  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي (عليه السلام) طوبى لمن أخلص لله عملهُ وحبهُ وبغضهُ، وأخذهُ وتركهُ، وكلامه وصمتهُ، وفعلهُ وقوله.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي (عليه السلام) من أصلح فيما بينهُ وبين الله أصلح اللهُ فيما بينهُ وبين الناس.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الامام علي(عليه السلام) إن العبد إذا اراد أن يقرأ، أو يعمل عملاً فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم فإنه يباركُ له فيه.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم) من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.  ((رسالة النجف الاشرف))قال الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم) ليس من عبد يظنُ بالله خيراً إلا كان عند ظنه به.  ((رسالة النجف الاشرف))عن موسى بن جعفر عليه السلام قال: من صام يوماً من رجب تباعدت عنه النار مسير سنة ومن صام ثلاثة أيام وجبت له الجنة  ((رسالة النجف الاشرف))قال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) من أُذِلَ عنده مؤمِن وهو يقدرُ على أن ينصرهُ أذلهُ الله يوم القيامةِ على رؤوسِ الأشهاد   ((رسالة النجف الاشرف))وقال الصادق (عليه السلام) الغيبةُ حرام على كل مُسلِم ، وإنها لتأكل الحسناتَ كما تأكُل النارُ الحطب  ((رسالة النجف الاشرف))قال أبو عبد الله (عليه السلام) من روى على مؤمِن روايةً يريدُ بها شينه وهدِم مروّته ليسقُطَ في أعينِ الناس أخرجهُ الله من ولايتهِ إلى ولاية الشيطان فلا يقبلهُ الشيطان   ((رسالة النجف الاشرف))قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) إياكُم والغيبةَ فإن الغيبةَ اشدُ من الزِنا ، فإن الرجلَ قد يزني فيتوبُ فيتوبَ اللهُ عليهِ ، وإن صاحِبَ الغيبةَ لا يُغفر لهُ حتى يغفرَ لهُ صاحِبهُ   ((رسالة النجف الاشرف))قال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تحاسدّوا ، ولا تباغضوا ، ولا يغتب بعضُكّم بَعضا ، وكونوا عبادَ اللهِ إخوانا  ((رسالة النجف الاشرف))قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه والغيبة تناول العرض  ((رسالة النجف الاشرف))قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه  ((رسالة النجف الاشرف))سؤل الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن أفضل الأعمال يوم الجمعة فقال : لا اعلم عملا أفضل من الصلاة على محمد وال محمد ز  ((رسالة النجف الاشرف))روي عن النبي (صلى الله عليه واله ) انه قال : من قال اللهم صل على محمد وال محمد أعطاه الله اجر اثنين وسبعين شهيدا وخرج من ذنوبه كيوم ولدته امه .  ((رسالة النجف الاشرف))قال رسول الله (صلى الله عليه واله ) رأيت رجلا في المنام من أمتي على الصراط يرجف أحيانا ويحبوا أحيانا فجاءته صلاته علي وأقامته على قدميه حتى مضى على الصراط .  ((رسالة النجف الاشرف))روي عن الإمام الصادق (عليه السلام ) عن آبائه عن النبي ( صلى الله عليه واله ) قال : ارفعوا أصواتكم بالصلاة علي فإنها تذهب بالنفاق .  ((رسالة النجف الاشرف))عن كتاب جامع الأخبار عن رسول الله (صلى الله عليه واله ) انه قال : من صلى علي مرة فتح الله عليه بابا من العافية . 
الزيارة بالانابة

لتسجيل اسمك بالزيارة نيابة

ادخل هنا

حالة الطقس في
النجف
29  32°
المتواجدون الان

عدد الزوار الحالى 7
عدد الزوار اليوم 2718
عدد الزوار الكلى 1484691
عدد الزوار الشهر الماضى 101753
عدد الزوار العام الماضى 720354

شرح فقرات دعاء كميل الجزء ألاول
الخميس 01 ذو الحجة 1430
شرح فقرات دعاء كميل
المحاضرة الأولى
إن دعاء كميل يُعتبر معلما من معالم ليلة الجمعة، فهو دعاء أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، هذا الدعاء رواه كميل بن زياد.. فرب العالمين له أساليبه في جعل الأبدية والخلود للبعض، ونحن نعتقد أن هذا الدعاء من الأدعية المخلدة في تاريخ المسلمين، ومحبي أمير المؤمنين صلوات الله عليه.. وهنيئا لكميل!.. فكم قُرئ هذا الدعاء على مر القرون في المشاهد المشرفة، ولا شك أنه كلما قُرئ من هذا الدعاء، فهو مدون في سجل هذا العبد الصالح، الذي كان من خيار أنصار أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه.. ويبدو من بعض الروايات والنقل أنه هو الذي سأل عليا حول هذا الدعاء، وكان له الفضل في وصول هذا المضامين الربانية إلينا نحن.
نحن نقرأ الدعاء ليلة الجمعة، ولكن قبل قراءة هذا الدعاء أو أي دعاء آخر مثل: دعاء الصباح، ودعاء الافتتاح، أو دعاء الندبة، أو دعاء يوم عرفة؛ علينا أن نتأمل في المضامين.. فنخن -للأسف- لا نتأمل المضامين، سواء عند قراءة القرآن الكريم، أو أدعية أهل البيت عليهم السلام.. وأغلب الناس يقرأ الدعاء مقدمة لقضاء الحوائج، فكأن الدعاء لا قيمة له في حد نفسه.. ولهذا لو أن إنسانا له حاجة ملحة، وابتدأ بقراءة دعاء الجوشن، وفي وسط الدعاء قيل له: أن حاجته قد قضيت؛ فيحتمل أن يقطع الدعاء، لأن السبب انتفى بالنسبة له!.. وهذا خطأ.. فالإنسان يتلذذ بمناجاة ربه، والدليل على ذلك موجود في القرآن الكريم، وهو تعامل موسى -عليه السلام- مع رب العالمين، رب العالمين يسأل موسى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى}، والإنسان في محضر الله -عز وجل- من المفروض أن يتأدب في الجواب، ومن المعروف أن من آداب الحديث مع الشخصيات الكبيرة، أن يُجمل الإنسان القول ولا يفصله تفصيلا يعرفه المخاطب، يتكلم مع رب العالمين فيقول: بيدي عصا وانتهى الأمر.. إذن، ليس المقام مقام تفصيل، فإذا بموسى -عليه السلام- يغتنم الفرصة ليقول: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى}، وكأنه ينتظر أن يأتي الوحي بسؤال: ما هي هذه المآرب الأخرى يا موسى حتى يكمل، مثلا يقول: أضرب بها على ورق الشجر ليتساقط، ثم يأكل منه الغنم مثلا.. يقول العلماء: أن موسى -عليه السلام- اغتنم الفرصة، فرب العالمين سأله سؤالا، أي أذن له بالكلام، عندئذ أخذ يفصل ويفصل.. ونحن في أدعيتنا نشكر الله -تعالى- أنه أذن لنا في دعائه، كما ورد في دعاء الافتتاح (اللهم!.. أذنت لي في دعائك ومسألتك، فأسمع يا سميع مدحتي، وأجب يا رحيم دعوتي، ….الخ)..
فإذن، إن الإنسان من خلال الدعاء، يحاول أن يتحدث مع ربه.. فالدعاء -كما نعرف- هو حديث العبد مع الرب، وكذلك الصلاة، فكما هو معروف أن الخطاب على نحوين: الخطاب الصاعد من العبد إلى اللّه، والخطاب النازل من الله تعالى إلى العبد.. فالخطاب الصاعد: هو "الصلاة" و"الدعاء"، وهو القرآن الصاعد.. والخطاب النازل: هو "القرآن" النازل من عند الله على الناس.. فتارة رب العالمين يكلم عبده من خلال قرآنه، وتارة العبد يكلم ربه من خلال الصلاة.. والصلاة لغة تعني الدعاء.
إن هنالك بعض القواعد العامة، لا بد من ذكرها بالنسبة إلى الأدعية بشكل عام، منها:
أولا: عدم تخصيص الأدعية: إن الأدعية الواردة في مناسبات معينة: كليلة الجمعة -مثلا- أو صباح الجمعة، أو بين الطلوعين، أو في شهر رمضان، أو ليالي القدر.. ليس معنى ذلك النهي عن قراءة هذه الأدعية في غير هذه الأوقات!.. إذا كان الإنسان يستأنس بمضمون الدعاء؛ فليحفظه!.. إن أغلب المؤمنين هذه الأيام حتى لعل الأطفال الصغار، إذا قيل لهم: هذه الفقرات من أي دعاء؟.. يعرفون أن هذه الأجزاء من دعاء كميل، لشدة أنسهم بهذا الدعاء.. فما المانع أن نستخدم هذه المضامين الراقية في سجود صلاتنا، وفي قنوتنا، وفي صلاة الليل، وفي مناسبات مختلفة؟!.. فالإنسان قد يتفاعل مع بعض الفقرات من أدعية أهل البيت عليهم السلام.. لماذا يغفل الناس عن دعاء رفع المصاحف سنة كاملة؟.. فهذا الدعاء ليس فيه أي إشارة إلى ليلة القدر (اللهم!.. إني أسألك بكتابك المنزل وما فيه، وفيه اسمك الأعظم …الخ) ليس هنالك عبارة واحدة تشير إلى شهر رمضان، ولا إلى ليلة القدر.. ودعاء رفع المصاحف تقريبا تطبيق عملي لحديث النبي- صلوات الله عليه-: (إني تارك فيكم الثقلين)؛ الكتاب على رأسك وبين يديك، وذكر أئمة أهل البيت على لسانك؛ أي هناك تركيبة جامعة بين التوسل بالله -عز وجل- وبكتابه وبنبيه وبأوليائه إلى الإمام الأخير.. وهذا درس لنا جميعا: أن نستعمل أدعية أهل البيت في مناسبات مختلفة.
ثانيا: الدعاء أثناء الصلاة: بعض الأفراد أو بعض المقلدين، لا يعرفون أن الإنسان بإمكانه أن يدعو في غير القنوت، يظن بأن المكان الوحيد للدعاء بين يدي الله هو القنوت، أما إذا قال: (سمع الله لمن حمده) ثم بدا له أن يقرأ فقرات من دعاء كميل يقول: لا، هذا لا يجوز، لماذا لا يجوز؟.. بين السجدتين تقول: أستغفر الله ربي وأتوب إليه، ثم تقول: (اللهم!.. اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم.. اللهم!.. اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء).. ما المانع من ذلك؟..
فإذن، إنه لمن المناسب جدا للمصلي أن يدخل الدعاء في كل صلاته.. فالمؤمن تأتيه بعض الحالات في مقام إبراهيم -مثلا- أو في روضة النبي الأكرم، وأحيانا تأتيه الرقة في الصلاة.. والمؤمن على كل حال له حالات: يقبل يوما، ويدبر يوما.. قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: (إن لله في أيام دهركم نفحات، ألا فتَعرَّضوا لها.. فلعلّ أحدكم تصيبه نفحة، فلا يشقى بعدها).. وهذه النفحات جدا غالية على الله عز وجل، ولهذا يقول: (في أيام دهركم) وليس كل يوم.. وإن كان البعض من المؤمنين له في كل ليلة، وفي كل صلاة ليل، نفحات إلهية تفيض عليه.. ولكن العامة من الناس في السنة: في الحج، أو العمرة، أو في ليلة القدر؛ لهم في الدهر أربع أو خمس محطات ملفتة.. أما البعض فإنه يستنشق ذكر الله كالهواء، إذا انقطع عنه الهواء خمس دقائق يختنق.. بعض المؤمنين علاقته بالذكر، هي هذه العلاقة العضوية الوطيدة.. مثلا: أنت في الروضة وخلف المقام تأتيك هذه الرقة التي كنت تنتظرها طوال موسم الحج؛ فعليك بمناجاة الله -عز وجل- بما تريد.. ومن أفضل الساعات لاغتنام الفرصة، إذا جاءتك في حال الصلاة، فتدعو الله في أثناء الصلاة
إن البعض يستعد أن يصلي حتى يدعو بعد الصلاة، لماذا لا تدعو أثناء الصلاة، لأنك أنت الآن بين يدي الله وفي ضيافته، وأقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد؛ فكيف إذا كانت الصلاة في روضة النبي، أو في الحرم المكي، يدعو الله عز وجل!.. حتى أن بعض العلماء في صلاة الفجر، كان يطيل في دعائه في الصلاة، لعله إلى قريب طلوع الشمس.. هما ركعتان تحتاجان لمدة دقيقتين، وإذا به يستمر بها لمدة ساعة ونصف تقريبا بين الطلوعين، ماذا يعمل في هذه الصلاة؟.. كان يناجي ربه في كل فقرة من فقرات صلاته، وهذا من الاقتراحات المناسبة في هذا المجال، أن نخلل الأعمال العبادية بالأدعية.. بعض الناس لا يعرف ماذا يقول في طوافه، فيقرأ دعاء كميل.. ونحن ندعو من له قدرة على الحفظ، أن يحفظ دعاء كميل، أو دعاء الصباح، أو سورة ياسين.. وهذا يحتاج إلى ذهنية صافية، وهذه الأيام أغلب الناس أذهانهم مشوشة، قد لا يمكنهم حفظ سورة قصيرة من آخر القرآن الكريم.. ولكن من وفق لذلك فهنيئا له!.. في الطواف يقرأ هذا الدعاء، وفي السعي، وفي جميع الأعمال.
ثالثا: الدعاء بغير العربية: البعض قد لا يعلم أنه يجوز الدعاء بغير العربية، حتى في غير القنوت، أثناء الصلاة إنسان ساجد يدعو الله باللغة الانجليزية -مثلا- يريد أن يحدث ربه، نعم هو يقول بالعربية: (سبحان ربي الأعلى) ولكن لا يتفاعل مع هذا الذكر؛ لأنه لا يعلم معناه!.. نحن الناطقون باللغة العربية لا نعلم معنى (سبحانك)!.. نقول: (سبحان ربي الأعلى)، نعرف معنى الأعلى، ولكن ما معنى سبحانك؟.. السبحان يعني التنزيه من أي شيء، لماذا لم يقل: أسبح الله؟.. قال: سبحان ربي الأعلى وبحمده، ولماذا لم يقل: سبحان ربي الأعلى بحمده؟.. لماذا يقال: (وبحمده)؟.. لماذا استخدمت الواو هنا؟.. وهذا اتفاقا من أعقد الأبحاث!.. لعل أول ما يتبادر إلى الذهن هو هذه الأسئلة، فكيف بإنسان لا يتكلم العربية، وهو يريد أن يدعو بلغة قومه؟!..
رابعا: الاكتفاء بقراءة قسم من الدعاء: إن البعض قد يستنكف عن قراءة دعاء كميل ليلة الجمعة، والسبب في ذلك أن وقته ضيق.. فمن قال بأنه عليك أن تقرأ الدعاء من أوله إلى آخره؟.. بإمكانك أن تقرأ قسما من الدعاء عند ضيق الوقت، مثلا من فقرة: (اَللّهُمَّ وَمَنْ أرادني بِسُوء فَاَرِدْهُ) إلى آخر دعاء كميل، كلها مضامين عالية.. وكذلك فإن النتيجة والثمرة النهائية، موجودة في هذه الفقرة وما بعد: (وَاجْعَلْ لِساني بِذِكْرِكَ لَهِجَاً، وَقَلْبي بِحُبِّكَ مُتَيَّماً، وَمُنَّ عَلَيَّ بِحُسْنِ إِجابَتِكَ) إلى أن تقول: (وَاجْعَلْني مِنْ أحْسَنِ عَبيدِكَ نَصيباً عِنْدَكَ، وَأَقْرَبِهِمْ مَنْزِلَةً مِنْكَ، وَأخَصِّهِمْ زُلْفَةً لَدَيْكَ...الخ).
فإذن، مع ضيق الوقت اقرأ قسما من الدعاء!.. بل نقول: مع سعة الوقت، لا تبغض عبادة الله إلى نفسك.. عن الرسول الأكرم (ص): (إن للقلوب إقبالا وإدبارا: فإذا أقبلت؛ فاحملوها على النوافل.. وإذا أدبرت؛ فاقتصروا بها على الفرائض).. فمن الخطأ أن يلزم الإنسان نفسه بما لا يستسيغه، كمن يصلي صلاة مستحبة وهو كاره، أو يقرأ الدعاء وهو كاره، وهذه الأيام الهمم العالية أصبحت قليلة، أصبحنا نتعب ونكسل سريعا.. الآن من باب خداع الشيطان، طبعا فكما أن الشيطان يخدعنا نحن أيضا نخدع الشيطان، قل: يا أبا مُرّة -كنية الشيطان أبو مُرّة- أنا سأقرأ العبارات الأولى من دعاء كميل، أنا إنسان مجبر الآن، لأنك تقول لي: لا تقرأ الدعاء، لذا أنا سأقرأ أربعة أسطر من الدعاء إلى (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ).. أنت عندما تبدأ الدعاء، ترى أبواب السماء فتحت، والشهية فتحت، فتقول: يا أبا مُرّة، سأقرأ العشرة أسطر الإضافية، إذا بك أنهيت الدعاء!.. وهكذا في صلاة الليل!.. إن الخطاب للشيطان، وبعض الأوقات يكون الخطاب للنفس الأمارة للشيطان.. فالشيطان يؤسس كيانا، يقول لك: نفسك الأمارة بالسوء، هي سفارتي في وجودك، بدل أن أتعب نفسي معك؛ فإن هذه النفس تمثلني في وجودك.. لذا أنت قل لهذه النفس: يا نفس!.. هذه الليلة سأصلي ركعتين، وبعدها ركعتين، وكل فترة تزيد عدد الركعات إلى أن تصبح الصلاة كاملة.. اخدعوا النفس بهذه الكيفية، وهذه خدعة جيدة!.. فالنبي صلوات الله وسلامه عليه يقول: (الحرب خدعة) ونحن نعرف أن الحرب مع النفس، والجهاد مع النفس، هو الجهاد الأكبر.. فالإنسان بهذه المناسبة يخادع نفسه، ويخادع شيطانه بهذه الكيفية.
خامسا: قراءة الدعاء برجاء المطلوبية: بعض الناس: إما من باب البحث العلمي، أو من باب التظاهر بالجو العلمي أو الثقافة؛ عندما يتحدث، أو عندما يناقش، أو عندما يسأل.. ليس من منطلق الجهل، أو البحث عن الحقيقة، بل من منطلق التظاهر يقول: هذا الدعاء ما سنده؟.. سنده ضعيف، من قال: هذا الدعاء صحيح؟.. من قال بأن دعاء الصباح دعاء وارد؟.. من قال: كذا، ومن قال: كذا؟..
طبعا الجواب: نحن لا نُطالب بالسند القطعي في قراءة الدعاء، نحن لسنا في مقام الإفتاء، ولسنا في مقام بيان الحلال والحرام، ولسنا في مقام الإلزام: لا تحريما، ولا إيجابا.. فمن يقول بأنه في الأدعية المستحبة لا نقرأ إلا الدعاء الذي ثبت سنده أو ثبت بسند صحيح؟.. هذا أيضا من الأمور الذاتية، أن تعتبر أن الدعاء الذي روي وإن كان مرسلا، وإن كان من غير سند، أو كان فيه رواة ضعاف، يُقرأ برجاء المطلوبية، وخاصة إذا كانت المضامين راقية.. هنالك دعاءان علماؤنا يرتاحون لقوة المضمون فيهما، مما يجعل الإنسان لا يوسوس كثيرا في السند.. وهما دعاءان مرويان عن أمير المؤمنين -صلوات الله وسلامه عليه-: دعاء الصباح (يا من دل على ذاته بذاته، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته، وجلّ عن ملاءمة كيفياته!.. يا من قَرُبَ من خطرات الظُنون)!.. هذه المضامين هي مضامين في أعلى درجات التوحيد، وليس كل إنسان يمكنه شرح مقدمة دعاء الصباح، إلا وقد اجتاز دورات عقائدية وفلسفية وكلامية.. فإذن، إن هذا الدعاء، ودعاء كميل؛ دعاءان بليغان.. انظروا إلى هذه المضامين!.. ما الذي يجعل الإنسان ويقول: هذا المضمون فيه ضعف، وفيه إشكال؟!..
إن هنالك بعض الأدعية فيها عبارات بليدة، لا نعرف معناها، ولكن عندما نقرأها، نقرأها تعبداً لأن فيها ألفاظا غير عربية، ولا نعرف ما معنى هذا الدعاء!.. ولكن دعاء كميل، ودعاء الصباح، وغيره من الأدعية؛ المضامين واضحة جدا، وراقية جدا.. إذ إن الإنسان يكاد يرتاح لهذه المضامين، فهذا الدعاء لو لم يصدر من أمير المؤمنين، هل كتب الله له هذه الشهرة في طوال هذه السنوات والأعوام والقرون؟..
وأيضا بعض أولاد الأئمة -عليهم السلام- هذا الذي يزار أو الذي يتبرك بزيارته، وتقضى منه الحوائج.. فإن رب العالمين لا يعطي هذه الكرامات والبركات من دون سبب وجيه!.. هذه السيدة الجليلة المسكونة في عش آل محمد، فاطمة بنت موسى بن جعفر صلوات الله عليهم، صحيح لا توجد روايات كثير عنها، ولا سيرة واضحة مدونة ولا كتاب ضخم عنها.. ولكن ما رأيناه في هذه السنوات الطويلة من البركات والكرامات، يجعل الإنسان يطمئن إلى أن هنالك شيئا إلهيا في هذا المرقد الشريف.. ودعاء كميل أيضا كذلك، يبدو أن هنالك ارتضاء إلهيا لهذه المضامين التي كتبت لها الأبدية والخلود.
إن العلامة المجلسي- رحمه الله- صاحب كتاب بحار الأنوار، -طبعا البعض قد ينتابه شيء من الحالة السلبية عند ذكر هذا الكتاب، قد يقول: أنا رأيت رواية غير معقولة لم أقبلها.. نقول: أولا الشيخ- رحمه الله- ما كان في مقام جبر الصحاح.. فليس عندنا -نحن الإمامية- كتاب واحد ندعي أنه كالقرآن الكريم صحيح من أوله إلى آخره، هذا الكلام غير وارد في منطق الإمامية.. فكيف بمائة وعشر مجلدات؟.. إن هذا العالم الجليل كان في مقام جمع روايات أهل البيت، ثم يقول: هذا الذي جمعته، فأيها العلماء ابحثوا في هذه المضامين، هذا جهدي في زماني.. هو جمع هذا التراث الضخم، وعلى العلماء والمدققين التنقيب حول هذه المضامين.. إن هذا العالم الكبير له حق على المسلمين، وكتابه البحار فيه روايات النبي وآل النبي، فليس حقه على مدرسة أهل البيت فحسب، وإنما حقه على المسلمين كافة.. وأيضا هناك روايات في كنز العمال، وهو من خارج مدرسة أهل البيت، روايات أخلاقية جميلة ينقلها صاحب كنز العمال، ونحن ننقلها في كتبنا ونستأنس بها وننقلها على المنابر.. فما المانع أن ينظر أيضا باقي المسلمين إلى التراث الحديثي في البحار وغيره، وينقلون المضامين الأخلاقية التي يجمع على أنها مضامين أخلاقية لا ريب فيها-؟.. يقول المجلسي رحمه الله: (إنه أفضل الأدعية) ولم يقل: (إنه من أفضل الأدعية) هذا الرجل يعطي شهادة، هذه الشهادة شهادة أكاديمية محترمة، لم ينقلها إنسان عادي أو إنسان له مستوى علمي محدود، بل إنسان يعتبر في تاريخ الإمامية من أعظم المحدثين وأستاذ المحدثين: رجل عالم، نقل روايات، وجمع روايات.. ولكن أثناء الجمع أيضا له تعليقاته على بعض الروايات، هذا الرجل يقول عن دعاء كميل: (إنه أفضل الأدعية، وهو دعاء الخضر عليه السلام).
هنا نتمسك بهذه القاعدة: أن أمير المؤمنين -صلوات الله عليه- لعله أراد بهذا الدعاء أن يبين لنا فضل الخضر هذا العبد الصالح، وهذا الولي الذي هو في زمان الغيبة، والحديث عن الخضر كثير، ولكن نقف عند هذه النقطة ونقول: إن الدعاء الذي يعتبره المجلسي أفضل دعاء، هذه شهادة تدعونا للتدبر والتأمل في مضامين هذا الدعاء.
ملاحظة: إن البعض منا قد يرى رواية غريبة لا يستسيغها، أو لا تنسجم مع عقله هو، لا مع عقل البشر، ولا مع عقل كل عقلاء العالم، هو لا يستسيغ.. ولكن احتراما لأهل البيت ورواياتهم لا تسارع إلى الإنكار، ولكن رده إلى أهله.. والذي ينفي أحاديث أهل البيت لمجرد الاستغراب، هذا إنسان لديه نقص في البعد العلمي، فأن يسارع الإنسان إلى النفي بمجرد الاستغراب، هذا لا يقبله البحث الأكاديمي.. ولو كان الأمر منوطا باستغرابنا لحكمنا -والعياذ بالله- على آيات من القرآن بأنها آيات غير معقولة، مثل آية: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} أي يد هذه؟.. و{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}، كيف يأتي الرب مع الملائكة؟.. فرب العالمين (لا يكيف بكيف، ولا يؤين بأين)، {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}، {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء}.. فإذن، هذه الآيات كما أن فيها محكمات ومتشابهات، كذلك في تراث أهل البيت عليهم السلام، هنالك محكمات وهنالك متشابهات، على الإنسان إما أن يكون أكاديميا، أو متأدبا في مناقشة هذا التراث العظيم.

المحاضرة الثانية
لازلنا في رحاب أمير المؤمنين -عليه السلام- في دعاءه المعروف الذي رواه كميل بن زياد، وهذا الدعاء كما نعرف من سمات ومعالم ليلة الجمعة، والمؤمن له صلة وثيقة بهذا الدعاء، فمن المناسب أن يطلع على بعض ما في هذا الدعاء من معانٍ.

إن الذي روى هذا الدعاء هو كميل بن زياد، وهذه الشخصية من الشخصيات التي التحقت بركب الشهداء، كان في قلبه حب أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، وكان هذا الحب ظاهرا عليه، وهو من ضحايا ظلم الحجاج، ظفر به وقُتل في حب علي -عليه السلام- وولايته.. نحن نعتقد أن الله -عز وجل- كافأه بمكافأة معجلة، قبل أن يقتل في سبيل الله عز وجل.. فأعطاه هذه الجائزة المعجلة، وهو هذا الدعاء الذي أجري على يده.

إن لدعاء كميل قصة، وهي: كان أمير المؤمنين -عليه السلام- جالساً في مسجد البصرة، ومعه جمع من أصحابه، فسأله أحدهم عن تفسير الآية الكريمة {ففِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}.. فقال الإمام عليه السلام: هي ليلة نصف من شعبان (أي ليلة 15 شعبان)، ثم أقسم الإمام قائلاً: والذي نفس علي بيده!.. ما من عبد إلا وجميع ما يجري عليه من خير أو شر مقسوم له في ليلة النصف من شعبان إلى آخر السنة في مثل تلك الليلة المقبلة، وما من عبد يحييها ويدعو بدعاء الخضر (عليه السلام) إلاّ اُجيب له.. فلما انصرف طرقته ليلا فقال (عليه السلام): ما جاء بك يا كميل؟.. قلت: يا أميرالمؤمنين دعاء الخضر فقال: اجلس يا كميل، إذا حفظت هذا الدعاء فادع به كلّ ليلة جمعة، أو في الشهر مرة، أو في السنة مرة، أو في عمرك مرة؛ تكف وتُنصر وترزق ولن تعدم في المغفرة.. يا كميل!.. أوجب لك طول الصحبة لنا، أن نجود لك بما سألت.. ثمّ قال (عليه السلام) اكتب... تهيأ كميل للكتابة، وراح الإمام يتلو عليه الدعاء الذي يردده اليوم الملايين المسلمين حيث اشتهر بـ "دعاء كميل".

ونحن نعرف أن دعاء كميل يقرأ في النصف من شعبان، وفي ليالي الجمعة.. ويفهم من روايات أهل البيت (ع): أن ليلة النصف لها ارتباط بليلة القدر، ولكن كيف يكون الارتباط؟.. يبدو -والله العالم- أن المقدرات تكتب في ليلة النصف من شعبان، أي من الممكن أن تكتب المسودة الأولى، ثم في ليلة القدر تبرم الأمور.

إن دعاء أمير المؤمنين -عليه السلام- فيه هذه الخاصية: إنه لو قرأ في العمر مرة، لا في ليلة الجمعة فقط، بالطريقة التي يريدها أمير المؤمنين؛ فإنه سينال المطلوب.. رب العالمين يستحي من عبده المؤمن إذا طلب منه طلبا، يعني إذا خرج وانقدح الطلب من قلبه، وليس فقط قرأ الدعاء بلسانه.. فهناك فرق بين تلاوة الدعاء وبين الدعاء!.. إذا خرج الطلب من قلبه، ولم يكن هنالك ما يحبس الدعاء، وهو هذا الشرط الثاني.. هذا الطلب يصل إلى العرش، إذا وصل إلى العرش رب العالمين ما الذي يمنعه من أن يستجيب هذا الدعاء؟.. إن البعض قد يستغرب أو يستكثر من ثواب بعض الأعمال، في كتب الدعاء يقال: من قرأ هذا الدعاء، له ألف قصر في الجنة.. ويقال أيضا: من قرأ عبارة من هذا الدعاء في خمس دقائق، أعطى هذا الثواب العظيم.. ولهذا هناك عبارة جميلة تقول: إن الذي يشك في هذا الأجر العظيم غير المتوقع، يشك في أحد أمرين: إما أنه يشك في قدرة الله عز وجل، وإما أنه يشك في كرم الله سبحانه وتعالى!.. وكلاهما باطلان، بل من أسباب الكفر.. رب العالمين قادر وكريم، ما الفرق بين أن يعطيك قصرا أو يعطيك ألف قصر؟.. القضية كن فيكون، وانتهى الموضوع!.. ولهذا علي -عليه السلام- يقول: في العمر مرة، إذا خرج الطلب ووصل، انتهى الأمر، (تكف وتُنصر وترزق ولن تعدم في المغفرة).

إن الإمام (ع) طلب من كميل حفظ الدعاء، وقد أملاه عليه، وكميل كتبه.. ومن هذه العبارة يبدو أن المتن متن منقح، حفظه كميل ونقله إلينا، قال: يا كميل!.. أوجب لك طول الصحبة لنا، أن نجود لك بما سألت.. أي هذه العلاقة الطويلة معنا، ثمرتها ظهرت في تلك الليلة.. انظروا إلى هذه الثمرة، الإنسان قد يزور، وقد يذهب للحج أربعين سفرة، أو ثلاثين سفرة؛ ولكن تظهر الثمرة في سفرة من السفرات، فلا تعلم ما هي السفرة التي يرشح لك فيها الخير الكثير!.. كميل كان مع أمير المؤمنين، ولعله شاركه في غزواته، ولكن لم يحصل على هذه الجائزة العظمى، إلا في تلك الليلة في البصرة.. ونحن بعد قرون اجتمعنا هذه الليلة، لنتدارس دعاء كميل.

فإذن، إن المؤمن لا ينتظر الجوائز معجلة، وبناء رب العالمين على اختبار صبر العباد.. فالذي يريد أن يأخذ الجائزة فورا، هذا إنسان لا يمكنه أن يسير في طريق القرب إلى الله عز وجل، مثلا: يسمع أحدنا بركات صلاة الليل، فينوي هذه الليلة أن يصلي صلاة الليل.. وصلاة الليل توجب سعة الرزق، وتوجب نور الوجه ونور الفؤاد.. يصلي لمدة أسبوع وأسبوعين، أو شهر وشهرين؛ فلا يرى شيئا في حياته، فيترك هذه الصلاة، ويقول: صلاة الليل لا توجب ما توقعناه.. بينما الذي يريد أن يقطف الثمار من المستحبات، عليه أن يواظب على هذا المستحب سنة على الأقل، من المرجو بعد تلك السنة أن يرى بعض الثمار.. وإلا لو كان عندما يصلي صلاة الليل، تنزل عليه ياقوتة حمراء، أو زبرجدة خضراء؛ لكان كل الناس من أولياء الله عز وجل.. فإذن، إن البناء على كتمان الإسرار، وعدم التعجيل في الجوائز.

سؤال: هل هذا الدعاء دعاء الخضر؟.. وهل علي -عليه السلام- وهو وصي رسول الله، يحتاج إلى دعاء الخضر حتى يتعلم منه؟.. من هو الخضر، هل هو من الأحياء؟.. هل هو الذي لاقاه موسى -عليه السلام- في تلك القصة المعروفة في سورة الكهف؟..

لا بأس أن نسلط الضوء قليلا على الشخصية الثانية في دعاء كميل، ألا وهو الخضر.. يبدو من بعض العبارات أنه كان نبيا رغم أن الآية تقول: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا} وصفة هذا العبد {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا}.. فالقرآن لم يصرح أنه نبي، ولكن التعبير {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} وما قام به من حركات غريبة: من قتل إنسان بريء، وخرق السفينة؛ هذا العمل لا يجوز شرعا، {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا} فموسى -عليه السلام- لم يستطع الصبر؛ لأنه مأمور بحسب الشريعة، وهذا العبد الصالح يقوم بما هو فوق الشريعة، وهذا يعني أنه يأخذ الأوامر من الله -عز وجل- مباشرة بنحو الاستثناء.. فمال الغير لا يجوز إتلافه، وهذه قاعدة عامة؛ وكذلك قتل النفس.. ولكن الخضر له إذن خاص؛ ومعنى ذلك أن هذا الرجل في درجة عالية من القرب إلى الله تعالى.

لنقلّب ما هي خصوصيات الخضر؛ حتى بعد ذلك نعلم لماذا علي -عليه السلام- يقول: هذا الدعاء هو دعاء الخضر؟.. وكونه دعاء الخضر؛ يعني أن هذه المضامين كانت عنده، ولا غرابة في ذلك مادام هذا الدعاء في قلب الخضر، والخضر عبد من عباد الله، علمه الله من لدنه علما، ما المانع أن يكون هذا العلم قذف في قلب الخضر، ورب العالمين قذف هذا الدعاء في قلب أمير المؤمنين عليه السلام؟.. وبعبارة أخرى: رب العالمين علمه الخضر بلغته سواء العبرانية أو غيرها، وعلمه علي -عليه السلام- باللغة العربية.. فإذن، هذا ليس معناه أن عليا -عليه السلام- في مرتبة أقل من الخضر وهذا واضح!.. وعلينا أن نعلم أن الخضر كان في زمان موسى عليه السلام، وموسى من الأنبياء أولي العزم.. وحسب الظاهر المرتبة الرسمية لموسى -عليه السلام- أرقى من الخضر، فالخضر عبد صالح له علم خاص، ولكن ليس معنى ذلك أنه أرقى من موسى عليه السلام.. وعلي -عليه السلام- وصي النبي الخاتم، ونحن نعلم أن النبي الخاتم أرفع منزلة من موسى عليه السلام، ولعلي -صلوات الله عليه-علم الكتاب {كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} علي وارث علم القرآن من النبي، هو القرآن الناطق، فإذن من المسلّم أن منزلته أرقى من هذا العبد الصالح.

إن الوسام الأول الذي علقه القرآن الكريم على صدر الخضر، أنه عبد {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا}.. هذا الوسام الذي نذكره نحن أيضا للنبي الخاتم في التشهد (وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) العبودية أولا، ثم الرسالة ثانيا.. فلولا أنه عبد لما صار رسولا، وعلي -عليه السلام- لولا أنه عبد لما صار وصيا.. ونحن كذلك: إذا أردنا أن نصبح لله أولياء مقربين، متقين؛ فإن الطريق الأول هو طريق العبودية.. ولا نعني من العبودية، إلا أن يستشعر الإنسان بأنه مأمور في هذه الدنيا بأوامر ونواهي، ولا فضل له في ذلك.. مشكلتنا نحن أنه عندما نقوم بطاعة متميزة، مثلا: شاب يختلي مع فتاة، كخلوة زليخة مع يوسف، ثم يجاهد نفسه.. صحيح هذا سعيه مشكور، ويجزى خير جزاء!.. ولكن من التحليل والدقة، لا نرى بأنه قام بأمر عجيب غريب، فهو مأمور أن لا يقترب من هذه الفتاة، وأن لا يلمسها وانتهى الموضوع!.. لو أن هذه الحركة، أو هذه الخلوة كانت في محضر السلطان، والسلطان له أعوانه وله جلاوزته؛ لما تجرأ أن يعمل خلاف ما يريده السلطان في محضره.. وهو الآن في محضر سلطان السلاطين، في محضر رب العالمين.. فإذن، إن واقع الحال أنه ما قام بشيء يورث له العجب.

إن مشكلة الشباب عادة تعود إلى القضايا النسائية، والقضايا النسائية تعود إلى النظر.. فالذي لا ينظر؛ لا يتفاعل ولا يثار.. فإذا لم يتفاعل ولم يثار؛ لن يرتكب الحرام.. ولهذا نقول: اقضوا على الحرام في مهده، لأنه إذا زرعت بذرة الحرام ونبتت؛ عندئذ من الصعب أن تقلع هذه الشجرة.. إن الذي لا ينظر، وخاصة للمناظر المثيرة؛ هذا بمثابة من أعطاك جهاز تصوير وقال لك: هذا الجهاز أمانة عندك، صوّر به ما تشاء من الصور، إلا المنظر الفلاني، وإلا الزاوية الفلانية.. هذه لك هدية مجانية، إلى ستين سنة، وهذا الجهاز في يدك.. والذي يلتزم بهذا الشرط يعتبر بطل نادر، لأنه إنسان عمل بالشرط وانتهى الأمر!.. إن رب العالمين أعطاك عينين، لو خيرت بين نعم الدنيا وقصورها، وبين سلب نعمة البصر؛ سوف تقول: خذوا مني ما تشاؤون، واجعلوا لي نعمة البصر حتى أنظر إلى الطبيعة، اجعلوني في كوخ أنظر إلى زوجتي وأولادي وإلى الطبيعة، ما لي وللقصور والبيوت!.. رب العالمين أعطاك هذه النعمة الصغرى لمدة ستين أو سبعين سنة، وقال: انظر إلى ما تريد إلا إلى الوجوه المحرمة.. انظر إلى النساء، ولكن من دون ريبة أو شهوة، والفتاوى الموجودة الآن تقول: إن النظر جائز إذا كان بنية صافية، من دون وجود خلفيات باطنية.. فإذن، إن الذي يستعمل هذه من دون النظر إلى النساء، ما قام بأمر ملفت جدا.. ولكن من دون معرفة هذه الخلفية نقول: هذا الشاب لا نظير له، هذا الشاب في جنة الفردوس، هذا الشاب كذا وكذا.

{فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا}.. هذا العلم ما جاء من الكتب، وليس من مصاحبة موسى عليه السلام، بل موسى استفاد منه عندما {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} فهو معلمه، وموسى كليم الله، وهو من أنبياء أولي العزم.

وعليه، فإن باب المعرفة، وباب الإلهام، وباب التعليم الإلهي؛ مفتوح للجميع.. وفي القرآن الكريم، عينات من غير الأنبياء، تثبت أن هناك اتصالا بين رب العالمين وبين هذه الموجودات، مثلا: أولا في عالم الطبيعة، وليس فقط في عالم بني آدم، رب العالمين عندما يصل إلى النحلة، والنحلة حشرة ما قيمتها؟.. وإن كان ما يخرج منها فيه شفاء للناس {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} في تعبير كتب العلوم هذه الأيام يقال: الطبيعة علمتها ذلك، وهذا تعبير سخيف.. فهل يوجد مسلم يقول: أن الطبيعة علمت النحلة أن تعمل كذا؟.. بل قل: الله -عز وجل- أوحى لها، {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}.. وكذلك رب العالمين أوحى إلى أم موسى وهي امرأة، لا هي نبي ولا وصية نبي، رب العالمين أوحى إليها وربط على قلبها {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}.. والتثبت الذي صار في قلب أهل الكهف {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ}، بسبب هذا الإيمان، يقول القرآن: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ} إنه تصرف إلهي في قلب هؤلاء، وطبعا عندما يصل الأمر إلى نوم أهل الكهف، الإنسان ينتابه العجب من لطف رب العالمين ببعض عباده!.. الأم إذا كان لديها ابن معوق عندما ينام تقلبه يمينا وشمالا؛ لأنه إذا نام فترة طويلة على جهة واحدة، يصاب بتقرحات ويفسد لحمه.. ورب العالمين -جل جلاله- عن هذه التعابير كأنه في دور الأم، {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ}؛ لئلا تفسد أبدانهم.

وطبعا بالنسبة إلى آسية زوجة فرعون لا توجد كلمة أوحى الله عز وجل، والإيحاء هنا بمعنى الإلهام، ليس بمعنى الوحي الأنبيائي، ولكن نعرف أن هناك علامة متميزة لهذه المرأة التي كانت في قصر فرعون عندما {قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} تطلب مقام العندية عند الله عز وجل، كل الجنة لله وعند الله، ولكن امرأة فرعون هذه المرأة الصالحة تقول: رب، أنت ابنِ لي عندك.. فقد تعني بهذه العبارة: أنا أريد قصراً أنت يا رب تشرف على بنائه مباشرة، أنت يا رب فقط، لا الملائكة، ولا رضوان خازن الجنان مثلا.

إن هذا العبد الصالح، هو من الذين أعطاهم رب العالمين نعمة الحياة إلى الآن على الأرض، هو ونبي الله عيسى {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ}، فنبي الله عيسى حي مرزوق، وكذلك الخضر حي مرزوق، وهنالك قول أن النبي إلياس حي أيضا.. الخضر -كما هو معروف من بعض النصوص- كان على صلة بأئمة أهل البيت عليهم السلام، ويحضر كل موسم، يحج بيت الله الحرام، وهنيئا له من ذلك العصر إلى يومنا هذا كم له من التوفيق!..

وعلى كلٍ الفضل والتبعية لمن له مقام متميز، موسى من أنبياء أولي العزم يقول: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} أنت معلمي؛ لأن هنالك عطاء إلهيا خاصا لك، حيث أعطاه الله العلم اللدني.. قد تكون أنت أعلم من إنسان في بعض الجهات، وهو أعلم منك في بعض الجهات؛ ما المانع أن تستفيد من علم من هو أعلى منك في بعض الجهات؟.. في تاريخ بعض علماء النجف الأشرف، كان الأستاذ هو الأعلم في الفقه وفي الأصول، وكان له حلقة تدريس.. ولكن كان ينظر إلى بعض طلبته، فيرى فيهم تميزا أخلاقيا؛ كان يتخذه شبه أستاذ له.. فإذن، ما المانع أن تكون في الإنسان هذه الصفة الإلهية؟..

نعتقد بعد هذه المقدمة أنه يمكننا أن ندخل في بحر دعاء كميل، هذا الدعاء الذي قلنا أن له قصة مع كميل، وله قصة مع الخضر، وطبعا القصة الأساسية مع أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، ذلك الإمام الذي حورب وقوتل وعلى المنابر كان يذكر بسوء، ولكن {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}.. ونحن في هذا المقام بفضل الله بعد قرون، ورب العالمين في الدنيا قبل الآخرة وحتى قبل ظهور وليه المهدي -صلوات الله وسلامه عليه- يظهر فضائل أولياءه لأنه {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

المحاضرة الثالثة
بعد المقدمات التي ذكرت حول دعاء أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، ندخل في بحر هذا الدعاء الشريف.. أول كلمة في هذا الدعاء هي كلمة (اللهم)!.. كباقي أدعية أهل البيت -عليهم السلام- هنالك خطاب مع الله عز وجل، و(اللهم)!.. الأصل فيها (يا الله)!.. في اللغة العربية بعض الأوقات عندما يحذفون حرفا أو كلمة، يجعلون هنالك علامة تدل عليه، وهنا حذفت الياء وعوض عنها بالميم في الأخير.. وعليه فإن كلمة (اللهم)!.. هي في قوة قولك: (يا الله)، وهنا نحب أن نلفت الانتباه بأنه كلما قال الإنسان: (يا الله)!.. أو (اللهم)!.. أو (يا رب)!.. عليه أن يلتفت بأن هذا خطاب مع رب العالمين، والخطاب يستدعي استحضار المخاطب.. بعض الأوقات الإنسان يتكلم مع إنسان آخر، وهو ينظر إلى زاوية أخرى.. مثلا: قد يكون الطالب في الصف مؤدبا ولا يشاغب، ولكن عندما يراه المدرس ينظر إلى زاوية أخرى، فإنه يغضب منه، ويتهمه بعدم الاهتمام والاستماع للدرس.. كذلك الإنسان عندما يتكلم مع شخص، يستغرب أنه ينظر إلى جهة أخرى.. مثلا: زوج يدخل المنزل، ويرى حركة غير إيجابية في المنزل؛ فينظر إلى الحائط وهو يتكلم مع زوجته.. هذا يفهم منه حالة الإعراض وعدم الاعتناء.

إن الإنسان الذي يخاطب رب العالمين ويقول: (اللهم)!.. أو (يا الله)!.. أو (يا رب)!.. وهو لاهٍ في قضية معينة، أو بفكرة معينة؛ فإن هذه بداية غير مباركة.. فالإنسان الذي يفتتح الدعاء وهو في حال الإدبار أو الاستدبار، من الممكن أن يقال له: أنت في أول بسم الله لا تلتفت إلينا، أتتوقع منا الإجابة؟!.. حتى لو خشع لاحقا هذا يسجل ملاحظة سلبية في ملف عمله وفي ديوان دعائه.. وعليه، فلنحاول جميعا أن نلتفت إلى أدب الخطاب!.. لا تلزم نفسك بقراءة الدعاء إلى آخره، أنت في حال تريد أن تخاطب ربك، ولك مجموعة حوائج وقضايا تحب أن تطرحها بين يدي ربك، بإمكانك أن تأخذ فقرات معينة وتكتفي بذلك.. بل من يدعو ربه لمدة دقيقة واحدة بتوجه، هذا خير قطعا من أن يدعو ربه ساعة وهو مدبر.. وهنالك رواية معروفة في هذا المجال، وبعض الروايات تكون بمثابة القانون الأساسي، هي رواية ولكن تعطينا منهجا في الحياة، ومضمون هذه الرواية هكذا: (يا أباذر!.. ركعتان مقتصدتان في التفكر؛ خير من قيام ليلة والقلب ساه).. أي ركعتان مختصرتان ولكن بتوجه؛ خير من أن تقوم الليل كله وأنت في حال من حالات السهو والإدبار.

(اَللّـهُمَّ!.. إنِّي أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء).. لماذا يقول أولا: اللهم إني أسألك برحمتك، وبقدرتك، وبجبروتك، وبنور وجهك؟.. إن هذه المناشدات -الله العالم- قد يكون المنشأ لها أن العبد يعيش حالة الاستحياء من ربه، فالذي يطلب شيئا من أحد، لابد أن تكون بينهما على الأقل علاقة غير متوترة، مثلا: موظف خالف أمر رئيس الدائرة، ثم يدخل عليه بعد ذلك ويقول: أعطني ترقية، أو أعطني علاوة.. ألا يضحك عليه ويقول له: أنت لو كنت موظفا جيدا وقدمت طلبا لا بأس!.. ولكنك خالفت وتخالف الأوامر الإدارية، ومع ذلك تقدم طلبا وتريد علاوة!..

إن الإنسان بعض الأوقات عندما يقدم طلبا لمن له معه مخالفة، لابد أن يوسط بعض الوسائط، ويقدم له هدية مثلا، أو يذكره بأعزته.. وعادة في عرف بعض الناس، عندما يريد أن يستجذب رضا أحد لا يرضى عنه بسهولة، يتحين فرصة زواج أو وفاة عزيز عليه، يقول: لا يعقل في هذه المناسبة أن يحاسبني على ما مضى من الهفوات التي بيني وبينه.. من منا يعيش هذه الحالة من العبودية التامة لرب العالمين، النبي وآله -صلوات الله وسلامه عليهم- هم في قمة الخلق، ولهم بينهم وبين الله -عز وجل- تلك العلاقة المميزة، ماعدا المعصوم من المفروض أن يعيش دائما في حالة الخجل والوجل، البعض يقول: أنه أنا الآن في حالة جيدة: أصلي صلواتي، وأصوم صومي، ولساني منضبط، وعيني منضبطة؛ فلماذا الخجل، أنا الآن في وضع جيد؟.. نقول: لا بأس لو كنت كذلك، ولكن أولا من أين تعرف القبول؟.. وثانيا: لو افترضنا أنك الآن إنسان منضبط، ولكن من عشرين سنة حتى الآن وأنت هكذا!.. إذ قلّ ما نرى إنسانا منضبطا من أول أيام بلوغه، وكما هو معروف فإن هنالك أنواعا من السُكر: سكر الخمرة وهو السكر المعروف، وهنالك سكر الرئاسة والسلطنة والإمارة، وهنالك سُكر الشباب، ولهذا يقال: الشباب شعبة من الجنون، الإنسان لا يفكر بعقله.. ومن هنا تصدر منه الهفوات المعهودة في هذا السن، ولهذا التاريخ لا يرجع.. ونحن خالفنا رب العالمين في هذه السن وبعد ذلك بسنوات، حتى أن بعض الناس تمتد مراهقتهم عشر سنوات، والبعض عشرين سنة، والبعض أصبح جدا وأبا جد ولا يزال يعيش حالة المراهقة.

إن رب العالمين يغفر للإنسان، التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولكن الشيء لا يرجع كما كان عليه.. فرق بين إنسان استقام طوال حياته، وبين إنسان وقعت منه هفوة.. ولهذا نلاحظ أن الإنسان الذي يرتكب خطأ بحق أبيه أو بحق أمه ثم يعتذر، ويقبل عذره.. ولكن كلما رأى الأب أو الأم أو الأخ أو الأخت، أو أي إنسان له حق عليه، يقول: أنا أعيش حالة من الخجل منه.. أي أن هذا الخجل لا يرتفع، رغم أنه غفر لصاحب المعصية أو المخالفة.. ولهذا بكائي التاريخ منهم آدم؛ لأنه قام بذلك العمل من مخالفة الأمر الذي صدر له بالنهي عن تلك الشجرة، {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.. ونحن نعرف أن عمل آدم كان خلاف الأولى، لم يرتكب معصية بالمعنى الاصطلاحي للمعصية، وكما نعرف أن الأنبياء منزهون عن المعاصي، ولكن مع ذلك كان ينوح صباحا ومساء لما بدر منه من العمل.. فإذن، إن الإنسان دائما يذكر نفسه بهذه الحالة، ومن هنا يحتاج لأن يسأل رب العالمين ببعض الوسائط.

{فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْه}، فما هي هذه الكلمات؟.. تعددت الآراء في تفسير «الكلمات»، التي تلقاها آدم (عليه السلام) من ربّه.. وفي روايات وردت عن طرق أهل البيت (عليهم السلام) أن المقصود من «الكلمات» أسماء أفضل مخلوقات الله وهم: محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين -عليهم أفضل الصلاة والسلام- وآدم توسل بهذه الكلمات، ليطلب العفو من ربّ العالمين فعفا عنه.. وهذا أمر طبيعي جدا أن الله -عز وجل- خلق هذه الوجودات التي هي النبي وآله، وكما نعرف فإن أرواحهم مخلوقة قبل آدم (ع) كما قال رسول الله (ص): (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين، وكنت نبياً وآدم لا ماء ولا طين).

نعم، إن الإنسان يحتاج إلى وسائط كما يقول تعالى في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}.. لذلك نلاحظ في دعاء كميل، أن الإنسان في أول الدعاء يتوسل بالله -عز وجل- من خلال صفاته، وأول صفة من صفات الله -عز وجل- الرحمة (اَللّـهُمَّ!.. إنِّي أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء).. ما هي هذه الرحمة التي وسعت كل شيء؟..
(الشيء) يصبح جاهزا إذا وجد، وإلا ما عندنا معدوم، نفس وجود هذا الشيء شعبة من شعب رحمة الله عز وجل، لولا رحمة الله -عز وجل- لما توجه الالتفات إلى هذا الموجود، وإن كان هذا الموجود بظاهره مضرا، الإنسان يقول: لماذا رب العالمين خلق العقرب والأفعى؟.. ولماذا خلق الجراثيم وغيره؟.. نعم هذه رحمة من الرحمات الإلهية؛ وذلك لأن هذه الجرثومة المزعجة تأتي وتدخل في جوف المؤمن، فتجعله في الفراش أسبوعا كاملا، وربما شهرا.. ثم هذا الأذى وهذه الحمى، تتحول إلى درجات عالية في عرصات القيامة وفي الجنة.. هذه الجرثومة سببت له بناء آلاف القصور بما فيها من حور، هذه رحمة سلطها الله على الإنسان.. ولهذا المؤمن عندما يبتلى بالمرض يقول: (إلهي!.. إن لم يكن بك غضب علي بلا أبالي).. المهم أن لا يكون هذا المرض من غضب الله، ومن انتقام الله عز وجل.. فإذن، إن الرحمة الإلهية رحمة غامرة، ولولا هذه الرحمة لما وجدت الأشياء.

ببركة دعاء أمير المؤمنين، نريد أن نكتشف بعض المفاتيح التي نفتح بها الخزائن، ثم نأخذ ما في هذه الخزائن من جواهر ويواقيت.. والمفتاح ليس هدفا بحد نفسه، بل مقدمة لفتح الخزائن.. نسأل الله -عز وجل- أن يعيننا على أن نكتشف الكنز أو الخزانة التي فيها الجواهر بعد أن عثرنا على المفتاح.. إذا أردت أن يكون لله -عز وجل- نصيبا في وجودك، فإن الطريق إلى ذلك أن نتشبه بأخلاق الله عز وجل.. فالذي يريد أن يستدر الرحمة الإلهية الغامرة، ولا نعني الرحمة العامة في الوجود، هذه الرحمة تعطى حتى للعقرب؛ ولكن الرحمة الخاصة وبعبارة قرآنية الرحمة الرحيمية {الرحمن الرحيم}، يقولون: إن الرحمن المراد بها الرحمة العامة الشاملة للجميع، والمراد بالرحيم الرحمة الخاصة بالمؤمنين.. رب العالمين له عناية خاصة بعباده المؤمنين، من أراد أن يستجلب هذه الرحمة الإلهية، لابد أن يتخلق بأخلاق الله عز وجل.. قد يقول قائل: هل من الممكن أن يكون الإنسان متخلقا بأخلاق الله، نحن يائسون من التخلق بأخلاق النبي، بل يائسون من التخلق بأخلاق المراجع والعلماء الكبار، وتدعونا الليلة لنتخلق بأخلاق الله؟.. أين التراب ورب الأرباب؟..

الجواب على هذا التساؤل: نحن لسنا في مقام أن نتخلق بأخلاق الله -عز وجل- كما هو عند الله، ولكن نتخلق بأخلاق الله -عز وجل- بحسب الطاقة البشرية.. وهذا ممكن؛ أي أن يكون الإنسان مظهرا لأخلاق الله -عز وجل- بمقدار ما أعطي من طاقة بشرية.. ولكن -مع الأسف- حتى هذا المقدار من الرحمة لا نعمل به، انظروا إلى حياتنا اليومية!.. نقول: إذا أردت أن تكتشف إنسانا عادلا سواء كان إمام مسجد أو غيره، اسأل زوجته، اسأل أقرب الناس إليه!.. فالإنسان قد يتكلف وقد يتصنع في التعامل مع الناس حتى في العمل الوظيفي؛ خوفا من منصبه.. ولكن الإنسان يُعرف حاله عند معاشرته، الزوجة عادة تتستر على زوجها حفاظا على حرمة المنزل، ولكن إذا أردت أن تعرف حقيقة أن الرجل له هذه الرحمة ومتخلق بأخلاق الله -عز وجل- فلتراجع عمله مع أهله، ولهذا القرآن الكريم يجعل الأهل والأسرة في أول درجات الاهتمام بعد النفس {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}.. لم يقل: المجتمع، ولم يقل: الأقارب.. بل قال: الأهل.. أقرب الناس إلى الإنسان زوجته وولده.

كيف تعرف أنك رحيم بأهلك؟.. الامتحان جدا سهل.. إن الإنسان في عالم الوظائف، كلما بقي في الوزارة مدة أطول، كلما زاد تاريخ الخدمة.. فعندما يعطى راتبا تقاعديا، تحسب له سنوات الخدمة، كلما زادت سنوات الخدمة، كلما زاد امتيازه في الحقل الذي يعمل فيه.. فهذه الزوجة التي كانت معك من ليلة الزفاف حتى الآن، أليس لها خدمات عندك؟.. المفروض نظريا وحسب المعادلات الرياضية بعد عشرين سنة، أن يزداد الحب لها، ويزداد التقدير لها؛ لأن خدماتها زادت: أنجبت لك ذرية، وربت لك ولدا صالحا، والطعام الذي أعدته هذه السنوات لو جمعته لكانت مائدة طولها كيلومترات من الطعام.. كل ذلك من المفروض أن يجعل المؤمن ينظر بعين الشكر لهذه الزوجة.. والحال أنه -كما يعترف الشباب- يبدأ العد التنازلي للمحبة والتقدير وما شابه ذلك من ليلة الزفاف، كلما مر يوم ينقص درجة، إلى أن يأتي يوم تصبح فيه المرأة وأثاث المنزل على حد سواء.. وهذا طبعا من موجبات الظلم والتعدي والانفصال وغيره، إذا أين هذه الرحمة؟.. إن هذه الرحمة من المفروض أن يلتمسها الإنسان.

قد يقول قائل: إن هذا الكلام صحيح، ولكن لمن يستحق، وهذه الزوجة لا تستحق، والزوجة تقول: هذا الزوج لا يستحق مني هذا الاحترام والتقدير.. وهنا نذكر مثالا من حياة أئمة أهل البيت عليهم السلام.. البعض يسأل: لماذا تزوج الإمام الحسن -صلوات الله عليه- من امرأة قاتلة له وهي جعدة؟..

إن الإمام إما بعلم الغيب، وإما من القرائن، يعلم بحال هذه الزوجة.. امرأة في قلبها نية قتل إنسان، من المؤكد أن ذلك يظهر من حركاتها ومن سكناتها.. وبالتالي، فإنه من المؤكد لن يكون هنالك حب ولا رغبة ولا ميل.. إنسانة بهذا السوء تقتل سبط رسول الله، ونحن نعرف الإمام الحسن كان ذا منظر بهيج، أشبه الناس برسول الله، والإمام الثاني الذي هو أول إمام شهيد من أئمة أهل البيت في سن الشباب.. والله العالم لسنا في مقام تفسير ما في نفوس أهل البيت، ولكن نعتقد أنه من باب ضرب مثل لكل المؤمنين طوال التاريخ أن الإمام خلقه، وإحسانه، ولطفه، يشمل هذه الذوات التي هي غاية في السوء.. نقول: جعدة وأم الفضل هما القاتلان لإمامين من أئمتنا -عليهم السلام- طبعا عبر إثارات ووسائط، فهما كانتا الأداة المنفذة.. هذه المرأة القاتلة لإمامها لو أنها كانت تعرف هفوات في سلوكيات الإمام، مثلا: غضب، شيء من الكلام الشديد.. لو أنها وجدت هفوة من الإمام في التعامل لجعلته في الأضواء، فالتي تقتل إمامها وتفتري عليه، فإنه كان بإمكانها بعد استشهاده، أو حتى أيام حياته، أن تذهب لمسجد المسلمين، وتقول: أيها الناس!.. هذا إمامكم الحسن يعمل معي في المنزل كذا وكذا.. والإمام له الحق أن يغضب على امرأة بهذا السوء، ويتكلم معها بقوة.. فإذن، معنى ذلك أن الإمام كان في قمة النزاهة والتعامل الإيجابي.. ونحن لدينا زوجات مؤمنات صالحات مواليات يقمن الليل، فإذا وجدنا عندهن بعض الأخطاء الجزئية لا يتحملها أحدنا ويفعل ما يفعل؟!. فإذن، كيف يقول في أول افتتاح الدعاء، (اَللّـهُمَّ!.. إنِّي أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء).. وأنا رحمتي ما وسعت زوجتي، وما وسعت ذريتي؟..

نحن عندنا صفة مشتركة مع رب العالمين- إجمالا- ونقولها بكل احتياط وحذر: رب العالمين علل العلل وأنشأ الوجود، وأنت بحسب الظاهر علة الوجود لذريتك.. صحيح أن رب العالمين هو الخالق، وهو المصور البديع، ولكن أنت بحسب عالم الأسباب كنت سببا لإنجاب هذه الذرية الطيبة إن شاء الله، رب العالمين كما أنه {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}، عندما خلق الشيء اعتنى به، خلق بني آدم، وأعطاه الهواء الذي يتنفسه {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}، {وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.. فإذن، إن رب العالمين أوجد الشيء وأعطاه رزقه، أوجد الشيء {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}.. والإنسان متشبها بالله عز وجل: فهو أنجب ذرية، لماذا يظلم هذه الذرية بعد الإنجاب؟.. بعض الآباء ينتهي دورهم بمجرد أن انعقدت النطفة، ولا دور لهم في تربية الولد إلى سن متأخرة.. وهذا خلاف الأدب الربوبي الذي يرعى الشيء بعد وجوده.

الخلاصة: إن الذي يريد أن يستجذب الرحمة الإلهية؛ لابد أن يتشبه برب العالمين في تلك الصفة بمقدار ما أوتي من قوة {بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ}.. هنالك مقولة، ونقول: بأنه إذا صح هذا الكلام؛ فإنه بشارة لنا إن شاء الله، نقول: إن بعض الدول تفتح سفارة في دولة، فتأخذ مبنى، وتبعث سفيرا مفوضا، يقدم أوراق الاعتماد، وثم يصبح سفيرا معتمدا.. بعد فترة تتوطد العلاقات مع تلك الدولة، فيفتحون ملحقا ثقافيا، وبعد فترة ملحقا اقتصاديا، وبعد فترة ملحقا عسكريا.. فهذه كانت سفارة، ولكن توسعت فروعها وانتشرت على امتداد المدينة.. هذا مثال بسيط، يوضح لنا أن الشيء إذا تأسس عندئذ يتفرع.

إن الإنسان الذي يتشبه بالله -عز وجل- في صفة من الصفات الإلهية، فإن رب العالمين ينظر إليه من خلال تلك الصفة.. هو إنسان صفاته الأخرى لا تشبه الصفات الإلهية، ولكن له صفة من الصفات الإلهية.. رب العالمين يرجى أن نوسع باقي أدوار أسماءه الحسنى في ذلك القلب، هذا القلب إذا كانت فيه علاقة بينه وبين الله -عز وجل- من خلال صفة الرحمة، ولكن رب العالمين ببركة هذه الصفة يعطيني أبعادا أخرى، ما هذا البعد؟..

يُعطي هيبة في نفوس الناس، والهيبة والجبروت والكبرياء من الصفات الإلهية.. هو إنسان تشبه بالرحمة، ولكن يعطى صفة الكرم مثلا، هذا الإنسان رب العالمين تجلى له من خلال نور الرحمة، ولكن يضيف إليه نور الكرم.. ولهذا النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، عندما جاءوا بابنة حاتم الطائي، وكانت أسيرة بين يدي المسلمين؛ خصها بالرعاية والكرامة لأنها ابنة حاتم.. وحاتم الطائي كما تعرفون كريم، ولا نعتقد أن كرم حاتم كان لوجه الله، كان كرمه إنسانيا.. ولكن النبي الأكرم صلوات الله عليه، راعى هذه الصفة وعداها إلى ابنته، رغم أنها كانت كافرة غير مسلمة.. معنى ذلك إن النور إذا دخل، فإن بركات هذا النور تتوسع في القلوب.. لذلك على الإنسان أن يدعو الله -عز وجل- أن يجعله من الذين أعطوا هذا النور الإلهي، وترسخت أشجار الشوق والحب والرحمة وغيرها في حدائق صدورهم.

المحاضرة الرابعة
إن الإمام -صلوات الله عليه- في هذا الدعاء الشريف، يدخل المحطة الإلهية من خلال بعض أنواع القسم، فهو يسأل الله -عز وجل- بسبب هذه الأمور، التي منها الرحمة التي وسعت كل شيء.. ولكن بعد ذكر الرحمة، فإن المضامين تقريبا هي مضامين: العزة، والقهر، والجبروت، والغلبة الإلهية.. ونحن نحاول أن نلتمس السبب: أنه لماذا قرن الإمام -عليه السلام- عالم الرحمة بهذه العوالم؟..
يقول الإمام (ع): (اَللّـهُمَّ!.. إنِّي أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء، وَبِقُوَّتِكَ الَّتي قَهَرْتَ بِها كُلَّ شَيْء، وَخَضَعَ لَها كُلُّ شَيء، وَذَلَّ لَها كُلُّ شَيء، وَبِجَبَرُوتِكَ الَّتي غَلَبْتَ بِها كُلَّ شَيء، وَبِعِزَّتِكَ الَّتي لا يَقُومُ لَها شَيءٌ، وَبِعَظَمَتِكَ الَّتي مَلأَتْ كُلَّ شَيء، وَبِسُلْطانِكَ الَّذي عَلا كُلَّ شَيء).. فالقوة، والجبروت، والعزة، والعظمة، والسلطان؛ كل هذه تقريبا من عوامل السيطرة الإلهية، والسلطنة الإلهية.. نحن قلنا في عدة مناسبات: أنه عندما نفسر القرآن الكريم لا نجزم بمعنى الآية، فالذي يقول: رب العالمين أراد كذا، أو تفسير هذه الآية كذا؛ طبعا هذه عملية خطيرة.. فالإنسان قد يجزم، ولكن يقال له يوم القيامة: أنت من أين علمت؟.. وعندها لا جواب له!.. ولهذا احتياطا نذكر كلمة (يمكن) و(لعل)، وهكذا في كلمات أهل البيت عليهم السلام.
إن الداعي لابد أن يستحضر حقيقتين:
أولا: حقيقة الرحمة (يا من سبقت رحمته غضبه)!.. إذن كافي صفة واحدة من صفات الرحمة (بِرَحْمَتِكَ الَّتي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء)، ولكن الداعي يحتاج أيضا إلى أن يلتفت بأن الله عز وجل: قهار، وسلطان، وقوي، وعزيز.. عندما نطلب منه شيئا، نطلب من ذلك الوجود وسلطان الوجود.. هذا الدعاء له أثر في الحياة، وهي ليست قضية دعاء في جوف الليل، وبكاء في صلاة الليل.. فالذي يقيم صلاة الليل من أقوى الناس في النهار، لذلك لاحظوا الإمام في وصف المتقين ماذا يقول: (أَما الليل فصافُّون أَقدامهم، تالين لاَجزاءِ القرآن، يرتلوتهُ ترتيلاً، يجزّنون به أَنفسهم، ويستثيرون به تهيّج أَحْزانهم بكاءً على ذنوبهم، ووجع كلوم جراحهم.. وإِذا مرّوا بآيَة فيها تخويف، أَصغوا إليها مسامع قلوبهم وأَبصارهم، فاقشعرّت منها جلودهم، ووجلت قلوبهم، فظنوا أَن صهيلَ جنهم وزفيرَها وشهيقَها في أُصول آذانهم.. وإذا مرُّوا بآيَة فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً، وتطلعت إليها نفوسهم شوقاً، وظنوا أَنها نصب أَعينهم... أما النهار فحكماء علماء أبرار أتقياء).. أسُود في النهار، ورهبان في الليل.
إن الداعي عندما يدعو ربه في جوف الليل أو في وضح النهار، يرتبط بهذه السلطنة الإلهية، وبهذه العزة الإلهية، وأثر ذلك:
أولا: أنه يدعو ربه وهو متيقن بالإجابة؛ بمعنى أنه لا يعجزه شيء، رب العالمين هو مسبب الأسباب، والذي جعل السبب له الحق أن يرفع السببية.. نحن عندما ندرس العلة والمعلول، نأتي بمثال النار والحرارة، النار تسبب الحرارة، ولكن رب العالمين في قضية إبراهيم -عليه السلام- ليس فقط سند الحرارة للنار، بل أعطاها صفة معاكسة ألا وهي البرودة {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ}؛ أي أن النار أصبحت كالثلج، وليس فقط أصبحت بلا حرارة!.. فإذن، إن الرب الذي جعل السببية، هو الذي يرفع السببية إذا شاء: الماء يُغرق، الماء عنصر سيال، ولكن عندما جاء دور موسى -عليه السلام- أصبح الماء كالحديد الصلب.. وهكذا في قصص الأنبياء عليهم السلام، رب العالمين يريد أن يفهمنا أنه إذا أراد الإنسان منه شيئا، عليه أن يقدم الطلب، ولا يفكر كيف سيقضي له هذه الحاجة!..
إننا نفهم من بعض النصوص، أن الله -عز وجل- يتعمد أن يقضي حاجة عبده المؤمن من حيث لا يحتسب، فيأتيه الفرج من حيث لا يحتسب.. إنسان يطرق باب فلان وفلان، الكل يخيب رجاءه.. وإذا بإنسان لا يؤمل منه خيرا، يجري الخير على يديه.. وفي التاريخ قصص كثيرة، هنالك في كتاب "الفرج بعد الشدة" أمثلة كثيرة للفرج بعد الشدة.
فإذن، إن تصوُر العزة والسلطنة والجبروت الإلهي، يجعل الإنسان مرتاحا في دعاءه.. فإذا دعا ولم يُستجب له، ليس عدم الاستجابة؛ لأن الله -عز وجل- لم يقدر على قضاء حاجته -أعوذ بالله من ذلك- بل لأنه يرى المصلحة في التأخير!..
ثانيا: يعطي الإنسان قوة في الحياة، في التعامل مع الآخرين.. انظروا إلى أئمة أهل البيت، وانظروا العلماء الذين تخرجوا من مدرسة أهل البيت، هؤلاء كانوا عندما يقفون أمام الطواغيت يتكلمون بكل قوة وشدة.. سيدتنا زينب -عليها السلام- بنت أمير المؤمنين، كانت تتكلم وتقول عن ذلك الطاغية: يا ابن مرجانة!.. كلام فيه شدة وقوة وغلبة، وهي امرأة بحسب الظاهر ضعيفة قتل أخوها وأسرتها.. هذه العزة الإيمانية، مأخوذة من جانب السلطان الإلهي.. ومن منا لا يحب أن يكون وجيها!..
إن الذي يريد هذه العزة، وهذه الوجاهة، وأن يكون مهابا في الناس؛ فإن الطريق إلى ذلك ليس العسكر، وليس المرافقين، وليس النياشين العسكرية التي تُعطى وتؤخذ بعد فترة؛ كل هذه الأمور تُعطى وتُسلب.. عن الإمام الصادق (ع): (من أراد عزاً بلا عشيرة، وغنى بلا مال، وهيبة بلا سلطان.. فلينقل من ذل معصية الله إلى عز طاعته).. وننتهي إلى رواية من روايات أهل البيت فيها كل الخير: سئل الإمام السجاد (عليه السلام): ما بال المجتهدين بالليل من أكثر الناس نوراً؟.. قال: (لأنهم خلوا بربهم، فكساهم ربهم من نوره).. ولهذا من خاف الله -عز وجل- خاف منه كل شيء، عن الصادق (ع): (من خاف الله، أخاف منه كلّ شيء)؛ لأن الله يزرع الهيبة في قلوب الناس ممن يخافه ويخشاه.
فإذن، إن هذه المضامين في دعاء كميل، تجعل الإنسان في أول الدعاء يعيش حالة الارتباط مع الله -عز وجل- من باب الرحمة، ويعيش حالة الارتياح أن كل ما عنده من حوائج بين يدي الله عز وجل، وبين يدي قدرته.. ومن هنا نظن أنه إذا دعونا رب العالمين لا نجرب الرب، البعض يقرأ الدعاء ويقول: أُجرب هذه الختمة، أُجرب هذه الزيارة، أذهب إلى العمرة لعله كذا!.. أنت انزل بالحاجة، عن الصادق (ع): (إذا دعوت، فظن أن حاجتك بالباب)، وإذا كانت الحاجة بالباب، أنت تحتاج لأن تفتح الباب وتأخذ الحاجة، وفتح الباب إنما يكون بالدعاء بين يديه.. إذا فتحت الباب ولم ترى الحاجة، فاعلم أن هنالك حكمة في البين.
بعد هذه الكلمات التي توحي: بالعظمة، والعزة، والسلطنة، إلى آخره؛ ينتقل الدعاء إلى عبارات أخرى: (وَبِوَجْهِكَ الْباقي بَعْدَ فَناءِ كُلِّ شَيء، وَبِأَسْمائِكَ الَّتي مَلأَتْ أرْكانَ كُلِّ شَيء، وَبِعِلْمِكَ الَّذي أَحاطَ بِكُلِّ شَيء، وَبِنُورِ وَجْهِكَ الَّذي أَضاءَ لَهُ كُلُّ شيء).. ينتقل الأمر إلى الصفات التي هي في الله عز وجل: العلم الإلهي، نور وجهه، أسماءه، وجهه الباقي.. وكأن الإمام في دعاءه يريد أن يربطنا بذلك الوجود الذي يبقى بعد فناء كل شيء، عندما نصل إلى هذه الآية في القرآن الكريم، ولو استوعبنا حقيقة الآية لانتابنا الذهول من ذلك اليوم، هذه الدنيا بكل حضاراتها وبكل نزاعها وبكل من عاش عليها، يأتي ذلك اليوم رب العالمين يقول: {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ}؟.. ما من مجيب، ولو كان هناك من مجيب لقال رب العالمين: فلان، أو جماعة قالوا: كذا وكذا، هو يجيب عن نفسه: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}!.. الذي يتصور هذه العظمة، يعلم أن هنالك هذا النور الباقي، وهذا الوجه الباقي، فماذا يعمل؟..
أول أثر أن يربط نفسه بهذه الأبدية والخلود، مثلا: إنسان يقوم بعمل، هذا العمل إذا لم يرتبط به فهو أبتر.. أما إذا ربط العمل به، أصبح هذا العمل باقيا ببقاء الله عز وجل.. في عالم الفقه، المثال الفقهي المعروف: إنسان يريد أن يحصل على ماء طاهر ماذا يعمل؟.. يأتي بوعاء صغير، ويفتح عليه الحنفية التي هي مرتبطة بالخزان الرئيسي، والخزان الرئيسي مرتبط بمصفاة المياه، والمصفاة مرتبطة بالبحر.. هذا الوعاء الصغير تُجعل فيه النجاسة، مثلا: اليد نجسة، إذا وضعت بهذا الوعاء؛ فإنها تطهر، طبعا ما لم يتغير اللون بالنجاسة، فما الذي حصل؟.. إن هذا القليل مرتبط بالبحر من خلال هذه الوسائط.. والإنسان كذلك، هو أقل من القليل ولا وزن له، ولكن إذا ارتبط بالباقي عندئذ كل ما في هذا الإناء، يكتسب صفات الباقي بنحو من الأنحاء.. فماء البحر مُطهِر، أنا أريد من البحر أن يطهرني، هذا التطهير الذي هو بالبحر أصبح لهذا الوعاء الصغير، نفس الخاصية التي أنا أريدها.. طبعا البحر له خاصيات أخرى، ولكن على كل هنالك ارتباط وتناسب.. إذا الثمرة العملية من هذه العبارات، هي كما قال الإمام الهادي عليه السلام: (الدنيا سوق: ربح فيها قوم وخسر آخرون).
فإذن، علينا أن نربط كل أعمالنا الفانية بذلك الوجه الباقي.. إن البعض يمضي ثمان ساعات من عمره في الدوام، وخاصة إذا كان موظفا أمينا في عمله، وساعة في الذهاب والإياب، تقريبا عشر ساعات من اليوم، وهو يعيش في غرفة على مكتب لمدة ثلاثين أو أربعين سنة.. وعليه، فإنه إذا لم يربط عمله بالباقي؛ فإن معنى ذلك أنه لم يعمل شيئا.. ورب العالمين كرّم بني آدم، فالقطة تخرج من مكمنها من الصباح إلى الليل، وهي تبحث عن قوت لنفسها ولأودها.. كل حي إنسان كان أو حيوان، يبحث بغريزته عن لقمة العيش لنفسه ولأولاده.. فهذه حركة مشتركة بين الأحياء، وحتى أن النمل حريص، وأحرص من بني آدم على قوته، فهو يخزن قوته في الصيف من أجل الشتاء.. ما الذي يميزني عن النملة وعن النحلة؟.. هو أنني إنسان خليفة الله في الأرض، عندما أخرج صباحا إلى الدوام أقول: (يا رب!.. أنا أخرج إلى العمل ابتغاء مرضاتك، يا رب أمرتني بالكدح بالكسب لعيالي)، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي)، (كلكم رَاعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته).
وبالتالي، فإن هذه الساعات الطويلة من العمر في الكدح، تتحول إلى عبادة دائمة.. ومن هنا قيل: (الكاسب حبيب الله)؛ لأنه بعمله هذا يؤمن قوت من أمرَ الله -عز وجل- بالاعتناء بهم، فالاعتبار بهذا الوجه الباقي.. وعليه، فإننا كلنا مأمورون بأن نجعل أعمالنا المباحة، مرتبطة بوجهه الكريم، كم من البؤس والشقاء أن يقوم الإنسان بعمل عبادي، ولكن لا لوجهه الكريم!.. يصلي رياءً، يحج رياءً، هذا الإنسان من أفقر الفقراء وأتعس التعساء!.. إذا كان العمل لوجه الله وقربة إليه، فإن الحياة تتغير: هل عندئذ يمكن للموظف أن يغش في عمله، أو يهرب من الدوام؟.. وهل من الممكن أن تمن المرأة على زوجها في يوم من الأيام، وتقول له: أنا عملت كذا وكذا.. فإذن، إن وجه الحياة يتغير، عندما نربط الفاني بالباقي.
بعد هذه المقدمة ذكر الإمام: الرحمة، والعزة، والسلطان، والجبروت، وذكر العلم، والنور، والأسماء.. عندئذ يعود إلى نفسه، ويقول: (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ).. الاستغفار له معنى بعد أن عَلِمَ الإنسان عظمة الرب، الذنب الصغير بالنسبة له يبدو كبيرا.. ورد في بعض الروايات عن النبي (ص): (والله!.. إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم، أكثر من سبعين مرة).. فالنبي -عليه الصلاة والسلام- الذي كان يجلس مع الناس، ويتكلم معهم بما يهديهم، وبما يقويهم على طاعة الرب، يستغفر الله عز وجل.. البعض يقول: لماذا يستغفر النبي؟..
لعله -الله العالم- لانشغاله عن الله -عز وجل- بهذا المقدار، هو انشغال عن الله بأمر الله، وان كان قلب النبي قلبا مُراقِباً، ولكنْ فرق بين النبي وهو في المعراج عند سدرة المنتهى، وبين النبي وهو في الأرض يناقش جفاة الجاهلية.. فالجو مختلف، ومن هنا البعض يسأل في قول: (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ، اَللّـهُمَّ!.. اغْفِـرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ النِّقَمَ، اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُغَيِّـرُ النِّعَمَ).. يقول: كيف يتكلم الإمام بهذا المنطق؟.. إنه سؤال وجيه!..
نقول: إن أمير المؤمنين على رأس المعصومين، بل هو أبو الأئمة المعصومين، وبعد النبي صلى الله عليه وآله هو المعصوم الثاني، والتلميذ الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلماذا هذه العبارات التي تناسب العصاة؟.. فإنسان له ذنوب من الممكن أن تُهتك عصمته، وأن تغير نعمته، وأن تنزل النقمة عليه، وأن تحبس الدعاء؛ معنى ذلك أنها ذنوب قاسية قاتلة، فكيف نجمع ذلك مع مقام الإمام عليه السلام؟.. وهكذا الأمر نفسه في الصحيفة السجادية، وفي دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام، وكل روايات أئمة أهل البيت.. هنالك ثلاث اتجاهات في تفسير الاستغفار الحثيث لأئمة أهل البيت عليهم السلام:
الاحتمال الأول: أن الإمام -عليه السلام- في مقام تعليم الناس.. كميل سأل الإمام عن دعاء الخضر؟.. فقال له الإمام: إحفظ هذا الدعاء!.. فإذن، إن الإمام أراد أن ينقل هذا الدعاء إلى شيعته، بل إلى كل المسلمين.. وعندئذ لا مشكلة في البين.
الاحتمال الثاني: أن الإمام (ع) -من الممكن أن نقول:- له حالات ينزل من الأعلى إلى العالي، وطبعا الإمام لا يغفل عن الله طرفة عين، ولكن كما قال النبي (ص): (لي مع الله وقت لا يسعني فيه مقرب، ولا نبي مرسل)، أمير المؤمنين كان في كل ليلة يناجي الله سبحانه، ويذكر الموت والقبر والنار حتى تعتريه من خوف الله غشوة، يخر منها كالخشبة اليابسة.. فهنالك ساعات كان النبي أو الإمام يُحلّق فيها، فالصلاة معراج المؤمن، والنبي كان يعيش في صلاته حالة متميزة لا تقاس بما قبل الصلاة وما بعد الصلاة.. وكأن هذا الاختلاف في المستوى، يراه النبي والإمام شيئا يوجب الاستغفار، وإن كان هو لم يرتكب ذنبا في البين.
الاحتمال الثالث: أن التذلل مطلوب في بعض الأوقات، ولكن هذه العبارة تكشف عن التذلل القلبي، ولا يقصد بعينها، مثلا: إنسان ضيف عزيز يأتي إليك وتكرمه غاية الإكرام، وعند المغادرة تقول له: يا فلان، نحن قصرنا في طعامك وفي شرابك وفي كذا وكذا.. أنت لم تقصر معه، ولكن تتذلل وتتواضع بهذه العبارات، لا تعني جزئيات الكلمات، ولكن تعني الجو العام.. فمن الممكن أن الإمام -عليه السلام- يريد أن يتذلل ويتواضع بين يدي الله، فيفترض شيئا غير موجود، يقول: اللهم إني أستغفرك من ذنب قد تهتك عصمتي به.. وليس هنالك ذنب أبدا، ولكنه كأنه يتقمص هذا الدور تواضعا وتذللا لله عز وجل.
هناك رواية عن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم يقول فيها: (إنه ليغان على قلبي، حتى أستغفر الله في اليوم مائة مرة).. بمعنى -الله العالم- أنه يصبح في حالة من هذه الحالات أو التبدل في المستوى، هكذا نقول في معنى هذه العبارة.
فإذن، إن هذه توجيهات ثلاث، لكل ما يمكن أن يقال حول استغفار المعصومين (صلوات الله وسلامه عليهم): إما تعليم، وإما استغفار من تبدل الحالات، وإما تذلل

المحاضرة الخامسة
إن الإمام في أول الدعاء، يبدي معرفته بالله عز وجل، فيسأله: برحمته، وبعزته، وبسلطانه، وبأسمائه، وبعلمه.. فهو يلتفت إلى الرب أولا، ثم يلتفت إلى نفسه ثانيا، ويذكر أنواع الذنوب في حياة الإنسان.
الدرس الأول: إن المؤمن في دعاءه مع رب العالمين، يراعي هذا الترتيب.. حسب الظاهر ليس هنالك صلاة على النبي وآله في متن الدعاء، ولكن الإمام -صلوات الله عليه- كان ملتزما بهذه الصيغة الجامعة لكل دعاء: صلوات على النبي، وتحميد لله، ثم طلب الحوائج، ثم يختم بالصلاة على النبي وآله.. ورب العالمين أكرم من أن يستجيب الطرفين، ويهمل الوسط، فالصلاة على النبي وآله دعاء مستجاب، دعاء راجح، وقد دعانا الله -عز وجل- إلى ذلك {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.. فإذن، الصيغة الجامعة للدعاء: البدء بالصلاة على النبي وآله، ثم في وسط الدعاء نقدم حوائجنا بين يدي الله عز وجل، والختم بالصلاة على النبي وآله.. ورب العالمين أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين!..
ثم يذكر الإمام (ع) أنواع الذنوب:
الذنوب التي تهتك العصم: (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ)؛ ولكن الإمام لم يذكر ماهية هذه الذنوب، كان بإمكانه أن يقول: (اللهم!.. اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم، وهي: عقوق الوالدين، أو النميمة مثلا).. نعتقد إن نفس الإبهام في آثار الذنوب أمر مطلوب، فأنت لا تعلم، والإمام لم يذكر ذنبا خاصا يهتك العصمة، ولا ذنبا خاصا ينزل النقمة.. فالإنسان احتياطا يحاول أن يجتنب كل هذه الأمور، مثلا: إنسان يقول: احذر الميكروب الفلاني؛ لأنه يأتي بالمرض الفلاني، ومرة يقول: احذر الميكروبات بشكل عام، ولا يقول لك ما أثر هذا الميكروب بالخصوص.. وهذا ادعى لأن يكون الإنسان محتاطا في تعامله.
إن الذنوب بشكل عام على اختلافها وألوانها هي ذنوب.. هنالك ذنوب في السر مثلا: إنسان ينظر إلى فيلم محرم في جوف الليل، بينه وبين ربه؛ هذا من أقرب الذنوب للمغفرة، وإن كان الذنب ذنبا على كل حال.. ولكن لم يهتك حرمة أحد، ولم يشجع أحدا على الفساد، بخلاف الذنوب الاجتماعية، الذنوب التي لها أطراف، مثلا: إنسان أغوى إنسانا، ثم تاب إلى الله عز وجل.. فرب العالمين يغفر الذنوب جميعا، ولكن الإنسان الذي كان هو السبب في انحراف إنسان، وهذا المنحرف سبب في انحراف إنسان آخر، فيأتي يوم القيامة وإذا بآلاف الناس هم منحرفون بسببه، يقال: كل هؤلاء بسببك أنت، أنت الذي أغويت الأول، وهذا الأول صار على رأس عصابة فساد، وهذه العصابة أنتجت عصابات، يعلم الله تعالى ماذا سيحصل!.. (ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء).
فإذن، إن الذنوب على اختلاف أشكالها وألوانها ذنوب مدمرة، (اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ) يقال في اللغة العربية: الجمع إذا أضيف له (الـ) فإنه يفيد العموم.. (اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ)؛ أي لا تدع لي ذنبا إلا غفرته.
لعل السبب في أن الإمام لم يذكر هذه الذنوب، حتى يخاف الإنسان من كل ذنب، فيقول: ربما هذا الذنب يحبس الدعاء، وربما نفس الذنب يهتك العصم، ومن الممكن أن نفس الذنب ينزل النقم.. وعليه، فإن المؤمن يظل خائفا دائما.
الدرس الثاني: إن الجو هو جو دعاء، فالإمام ليس في مقام بيان خطبة الجمعة، أو حديث حول المعاصي والذنوب، إنما المقام مقام إجمال.. فإذن، إن الإمام لم يفصل؛ لأن هذا هو المطابق للبلاغة، هو في مقام الدعاء.. وبالتالي يذكر العناوين العامة للذنوب والمعاصي (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ).. هل يمكننا أن نحدس حدسا ما هي الذنوب التي تهتك العصم؟..
من دون أن نجزم نقول: من الممكن أن تكون هذه الذنوب هاتكة للعصمة -والله العالم- نحن نحتمل، والاحتمال أمره سهل، الإنسان عندما يحتمل الشيء لا يجزم.. وبالتالي، له حق أن يتفوه بذلك الاحتمال.. نحن نحتمل أن من الذنوب التي تهتمك العصم؛ هتك عصمة الغير.. فطبيعة المعاصي متناسبة مع طبيعة الذنوب، على كل حال الإنسان الذي يهتك عصمة الغير، ويكشف سر الغير، ويفشي عيوب الغير؛ من الممكن أن يعاقبه رب العالمين أيضا بجنس هذه البلية وبهذا الذنب.. فالمؤمن موجود يستر العيب، ليس فقط يستر العيب بل المؤمن له خاصية أخرى: أنه يوجّه العيب، وهذه من علامات المؤمن، والأحاديث تقول: (احمل فعل أخيك على سبعين محملا)، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (ضع أمر أخيك على أحسنه، حتى يأتيك ما يغلبك منه.. لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءً، وأنت تجد لها في الخير محملا)؛ وهذه صفة راقية، إلى درجة أن البعض قد يقول: هذا مبالغ فيه!.. ولكن فقهيا من الممكن أن يكون الأمر كذلك، مثلا: مررتَ على إنسان وفي فمه رائحة الخمر، هل يمكن أن تجزم على هذا الإنسان أنه قد شرب الخمر؟.. ونحن لا نميز رائحة الخمر؛ لأن رائحته تشبه الخل.. نعم الخمر دخل في فمه، في فضاء الفم، فهل بلع الخمر؟.. نحن لا نعلم!.. البعض قد يقول: هذه مبالغة!.. نقول: هناك عدة احتمالات:
الاحتمال الأول: ربما هنالك مرض يشفى بالمضمضة بالخمر، فالخمر مادة كحولية، وهذا الإنسان اعتقد أن هذه المادة الكحولية معقمة -مثلا- فتمضمض به.. فإذن، من أين تعلم أن هذا قد شرب الخمر؟.. نعم إلى هذه الدرجة يحمل الإنسان فعل الغير على سبعين محملا؛ أي يجعل هناك احتمالات كثيرة في المقام.
الاحتمال الثاني: احتمال النسيان..
الاحتمال الثالث: مثلا: إنسان يقلد مرجعا يجيز له هذا الفعل الذي هو محرم عندك، الفقهاء هذه الأيام يختلفون حتى في الأمور الملفتة، فقيه يقول: يجوز، وفقيه يقول: لا يجوز.. فلعله يقلد هذا الفقيه الذي يجوّز هذا العمل.. وعليه، فإن الإنسان لا يمكنه أن يهتك عصمة الغير بهذه السهولة.. ومن هنا، انظروا إلى الشريعة في باب الغيبة!.. فالبعض يعتقد أن الإنسان لو اطلع على عيب الغير ورأى صدقه، يجوز له أن يذكر عيب ذلك الإنسان.. والحال: راجعوا الفتاوى أو الرسائل العملية، فهل يجوز غيبة الفاسق بمجرد فسقه؟..
يقولون: كلا!.. تجوز غيبة الإنسان المتجاهر بالفسق، في خصوص الفسق الذي يتجاهر به فقط.. مثلا: يتجاهر بشرب الخمر، ولكن يتستر على الزنا، فلو قلت: هذا زانٍ، دخلت في عقوبة الغيبة.
فإذن، إن القضية عند الله عز وجل، ولو أن الله -عز وجل- أراد أن يهتك ستر أحدنا، ماذا كان سيحصل؟.. لو أن الإنسان يصاب بالعمى إذا نظر إلى الحرام، وبالاستماع للغناء والغيبة يصاب بالصمم؛ لكنا كلنا معوقين: لا نسمع، ولا نرى، ولا نتكلم.. ولكن الله -عز وجل- ستار العيوب، وعلى المؤمن أن يقتدي بالله -عز وجل- في هذه الصفة الإلهية.
إن من المحتمل أن يكون الذنب الذي يهتك العصمة، هتك الإنسان عصمته بنفسه.. فالمتجاهر بالفسق لا غيبة له، والمؤمن يتحاشى أي حركة توجب له هذا الوهن.. في بعض الروايات أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- اختلى وتحدث مع امرأة في المدينة -والمدينة صغيرة في تلك الأيام أشبه بقرية، والصحابة يعرفون بعضهم بعضا، النبي تكلم مع المرأة كما يتكلم الإنسان مع محرم له- يبدو أن النبي (ص) رأى بعض الصحابة ينظرون إليه، فقال لهم: هذه عمتي؛ أي لا تسيئوا الظن، أنا أتكلم مع إنسانة هي محرم عليّ.. ولهذا ورد في حديث عن الصادق (ع): (من دخل موضعاً من مواضع التهمة فاتُّهم، فلا يلومنّ إلا نفسه).. أنت لك حرمة، ولك عصمة؛ فلا تعرّض نفسك للتهمة المحرمة، ولما هو مبغوض عند الله عز وجل.. فإذن، إن المؤمن إذا هتك عصمته بنفسه، فإن الله -عز وجل- يسلم أمره إليه.
إن من أسوأ الذنوب بشكل عام، ومن أقبح الذنوب، بل من أقرب الذنوب للعقوبة المعجلة؛ هو الذي يذنب الذنب وهو غير متأسف ولو بعد الذنب مباشرة.. طبعا الإنسان الذي ارتكب الذنب، هو حين الذنب مرتاح من ذنبه؛ ولكن الحمد لله نحن تأتينا رسائل تنبيه بعد الفراغ من الذنب مباشرة، ولا نبالغ حينما نقول: ثوان بعد الانتهاء من الذنب، يدخل الشخص ويجلس في زاوية ويبكي بكاء الثكلى بين يدي الله عز وجل.. ولعل هذا الإنسان عندما يبكي بين يدي الله بعد ذلك الذنب، يرتفع عند الله درجات عالية، يقول الله عز وجل: (أن عبداً أذنب ذنباً فاستغفر ربه، فقال الله -عز وجل- لملائكته: أعلم عبدي أن له رباً يؤاخذ بالذنب ويغفر الذنب، أشهدكم أني قد غفرت له.. ثم أذنب الثانية فاستغفر ربه، فقال الله عز وجل: أعلم عبدي أن له رباً يؤاخذ بالذنب ويغفر الذنب، أشهدكم أني قد غفرت له. ثم فعل الثالثة).. طبعا بشرط عدم العودة، والإنابة، والتوبة النصوحة.. أي لا يكون ذلك على سبيل الاستهتار والتهاون، وإنما يعزم ويصدق، فإذا غلبته غفلة أو استذله شيطان، تذكر مرة أخرى وعاد {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}.
فإذن، إن من موجبات هتك العصمة، أن يعمل الإنسان الذنب وهو مرتاح إلى ذنبه.. هؤلاء تقريبا هم في درجة الختم على القلوب؛ لأن ضميرهم مات، وإحساسهم تبلد.. قال رسول الله (ص): (كيف بكم إذا فسق شبابكم وطغى نساؤكم)؟.. قالوا: يا رسول الله، إن ذلك لكائن؟.. قال: (وشر من ذلك سيكون، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا، والمنكر معروفا)؟!.. وهذه آخر درجات السوء في الإنسان.
الذنوب التي تنزل النقم: (اَللّـهُمَّ!.. اغْفِـرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ النِّقَمَ).. رب العالمين لا ينتقم بسهولة، والانتقام صفة بشرية: الإنسان الضعيف عندما يعجز، وعندما يخاف الفوت، يحتاج إلى ظلم الضعيف، بني آدم لأنه يخاف الفوت ينتقم، مثلا: لو أن إنسانا تعرض للضرب من قبل شخص ما ثم هرب ذلك الشخص، فإنه يركض خلفه، ويحصره في زاوية، ويبرحه ضربا؛ لأنه يخاف ألا تتهيأ له الفرصة ثانية.. فإذن، إن الانتقام حالة بشرية بشكل عام، ولكن الله -عز وجل- في كتابه الكريم، يعبر عن نفسه {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ}، هذا الانتقام ليس بدواعٍ عاطفية، ولا بدوافع شعورية بمعناه البسيط الساذج، ولكن لأن الله -عز وجل- يرى أن في هذا الانتقام تمام الحكمة والمصلحة.

إن الإمام لم يذكر هذه الذنوب، ولهذا نحتمل -والله العالم- إن الذنوب التي توجب الانتقام، هي التي فيها جانب تحدٍّ لله عز وجل.. ولهذا يقولون في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}؛ أي الذنب الذي لا يغفره الله هو الشرك، معنى ذلك إن الذنب الذي لا يُغفر يوجب الخلود، وإلا لو كان قابلا للمغفرة لما كان هنالك خلود.. كل ذنب يغفر إلا الشرك، ونحن نعلم أن الشرك من موجبات الخلود.. ولكن كيف يقول في آية أخرى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}.. هذا أيضا ذنب، وهو دون الشرك، فلماذا القرآن تارة يقول: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}، وهذا إنسان قتل إنسانا، فكيف إذن يخلد في النار؟..
يقولون في الجواب: ليس المراد من قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا}؛ أي إنسان في ساعة من ساعات الغضب، كما هو متعارف في العشائر، يغضب ويتأثر من قاتل أبيه، أو ممن شارك في قتل أبيه، فيرديه قتيلا، يقولون: هذا إنسان في منتهى السوء، قد ارتكب كبيرة، ولكن الذي يوجب الخلود في نار جهنم هو من قتل مؤمنا لإيمانه.. إذن، عاد الأمر إلى الكفر، أي يعاديه ويقتله لأنه يؤمن بالله -عز وجل- وهذا تحدٍّ.. وبالتالي، فإن من موجبات نزول النقمة، أن يقوم الإنسان بالذنب متحديا.
كلمة (اغْفِـرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ النِّقَمَ).. من الممكن -والله العالم- كأن هنالك سحابة عذاب، هذه السحابة موقفة، ولكن تنتظر الفرصة المناسبة لنزول العذاب على أهلها، وإذا نزل عذاب التنكيل والاسئصال بقوم، فلا ينفعهم إيمانهم ودعاؤهم لرد العذاب إلا ما كان من قوم يونس.. فقد نزل بهم العذاب، ولكنهم لما لجأوا إلى الله -تعالى- بالدعاء، والتضرع، والتوبة؛ دفع الله عنهم العذاب {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}.. لهذا عندما رجع يونس ورأى قومه في أمن وسلام، تعجب من سلامتهم!.. فكأنه -والله العالم- كل معصية تصدر، كأنها قطعة سحابة من عذاب ترتفع إلى فوق، وكلمة (سحابة من عذاب) لا توجد في الروايات، ولكن في تعبير روائي أنه يخرج من الإنسان نتن ورائحة كريهة تشمئز منه ملائكة السموات، هكذا الذنوب!.. قال أمير المؤمنين (ع): (تعطروا بالاستغفار، لا تفضحكم روائح الذنوب)!.. كل الذنوب لها روائح كريهة، وعليه هذه الرائحة الكريهة، أو هذه الظلمة؛ وهذه القطعة من النار ترتفع إلى فوق.. فعندما يأتي ذنب آخر، وذنب آخر، وذنب آخر؛ تتشكل سحابة عذاب، سحابة من نار، في ليلة من الليالي وإذا برب العالمين ينزل عليك سحابة العذاب.
إن البعض في ليلة واحدة، في يوم واحد، في أسبوع؛ أموره كلها تنقلب رأسا على عقب: فجأة أصيب بجلطة ودخل المستشفى، وفجأة ارتفع عنده السكر، واكتشف أنه مصاب بهذا المرض، وفجأة تطلقت منه زوجته، وفجأة أصيب بانهيار في سوق البورصة وخسر.. في أسبوع واحد النعم تسلب منه الواحدة تلو الأخرى، فيتساءل: ما الذي حصل؟.. يبدو أن العقوبات كلها كانت موقفة، ولكن تنتظر كما يقال: القشة التي قصمت ظهر البعير.. في عالم العقوبات الجزائية في المحاكم، هذه الحركة موجودة، مثلا: أحد ما قام بجريمة، فيحكم عليه بالجلد خمسين جلدة مع وقف التنفيذ، فيرتكب جريمة أخرى ويحكم عليه أيضا بخمسين جلدة، وثالثة، ورابعة، و..الخ؛ وكل هذا مع وقف التنفيذ، حتى تصبح خمسمائة جلدة مع التنفيذ، فيجلد مع جلداته السابقة، وهذا في عرف المحاكم موجود.. أيضا فإن بعض المعاصي، تسبب بعض العقوبات الإلهية مع وقف التنفيذ، ولكن في ليلة من الليالي، يقول رب العالمين للملائكة: أذنت لكم أن تنفذوا فيه العقوبات الماضية، والعقوبات الحالية.. والمؤمن في خوف دائم من هذه المسألة، وهنيئا لمن يقرأ دعاء كميل -لم يطلب منا قراءته في كل أسبوع، قال: في الشهر، في السنة.. بل قال: في العمر مرة-.. في العمر مرة، ولكن بشرطها وشروطها، لو أن إنسانا قبل موته بساعات قرأ دعاء كميل، وهو على فراش الموت، ولم يقرأ إلا الأربعة أسطر (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ، اَللّـهُمَّ!.. اغْفِـرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ النِّقَمَ، اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُغَيِّـرُ النِّعَمَ، اَللّـهُمَّ!.. اغْفِرْ لي الذُّنُوبَ الَّتي تَحْبِسُ الدُّعاءَ) ثم أغمض عينيه ومات، لو استجيبت هذه الفقرات في حقه لا يبقى من درنه شيء.
(اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُغَيِّـرُ النِّعَمَ) يقول تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ}، رب العالمين أكرم الأكرمين، طبيعة الكريم أنه لا يسلب ما أعطاك إلا في حالة نادرة جدا، مثلا: إنسان يقدم بين يدي الضيف فاكهة، وبجوارها سكين حتى يقشر الفاكهة، ولكن عندما يذهب الطفل لأخذ هذه السكين -مثلا- تضرب على يديه بشدة خوفا عليه، لأنه يسيء الاستفادة من هذه النعمة.. فالضيف يقشر الفاكهة، ولكن الطفل يقطع بها يده.. ورب العالمين ليس من دأبه أن يأخذ منك ما أعطاك، فهذا خلاف الكرم في حياة الأمم!.. ولكن إذا رآك تستهتر بهذه النعمة، ولا تستحقها؛ فإنه يأخذها منك.. مثلا: إنسان كتب له رب العالمين العافية، فوصل رحمه، ودفع صدقة؛ فإن رب العالمين يقول: نعم احذفوا منه المرض الفلاني.. بينما إذا كان وهو في معرض ذلك المرض، مستهترا بالنعم، يأتي الخطاب الإلهي: ارجعوا له المرض حتى يجلس في المنزل!.. هذا الإنسان إذا تُرك وشأنه، يذهب إلى بلاد الكفر فيفجر ويفسق، فيصاب بحادث تنكسر أعضاءه، فيصبح طريح الفراش، فتسلب منه هذه النعمة.. حتى إن بعض الناس رب العالمين يمكر به مكراً جيدا، أو مكراً لصالحه، كأن يرتكب مخالفة فيحكم عليه بالسجن أربع أو خمس سنوات؛ فإن هذا خير له.. لأنه لو كان خارج السجن لعمل ما عمل، وسُلب منه الأمان، والصحة، والعافية؛ وبالتالي، فإن كل ذلك لمصلحته.

فإذن، كيف نستبقي النعم، وندفع النقم؟..
الأمر الأول: أن يستعمل النعم في طاعة الله عز وجل، وكما نعلم أن من موجبات الخجل يوم القيامة إلى حد الذوبان، والقرآن الكريم يعبر تعبيرا أكثر من الذوبان {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا} -التراب تدوسه الأقدام، يقال -والله العالم- يوم القيامة، المتكبرون يحشرهم الله -عز وجل- على شكل حشرات صغيرة كالنمل، حتى يداس عليهم، يقول الله عز وجل -والله العالم- أيها المتكبر كن تحت الأرجل-.. إن من موجبات الحسرة يوم القيامة، أن يأتي الإنسان ويقف بين يدي الله عز وجل {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}، النبي والأنبياء كلهم شاهدون على العباد، والنبي شاهد على هذه الأمة، يقال لفلان: المال مال الله أتنكر ذلك؟.. هذه الدنانير المؤلفة في حسابك في البنك أنت المالك {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}؟.. نحن شأننا مع رب العالمين، كشأن هذا الموظف الذي خلف صندوق النقد: هذا يفتخر أمام زوجته ويقول: أنا اليوم بيدي الملايين، تضحك عليه زوجته وتقول: هذه الملايين لك؟.. يقول: لا، هي ملايين البنك تمر على يدي.. فإذا افتخر بهذه الملايين، فهو يُتهم في عقله.. فأنت إنسان مستخلف على الصندوق.. يأتي يوم القيامة العبد ويقول له رب العالمين: كيف تنفق أموالي في خلاف مرضاتي، أما تستحي من هذا الأمر؟.. هذه أموالي، وأنا خلقتك، ووجودك تابع لي.. فكيف أعضاءك، وكيف بالمال الذي كسبته أعضاءك، أين أنت من هذا المال؟.. كم من المخجل أن يأتي العبد يوم القيامة بهذا الموقف!..
فإذن، إن الإنسان المؤمن عندما يصرف النعمة الإلهية في طاعة الله -عز وجل- لا يرى أنه منَّ على الله ورسوله، بعض الناس يدفع مالا في سبيل الله، أو يدفع خمسا واجبا عليه، وكأنه يجب أن يُحمد، يرجع للمنزل يقول لزوجته: أنا اليوم عملت عملا عظيما، دفعت هذا المبلغ من الخمس.. القرآن الكريم يقول: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} يدفع المال، يدفع الخمس، بل ماعدا الخمس المستحبات، طبعا الفخر في المستحبات وليس في الواجبات {يُؤْتُونَ مَا آتَوا}!.. فالقرآن لم يقل: يؤتون الخمس أو الزكاة أو ما شابه {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} المفروض أن يكون قلبه مطمئنا ومرتاحا بهذا الإنفاق، يقول: {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}؛ لأنه لا يعلم هل رب العالمين يقبل منه هذا الإنفاق، يقال: أنت حصلت على هذا المال من معاملة ربوية، فأصل فعلك محرم، وأنت تمنُّ علي أنك خمست هذا المال، أو دفعت صدقة من هذا المال!.. إن أصل الطريق طريق أعوج {أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}.. وبالتالي، فإن الخطوة الأولى لدفع النقمة، وعدم تغيير النعمة، هي استعمال المال فيما أراده رب العالمين.
الأمر الثاني: الشكر بكل معنى الكلمة -نحن مع الأسف- نجعل الشكر بعد النعم الكبيرة، بينما ورد في بعض العبارات: إذا أصلحت بين زوجين، عليك بسجدة الشكر!.. طبعا لأن هذه النعمة كبيرة، أن الله -عز وجل- أجرى على يديك هذه النعمة، بل أحد أئمة أهل البيت، بينما هو يمشي في السوق خر ساجدا، يقول الراوي: (كنت مع الصادق (ع) بالمدينة وهو راكب حماره، فنزل وقد كنا صرنا إلى السوق أو قريباً من السوق، فنزل وسجد وأطال السجود وأنا أنتظره، ثم رفع رأسه.. قلت: جعلت فداك!.. رأيتك نزلت فسجدت!.. قال: إني ذكرت نعمة الله عليّ، قلت: قرب السوق، والناس يجيئون ويذهبون؟.. قال: إنه لم يرني أحد).
فإذن، إن المؤمن عنده هذه الطبيعة بين وقت وآخر وبلا مناسبة، ومن أفضل فرص الشكر هو بعد الصلوات الواجبة، اسجد لله -تعالى- وقل: شكرا!.. شكرا!.. شكرا!.. على نعمة إقامة الصلاة، وخاصة جماعة، وفي بيت من بيوت الله عز وجل، اشكروا الله على هذه النعمة!.. ونحن نشكر الله -عز وجل- أن وفقنا لأن نكون في ضيافة أمير المؤمنين، في هذا الدعاء البليغ الذي نرجو من الله -عز وجل- أن يوفقنا بقراءته، بل بالدعاء به كما يليق به، وكما يحبه الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه.

المحاضرة السادسة
نلاحظ أن الإمام علي -عليه السلام- في دعاء كميل، بعد أن ذكر الله -عز وجل- بأسمى صفات الثناء، وأنشده بأسمائه، وبعلمه، وبجبروته.. علمنا كيف نستغفر الله -عز وجل- من الذنوب كافة!..

(اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُغَيِّـرُ النِّعَمَ).. إن رب العالمين ليس بناؤه على تغيير النعمة المعطاة، فهذا خلاف الكرم، والكرماء ليس من معدنهم ذلك.. ولكن العبد بسوء اختياره لفعله، يقوم بما يوجب له سلب هذه النعمة: وهو كفران النعم.. وكفران النعم هو أن نستعمل النعمة في غير ما أمر الله عز وجل؛ لأن الله -تعالى- عندما أعطاك نعمة، علمك كيف تستغل هذه النعمة، مثلا: هذه الأيام عندما يشتري الإنسان سيارة، يكون معها كتيب صغير لكيفية استعمال هذه السيارة.. ورب العالمين خلق الإنسان، وأعطاه القوى الظاهرية والخارجية؛ ليعلمه كيف يعيش في هذه الحياة كما قال في كتابه الكريم: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا}.. فلم يقل: أكثركم عملا، ولكن قال: أحسنكم عملا!.. وهو الذي يحقق الهدف من هذه الخلقة.

فإذن، إن الذي يستعمل النعمة في غير المصير الذي رسم لها، هذا الإنسان يعد خارجا عن الدائرة التي رسمها له رب العالمين.

(اَللّـهُمَّ اغْفِرْ لي الذُّنُوبَ الَّتي تَحْبِسُ الدُّعاءَ).. هذه الفقرة من كلام الإمام علي -عليه السلام- فقرة مخيفة، لأن الإنسان قد يكون في موضع الإجابة: عند قبة الإمام الحسين، وعند الميزاب، أو في جوف الليل وهو باكيا داعيا، ولكن لا يعلم أن هذا الدعاء له مانع وهنا المصيبة!.. مثلا: أنت تأتي بغصن رطب وتجعل هذا الغصن في النار، فلا يحترق الغصن.. النار محرقة، ولكن الرطوبة في هذا الغصن الطري تمنعه من الاحتراق؛ لذا فهي أولا تجفف الغصن وتزيل الرطوبة، ثم يحترق الغصن.. فإذن، مع وجود المانع، أنت مهما كثرت المقتضي، فالذي له مانع لا يؤثر أثره.. مثلا: إنسان يجلس في سيارة، قدمه على البنزين من ناحية، وقدمه الأخرى على الفرامل.. فهذه السيارة لن تمشي، إذ لابد من رفع المانع حتى يؤثر المقتضي أثره.. والدعاء الذي فيه مانع من موانع الاستجابة، هذا الدعاء لا يرتفع.

ولكن ما هو الذنب الذي يحبس الدعاء؟..
إن أمير المؤمنين -عليه السلام- تعمد الإبهام، ولم يذكر التفاصيل؛ حتى يعيش الإنسان حالة الخوف والهلع.. -مثلا- لعل هذا الذنب من الذنوب التي تحبس الدعاء: هناك من ظلم إنسانا في مسألة مالية: إنسان اقترض منه مالا، وامتنع عن السداد؛ هذا إنسان سيء.. وهنالك إنسان يظلمك في نفسيتك، يقوم بعمل يجعلك لا تنام الليل، كتهمة أنت منها بريء.. أي أن هناك ظالما يستحق الدعاء عليه، وأنت دعوت على هذا الظالم.. ولكن رب العالمين له ملفات، وله ملفاتك السابقة أنت أيضا، وهكذا نحتمل يأس الجواب: أننا لو أردنا أن يستجاب لدعوة المظلومين، فأنت أول الضحايا؛ لأن هنالك من ظلمته أنت أيضا.

إذا كان بناؤنا على أن نعجل العقوبة على الظالمين، فأنت ظالم ومظلوم: بالنسبة إلى فلان مظلوم، ولكن بالنسبة إلى فلان أنت ظالم.. فالملائكة تؤمر بإيقاف العقوبة على ذلك الرجل، لأنه لو كان البناء على إجابة دعوة المظلومين؛ لما بقي على وجه الأرض من دابة.. فالذي يريد أن يدعو على الغير حيث ظلمه، لابد أن يفتش في نفسه: هل ظلم الغير، أم لم يظلم الغير؟!..
وقد رأينا في التاريخ بعض العلماء الكبار وبعض الصالحين، بإشارة من رب العالمين ينتقم لهم، أحد العلماء الكبار في الأزمنة المتأخرة، أحدهم أهانه ولم يعرف قدره من عامة الناس، سكت عنه وكأنه فوّض أمره إلى الله عز وجل، وفي ساعته مات الرجل، فلما سمع بخبر موته تألم، وقال: يا ليتني كنت واجهته، فسكوتي عنه قتله.. فلو كنت انتقمت لنفسي من خلال كلمة أو من خلال اعتراض، لعل الله -عز وجل- ما عجل له العقوبة.. ولكن سبب ذلك هو سكوته على ظلم الظالم، واعتراضه القلبي، فأذهل رب العالمين العقول بهذا الرجل.. ومن هنا البعض يسأل: هل ندعو على المؤمنين؟.. وهل نلعن المؤمن الظالم؟..

نقول: إياك أن تلعن مؤمنا ظالما!.. فالمؤمن على كل حال في قلبه مقدار من الإيمان: بالله، وبرسوله، وبأوليائه؛ ما يمنعه من اللعن، فلا تبادر بلعن المؤمن.. حتى أن البعض يقول: أنا أوكلت أمر فلان إلى الله عز وجل.. وهذا كلام خطير جدا!.. إذا أوكلت أمره لله -عز وجل- إذن، هو في طريق الانتقام الإلهي.. فالأفضل أن تطالب بحقك، وإن لم تصل إلى حقك قل: يا رب!.. أنت تولاه، أو تصرف معه بما يناسب الحكمة.. وهذا شيء جيد!..

ومن المواقف التي توجب نزول الرحمة على المؤمن، ما كان يعمله إمامنا زين العابدين -صلوات الله عليه- في شهر رمضان.. قال الصادق (ع): (كان علي بن الحسين (ع) إذا دخل شهر رمضان لا يضرب عبدا ًله ولا أمة، وكان إذا أذنب العبد والأمة يكتب عنده: أذنب فلان، أذنبتْ فلانة يوم كذا وكذا، ولم يعاقبه فيجتمع عليهم الأدب، حتى إذا كان آخر ليلة من شهر رمضان، دعاهم وجمعهم حوله ثم أظهر الكتاب.. ثم قال: يا فلان!.. فعلت كذا وكذا ولم أؤدبك، أتذكر ذلك؟.. فيقول: بلى يا بن رسول الله!.. حتى يأتي على آخرهم، ويقرّرهم جميعا، ثم يقوم وسطهم ويقول لهم: ارفعوا أصواتكم.... وقولوا: اللهم!.. اعف عن علي بن الحسين كما عفا عنا، فاعتقه من النار كما أعتق رقابنا من الرق، فيقولون ذلك، فيقول: اللهّم!.. آمين رب العالمين.. اذهبوا فقد عفوت عنكم وأعتقت رقابكم رجاءً للعفو عني، وعتق رقبتي فيعتقهم....) الخبر.. فبعض المؤمنين في محطات في السنة يقول: اللهم!.. إني أبرأت ذمة كل من ارتابني، على أمل أن تعفو عني أنت أيضا، وهذه نفسية كريمة.. وفي دعاء الأيام الإنسان يبرئ ذمم جميع المؤمنين، حتى يبرئ رب العالمين ذمته أيضا.

إن الذي يدعو بشدة ولا يستجاب له الدعاء، قد يبتلى بسوء الظن بالله تعالى.. فهو يذهب لزيارة الأئمة عليهم السلام، ويشد الرحال لهذه الأماكن الطاهرة، ولا تستجاب له دعوة.. والبعض قد يرجع ومشكلته تعقدت أكثر، فيعكف عن الله ورسوله وأئمة أهل البيت، ولا يعلم أن هناك ما يوجب له حبس الدعاء.. قد يقول قائل: أنا أدعو، وحسب الظاهر ليس عندي ذنوب تحبس الدعاء، أي كل علاقاتي طيبة: مع زوجتي، ومع أولادي، ومع الوالدين، والأهل، والجيران.. فلماذا أموري معقدة في هذه الحياة، ولا تستجاب لي دعوة؟..

أولاً: إن المؤمن يجب أن ينظر لأموره بقرب وبدقة.. قد يظن أن الزوجة راضية عنه، ولكنها عندما تُسأل في غيابه، تبدي شكواها بما لا يخطر على بال الزوج.. فإذن، الإنسان لا يلقن نفسه أولا أن الناس راضون عنه، ولا بأس بسؤالهم والاستفهام منهم.. وهذا شيء جيد!..

ثانياً: ما المانع أن يطلب الإنسان من الله -عز وجل- أن يبصره بعيوبه (إذا أراد الله بعبد خيراً: زهده في الدنيا، ورغبه في الآخرة، وبصره بعيوب نفسه).. كيف يبصره بعيوب نفسه؟.. الله -عز وجل- له طرق كثيرة؛ منها الإلهام، مثلا: تكون بحاجة إلى موعظة بليغة، فتفتح الإذاعة أو التلفاز؛ فترى المتحدث يتحدث وكأنه يعلق على نفسك، وعلى عملك، وكأن الله -عز وجل- رتب الأمور كي يكون هناك متكلم في تلك الساعة؛ ليوصل إليك الفكرة.. وقد يقول إنسان: ذهبت إلى المجلس، وكأن الخطيب يتكلم معي.. فرب العالمين يوفق بين الأسباب: يلهمك إلهاما أن تذهب إلى المجلس، ويلهم الخطيب أن يتكلم في الموضوع الفلاني؛ حتى تتم الصفقة في هذا المجال.. وباب الإلهام باب وارد، فقد يأتي لإنسان في منامه من يقول له: يا فلان أنت كذا وكذا!.. المهم إن الإنسان الذي يحمل همّ نفسه، رب العالمين يوصل له الفكرة بما يراه مناسبا.

إن الإنسان بعض الأوقات يمكنه أن يكسب جائزة كبيرة، وهو أن يقول: ربي!.. أنا لا أعرف الذنوب التي تهتك العصم، والتي تحبس الدعاء.. يا رب!.. أنا أسألك أن تغفر لي هذه الذنوب.. فالمؤمن أحيانا يعيش حالة الأنس والقرب من الله تعالى، ويقطع بالإجابة؛ عليه أن يستغل هذه الفرصة، ويقول: يا رب!.. اغفر لي كل هذه الذنوب.

فإذن، إن الذي يعيش الخوف من الذنوب التي تحبس الدعاء، عليه أن يستغفر أولا، ثم يشد الرحال إلى مواطن الطاعة.. فإذا رجع من هذا السفر، يكاد يطمئن أنه رجع نظيفا نقيا.

(اَللّـهُمَّ اغْفِـرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ النِّقَمَ).. النقمة من كلمة انتقام، والانتقام الإلهي انتقام مخيف، فاسألوا ربكم أن لا يتعرض أحدنا للانتقام الإلهي.. إذا صار بناء رب العالمين على الانتقام، فإنه يجتث الإنسان من جذوره، يسلب منه النعم بحيث لا ترجع إليه ثانيا، مثلا: إنسان في بداية موسم محرم، يرتكب معصية كبيرة؛ رب العالمين ينتقم منه، فيسلب منه نعمة البكاء والتأثر بمصيبة أهل البيت.. بعضهم يكاد يموت، يقول: أنا ما الذي جرى علي؟!.. يحضر مجالس أهل البيت، والناس كلها تتفاعل وهذا المسكين لا تنزل منه دمعة واحدة؛ وهذه رائحة العقوبة والانتقام!.. ولعل كلمة النقمة موحشة أكثر من كلمة البلاء، وان كانت كلمة البلاء مخيفة أيضا!.. هناك بعض البلاءات كأنها موقفة، بلاء متراكم كالسحب المتراكمة، ولكن يأتي ظرف مناسب وإذا بهذا البلاء المتكدس ينزل عليك دفعة واحدة، وذلك يشبه عالم القضاء بالعقوبات مع وقف التنفيذ، مثلا: إنسان يرتكب مخالفة لا يعاقب، ولكن يكتب ذلك في سجله، كما في عالم التوظيف -مثلا- موظف يرتكب مخالفات بسيطة يكتب له في سجله، إلى أن يصل للمخالفة الأخيرة، فيؤخذ بقرار فصله، وإن كانت المخالفة الأخيرة، ذنب صغير، يقال له: طفح الكيل.. وهكذا رب العالمين، من الممكن أن تكون له هذه السياسة.

بعض المؤمنين له حالة جميلة: كلما نزل عليه بلاء ولو بسيط: كحمى، أو صداع -مثلا- قبل أن يتأثر يقول: رب ما الذي عملته؟.. يفكر ما الخطأ، أو ما الذنب الذي سبب له هذه العقوبة!.. فهذه حركة جميلة: قبل أن يتأذى على فقدان بعض أمواله، ينظر إلى المعصية التي ارتكبها.. قال الصادق (ع): قال الصادق (ع): (ولربما ترك في افتتاح أمرٍ بعض شيعتنا {بسم الله الرحمن الرحيم}، فيمتحنه الله بمكروه، وينبّهه على شكر الله تعالى والثناء عليه، ويمحو عنه وصمة تقصيره عند تركه قول {بسم الله}.
لقد دخل عبد الله بن يحيى على أمير المؤمنين (ع) وبين يديه كرسي، فأمره بالجلوس عليه فجلس عليه، فمال به حتى سقط على رأسه، فأوضح عن عظم رأسه وسال الدم.. فأمر أمير المؤمنين (ع) بماء فغسل عنه ذلك الدم، ثم قال: ادن مني!.. فوضع يده على موضحته -وقد كان يجد في ألمها ما لا صبر له معه- ومسح يده عليها وتفل فيها، فما هو أن فعل ذلك حتى اندمل فصار كأنه لم يصبه شيء قط، ثم قال أمير المؤمنين (ع): يا عبد الله!.. الحمد لله الذي جعل تمحيص ذنوب شيعتنا في الدنيا بمحنهم، لتسلم لهم طاعاتهم، ويستحقوا عليها ثوابها....
فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين!.. قد أفدتني وعلّمتني، فإن أردت أن تعرّفني ذنبي الذي امتحنت به في هذا المجلس حتى لا أعود إلى مثله.. قال: تركُك حين جلست أن تقول: {بسم الله الرحمن الرحيم}، فجعل الله ذلك لسهوك عما نُدبت إليه تمحيصا بما أصابك.. أما علمت أنّ رسول الله (ص) حدثني عن الله -جل وعزّ- أنه قال: كل أمرٍ ذي بال لم يُذكر فيه بسم الله فهو أبتر، فقلت: بلى بأبي أنت وأمي، لا أتركها بعدها، قال: إذن تحظى بذلك وتسعد).

وطبعا رب العالمين إذا أحب عبدا، يؤدبه في الدنيا بأقل زلة حتى يوقظه من نومته.. ونحن نرتكب عشرات المخالفات ولا نرى شيئا، فمن نعم الله على عبده المؤمن، أن تعجل له العقوبة في الدنيا قبل الآخرة.. هذه العقوبات المعجلة تكون خفيفة؛ لأنها تكون بعد كل معصية فلا شيء متراكم.. وفي نفس الوقت هذه العقوبات، توجب الاستغفار السريع.. والمؤمن الذي يريد أن يتخلص من النقم، عليه أن يصفي الحساب مع ربه دائما، قد يقول قائل: الأنبياء هم أفضل الناس، فلماذا هم أكثر الناس بلاء؟.. في رواية عن الإمام الكاظم (ع): (المؤمن مثل كفتي الميزان: كلما زِيد في إيمانه، زِيد في بلائه)، فالبلاء للأمثل فالأمثل، كلما زاد المرء إيمانا زاد بلاءاً!..

كل الأنبياء عاشوا في بلاء ومحن، وكذلك أئمة أهل البيت (ع) عاشوا بين قتيل وسجين ومنفي ومسموم.. فإذن كيف تقول: بأن المؤمن الذي لا يريد البلاء، يصفي حسابه مع رب العالمين؟..
الجواب هو: إن هنالك فرقا بين البلاء الذي يأتي بعد معصية، وبين البلاء الذي يأتي بعد الطاعة.. وهنا تقسيم رباعي جميل، فهنالك أربع حالات في الإنسان لا يخلوا منها: إما يقوم بطاعة بعد طاعة، وإما بمعصية بعد معصية، وإما بمعصية بعد طاعة، وإما بطاعة بعد معصية.. فكل ما نقوم به في هذه الحياة، لا يخرج من هذه الصور الأربعة، فما حكم هذه الصور؟..

- الطاعة بعد الطاعة.. هي علامة القبول.. مثلا: إنسان ذهب للعمرة فشك أن عمرته مقبولة، عندما رجع للبلاد وفق للقيام بعمل صالح مباشرة، مثلا: أصلح بين متخالفين؛ هنا يعلم أن هذه العمرة مقبولة.. فإذا قام بطاعة ثالثة، يعلم أن إصلاحه لذات البين أيضا مقبولة وهكذا.
- المعصية بعد المعصية.. مثلا: إنسان كذب كذبة، وعندما رجع للمنزل اغتاب مؤمنا؛ هذه علامة الخذلان.. لأن مرتكب الذنب بعد الذنب، إنسان مخذول وغير موفق.
- الطاعة بعد المعصية.. مثلا: إنسان عصى ربه فاغتاب مثلا، ثم وفق لصدقة معتبرة.. هذه علامة التوبة، وقبول التوبة.. مادمت قد وفقت للطاعة؛ أي لولا قبول رب العالمين والرضا، لما وفقك لمثل تلك الطاعة.
- المعصية بعد الطاعة.. وهي علامة الرد.. مثلا: إنسان جاء من العمرة لوطنه، وعند أول وصوله ارتكب كبيرة من الكبائر.. فلو كانت هذه العمرة فيها خير، لحجبتك عن هذه المعصية.

فإذن، إن المؤمن إذا وقع في البلاء بعد الطاعة المتواصلة، يُعلم أن هذا الإنسان -إن شاء الله- على خير، وهذا يسمى بلاء رفع الدرجة، لا بلاء رفع العقوبة.. فمرة ترفع عقوبة الإنسان بالبلاء، ومرة ترفع درجة الإنسان بالبلاء.. وفرق بين هذا وذاك!..

المحاضرة السابعة
هل الدعاء أمر استحبابي في الحياة؛ أي أمر كمالي.. أو أن الدعاء من ضروريات حياتنا؟..
أولا: إن البعض منا يستخدم الدعاء أداة لقضاء الحوائج.. وهذا يكشف عن علاقة مؤسفة مع رب العالمين، ويبدو أن هذه العلاقة هي العلاقة السائدة بين العباد جميعا: وهي أننا نريد الله -عز وجل- لأنفسنا، ولا نريد أنفسنا لله.

إن الذي يتأمل في هذه المقولة، يعيش حالة من الاضطراب.. فكيف يكون موقف الإنسان عندما يواجه ربه، وهو يظن أنه كان على خير، لا نقول كـ {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}، هذا للذين لهم هفوات وأخطاء.. إنما الكلام هنا في الطيبين من الناس، في الذين لهم: صلاة، وعبادة، ودعاء؛ هؤلاء يظنون أنهم قد بلغوا أقصى الرتب.. والحال بأنهم اتخذوا ذكر الله، واتخذوا رب العالمين والصلة به؛ ذريعة لنيل حوائجهم.

إن هناك فرقا بين أن يطلب الإنسان حاجته من الله ورسوله وأوليائه، وبين إنسان يطلب حاجته من أهل الدنيا، وخصوصا لئام الخلق.. فالإنسان الذي يطلب الحاجة من لئام الخلق، هذا سيء.. والإنسان الذي يطلب الحاجة من كرام الدنيا، هذا لا بأس به.. أما الإنسان الذي يطلب حاجته من رب العالمين، فهذا جيد.. ولكنْ هناك فرق بين أن يطلب الإنسان ربه ويدعوه لأجل قضاء حوائجه، وبين أن يتخذ الإنسان الحاجة والمسكنة وانكسار القلب ذريعة، ليس فقط لقضاء الحوائج، بل أيضا ذريعة للأنس بربه والكلام مع ربه.

مثلا: هناك طبيب لا يفتح المجال كي يزوره أحد، هو لا يفتح بيته ولا مجلسه؛ لأن المجال الطبيعي للطبيب هي العيادة، حيث أن وظيفته معالجة المرضى.. بعض الأوقات قد يتفق هذا المعنى: أن الذي يحب اللقاء بهذا الطبيب، يتمنى أن يصاب بمرض، كي يذهب إلى عيادته؛ لا طلبا للشفاء، ولكن ليحظى بلقائه.. وهذا مجرد مثال، يمكن أن نفترض له مصداقا خارجيا.. إن الإنسان المؤمن يتخذ الحاجة والمسكنة وانكسار القلب؛ ذريعة للحديث مع الله عز وجل.. ولهذا قد يكون لك حاجة، فتدعو لقضاء حاجتك في جوف الليل، أو تذهب لزيارة أئمة أهل البيت، أو للعمرة، أو لزيارة النبي الأكرم.. تتفاعل في الزيارة من أجل طلب الحاجة، تجهد نفسك، وبعد هذا التفاعل الشديد؛ تزهد في حاجتك، بل تحتقر هذه الحاجة، وتقول: أنا الآن في محضر الإمام أو عند محضر النبي، في هذا الجو المتفاعل أقول: يا مولاي اشف لي صداعي مثلا!.. أو أعطني الحاجة الفلانية!.. الإنسان يكاد يستحي من ذكر مشكلته، وقد نسمع البعض يقول: رجعت من هذه الزيارة ولم أطلب حاجتي تلك، والحال بأن هذه الحاجة قضيت تلقائيا.. فالكريم يلتفت إلى حوائجك دون أن تصر عليه.

فإذن، إن الدعاء ذريعة للحديث مع رب العالمين والأنس به، وخاصة أن الدعاء يفتح باب اللقاء معه عز وجل.. أضف إلى أن الله -عز وجل- ينظر إلى المنكسرين المفتقرين، وقد ورد في الحديث القدسي: (أنا عند المنكسرة قلوبهم، والمندرسة قبورهم).. القلب الكسير قلب قريب إلى الله عز وجل.. فالانكسار والمسكنة والأذى والألم، يغطي على بعض الذنوب والسيئات.. ولهذا ورد في روايات أهل البيت (ع)، وهي من أواخر وصايا أحد المعصومين قبل استشهاده: (يا بني!.. إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله).. فهذا الإنسان يعيش الانقطاع إلى رب العالمين، ومن هنا يكون التحرش بهذا الإنسان أمر خطير.

ثانيا: لو عملنا إحصائية وجرد من أول البلوغ إلى يومنا هذا، ما هو نوع وصنف ما طلبناه من الله عز وجل؟.. إن ما طلبناه من الله عز وجل، لا يتعدى الجيب والجسد.. فالجيب: مثلا كقضاء الديون، والجسد: كطلب الشفاء من الأمراض البدنية.. هذه الأيام هناك حركة إيجابية متعارف عليها، كأن يأتي إنسان ويقول: ادعُ للمريض الفلاني!.. إن طلب الدعاء إلى الغير أمر جيد، ولا يعني هذا أن الذي طلبت منه الدعاء إنسان متميز، فهو قد يكون أيضا ابتلي بالعجب والغرور، فعند قول: يا فلان ادع لفلان!.. قد يعتقد الإنسان أنه صار شخصية متميزة فليس الأمر هكذا.. وكذلك الدعاء للغير مستجاب، وفي إحدى الروايات: قال أمير المؤمنين (ع): (لا تستحقروا دعوة أحد؛ فإنه قد يستجاب اليهودي فيكم، ولا يستجاب له في نفسه).. فكأن الله عز وجل يقول: عبدي يدعو لعبد آخر، وأنا رب العباد.. فكيف لا أستجيب دعاء هذا الداعي؟!..

فإذن، إن الدعاء للغير من موجبات الاستجابة، ولهذا يقال: إذا أردت أن يقضي الله -عز وجل- لك حاجة، قدم حوائج الإخوان قبل حاجتك.. عن أبي عبد الله (ع): (مَن دعا لأخيه بظهر الغيب، وكّل الله به ملكاً يقول: ولك مثلاه).

وبالتالي، فإننا مازلنا في نمط الحوائج التي تعود إلى الحياة الدنيا.. والحال بأن الحوائج المتعلقة بعالم الآخرة أدوم وأبقى!.. فهل يقال في هذه الأيام: ادعوا لفلان مبتلي بمرض العجب والرياء؟.. قلَّ من يسأل هذا الدعاء، وقلّ أيضا من يذهب لزيارة المشاهد، ويطلب من رب العالمين أن يخلصه من الآفات النفسية.. وقد يقول قائل: نحن دعونا لهذه الحاجة المعنوية، ألا نقول في شهر رمضان، وفي ليالي الجمعة: اللهم!.. فك رقبتي من النار.. وهذه الأدعية أدعية معنوية؟..

الجواب هو: بدل أن ندعو فقط للخلاص من نار جهنم، لماذا لا ندعو للخلاص من العلل التي تسوقنا إلى نار جهنم؟.. فالإنسان قبل أن يطلب من الله -عز وجل- أن يخلصه من نار جهنم، يطلب أولا من الله -عز وجل- أن يعينه على ما لا يجعله من الداخلين إلى النار، وهنا الشجاعة والفخر والبطولة!..

يستفاد من بعض روايات أهل البيت (ع)، أن هذه المراحل المخيفة من: القيامة، والميزان، والصراط، والانتظار في يوم لا ظل فيه إلا ظله الخ، هذا كله مطوي للبعض.. فالبعض يخرج من قبره ويدخل الجنة بلا حساب، لدرجة أن الملائكة الموكلة بالجنة تتعجب.. قال السجاد (ع): (إذا جمع الله -عزّ وجلّ- الأولين والآخرين، قام منادٍ فنادى يُسمع الناس، فيقول: أين المتحابّون في الله؟.. فيقوم عنقٌ من الناس، فيُقال لهم: اذهبوا إلى الجنّة بغير حساب، فتلقّاهم الملائكة، فيقولون: إلى أين؟.. فيقولون: إلى الجنّة بغير حساب، فيقولون: فأيُّ ضربٍ أنتم من الناس؟.. فيقولون: نحن المتحابّون في الله، فيقولون: وأيُّ شيءٍ كانت أعمالُكم؟.. قالوا: كنا نحبّ في الله، ونبغض في الله، فيقولون: نِعْمَ أجر العاملين).

فإذن، إن المؤمن يطلب من الله -عز وجل- أن يخلصه من الملكات الخبيثة.. قد يقول قائل: كيف أدعو؟.. هل أقول: اللهم!.. خلصني من الملكات الخبيثة؟.. هذا التعبير غير موجود في روايات أهل البيت (ع)، فهل هنالك عبارة جامعة مانعة تحقق ما نقول؟.. وهي في نفس الوقت عبارة مأثورة عن أهل البيت، لتكون أوقع في النفس؟..

نعم، هنالك عبارة في أدعية أهل البيت، والمؤمن صياد الفرص (اغتنموا الفرص؛ فإنها تمر مر السحاب)، فالمؤمن -مثلا- في مجلس استشهاد الإمام زين العابدين -عليه السلام- يبكي وتجري دمعته بحرقة، وهو يتذكر مصائب الإمام عليه السلام، ولكن عندما يذهب للبقيع وهو على قبر الإمام.. وليس زين العابدين فقط، بل أيضا الإمام المجتبى، والإمام الباقر، والصادق، ينظر إلى القبور من باب التسلية، وينظر إلى الحمام الذي هناك، وإلى الزوار، ويقول: العجب نحن في مجالس أهل البيت على بعد آلاف الكيلومترات نتفاعل، وعندما نذهب على قبر أئمة أهل البيت في البقيع لا تجري دمعة واحدة؟!.. فأنت لا تعلم متى يأتيك هذا الشعور ومتى تأتيك هذه النفحة، ورب العالمين له قوانينه التي لا ترتبط بقوانين البشر أبدا.. البعض نراه في موسم الحج والعمرة في حرم النبي أو في الحرم المكي تأتيه رقة القلب، ينظر إلى ساعته وإذا هو موعد الغداء، فيقطع ما هو فيه ويهرول ليأكل قطعة من اللحم، هذا يقال له في عالم الغيب: (بعتنا بأرخص الأثمان) أي أعطيناك هذه الرقة، ولكنك زهدت في هذا العطاء.. فقد تمر عليه سنة كاملة ولا تذرف له دمعة؛ عقوبة على ما فرط في جنب الله.

وعادة الذين يحضرون مجالس أهل البيت (ع) ترق قلوبهم، ونحن نعرف أن من أعظم النعم علينا، هذه الأنوار المباركة (خلقكم الله أنواراً، فجعلكم بعرشه محدقين، حتى منَّ علينا بكم، فجعلكم في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه).. فنور سيد الشهداء كان في العرش، وهذه الأنوار القدسية كانت في العرش، ورب العالمين أنزلها للأرض، وإذا بهذا الحسين -صلوات الله عليه- يُفعل به يوم عاشوراء ما فُعل، حتى نرتقي عند الله عز وجل.. الحسين -عليه السلام- تحمل القتل، والسيدة زينب (ع) تحملت الأسر، وإمامنا زين العابدين (ع) تحمل الأغلال الجامعة؛ لأجلنا نحن.. ببركة هذا العذاب الذي نزل عليهم، ندخل الجنة إن شاء الله بغير حساب.. وبهذا الواقع ينبغي أن نشكر أصحاب هذه المصائب، لأن الله -عز وجل- جعلهم سببا لنجاتنا.. الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة، الحسين -صلوات الله عليه- بما جرى عليه، تحول إلى سفينة يركبها الكثيرون.. فالكل سفينة نجاة، لكن سفينة الحسين (ع) أسرع؛ لأنه وقع عليه ما لم يقع على أئمة الهدى (ع).

إذا جاءتكم هذه الرقة، خاصة بعد مجالس أهل البيت (ع) اغتنموا الفرصة، وحاولوا أن لا تقطعوا الجو الحسيني فجأة.. بل اخرج من المجلس وأنت في طريق العودة إلى المنزل، عش جو التفاعل.. وهذه أغنى فرصة للمناجاة مع رب العالمين، وكلنا يعرف حديث الإمام الرضا (ع): (فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإنّ البكاء عليه يحط الذنوب العظام).. هنالك ترابط بين الإمام الحسين (ع) وبين الرحمة الإلهية، بين البكاء عليه وبين غفران الذنوب؛ لأنه قتل بأمر الله، فقد شاء الله أن يراه قتيلا.

ما هو هذا الدعاء الجامع المانع؟.. هو دعاء يقرأ في شهر من السنة؛ في شهر رجب.. تقول فيه لرب العالمين: (أعطني بمسألتي إياك جميع خير الدنيا وجميع خير الآخرة، واصرف عني بمسألتي إياك جميع شر الدنيا وشر الآخرة؛ فإنه غير منقوص ما أعطيت، وزدني من فضلك يا كريم)..

وهنا نشير إلى نقطتين في هذا الدعاء:
أولا: ليس هناك حاجة من حوائج الدنيا، ولا حاجة من حوائج الآخرة؛ إلا وهي مندرجة تحت هذا الدعاء: أنت تريد الرضوان، والرضوان هو أعلى نعم الوجود {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} يعتبر خير الدنيا.. تريد زوجة صالحة، أيضا من خير الدنيا.. وكل الحوائج المعنوية مندرجة في هذا الدعاء، والرضوان أيضا من حوائج الآخرة.

ثانيا: قد يقول قائل: هل من المعقول أن يعطيني رب العالمين كل هذا الفضل بدعاء لا يستغرق ثلاثين ثانية مثلا؟..
نقول: في هذا الدعاء إجابة على هذا الاستغراب وهذا التساؤل يقول: (أعطني بمسألتي)؛ أي يا رب العالمين أنا لدي سؤال، ليس لدي شيء غيره.. فأنت لا تقول: أعطني بمنزلتي أو بإسلامي أو بإيماني وتقواي، ولكن تقول: (بمسألتي إياك) وأنت إنسان سائل.. وعندما يقرأ هذا الدعاء يعد من مصاديق السائلين.. وبالتالي، فإن رمز الإجابة متحقق في هذا المقام.

وأيضا هنالك دعاء الغريق، عن الإمام الصادق (ع): (ستصيبكم شبهة فتبقون بلا عَلَمٍ يُرى، ولا إمام هدى، ولا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق).. قال: تقول: (يا الله!.. يا رحمان!.. يا رحيم!.. يا مقلب القلوب!.. ثبت قلبي على دينك)!.. فحالة الغرق حالة لا توصف، ومن مناجاة الله -عز وجل- لعيسى (ع): (يا عيسى!.. ادعني دعاء الغريق الذي ليس له مغيث).. وادع بالحالة اليونسية بدون خصوصية، فلو كانت هناك خصوصية بآية {وَذَا النُّونِ}، لكان الله -عز وجل- ذكر هذه الخصوصية؛ ولكنه أجمل القول: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}.. فهنالك ثلاث ظلمات ألمت بيونس (ع): ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت؛ فالإنسان لا يرى شيئا في هذه الظلمات.. ولكن هل معنى ذلك أن الحالة اليونسية لا نحصل عليها إلا إذا وقعنا في بطن الحوت، وحالة الغريق لا نحصل عليها إلا إذا كنا على مشارف الغرق؟.. لا، ليس الأمر كذلك، ولكن يكفي أن يكون في حالة شبيهة من الحالة اليونسية، أو حالة الغريق، فعبارة: {لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} عبارة قوية فيها التجاء.. أما في عبارة (أعطني بمسألتي إياك) مقام استحباب، مقام دلال.. فكيف أعيش حالة الانقطاع؟..

الجواب هو: لنتذكر فقرنا في عالم البرزخ، وفي يوم القيامة هذا أولا.. ولنتذكر البضاعة التي بين أيدينا ثانيا.. مثلا: هناك إنسان لديه رحلة سفر في صحراء قاحلة، وعلى ظهره زاد ووعاء فيه ماء.. هو يظن أن معه كمية من الماء، وسفرة فيها خبز، فإذا قيل له: يا فلان!.. أنزل ما على ظهرك، فهذا الإناء فارغ ليس فيه ماء، وهذه السفرة خالية من أي خبز، ووراءك طريق طويل موحش بعيد؛ فتزود قبل سفرك.. هذا الإنسان سيصاب بالصعقة!.. أنه كيف كان ينوي السفر في هذا الطريق الموحش، وهذا الإناء الذي كان يظن أن فيه ماء هو فارغ من قطرة الماء؟!.. يقول أمير المؤمنين (ع): (آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ، وَطُولِ الطَّرِيقِ، وَبُعْدِ السَّفَرِ، وَعَظِيمِ الْمَوْرِدِ)!.. إذا كان أمير المؤمنين علي (ع) يقول: آه!.. آه!.. فكيف بنا نحن؟.. نحن لا نعلم متى يأتي ملك الموت، فالسفرة إجبارية، والإنسان الذي يفاجأ بقلة الزاد، له مجال أن يرجع ويتزود لسفره.. لكن ماذا لو فاجأنا ملك الموت، فمن علامات آخر الزمان ميتة الفجأة؟!..

فإذن، إن الذي يتذكر هذا السفر الموحش، ويتذكر ما بيده من بضاعة؛ هي حقيقة موحشة.. فالذي يعيش هذا الفقر، والذي يعيش هذه الوحشة، عندما يقول: (أعطني بمسألتي إياك جميع خير الدنيا وجميع خير الآخرة) يرجو أن يعطى له زاد.. فالإنسان الكريم الذي يرى أن هذا الشخص لا ماء له ولا زاد، يصب الماء في قربته، وبذلك يرفع عنه الوحشة والفقر، ويمشي في طريقه.. ورب العالمين خزائنه بين الكاف والنون، {يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}، {وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}، {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا}.. هكذا هي سياسة رب العالمين في عباده.

وبالتالي، فإن (أعطني بمسألتي إياك جميع خير الدنيا وجميع خير الآخرة، واصرف عني بمسألتي إياك جميع شر الدنيا وشر الآخرة؛ فإنه غير منقوص ما أعطيت، وزدني من فضلك يا كريم).. هذا العطاء عجيب، وهو جميع خير الدنيا، وجميع خير الآخرة.. إن هذا الدعاء هو أجمع صيغة للدعاء، وربما يكون هنالك ما هو أجمع، نحن لا ندري.. ولكن هذا الدعاء جوهرة في خزانة المملكة، وهو من أغلى الجواهر.. ولكن لعل هنالك جواهر أخرى لم نطلع عليها.

نعرف أن من مقامات النبي وآل النبي، أن هنالك الاسم الأعظم مودع في قلب النبي وآله، يقال أن سلمان الفارسي من غير المعصومين، لعل له حرف أو شي من الاسم الأعظم، وهذا لا يستبعد؛ لأنه في الآية: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}.. وقد يكون الاسم الأعظم هو {بسم الله الرحمن الرحيم}.. وهنا ليس قضية لفظ، ولكن اتصال بحقيقة الاسم نكاد نقطع أن لفظ الجلالة اسم أعظم.. ولكن من الذي يقسم على الله -عز وجل- بهذا الاسم بحقيقة لفظ الجلالة، وليس بكلمة الله كلفظ يتلفظ بها على اللسان؟.. ومع ذلك نلاحظ في بعض الأدعية نقول: (فنسألك به وباسمك الأعظم الأعظم الأعظم الأجل الأكرم، الذي خلقته فاستقر في ظلك، فلا يخرج منك إلى غيرك).. الاسم الأعظم شيء عظيم في قلب النبي وآله، ولكن رب العالمين لم يعط كل ما عنده لحبيبه المصطفى (ص).

فإذن، إن هنالك ما لم يخطر ببال الإنسان من الدرجات والمقامات غير ما ذكرناه.. إذا طلبت من رب العالمين طلبا، وسّع الطلب.. وهذا الطلب جميل (جميع خير الدنيا، وجميع خير الآخرة) وما المانع أن نقول: يا رب، أعطي هذه المزية لكل المؤمنين والمؤمنات.. فالمؤمن همته عالية.. تعالى رب العالمين أن يشبه عطاءه وأفعاله وصفاته بشيء، ولكن تصور هذا المعنى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.. في عبارة أخرى في أدعية أهل البيت هنالك عبارة جدا بليغة: (فهي بمشيئتك دون قولك مؤتمرة، وبإرادتك دون نهيك منزجرة)؛ أي هنالك إرادة، وهناك قول، وهناك تنفيذ.

الخلاصة: إن الدعاء ليس وسيلة لقضاء الحوائج.. وإن شاء الله نصل للمرحلة الكمالية قبل رحيلنا من هذه الدنيا، وهي أن لا نطلب رب العالمين لأنفسنا، بل نطلب أنفسنا لله عز وجل.. هنيئا لمن كان بهذه المرتبة من القرب لله عز وجل!..



1484691
جميع الحقوق محفوظة لموقع رسالة النجف الاشرف2010